الأسد وإردوغان... و«كأس التطبيع» من بوتين

(تحليل إخباري)

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان لدى لقائهما في سوتشي في 5 الشهر الجاري (أ.ف.ب)
الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان لدى لقائهما في سوتشي في 5 الشهر الجاري (أ.ف.ب)
TT

الأسد وإردوغان... و«كأس التطبيع» من بوتين

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان لدى لقائهما في سوتشي في 5 الشهر الجاري (أ.ف.ب)
الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان لدى لقائهما في سوتشي في 5 الشهر الجاري (أ.ف.ب)

ليس سراً، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدفع الرئيسين السوري بشار الأسد والتركي رجب طيب إردوغان إلى تجرع «كأس التطبيع». هذه الرغبة قديمة، قدم التدخل العسكري الروسي قبل سبع سنوات. الجديد فيها، أن الظروف باتت مواتية أكثر لانتقال الأسد وإردوغان من مباركة اللقاءات الأمنية في موسكو وطهران إلى التطبيع السياسي في أنقرة ودمشق.
«الوديعة» التي وضعها بوتين في جيب إردوغان لدى لقائهما في سوتشي قبل أيام: بدلاً من شن عملية عسكرية جديدة شمال سوريا، لماذا لا تقوم بالاتصال بالأسد وعقد جلسات تفاوضية لتلبية المطالب الأمنية التركية دون توغل عسكري؟ سبق وأن عقدت لقاءات بين مدير مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك ونظيره التركي فيدان حقان. جلسات علنية في موسكو بداية 2020 وعقدت أخرى سرية مرات عدة لبحث تطوير اتفاق أضنة لعام 1998 إلى نسخة جديدة.
واقع الحال، أن تطوير اتفاق أضنة والتعاون الأمني ضد «حزب العمال الكردستاني» و«وحدات حماية الشعب» الكردية، يتطلبان تطبيعاً سياسياً وفتح أقنية دبلوماسية. مفتاح بوتين، أن يتصل إردوغان مباشرة بالأسد بمباركة المرشد الإيراني علي خامنئي. لكن، كل رئيس من الرؤساء الثلاثة، يرى هذه الخطوة من زاوية مختلفة. هنا خسائر وهناك مخاطر. بوتين مستعد لهذه الخطوة لأنها تضعف «قوات سوريا الديمقراطية» الحليفة لأميركا وبريطانيا وفرنسا، الدول التي تحارب روسيا في أوكرانيا، وتعزز الدور الروسي في سوريا والإقليم بتحييد الدور التركي الداعم للمعارضة السورية وتعطي شرعية للنظام، وتطوي صفحة أساسية من سيرة العقد الأخير. كما أن خطوة كهذه تزيد فرص «صديقه اللدود» إردوغان و«شريكه العدائي» في ساحات كثيرة، للفوز بانتخابات منتصف العام المقبل.
هذه «الهدية» المترقبة من بوتين تتناقض كلياً مع رغبة الأسد الذي لا يريد فترة رئاسية جديدة لإردوغان المعروف بدعمه العسكري والسياسي للمعارضة السورية في العقد الأخير. كما أن التطبيع السياسي يشكل إحراجاً يجد الأسد صعوبة في أن يسوقه داخلياً ومع بعض حلفائه، طالما أن القوات التركية تحتل جيوباً كثيرة شمال سوريا بمساحة تزيد على ضعفي مساحة لبنان؛ خصوصاً أن إردوغان نفسه كثيراً ما كان بوصلة حملات إعلامية واتهامات وانتقادات في الخطاب الرسمي السوري.
طبعاً، لخامنئي، الشريك الثالث في مسار أستانة والسيطرة على الأرض السورية، حسابات معقدة. طهران تريد دعم الأسد وإضعاف حلفاء أميركا ولا تريد توغلات تركية، كما أنها تتفق مع دمشق وأنقرة في رفض الكيانات الكردية، بل إن الدول الثلاث نسقت ضد كردستان العراق في تسعينات القرن الماضي. لكن لإيران أيضاً، منافسات مع تركيا وروسيا في سوريا وغيرها.
إردوغان، من جهته، يريد تحييد ملف اللاجئين السوريين وسحبه من تداول المعارضة ويريد توجيه ضربة لأكراد سوريا قبل الانتخابات المقبلة. كما أنه لا يمانع بالتنسيق الأمني والسياسي مع دمشق لإبعادها عن الأكراد. لكنه يجد حرجاً في إجراء «انقلاب» في موقفه من الأسد ودمشق بعدما رفع سقف مواقفه ودعمه للمعارضة في السنوات الأخيرة.
أغلب الظن، أن بوتين يدفع العلاقة بين الأسد وإردوغان إلى مرحلة جديدة في العقد الأخير. المرحلة الأولى، كانت بعد الاحتجاجات بداية 2011 عندما جرت لقاءات للبحث عن تسوية سياسية للأزمة السورية. المرحلة الثانية، هي العداء الأقصى لدى حديث الرئيس التركي عن «تنحي» الرئيس السوري. المرحلة الثالثة، عندما انتقل إردوغان، بعد التدخل الروسي، من «تغيير النظام» إلى عقد صفقات مع بوتين لتقطيع أوصال الكيان الكردي شمال سوريا ومد قواته ضمن جيوب سورية عديدة. المرحلة الجديدة، الرابعة، هي التعامل السياسي تحت مظلة بوتين، وتعاطي إردوغان مع الأسد رئيساً، وقبول الأسد بإردوغان محاوراً.
قد يشكل هذا صدمة أو مفاجأة للبعض. لكن لا بأس من التذكير بتأرجحات خط دمشق - أنقرة عبر العقود. حصلت انقلابات كثيرة في المثلث السوري - التركي - الكردي. في منتصف 1998، حشدت تركيا جيشها على الحدود وطالبت بطرد زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان. هذا ما حصل. تم توقيع اتفاق أضنة الذي أسس للتعاون الأمني ضد «الكردستاني». وعندما توفي الرئيس حافظ الأسد، دشنت مشاركة الرئيس أحمد نجدت سيزر بالجنازة، الانتقال إلى البعد السياسي وتكثيف التعاون ضد «الكردستاني» بتسلم قادة أتراك منه إلى أنقرة.
وبعد غزو أميركا للعراق في 2003، انتقلت العلاقات تدريجياً إلى مزيد من التعاون وتبادل عشرات الزيارات واللقاءات بين الأسد وإردوغان وصولاً إلى «الشراكة الاستراتيجية» و«إزالة الحدود» والاعتراف الضمني بضم لواء إسكندرون (هاتاي)، بل إن إردوغان كان بين قادة قلائل حافظوا على علاقة مع الأسد بعد العزلة التي فرضتها أميركا على دمشق بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 2005، كما أن إردوغان توسط بين الأسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت.
أغلب الظن، أن حديث إردوغان عن طلب بوتين منه الاتصال بالأسد ثم تسريب وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أول من أمس، بشأن «دردشة سريعة» مع نظيره السوري فيصل المقداد السنة الماضية وتريث دمشق بالإدانات، ليست إلا بدايات تمهيدية لتجرع الأسد وإردوغان «كأس التطبيع» من بوتين.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

«التطبيع الشعبي»... حاجز مصري أمام إسرائيل لم ينكسر رغم «عقود السلام»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)
TT

«التطبيع الشعبي»... حاجز مصري أمام إسرائيل لم ينكسر رغم «عقود السلام»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)

رغم مرور نحو 47 عاماً على توقيع مصر وإسرائيل معاهدة سلام رسمياً، يظل هناك رفض واسع على المستوى الشعبي لإقامة أي علاقات مع إسرائيل، ما جعل البعض يصف الحالة القائمة بين الطرفين بأنها «سلام بارد».

وخلال احتفالية رسمية بمصر، مساء السبت، استبعد الرئيس عبد الفتاح السيسي إمكانية «التطبيع الشعبي» مع إسرائيل مع عدم قيام دولة فلسطينية، واستمرار الخروقات الإسرائيلية؛ مؤكداً أن الحل يكمن في الوصول إلى «سلام عادل وشامل».

جاء ذلك غداة غضب إسرائيلي برز عبر أبواق موالية لحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعدما رفع مدرب منتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، علم فلسطين عقب فوز فريقه على أستراليا في دور الـ32 لبطولة كأس العالم، وصعوده إلى دور الـ16، وإهدائه الفوز للشعبين المصري والفلسطيني، وسط ترحاب شعبي واسع بموقفه على منصات التواصل.

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن موقف مصر يحمل «رسالة مهمة»، مؤكداً أن التطبيع الشعبي «سيظل حاجزاً مصرياً أمام إسرائيل لن يُرفع ما دام الفلسطينيون بلا دولة».

معالجة جذور الصراع

كانت مصر وإسرائيل قد وقعتا معاهدة السلام بالعاصمة الأميركية واشنطن في مارس (آذار) عام 1979، لكن ظلت التعاملات مقتصرة على العلاقات الرسمية، دون أن تمتد إلى «تطبيع شعبي» في الشارع المصري؛ بل إن بعض النقابات في مصر تعدّ التطبيع جريمة تُعاقِب أعضاءها عليه.

الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحم بيغن يتعانقان بعد توقيع اتفاقية السلام في البيت الأبيض في مارس 1979 (أ.ف.ب)

وخلال احتفالية افتتاح «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الجديدة شرق القاهرة، مساء السبت، أكد السيسي أن «الدولة لن تسمح أبداً بالمساس بمقدرات شعبها، مع تمسكها بالسلام لمن يريد السلام».

وأضاف: «مصر بما لها من رؤية ثاقبة وخبرة تاريخية لا تضاهيها خبرة في شؤون المنطقة، وباعتبارها أول من أبرم اتفاق سلام مع إسرائيل، في وقت كانت فيه العداوة مستحكمة، تؤكد أن الحل الجذري لنزاعات الشرق الأوسط يكمن في التوصل إلى اتفاق سلام شامل وعادل، ينهي القضية الفلسطينية ويقيم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، وفق مقررات الشرعية الدولية».

وشدد على أنه «لا سلام دائم، ولا استقرار حقيقي، ولا تطبيع شعبي، إلا بسلام عادل، ينهي الاحتلال ويضع حداً للظلم والعدوان، ويعيد الحقوق إلى أصحابها، ويوفر الأمن للجميع، ويمنح شعوب المنطقة فرصة للعيش في استقرار ورخاء، ويطلق عهداً جديداً من التعاون والازدهار، ومستقبلاً أفضل تستحقه شعوبنا».

وقال حجازي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «مصر التزمت منذ توقيع معاهدة السلام بكل استحقاقاتها، وأسهمت على مدى عقود في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، إلا أن الرأي العام المصري ظل يعدّ القضية الفلسطينية قضية عدالة وأمن قومي وهوية، وليس مجرد ملف سياسي».

وأضاف: «ومن ثم، فإن استمرار الاحتلال، والتوسع الاستيطاني، والحروب المتكررة على غزة، كلها عوامل حالت دون انتقال السلام من المستوى الرسمي إلى المستوى الشعبي».

واستطرد قائلاً إن الرسالة التي وجهها الرئيس المصري جاءت لتؤكد الثابت الأهم في سياسة البلاد؛ وهو أن «السلام الحقيقي لا يقتصر على وقف إطلاق النار أو إبرام الاتفاقات؛ بل يقوم على معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة».

وأكد: «التطبيع الشعبي لا يُفرض بقرارات سياسية، وإنما ينشأ بصورة تلقائية عندما تشعر الشعوب بأن العدالة قد تحققت، وأن الحقوق قد استعيدت».

«خيار استراتيجي»

منذ اتفاق السلام، لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثلما هو عليه الحال حالياً بعد اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، خصوصاً بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، واحتلال معبر رفح من الجانب الفلسطيني.

وعلى مدار عامين، رفعت مصر من نبرتها تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، حتى إنها اعتادت وصف ما يجري في غزة بأنه «تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية».

وتقود مصر وساطة مع قطر والولايات المتحدة منذ بداية الحرب، وانضمت لها تركيا عام 2025 في اتفاق جديد لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ بنوده كاملة، وسط تلويحها بعودة الحرب، وترديد انتقادات إعلامية من وقت لآخر من تنامي القدرات العسكرية المصرية.

وفي ضوء ذلك، يرى حجازي أن إسرائيل تواجه خياراً استراتيجياً واضحاً يقف على مسارين: «أولهما أن تنخرط في مشروع سلام شامل يحقق الأمن المتبادل، ويؤسس لشرق أوسط أكثر استقراراً وأمناً يضمها إذا اعترفت بالدولة الفلسطينية، ويضم إيران إذا التزمت بحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون دول المنطقة، ليتعايش الجميع في جغرافيا آمنة تنشئ منظومة للأمن والتعاون الإقليمي كما حال أوروبا».

أما المسار الثاني، فهو «أن تستمر إسرائيل في سياسة إدارة الصراع والاعتماد على التفوق العسكري باعتباره بديلاً عن التسوية السياسية»، بحسب حجازي الذي قال إن التجارب التاريخية تؤكد أن القوة العسكرية قادرة على ردع التهديدات، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية سياسية أو بناء سلام دائم، محذراً من أن الهيمنة «قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تنشئ نظاماً إقليمياً مستقراً».

وتابع: «رؤية مصر تنطلق من أن السلام العادل ليس مطلباً فلسطينياً أو عربياً فحسب؛ بل هو أيضاً المصلحة الاستراتيجية الحقيقية لإسرائيل وللمنطقة بأسرها»، مشدداً على أن حل الدولتين «يبقى هو المدخل الوحيد القادر على تحويل السلام الرسمي إلى سلام شعبي، وبناء نظام إقليمي أكثر أمناً واستقراراً وتعاوناً».


نبيل فهمي: النهوض بالجامعة العربية مسؤولية جماعية مع الدول الأعضاء

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
TT

نبيل فهمي: النهوض بالجامعة العربية مسؤولية جماعية مع الدول الأعضاء

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)

عدّ الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، النهوض بجامعة الدول العربية وإعادة تموضعها الاستراتيجي بمثابة «مسؤولية جماعية تستند إلى الشراكة الكاملة بين الأمانة العامة والدول الأعضاء».

وشدّد فهمي خلال اجتماعه، الأحد، مع المندوبين الدائمين لجامعة الدول العربية على «أهمية اعتماد منهج عملي يقوم على تحديد الأولويات، ووضع خطوات قابلة للتنفيذ، والمتابعة المستمرة لنتائج العمل»، حسب بيان صحافي.

وتسلم فهمي أمانة جامعة الدول العربية في الأول من يوليو (تموز) الحالي خلفاً لأحمد أبو الغيط الذي انتهت فترة ولايته.

وخلال اجتماعه مع المندوبين، استعرض الأمين العام الجديد رؤيته للمرحلة المقبلة، وأولويات عمل الأمانة العامة في إطار تطوير أداء الجامعة، وتعزيز منظومة العمل العربي المشترك، كما أطلع المندوبين الدائمين على ما تضمنه الخطاب الذي وجّهه إلى وزراء الخارجية العرب بمناسبة توليه مهام منصبه رسمياً، حسب البيان.

وكان من بين مراسلات فهمي، في اليوم الأول لتوليه مهام منصبه، خطابات وجهها إلى وزراء الخارجية العرب، «تضمنت تقييماً للأوضاع العربية، ومقترحات لتمكين العالم العربي والجامعة العربية من التصدي للتحديات القائمة، وتطويرها وإصلاحها، فضلاً عن تعزيز جهود البناء الاقتصادي والاجتماعي»، حسب بيان للجامعة العربية وقتها.

وعرض فهمي خلال اجتماعه مع المندوبين الدائمين عدداً من المقترحات التي تهدف إلى رفع كفاءة الأداء المؤسسي للأمانة العامة، بما يدعم قدرتها على الاضطلاع بمهامها ومواكبة متطلبات المرحلة.

وأكد فهمي، حسب البيان، أن «نجاح هذه الجهود يتطلب استمرار دعم الدول الأعضاء، ووفاءها بالتزاماتها تجاه الجامعة».

وعبّر المندوبون الدائمون عن دعمهم لتوجهات الأمين العام الجديد، وتطلع دولهم إلى التعاون الوثيق مع الأمانة العامة «بما يسهم في تعزيز فاعلية جامعة الدول العربية وتطوير أدائها، والدفع بالعمل العربي المشترك بما يخدم مصالح الدول الأعضاء وتطلعات شعوبها»، وفق البيان.


العميد مجلي لـ«الشرق الأوسط»: القوات المسلحة جاهزة لأي تصعيد حوثي... وحماية سيادة اليمن

وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)
وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)
TT

العميد مجلي لـ«الشرق الأوسط»: القوات المسلحة جاهزة لأي تصعيد حوثي... وحماية سيادة اليمن

وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)
وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)

أكدت القوات المسلحة اليمنية جاهزيتها للتعامل مع أي تطوُّرات ميدانية أو تصعيد عسكري من جانب جماعة الحوثي، في وقت ندَّدت فيه بما وصفتها بـ«التدخلات الإيرانية المباشرة» في اليمن، عادّة أنَّها تُمثِّل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي، وتقوِّض فرص التَّوصُّل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب.

وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد الركن عبده مجلي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن تسيير النظام الإيراني رحلةً جويةً مباشرةً تابعة لشركة «ماهان» إلى مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين يُمثِّل «انتهاكاً صارخاً لسيادة الجمهورية اليمنية، واستخفافاً بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وتصعيداً خطيراً يهدِّد أمن اليمن والمنطقة».

وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)

وبحسب مجلي، فإنَّ الطائرة الإيرانية حملت خبراء وعناصر من «الحرس الثوري» الإيراني، قال إنَّهم وصلوا لإدارة العمليات العسكرية إلى جانب الحوثيين، وعدَّ ذلك تأكيداً لاستمرار طهران في استخدام الجماعة «أداة لتنفيذ مشروعها التوسعي في المنطقة وتقويض سيادة الدولة اليمنية».

وكان مجلس القيادة الرئاسي اليمني عدَّ أنَّ الرحلة الإيرانية لا يمكن فصلها عن العلاقة الوثيقة بين الحوثيين وطهران، وأنَّها تؤكد استمرار استخدام الجماعة مؤسسات الدولة الواقعة تحت سيطرتها لخدمة الأجندة الإيرانية، وأنَّها تُمثِّل تحدياً لقرارات مجلس الأمن والقانون الدولي، وتضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد بشأن مدى التزامه بحماية سيادة اليمن.

اجتماع استثنائي لـ«مجلس القيادة الرئاسي اليمني» لبحث تداعيات الرحلة الإيرانية إلى صنعاء (سبأ)

من جانبه، أكد بيان «تحالف دعم الشرعية» في اليمن بقيادة السعودية، أنَّ التطورات الأخيرة لا تُمثِّل خلافاً يمنياً داخلياً فحسب، وإنما ترتبط أيضاً بأمن المنطقة.

وأعلن المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، أنَّ التحالف سيرد «بكل حزم، وبقوة غير مسبوقة» على أي محاولة تستهدف المملكة، أو تمس سيادة الجمهورية اليمنية، في رسالة حملت نبرة أشد مقارنة بالبيانات السابقة.

ورأى الناطق العسكري باسم الجيش اليمني أنَّ الدعم الإيراني المستمر للحوثيين يكشف - بحسب تعبيره - عن استمرار توظيف الجماعة لخدمة أجندات إقليمية، في تحدٍّ لإرادة اليمنيين، والجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب وإحلال السلام.

وقال إن الحوثيين يواصلون، بدعم مباشر من إيران، تقويض جميع المبادرات السياسية ورفض مساعي السلام، وفي مقدمتها الجهود التي تقودها المملكة العربية السعودية، بالتعاون مع الأشقاء والشركاء الدوليِّين، للتَّوصُّل إلى تسوية سياسية تنهي الصراع، مُحملِّاً الجماعة مسؤولية استمرار التدهور الإنساني والاقتصادي والخدمي في البلاد.

وشدَّد على أنَّ القوات المسلحة ستواصل، انطلاقاً من مسؤولياتها الدستورية والقانونية، حماية سيادة الجمهورية اليمنية، والدفاع عن أجوائها ومنافذها البرية والبحرية، والتصدي لأي تهديد يستهدف مؤسسات الدولة الشرعية، وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني.

العميد ركن عبده مجلي المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية (الشرق الأوسط)

ولفت العميد مجلي إلى أنَّ هيئة العمليات المشتركة تواصل تعزيز التنسيق بين مختلف المناطق والمحاور والتشكيلات العسكرية، في إطار جهود وزارة الدفاع لتوحيد القرار العسكري وإنهاء حالة الانقسام، بما يسهم في بناء قوات أكثر جاهزية وكفاءة لإدارة العمليات العسكرية المشتركة.

تحشيدات في الساحل الغربي

وفي الشأن الميداني، كشف مجلي عن تحشيدات حوثية في عدد من الجبهات، خصوصاً في الحديدة والساحل الغربي، مشيراً إلى أن الحوثيين قصفوا، أمس (السبت)، أحد مواقع القوات الحكومية في جبهة حيس؛ ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من أفراد ألوية الزرانيق.

وأضاف أنَّ الجماعة كثَّفت خلال الفترة الأخيرة تعزيزاتها البشرية والعسكرية، وأنشأت تحصينات وخنادق جديدة قرب خطوط التماس في مناطق الساحل الغربي المطلة على البحر الأحمر، استعداداً - بحسب قوله - لأي عمليات عسكرية محتملة.

واتَّهم الحوثيين بالسعي إلى تهديد أمن البحر الأحمر والممرات البحرية، واستمرار استهداف الملاحة الدولية والتجارة العالمية، محذِّراً من أنَّ هذه الممارسات تلحق أضراراً بمقدرات الدولة اليمنية ومصالح الشعب اليمني.

وأكد أن القوات المسلحة أصبحت تمتلك عوامل قوة متعددة، تشمل ارتفاع الجاهزية القتالية، والمعنويات، والدعم الشعبي، إلى جانب تعزيز التنسيق بين مختلف الوحدات العسكرية، وتطوير منظومة القيادة والعمليات المشتركة.

مظاهرة في صنعاء نظَّمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وأضاف أن القوات تتمتع اليوم بـ«جاهزية قتالية عالية، ومعنويات راسخة، وإرادة ثابتة»، وهي ماضية - بحسب تعبيره - في استكمال تحرير الأراضي واستعادة مؤسسات الدولة وترسيخ الشرعية.

كما عدَّ مجلي التصريحات العدائية الصادرة عن الحوثيين تجاه السعودية محاولةً لصرف الأنظار عن الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة بحق اليمنيين، وللتغطية على مسؤوليتها في تعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية، مؤكداً أنَّ استمرار تهديد الملاحة الدولية يعكس ارتباطها بالنظام الإيراني ويجعلها مصدر تهديد مستمر للأمن الإقليمي والدولي.

في السياق ذاته، أعلن وكيل محافظة الحديدة وليد القديمي، عبر حسابه في منصة «إكس»، مقتل 15 من مقاتلي قوات تهامة في معارك جبل دباس، مشيراً إلى أنَّ المواجهات أسفرت أيضاً عن سقوط أكثر من 50 قتيلاً وعشرات الجرحى في صفوف الحوثيين.

وقال القديمي إنَّ جبهة الساحل الغربي تشهد هجمات حوثية متكرِّرة على مواقع ألوية الزرانيق، عادّاً أنَّ الجماعة تستهدف تلك المواقع لأنَّها «تُمثِّل السد المنيع الذي يعوق مخططاتها للتَّقدُّم جنوب الحديدة».

وأضاف أنَّ تهامة «تدفع كل يوم ثمناً باهظاً من دماء رجالها دفاعاً عن الأرض»، مؤكداً أنَّ صمود المقاتلين في الساحل الغربي يمثل، بحسب وصفه، «الصخرة التي تتحطَّم عليها أوهام الحوثيين».