أشجار باريس تزيدها أناقة

مشروع يهدف إلى زراعة 170 ألف شجرة بحلول عام 2026

أشجار «كستناء الحصان» في ساحة «بلاس دو فوج» بباريس (نيويورك تايمز)
أشجار «كستناء الحصان» في ساحة «بلاس دو فوج» بباريس (نيويورك تايمز)
TT

أشجار باريس تزيدها أناقة

أشجار «كستناء الحصان» في ساحة «بلاس دو فوج» بباريس (نيويورك تايمز)
أشجار «كستناء الحصان» في ساحة «بلاس دو فوج» بباريس (نيويورك تايمز)

بصفتي مقيمة في باريس، نادراً ما اهتممت بمنظر الأشجار في المدينة حتى قبل بضع سنوات، عندما وقعت بالصدفة على مشهد مثير للإعجاب لشاب نائم فوق فرع منخفض من شجرة باغودا اليابانية، وكانت أوراقها تلامس البركة في حديقة «بوتيس شومون» في الضاحية التاسعة عشرة.
منذ هذه اللحظة، أدركت أن أشجار المدينة -من أشجار الصفصاف الدرامية وسعفها الزاحف على طول نهر السين، إلى الصفوف المصطفة من الأشجار المعروفة باسم «لندن بلين» أو اللندني، على جانبي شارع الشانزليزيه- تلعب دوراً داعماً لا يُقدَّر بثمن في ضمان أناقة باريس التي لا تضاهيها مدينة أخرى في بهائها.
من السهل أن تُغفل عين المرء الأشجار، خصوصاً في باريس التي تضم بين جنباتها العشرات من المعالم المثيرة التي تستحوذ على أنظار أبناء المدينة وزائريها على حد سواء.
ومع ذلك، اللافت أن الوعي العام والسياسي بأشجار المدينة تَجدد في الفترة الأخيرة، ليس فقط بوصفها معالم طبيعية قائمة بذاتها لا تقل في أهميتها عن متحف اللوفر أو برج إيفل، وإنما كذلك بوصفها أصولاً أساسية في إطار جهود مكافحة التغيرات المناخية. ويسعى المشرعون في المدينة والخبراء المعنيون بالأشجار وغيرهم في باريس نحو الاستثمار في المناظر الطبيعية للأشجار من خلال تخطيط غابات حضرية جديدة، وزيادة عدد الأشجار التاريخية الخاضعة للحماية وتصميم جولات للسير -وذلك لأن الأشجار يمكن أن توفر من جانبها منظوراً جيداً ذا عقلية خضراء لمدينة النور.
في هذا الصدد، قال كريستوف ناجدوفسكي، نائب عمدة باريس المسؤول عن المساحات الخضراء في العاصمة الفرنسية: «تشكل الأشجار جزءاً مهماً من هوية باريس. إن مزيج الأشجار والمتنزهات الباريسية يبنيان المدينة بشكل هائل، وهو تراث يمتد إلى 150 عاماً. ونحن اليوم نسير على خطى هذا التراث».
من ناحية أخرى، فإن شجرة الباغودا اليابانية (والتي جرت إحاطتها بسياج منذ ذلك الحين) واحدة من 15 شجرة في باريس جرى تصنيفها بوصفها «شجرة فرنسا الرائعة» من «أربريس»، جمعية تطوعية تضم في عضويتها عدداً من العلماء البارزين على مستوى البلاد وعلماء في مجال النباتات والمعنيين بمجال البستنة. وتهدف الجمعية إلى تعزيز وحماية أجمل وأهم أشجار فرنسا وأشجارها النادرة.
وتضم القائمة شجرة تبلغ 420 عاماً، ورغم أنها غير لافتة للأنظار على نحو خاص، فإنها تتميز بأهمية ثقافية وبيولوجية استثنائية.
كانت هذه الشجرة قد جُلبت إلى فرنسا من أميركا الشمالية، وزُرعت عام 1601 في ساحة «رينيه فيفياني» الصغيرة، قبالة «كاتدرائية نوتردام»، وهي تُعرف باسم شجرة الجراد أو السنط الكاذب، وهي أقدم أشجار باريس. وحتى اليوم، لا تزال الأشجار تزدان بأوراقها الخضراء اليانعة. ومع ذلك، فإن الشجرة تحمل ندوباً جراء القصف الذي تعرضت له المدينة في أثناء الحرب العالمية الثانية. وجرى بالفعل دعم جذعها المتشقق بعوارض فولاذية.
في هذا الصدد، أوضحت بياتريس ريزو، التي تعمل بمجال هندسة الغابة في المدينة، خلال زيارة إرشادية، أنها «النبتة الأم. يمكنك القول إن كل أشجار الجراد الأسود في فرنسا جاءت من هذه الشجرة الواحدة».
وبالإضافة إلى قائمة «أربريس»، التي يمكن العثور عليها عبر الإنترنت، تحتفظ مدينة باريس بكتالوج منفصل وأكثر اتساعاً من الأشجار الرائعة -وجرى رسم جميع الأشجار الـ176 على خريطة تفاعلية عامة. وتشترك كلتا القائمتين في معايير متشابهة تشمل العمر والحجم والأهمية النباتية والثقافية.
أما «شجرة الجراد» القائمة في ساحة «رينيه فيفياني» التصنيف الرائع في قائمة كل من مدينة باريس و«أربريس». وتشكل الشجرة المحطة الأخيرة من بين ست محطات في جولة مشي على الأقدام موجهة ذاتياً للأشجار صمّمها مسؤولو المدينة.
في هذا الإطار، قال جورج فيترمان، رئيس «أربريس»: «إن شجرة تالفة كهذه لم تكن لتتمكن من البقاء على قيد الحياة في الطبيعة. في الواقع الأمر أشبه بجهود حماية الآثار. على سبيل المثال، لماذا نحافظ على الكنائس القديمة؟ لأنها تشهد على تاريخ الإنسان».
من بين المعالم الشجرية الأخرى في هذه الجولة المصممة للمشي عبر أرجاء المدينة، مجموعة من أشجار الزيزفون متراصة على نحو منظم، وتحد هذه الأشجار ساحة «بلاس دي فوساج» من ناحية وأشجار الحور المقاومة للسيول في بلاس لوي أراغون في إيل سانت لوي.
العام الماضي، وافق المشرعون في باريس على مشروع يهدف إلى زراعة 170 ألف شجرة جديدة في جميع أنحاء المدينة بحلول عام 2026، إضافةً إلى إنشاء جيوب من الغابات الحضرية في مناطق استراتيجية للتخفيف من آثار الحرارة الشديدة في المناطق الحضرية وامتصاص تلوث الهواء. إلى جانب ذلك، أصدرت المدينة «ميثاق الأشجار» المؤلَّف من 10 نقاط ويتضمن تعهداً بحماية أشجار باريس الاستثنائية.
وقال نجدوفسكي: «الهدف هنا إجراء مراجعة كاملة للمنهج الحضري، وحماية الأشجار القائمة بالفعل وزراعة أكبر عدد ممكن قدر المستطاع في غضون ست سنوات».
ويمكن النظر إلى مخطط زراعة الأشجار المعاصر في المدينة بوصفه محاولة لإحياء تراث قديم يقوم على جهود المخططين الحضريين الذين يستفيدون من جمال الأشجار وقدرتها على تلطيف الأجواء وبثّ حالة من الهدوء والاسترخاء في النفوس. ويمكن إرجاع بعض أولى النزهات في طرق تصطف على جانبيها الأشجار في باريس إلى القرن السابع عشر، عندما طلبت الملكة ماري دي ميديتشي ممرات مشي ليست بعيدة عن قصرها في حديقة التويلري، حيث كان بإمكانها هي وأصدقاؤها التنزه على مهل بعيداً عن حركة المرور اليومية. وكانت النتيجة «كور لا رين»، وهي أربعة صفوف طويلة من الأشجار تمتد اليوم من «بلاس دي لا كونكورد» إلى «بلاس دي كندا».
وتحت إشراف الموظف العام جورج يوجين هوسمان وكبير المهندسين المعاونين له أدولف ألفاند، لعبت الأشجار كذلك دوراً رئيسياً في إعادة ابتكار المدينة الهائلة في القرن التاسع عشر. على مدار 17 عاماً، زاد العدد الإجمالي للأشجار بمقدار الضعف تقريباً، من نحو 50500 إلى 95600 اليوم، فإن تجانس الشوارع التي تصطف على جانبيها الأشجار والممرات المظللة المورقة في الحدائق تمنح باريس مناظر طبيعية فريدة من نوعها.
من ناحيتها، قالت أفيلا تورني، كبيرة المهندسين المعماريين بالمدينة: «إن محاذاة الأشجار على طول الطرق والشوارع الرئيسية تتألف في الغالب من أشجار أحادية النوع، غالباً من الأشجار المعروفة باسم أشجار الكستناء، الأمر الذي يخلق منظراً طبيعياً مكرراً. أما التأثير العام، فيتمثل في خلق منظور هائل، يشبه إلى حد ما فرساي. وفي قلب باريس، تخلق الأشجار مناظر طبيعية كلاسيكية للغاية».
وقالت ريزو، مهندسة الغابات، إنه في السنوات الأخيرة زادت حالة الطوارئ المناخية الباريسيين من ارتباط أبناء باريس بأشجار مدينتهم. وعند النقر على جذوعها بمطارق خشبية للاستماع إلى المرض، يعترض المارة الذين يساورهم القلق ويجد المسؤولون النباتيون بالمدينة أنفسهم مضطرين إلى طمأنتهم بأنهم يُجرون ببساطة «زيارة طبية».
وقالت: «لم تكن الشجرة من قبل قط في المقدمة ومحور الاهتمام بوصفها منقذ الكوكب ومصدر رفاهيتنا في المدينة كما هي اليوم. لقد كنت أقوم بهذا العمل لمدة 30 عاماً، ولم يسبق أن تحدثت كثيراً عن الأشجار».
جدير بالذكر هنا أن الأنباء التي تفيد باقتلاع شجرة عمرها 200 عام بالقرب من برج إيفل كجزء من خطط المدينة لتجديد المنطقة استعداداً للألعاب الأولمبية عام 2024، أثارت احتجاجات وغضباً عبر الإنترنت لأسابيع هذا الربيع. ولدى سؤاله عن مصير الشجرة، تعهد نجدوفسكي بأن المدينة ستعيد النظر في الخطط، وأنه لن يجري قطع في أثناء أعمال البناء.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


المجتمع الدولي لا يحبذ إنجاز انتخابات لبنان وسلاح «حزب الله» يتصدر اهتمامه

صور لمرشحين للانتخابات البلدية في جنوب لبنان العام الماضي (رويترز)
صور لمرشحين للانتخابات البلدية في جنوب لبنان العام الماضي (رويترز)
TT

المجتمع الدولي لا يحبذ إنجاز انتخابات لبنان وسلاح «حزب الله» يتصدر اهتمامه

صور لمرشحين للانتخابات البلدية في جنوب لبنان العام الماضي (رويترز)
صور لمرشحين للانتخابات البلدية في جنوب لبنان العام الماضي (رويترز)

إصرار الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها في مايو (أيار) المقبل، لا يعني بالضرورة أنها ستجري كما يرغبون، في ضوء ما يتناقله عدد من الزوار على لسان مرجع سياسي، بقوله إن «الانتخابات، من وجهة نظري حاصلة، ونحن نستعد لخوضها، ولا مبرر لتأجيلها، لكن عليكم بالخارج الذي يبدو بأنه لا يحبذ إنجازها، ويفضّل ترحيلها إلى ما بعد استكمال تطبيق خطة حصرية السلاح بيد الدولة».

اجتماع ثلاثي يجمع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام خلال أحد لقاءاتهم في قصر بعبدا (رئاسة الجمهورية - أرشيفية)

ومع أن القوى السياسية تتصرف على أساس أن الانتخابات حاصلة في موعدها، فإن حظوظ إنجازها، كما يُنقل على لسان المرجع نفسه، أخذت تتراجع وتتقدم عليها حصرية السلاح التي يُفترض بأن تشغل حيزاً من أولويات المجتمع الدولي، وهذا يفسر انكفاء الموفدين إلى بيروت عن الدعوة لإنجازها في موعدها.

ورغم أن الكتل النيابية تعد العدة للتقدم من وزارة الداخلية والبلديات بلوائح بأسماء مرشحيها، حتى لا تقتصر طلبات الترشح على «الثنائي الشيعي» كما هو حاصل الآن، فإن «الثنائي» فوجئ برد طلب ترشُّح الرئيس السابق للجامعة الثقافية في العالم عباس فواز عن المقعد الشيعي في الدائرة 16، بذريعة أنها ليست قائمة لتعذُّر إصدار المراسيم التطبيقية لتوزيع المقاعد الـ6 عليها التي هي من صلاحية المجلس النيابي الذي يتوجّب عليه إصدارها.

فرد الداخلية طلب ترشُّح فواز، الذي يعد من المقربين من بري، يعني تعليق العمل بالدائرة الـ16، مع أنه كان سدد رسم الترشُّح وقدره 200 مليون ليرة، وهذا ما يتعارض وإجراء الانتخابات على أساس اعتماد القانون النافذ، كما يدعو رئيس البرلمان نبيه بري، ما لم تنعقد جلسة تشريعية للنظر في التعديلات المقترحة على القانون لكن انعقادها، يحتاج توافق الكتل النيابية على تسوية لإخراج الموضوع من التأزم في ضوء تصاعد وتيرة الاشتباك السياسي بين فريق يؤيد اعتماد القانون النافذ بدعم من «الثنائي» و«التيار الوطني الحر»، وآخر تتزعمه أحزاب «القوات اللبنانية» و«التقدمي الاشتراكي» و«الكتائب» وعدد من النواب المستقلين والتغييريين يطالب بصرف النظر عن استحداث الدائرة الـ16 لتمثيل الاغتراب بـ6 مقاعد توزّع مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، في مقابل إعطاء الحق للمغتربين بالاقتراع من مقر إقامتهم، وبحسب قيودهم في لوائح الشطب. وبات بحكم المؤكد بأن فوّاز وبدعم من «الثنائي» سيتقدم بطعن أمام مجلس شورى الدولة رداً على رفض ترشحه، ويمكن أن ينضم إليه لاحقاً «التيار الوطني الحر» الذي كان رئيسه جبران باسيل هدد بالطعن في حال امتنعت الداخلية قبول طلبات الترشّح عن هذه الدائرة.

لكن استعداد الكتل النيابية للتقدم بلوائح بأسماء مرشحيها لخوض الانتخابات لا يعني، كما يقول المصدر السياسي لـ«الشرق الأوسط»، الإقبال بكثافة للترشح، وتحديداً من «الثنائي» و«التيار الوطني»، ولا يمكن تحييد الظروف الداخلية عما يدور في الإقليم، بدءاً بترقّب مصير المفاوضات الأميركية - الإيرانية مع ارتفاع منسوب التهديد لإيران بلسان الرئيس دونالد ترمب بتوجيه ضربة استباقية لإلزامها التسليم بشروط واشنطن لإنجاحها.

لذلك، فإن الغطاء السياسي الخارجي لإجراء الانتخابات بدأ يتضاءل، وهذا ما انعكس على عدم حماسة سفراء اللجنة «الخماسية» لإنجازها في موعدها، والذين استعاضوا عن الإصرار سابقاً على إتمامها بمواقف لافتة غلب عليها تساؤل بعضهم، وأولهم السفير الأميركي ميشال عيسى، حول إمكانية إتمامها في موعدها، وإن كانوا يتجنبون أمام زوارهم الدعوة لتأجيلها، ويتركون القرار النهائي لذوي الشأن، أي الكتل النيابية التي تدخل في مبارزة لإبعاد الشبهة عنها بأنها تحبّذ ترحيل الاستحقاق النيابي، وإن كانت ستضطر للبحث عن مخرج في حال تعذر إجراء الانتخابات يقضي بالتمديد للبرلمان، وهذا ما يحرجها أمام محازبيها، ويدفعها للبحث عن ابتداع صيغة تخفف الأسباب الموجبة التي دعتها لاتخاذ خطوة غير شعبية.

رئيس الجمهورية جوزيف عون متوسطاً سفراء «اللجنة الخماسية» خلال استقبالهم في قصر بعبدا (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

لذلك، فإن سفراء الدول المعنية بالملف اللبناني، بحسب المصدر يبعدون أنفسهم عن الدخول طرفاً بتحديد موقف واضح من إجراء الانتخابات، أكان سلباً أم إيجاباً، ويتركون للقوى المحلية استقراء موقف المجتمع الدولي، وتقديرهم لدوافعه في ضوء التوقعات بأن الأسابيع المقبلة ستشهد تكثيف الدعوات الخارجية لتطبيق حصرية السلاح وتقديمها على الاستحقاق النيابي، مع دخول الخطة التي وضعتها قيادة الجيش في مرحلتها الثانية بحصريته في المنطقة الممتدة من شمال نهر الليطاني حتى الأولي.

وفي هذا السياق، قال مصدر دبلوماسي غربي مواكب لما يدور في الإقليم، بدءاً بشد الحبال، وتبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران بأنه ليس في وسع الرؤساء الثلاثة إلا أن يدعوا يومياً لإجراء الانتخابات، وأن الخلاف على القانون الذي ستجري على أساسه قد يكون السبب المعلن للتمديد للبرلمان لحجب الأنظار عن عدم حماسة المجتمع الدولي لإتمامها ما لم يسبقها إلزام «حزب الله» بحصرية السلاح. وأكد لـ«الشرق الأوسط» أنه ليس في وارد السماح للحزب بتجديد شرعيته الشعبية على أساس احتفاظه بسلاحه.

ولفت إلى أن التمديد للبرلمان، على الأقل من وجهة نظره، سيبقى الخيار الأكثر ترجيحاً؛ لأن نزع سلاح الحزب يتقدم على إجراء الانتخابات التي تبقى معلّقة على إنضاج التسوية في الإقليم بما يسمح بانتخاب النواب على قياسها مع أنها ما زالت موضع تجاذب، وقال إن ترحيل الاستحقاق النيابي لا يعود إلى التريُّث بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات بين واشنطن وطهران فحسب، وإنما لإصرار المجتمع الدولي على تقديم حصرية السلاح على الانتخابات بصرف النظر عن الخلاف حول القانون، وإن كان البعض يعزوها إلى ترقُّب الضربة الاستباقية التي يلوّح بها ترمب، وكيف سيرد عليها «حزب الله» في ضوء تهديد أمينه العام نعيم قاسم بالتدخل؟

مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون في منطقة الروشة على الكورنيش البحري لبيروت سبتمبر الماضي إحياءً لذكرى اغتيال نصر الله وصفيّ الدين (أرشيفية - أ.ب)

وعليه، فإن تحبيذ المجتمع الدولي عدم إجراء الانتخابات سيؤدي، انطلاقاً من حساباته، إلى تقليص نفوذ «حزب الله» في بيئته، في حال تقرر إجراؤها بعد إلزامه بتسليم سلاحه، انطلاقاً من أنها ستتلازم مع إنضاج التسوية في الإقليم التي ستنسحب على لبنان بخلاف تلك التي أنتجها مؤتمر الحوار الوطني الذي استضافته دولة قطر في ربيع 2008، وكان وراء إلزام الحكومة العتيدة في حينها والتي تشكلت في أعقابه بثلاثية الجيش والشعب والمقاومة.

وبكلام آخر، لن يكون هناك مكان لهذه الثلاثية التي لم تعد قائمة، بحسب البيان الوزاري لحكومة الرئيس سلام التي يتمثل فيها الحزب بوزيرين، بينما يصر قاسم على استحضارها لرفع معنويات جمهوره، ومن ثم، فإن الانتخابات ستجري على قاعدة أنه لم يعد من سطوة لسلاح الحزب على الشارع الشيعي؛ لأن ترحيل الانتخابات لا يعود فقط للخلاف حول القانون، وإنما يتجاوزه إلى عدم حماسة الخارج بإجرائها في مايو المقبل.


الاتحاد السنغالي يندد بحُكم «غير متناسب» على مشجعين سنغاليين بالمغرب

أحكام بالسجن على مشجعين سنغاليين عقب شغب نهائي أمم أفريقيا (رويترز)
أحكام بالسجن على مشجعين سنغاليين عقب شغب نهائي أمم أفريقيا (رويترز)
TT

الاتحاد السنغالي يندد بحُكم «غير متناسب» على مشجعين سنغاليين بالمغرب

أحكام بالسجن على مشجعين سنغاليين عقب شغب نهائي أمم أفريقيا (رويترز)
أحكام بالسجن على مشجعين سنغاليين عقب شغب نهائي أمم أفريقيا (رويترز)

ندَّد الاتحاد السنغالي لكرة القدم، الجمعة، بحُكم عدّه «شديد القسوة بشكل لا يمكن فهمه» و«غير متناسب»، بعد أحكام أصدرها القضاء المغربي بحق 18 مشجعاً سنغالياً موقوفين في المغرب منذ نهائي كأس الأمم الأفريقية، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، بالسجن بين ثلاثة أشهر وعام واحد.

وكان المتهمون يُحاكمون أمام محكمة الرباط بتهم «الشغب»، وهي تهم تشمل أعمال عنف، خصوصاً ضد قوات الأمن، وتخريب تجهيزات رياضية، واقتحام أرضية الملعب، ورشق مقذوفات، على خلفية أعمال شغب شهدها نهائي كأس الأمم الأفريقية.

وحُكم على تسعة منهم بالسجن لعام واحد وغرامة قدرها 5000 درهم (نحو 460 يورو)، وستة آخرين بستة أشهر وبدفع غرامة 2000 درهم (180 يورو). أما الثلاثة الباقون فحُكم عليهم بالسجن ثلاثة أشهر وغرامة 1000 درهم (90 يورو).

وقال رئيس لجنة الإعلام في الاتحاد السنغالي، بكاري سيسيه، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نعرب عن عميق استيائنا وحيرتنا بعد الحُكم الصادر بحق المشجعين السنغاليين الثمانية عشر. هذا القرار الذي يتسم بقسوة غير مفهومة يثير غضباً شديداً».

وأضاف: «ما نعدّه شكلاً من أشكال الظلم الصارخ ضد مواطنينا يثير القلق. تقع مشاجرات في العديد من الملاعب حول العالم، بما في ذلك كل عطلة نهاية أسبوع في المغرب، من دون أن تؤدي إلى مثل هذه العقوبات. لذلك يبدو أن التعامل مع هؤلاء المشجعين كان غير متناسب».

وقال محامي المتهمين السنغاليين الفرنسي - السنغالي، باتريك كابو، المسجَّل بنقابة المحامين في جيرس بفرنسا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، تعليقاً: «إنه أمر غير مفهوم»، مندّداً بأن موكليه يُستخدمون كـ«كبش فداء».

وحُكم على فرنسي حوكم إلى جانب السنغاليين لرميه زجاجة ماء بالسجن ثلاثة أشهر وغرامة 1000 درهم.

وتُوّج منتخب السنغال باللقب عقب فوزه على المغرب (1 - 0)، بعد التمديد في نهائي فوضوي شهد أحداث شغب عقب احتساب ركلة جزاء للمغرب، في الوقت بدلاً من الضائع من الشوط الثاني، بعد إلغاء هدف للسنغال.

وحاول مشجعو «أسود التيرانغا» اقتحام أرض الملعب لمدة تقارب 15 دقيقة، حتى خلال استعداد إبراهيم دياز لتسديد ركلة الجزاء التي أهدرها في النهاية. وفي الوقت الإضافي سجَّل باب غاي هدف الفوز للسنغال.

كما ألقى عدد من مشجعي السنغال مقذوفات على أرض الملعب، من بينها كرسي واحد على الأقل.


«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
TT

«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)

على خلفية محاولة عناصر موالية لما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» اقتحام القصر الرئاسي في عدن، شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنه لن يسمح بحدوث فوضى في المدينة أو في سائر المحافظات الجنوبية، متهماً قوى إقليمية بالضلوع في تحركات مشبوهة لزعزعة الاستقرار وتقويض وحدة الصف.

وقال مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة، إن قيادة الدولة تابعت بأسف بالغ ما أقدمت عليه عناصر خارجة عن النظام والقانون من أعمال تحريض، وحشد مسلح ومحاولات متكررة للاعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، وما نجم عنها من سقوط ضحايا غداة انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة التي شرعت في تحديد أولوياتها للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، وتحسين الخدمات، وتعزيز سُبل العيش الكريم للمواطنين.

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هذا التصعيد غير المسؤول بأقصى درجات ضبط النفس، وعملت على تفريق التجمعات التي حاولت قطع الطرقات وإثارة الشغب، واستهداف قوات الأمن بينما كانت تقوم بواجباتها الوطنية في حماية المنشآت السيادية وحفظ الأمن العام، وفقاً للقانون.

قوات الأمن تواجه أنصار «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل خلال اشتباكات أمام القصر الرئاسي في عدن (أ.ب)

وأعرب المصدر عن بالغ الأسف لسقوط ضحايا جرّاء هذا التصعيد المنظم، مؤكداً أن الجهات التي قامت بالتمويل، والتسليح، والتحريض، ودفع عسكريين بزي مدني إلى المواجهة مع قوات الأمن، تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إراقة مزيد من دماء اليمنيين، والمقامرة بأمن العاصمة المؤقتة، ومصالح أبنائها.

وأكد المصدر الرئاسي أن قيادة الدولة، مع احترامها الكامل لحق التعبير السلمي المكفول دستورياً، تُشدد على أن أي اعتداء على مؤسساتها الوطنية أو تعطيل لعملها، أو استخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، يُعد مساساً بالشرعية الدستورية ومصالح المواطنين، وسيُواجه بحزم، ولن يُسمح بتكراره تحت أي ظرف.

رسالة حاسمة

وأشار المصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن انعقاد الحكومة الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، يمثل رسالة حاسمة على مضي الدولة في استعادة انتظام جميع مؤسساتها من الداخل، وتكريس نموذج الاستقرار، والبناء على جهود السعودية في تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات العامة، والشروع في حزمة مشروعات إنمائية سريعة الأثر، بما يؤسس لمرحلة واعدة في حياة المواطنين.

وأكد المصدر أن التوقيت المتزامن لهذا التصعيد مع التحسن الملموس في الخدمات، والتحضيرات الجارية للمؤتمر الجنوبي برعاية السعودية، يُثير تساؤلات جدية حول الدور المشبوه لبعض القوى الإقليمية التي تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل أي مساعٍ لتوحيد الصف الوطني في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني.

الحكومة اليمنية الجديدة عقدت أول اجتماع لها في عدن (إكس)

وشدد المصدر على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة للفوضى، وتنفيذ مشروعات إقليمية مشبوهة، وأنها ماضية، بدعم من السعودية، في حماية مواطنيها ومصالحهم العليا، وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل مسار البناء وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

كما دعا المصدر الرئاسي المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحررة إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية لحماية المكتسبات المتحققة، وعدم الانجرار وراء دعوات الفوضى الصادرة عن عناصر فارين من وجه العدالة وكياناتها المنحلة المدعومة من الخارج، في إشارة إلى ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي».

واختتم المصدر الرئاسي تصريحه بالقول: «إن مستقبل الجنوب لن يُبنى بالاعتداء على مؤسسات الدولة أو تعطيلها، بل بإعادة إعمارها، وتحسين خدماتها، والمشاركة الواعية والمسؤولة في الحوار الجنوبي المرتقب».