بعد إغلاق «كورونا»...كيف تساعد أطفالك في تكوين الصداقات؟

أطفال يرتدون الأقنعة الواقية للحماية من فيروس «كورونا» في الصين (أرشيفية - رويترز)
أطفال يرتدون الأقنعة الواقية للحماية من فيروس «كورونا» في الصين (أرشيفية - رويترز)
TT

بعد إغلاق «كورونا»...كيف تساعد أطفالك في تكوين الصداقات؟

أطفال يرتدون الأقنعة الواقية للحماية من فيروس «كورونا» في الصين (أرشيفية - رويترز)
أطفال يرتدون الأقنعة الواقية للحماية من فيروس «كورونا» في الصين (أرشيفية - رويترز)

لم تهيئ السنوات القليلة الماضية للوباء ظروفاً مثالية لأطفالنا لتكوين صداقات أو تعميقها.
في البداية، كانت هناك عزلة جسدية، وهي عائق واضح لبناء الاتصال أو الحفاظ عليه. ثم انتقلنا إلى الالتزام في سياسات كل أسرة بشأن فيروس «كورونا». بالتأكيد، أطفالنا يريدون التسكع، ولكن الظروف كانت صعبة بما يكفي للإبقاء على اتصال مع الأصدقاء القدامى، وفقاً لشبكة «سي إن إن».
ومع تخفيف القيود المرتبطة بالفيروس، أصبح الكثير من الآباء ومقدمي الرعاية أكثر ليونة، ولكن بحلول ذلك الوقت كان الأطفال غير جاهزين للعودة للحياة الاجتماعية. ربما كان لديهم أصدقاء، ولكن من وجهة نظر الوالدين، كان هناك شيء مفقود: علاقة قوية يتذكرونها من صداقات طفولتهم.
وقالت أنيا كامينتز، مراسلة تربوية ومؤلفة الكتاب القادم «العام المسروق: كيف غيّر فيروس (كورونا) حياة الأطفال وأين نذهب الآن»: «لم يكن هناك شيء يمكننا القيام به حيال الانتكاسات الاجتماعية... الآن هناك بعض الخطوات الذي يجب القيام بها».
ويقول الخبراء إن الصداقات جزء أساسي من الطفولة. ليس فقط للأسباب الواضحة التي تجعل التواصل مع الآخرين شعوراً جيداً، ولكن أيضاً لأنها تخلق فرصاً تنموية مهمة تؤدي إلى أداء أفضل في المدرسة وفي الحياة.
الاحتمالات هي أن جميع أطفالنا يمكنهم استخدام القليل من المساعدة لإعادة بناء الروابط الاجتماعية مع دخولهم هذا العام الدراسي.
وقالت كارين فان أوسدال، كبيرة مديري الممارسات في «كاسل»، التعاونية من أجل التعلم الأكاديمي والاجتماعي والعاطفي: «بالنسبة للشباب، ترتبط مرحلة بناء هويتهم بشكل كبير بأقرانهم... الصداقات هي الأماكن التي يمكننا فيها تجربة أفكار جديدة، وممارسة مهارات اجتماعية جديدة، والتفرع من منطقة الراحة الخاصة بنا، ومشاركة مشاعرنا». وعلى الرغم من أهمية الروابط العائلية، فإن الأصدقاء يوفرون منفذاً اجتماعياً مهماً خارج الأسرة، حيث يمكن للأطفال الحصول على مساحة أكبر لمعرفة ذاتهم، على حد قولها.

فيما يلي بعض الطرق للتعامل مع هذا التحدي ومساعدة الأطفال في بناء الصداقات:
*البداية من الأساسيات
قالت فان أوسدال: «يحتاج الأطفال إلى ممارسة أشياء صغيرة، مثل التعريف عن أنفسهم. أشياء بسيطة مثل: (مرحباً، اسمي كذا... ما اسمك؟ هل تريد أن تلعب معي؟)». وأشارت إلى أنه من المهم مساعدتهم «في بداية المحادثة، كيف يتحدثون عن الاعتذار والمشاركة، وجعلهم يتدربون مع أسرهم أولاً».
*تحفيز الفضول
قال موريس جيه إلياس، أستاذ علم النفس في جامعة روتجرز في نيوجيرسي والمؤلف المشارك لكتاب «التربية العاطفية الذكية»: «أعتقد أن الآباء يمكن أن يساعدوا أطفالهم في تكوين صداقات أعمق من خلال طرح أسئلة عليهم حول أصدقائهم... أحد أسباب عدم عمق الصداقات هو أن الأطفال في كثير من الأحيان يركزون فقط على أنفسهم».
يمكن أن يحدث الفضول في العوالم الخيالية أيضاً. قال كامينتز: «اقرأ الكتب أو شاهد الأفلام معاً، ثم تحدث عن شعور الشخصية. إنها حقاً طريقة رائعة لإجراء محادثة حول المشاعر».
يمكنك أيضاً التحدث عن حياتك الخاصة، وهي ليست مثيرة مثل فيلم أو برنامج تلفزيوني ولكن لها قيمة مضافة تتمثل في كونها حقيقية. قالت فان أوسدال: «شارك بأمثلة عن مدى أهمية الصداقة بالنسبة لك، حتى يبدأ الأبناء في فهم قيمة الحفاظ على الصداقات بمرور الوقت».

*كن منفتحاً بشأن الأصدقاء المحتملين
عادة ما يميل الآباء ومقدمو الرعاية، سواء أدركنا ذلك أم لا، إلى التفكير فيمن هو الصديق المناسب للأطفال ومن ليس كذلك. تقترح كامينتز أن نوسع أفكارنا حول نوع الأصدقاء الذين قد يصنعهم أطفالنا، ومن أين قد يأتي هؤلاء الأصدقاء. وقالت: «سيكون أداء بعض الأطفال أفضل مع الأصغر سناً، وقد يكون أداء بعضهم أفضل مع الأطفال الأكبر سناً. كن داعماً لذلك أيضاً».
ومن المهم التأكد من أن أطفالك يعرفون أن كل شخص قد يكون صديقاً محتملاً. أوضحت كامينتز «يمكننا جميعاً التفكير في طرق لكيفية أن نكون حلفاء أفضل، وأن نعمل على أن يصبح الأطفال أكثر شمولاً مع الأشخاص الذين يختلفون عنهم مثل الذين يأتون من أعراق أو ديانات مختلفة».
* الوقت أمام الشاشات
قال إلياس: «الصداقات يمكن أن تتعثر في مرحلة اللعب الموازي لفترة طويلة بسبب الأجهزة الإلكترونية». اللعب الموازي، وهو أمر شائع عند الأطفال الصغار جداً، هو عندما يلعب الأطفال بجانب بعضهم البعض، ولكن لا يتفاعلون مع بعضهم البعض. قال أيضا إن هذا النوع من اللعب يجعل من الصعب التواصل من خلال المحادثة، وهي خبز وزبدة العلاقات الدائمة.
بالنسبة للأطفال الذين قد يحتاجون إلى جرعة صغيرة من الوقت الرقمي للمساعدة في الشعور بالراحة في التواصل الاجتماعي مرة أخرى، يقترح إلياس محاولة حثهم على ممارسة لعبة تحتاج للتواصل. قال: «تأكد من وجود تفاعل ومحادثة، وأنهم يعملون معاً على شيء ما».

*التمهل
سواء تم تشخيصهم سريرياً باضطراب القلق أو أنهم حساسون قليلاً للضغوط الاجتماعية للوباء، فهناك بعض الأطفال الذين سيحتاجون إلى مزيد من الدعم أو الإمساك باليد أكثر من غيرهم عندما يتعلق الأمر بإصلاح الصداقات وتكوينها. يقول الخبراء إن الشيء الأكثر أهمية هو أن تأخذ الأمر ببطء.


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

أصدرت محكمة فيدرالية أميركية، الخميس، حكماً يدين 4 أعضاء من جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، أبرزهم زعيم التنظيم السابق إنريكي تاريو، بتهمة إثارة الفتنة والتآمر لمنع الرئيس الأميركي جو بايدن من تسلم منصبه بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام دونالد ترمب. وقالت المحكمة إن الجماعة؛ التي قادت حشداً عنيفاً، هاجمت مبنى «الكابيتول» في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، لكنها فشلت في التوصل إلى قرار بشأن تهمة التحريض على الفتنة لأحد المتهمين، ويدعى دومينيك بيزولا، رغم إدانته بجرائم خطيرة أخرى.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

أدانت محكمة أميركية، الخميس، 4 أعضاء في جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، بالتآمر لإثارة الفتنة؛ للدور الذي اضطلعوا به، خلال اقتحام مناصرين للرئيس السابق دونالد ترمب، مقر الكونغرس، في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. وفي محاكمة أُجريت في العاصمة واشنطن، أُدين إنريكي تاريو، الذي سبق أن تولَّى رئاسة مجلس إدارة المنظمة، ومعه 3 أعضاء، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية. وكانت قد وُجّهت اتهامات لتاريو و4 من كبار معاونيه؛ وهم: جوزف بيغز، وإيثان نورديان، وزاكاري ريل، ودومينيك بيتسولا، بمحاولة وقف عملية المصادقة في الكونغرس على فوز الديمقراطي جو بايدن على خصمه الجمهوري دونالد ترمب، وفقاً لما نق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

وجّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الأربعاء، انتقادات لقرار الرئيس جو بايدن، عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث، وذلك خلال جولة يجريها الملياردير الجمهوري في اسكتلندا وإيرلندا. ويسعى ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل، ووصف قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج ملك بريطانيا بأنه «ينم عن عدم احترام». وسيكون الرئيس الأميركي ممثلاً بزوجته السيدة الأولى جيل بايدن، وقد أشار مسؤولون بريطانيون وأميركيون إلى أن عدم حضور سيّد البيت الأبيض التتويج يتماشى مع التقليد المتّبع بما أن أي رئيس أميركي لم يحضر أي مراسم تتويج ملكية في بريطانيا. وتعود آخر مراسم تتويج في بري

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

هناك شعور مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والاكتئاب والسكري والوفاة المبكرة والجريمة أيضاً في الولايات المتحدة، وهو الشعور بالوحدة أو العزلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
TT

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

ظلّ القمر، على مدى عقود، يثير تساؤلاتٍ علمية بدت أحياناً أقرب إلى المفارقة: كيف لجسمٍ صغيرٍ نسبياً، كقمر الأرض، أن يحمل في تاريخه المبكر مجالاً مغناطيسياً قيل إنه يفوق في قوته نظيره الأرضي؟

استند طويلاً هذا التصوّر إلى تحليلات صخورٍ أعادتها بعثات «أبولو»، وأوحت نتائجها بأن القمر عرف، في مرحلة ما، نشاطاً مغناطيسياً شديداً. غير أن دراسة حديثة قدّمت قراءة مختلفة، تكاد تعيد رسم الصورة من أساسها، وتمنح هذا اللغز العلمي تفسيراً أكثر توازناً... وأكثر إنسانية في فهم حدود المعرفة نفسها. وفقاً لصحيفة «الغارديان».

الباحثة كلير نيكولز، وفريقها من جامعة أكسفورد، اتجهوا إلى تفصيلٍ بدا في السابق ثانوياً: محتوى التيتانيوم في صخور القمر.

وبالتحليل، تبيّن أن الصخور الغنية بهذا العنصر نشأت من مواد عميقة داخل القمر؛ حيث أسهمت عمليات الانصهار في توليد مجالاتٍ مغناطيسية قوية، ولكنها كانت موضعية ومؤقتة.

المفارقة أن بعثات «أبولو»، وبمحض الصدفة، جمعت عدداً أكبر من هذه الصخور تحديداً، نظراً لانتشارها في المناطق المستوية التي اختيرت مواقعَ للهبوط. وهو ما أفضى، دون قصد، إلى تحيّزٍ في العينات، ومن ثم إلى استنتاجٍ بدا وكأنه حقيقة عامة.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر غيوساينس»، إلى أن هذا «التحيّز العيّني» قدّم صورة مضخّمة عن قوة المجال المغناطيسي للقمر، مانحاً إيّاه ما يشبه «سمعة» علمية لا تعكس واقعه بدقة كاملة.

ويرى الباحثون أن الفترات التي شهد فيها القمر مجالاً مغناطيسياً قوياً كانت قصيرة ونادرة، ولم تدم إلا آلافاً قليلة من السنين، في مقابل تاريخٍ أطول ساد فيه مجالٌ ضعيف.

ومع اقتراب بعثات «أرتميس»، يأمل العلماء في اختبار هذه الفرضية بصورة أدق، عبر عيناتٍ أوسع وأكثر تنوّعاً ربما تعيد، مرة أخرى، صياغة فهمنا للقمر... ولكن هذه المرة، تعويضاً مناسباً لسنواتٍ من الاستنتاجات غير المكتملة.


بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر، التي شُخِّصت بمرض «ألزهايمر» عام 2011، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لما يقرب من 4 عقود على خشبة المسرح في «جزر فارو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن والدته كانت خلال تلك السنوات واحدة من أبرز الوجوه المسرحية في بلدها، وكانت تقدم عروضاً مسرحية بشكل مستمر، إذ اعتادت المشاركة في 4 أو 5 مسرحيات شهرياً، وكانت حياتها كلها مرتبطة بالمسرح والأداء.

وأوضح أن بداية المرض شكّلت صدمة للعائلة؛ خصوصاً بعدما بدأت والدته تفقد قدرتها على تذكر النصوص والتعليمات المسرحية، وهو ما أجبرها على التوقف عن العمل الذي أحبته طوال حياتها، مشيراً إلى أن شغفها بالمسرح لم يتراجع مع مرور الوقت، بل على العكس من ذلك، ازداد حنينها إلى الوقوف مجدداً على خشبة المسرح كلما تدهورت ذاكرتها.

وأكد أن هذه الرغبة دفعت العائلة إلى التفكير في إيجاد طريقة تعيدها إلى المسرح، حتى لو بشكل مختلف عن المعتاد، لتبدأ فكرة الفيلم عندما جلس مع والده لمناقشة إمكانية تصميم عرض مسرحي خاص يتناسب مع ظروفها الصحية، بحيث يمنحها مساحة للوجود على المسرح دون الحاجة إلى حفظ النصوص أو الالتزام بتفاصيل الإخراج التقليدية.

عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن» (الشركة المنتجة)

وأشار بوي دام إلى أنهما قررا في النهاية تنفيذ هذا المشروع عندما أدركا أن الوقت يمر سريعاً، وأن حالتها الصحية قد تتدهور أكثر، فاختارا المُضي قدماً في التجربة، لافتاً إلى أنه قرر تقديم فيلم وثائقي، لشعوره بأن التجربة تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية مهمة تستحق التوثيق.

وأضاف أن الفيلم بالنسبة له لم يكن فقط عن والدته أو عن مرض «ألزهايمر»، بل عن الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع مع الأشخاص الذين يفقدون بعض قدراتهم الإدراكية، وكيف يمكن إيجاد مساحة لهم داخل المجتمع بدلاً من عزلهم.

وأوضح أن المسرح في الفيلم يتحول إلى رمز للمجتمع نفسه، إذ إن منح شخص يعاني فقدان الذاكرة مكاناً على خشبة المسرح يُشبه منح مساحة مماثلة له داخل المجتمع، فوالدته كانت طوال حياتها مدافعة عن الأقليات والفئات المهمشة، ولذلك شعر بأن هذا المشروع يُمثل استمراراً لرسالتها الإنسانية، حتى في الوقت الذي فقدت فيه القدرة على التعبير بالكلمات.

وأشار المخرج إلى أن تصوير فيلم عن والدته في هذه المرحلة الحساسة من حياتها لم يكن أمراً سهلاً على الصعيد العاطفي، لكنه بالنسبة لعائلته يُعد امتداداً طبيعياً لأسلوب حياتهم الفني؛ فوالداه ممثلان ومخرجان، وقد نشأ في بيئة اعتادت تحويل التجارب الإنسانية الخاصة إلى مادة فنية تُقدَّم على المسرح، سواء أكانت مؤلمة أم سعيدة.

ويروي الفيلم الوثائقي «بيريتا» الذي عرض ضمن النسخة الحالية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» قصة عائلة من صناع المسرح في «جزر فارو» الدنماركية، تُحاول تنفيذ تجربة فنية غير تقليدية تتمثل في تقديم مسرحية «الملك لير» مع إسناد الدور الرئيسي إلى الممثلة المخضرمة بيريتا موهر رغم إصابتها بمرض «ألزهايمر».

وثق المخرج جانباً من دعم والده لوالدته خلال مرضها (الشركة المنتجة)

ويقود المشروع ابنها المخرج بوي دام، الذي يؤمن بأن شغف والدته بالمسرح لا يزال حياً رغم فقدانها القدرة على الكلام، في حين يحاول والدهما الموازنة بين رعاية زوجته ودعم هذا المشروع الفني، وخلال التحضيرات للعرض تُثير التجربة أسئلة أخلاقية حول حدود المشاركة الفنية للأشخاص الذين يعانون فقدان الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قوة حضور بيريتا الإنساني والفني، وتأثيرها العميق في كل من يشارك في هذه الرحلة.

وأوضح أن اختيار مسرحية «الملك لير» لويليام شكسبير لم يكن اختياراً عشوائياً، بل جاء لعدة أسباب، منها أنه يعدّها واحدة من أعظم المسرحيات التي كُتبت في تاريخ المسرح، وكان حلماً قديماً بالنسبة له أن يقدمها على المسرح، بالإضافة إلى موضوعها الذي يرتبط بشكل عميق بما عاشته عائلته.

وأضاف أن هذا التشابه بين موضوع المسرحية وتجربة عائلته جعل العمل يبدو كأنه مرآة لما كانوا يعيشونه في الواقع، خصوصاً أن والدته كانت قبل المرض شخصية قيادية داخل العائلة وفي الوسط المسرحي، وكانت بالنسبة لهم أشبه بملكة تقود الجميع، مشيراً إلى أن فقدان هذا الدور القيادي بسبب المرض أحدث تغيراً كبيراً في توازن العائلة، وهو ما يُشبه إلى حد كبير ما يحدث في مسرحية «الملك لير».

وأكد المخرج الدنماركي رغبته في تقديم عمل درامي قوي ومليء بالصراعات لوالدته، بدلاً من تقديم عمل بسيط أو عاطفي، فلم يشأ أن يعاملها بطريقة مفرطة في الحماية، بل أراد أن يمنحها فرصة للوجود داخل عالم مسرحي غني بالتوتر والدراما كما اعتادت طوال حياتها.

المخرج الدنماركي بوي دام (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم يسعى إلى تقديم صورة متوازنة للحياة مع المرض تجمع بين الحزن والفرح، وبين فقدان الذاكرة والقدرة على الاستمتاع بالحياة، لقناعته بأن كثيراً من الأفلام التي تتناول مرض «ألزهايمر» تميل إلى التركيز على الجانب المأساوي فقط، في حين أراد هو أن يظهر أيضاً الجانب الإنساني المليء بالحب والضحك واللحظات الجميلة.

ولفت دام إلى أن أكثر ما فاجأه خلال البروفات المسرحية هو التأثير القوي الذي تركه حضور والدته على الممثلين الآخرين، مؤكداً أن وجودها في غرفة البروفات جعل أداء الممثلين أكثر صدقاً وبساطة، لأنهم كانوا يشعرون بصدق اللحظة الإنسانية التي يعيشونها معها، فالممثلون كانوا يؤدون النصوص بطريقة أكثر طبيعية عندما تكون حاضرة، في حين يعودون إلى أسلوبهم المسرحي التقليدي عندما تغادر.

في الختام، أشار المخرج إلى أن هذه اللحظات كانت من الأكثر تأثيراً بالنسبة له؛ إذ أظهرت أن الفن يمكن أن يظل حاضراً حتى مع بدء تلاشي الذاكرة. وأكد أن الفن يعتمد بدرجة كبيرة على العاطفة والإحساس، لا على الذاكرة أو القدرات العقلية وحدها.


عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.