مسؤول أفغاني: «طالبان» دفنت جثمان زعيم «القاعدة» سراً

إسلاميون في لندن قالوا لـ «الشرق الأوسط» إن الحركة تتخوف من فقدان الحاضنة الشعبية التي أوصلتها للسلطة

حركة «طالبان» تولّت حراسة احتجاج على الضربة الأميركية التي قتلت زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري في كابل الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
حركة «طالبان» تولّت حراسة احتجاج على الضربة الأميركية التي قتلت زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري في كابل الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

مسؤول أفغاني: «طالبان» دفنت جثمان زعيم «القاعدة» سراً

حركة «طالبان» تولّت حراسة احتجاج على الضربة الأميركية التي قتلت زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري في كابل الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
حركة «طالبان» تولّت حراسة احتجاج على الضربة الأميركية التي قتلت زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري في كابل الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

في حين كشف مسؤول أفغاني في الحكومة السابقة، عن أن «طالبان» دفنت جثمان زعيم تنظيم «القاعدة»، أيمن الظواهري، سراً في ولاية قندهار الواقعة جنوب أفغانستان، أثارت حركة «طالبان» مزيداً من الجدل بإعلانها، أنه لم يتم العثور على جثمان زعيم التنظيم الظواهري، بعد إصابته بصاروخ من طراز «هيلفاير» من طائرة «درون» الأسبوع الماضي.
وقال أمر الله صالح،- النائب الأول للرئيس الأفغاني السابق أشرف غني، في تدوينة له عبر حسابه الرسمي على «فيسبوك»، إن «(طالبان) دفنت جثة الظواهري ورفاقه سراً في منطقة بانجواي في ولاية قندهار جنوب أفغانستان». وأضاف صالح «أرسل لي شخص من قندهار صوراً وإحداثيات، وادعى أن الظواهري ورفاقه دفنوا سراً في منطقة بنجواي في ولاية قندهار».
إلى ذلك، كشف مسؤول في جماعة «طالبان» خلال مقابلات مع عدد من وسائل الإعلام محلية ودولية، فشل مسؤولي أمن «طالبان»، الذين طوّقوا منزل أيمن الظواهري في العاصمة الأفغانية، كابل، في أعقاب هجوم أميركي بطائرة من دون طيار، في العثور على جثمان الظواهري بين الأنقاض؛ مما يتماشى مع سياسة «طالبان» في الالتزام باتفاق الدوحة وإنكارها استضافة منظمات إرهابية في أفغانستان، أو استخدام أراضيها في تهديد الأميركيين.
يجيء هذا في الوقت الذي لا تريد فيه حركة «طالبان» أن تفقد الحاضنة الشعبية التي أوصلتها إلى السلطة باستضافتها عناصر «القاعدة» من بن لادن الذي قتلته المخابرات الأميركية في أبوت آباد (باكستان) عام 2011، ثم مقتل أيمن الظواهري في العاصمة كابل الأسبوع الماضي وقيادات «القاعدة» الآخرين الذين انتقلوا في سنوات لاحقة إلى إيران وسوريا، بحسب إسلاميين وخبراء في الحركة الأصولية بلندن لـ«الشرق الأوسط».
وكانت قوات «طالبان» الأمنية قد سارعت إلى تطويق منزل أيمن الظواهري بعد أن أصيب بصاروخ من طراز «هيلفاير» في قلب كابل، الأسبوع الماضي.
في حين ذكر خبراء أمنيون في العاصمة إسلام آباد، أن وجود أفراد حرس تابعين لـ«القاعدة» سيعزز احتمال أن يكون هؤلاء الحراس قد رفعوا جثته من بين حطام منزله.
ولم تسمح قوات «طالبان» الأمنية لأحد بالاقتراب من منزل الظواهري. كما منعت وسائل الإعلام من الاقتراب من المنزل. وبحسب وسائل إعلام أميركية، جرى نقل زوجة وابنة الظواهري وأفراد آخرين من أسرته بسرعة من المنزل من قِبل أعضاء في «شبكة حقاني».
جدير بالذكر، أنه لحظة وقوع الهجوم، كان جميع أفراد الأسرة حاضرين في المنزل، لكن لم يُسمح لهم بالظهور علناً. وأعلن وزير الإعلام بجماعة «طالبان»، ذبيح الله مجاهد، في تصريحات لوسائل إعلام أفغانية محلية، أن التحقيق الذي بدأ في موقع القتل خلص إلى أنه لم تكن هناك جثة وقت الهجوم. وأضاف «كل شيء دمر، لكننا لم نعثر على جثة هناك».
وقال سهيل شاهين، ممثل «طالبان» لدى الأمم المتحدة، في رسالة نصية إلى وكالة «أسوشييتد برس» بعث بها من مكتبه في الدوحة، إن الحكومة وقيادة «طالبان»، «لم تكن على علم» بالمزاعم حول تواجد الظواهري في العاصمة كابل.
وتواترت أنباء غير مؤكدة تفيد بأن جثمان الظواهري جرى نقله من بين حطام المنزل المدمر، ودفنه مسؤولون من «طالبان» بالقرب من مدينة قندهار. ومع ذلك، لم يكن هناك تأكيد مستقل لهذه الأنباء». كما لم يجر تأكيد ما إذا كان الظواهري يعيش في كابل بمفرده أو ما إذا كان يستعين بحراس مسلحين لحمايته.
وذكر خبراء، أن وجود أفراد حرس تابعين لـ«لقاعدة» سيعزز احتمال أن يكون هؤلاء الحراس قد رفعوا جثته من بين حطام منزله.
وفرّ أمر الله صالح، نائب الرئيس السابق أشرف غني من العاصمة كابل عندما استولت «طالبان» على المدينة في أغسطس (آب) 2021. ومع ذلك، علم أنه لا يزال مختبئاً في شمال البلاد. وشغل أمر الله صالح منصب رئيس المخابرات في حكومة الرئيس السابق غني، ولا يزال يحتفظ بأصول استخباراتية في جميع أنحاء أفغانستان.
وقالت مصادر باكستانية لـ«الشرق الأوسط»، إن «طالبان» تحفظت على مكان جثمان الظواهري في سرية تامة. لكن تغريدة أمر الله صالح تبدو معقولة.
وقالت مصادر باكستانية، إن رجلين آخرين قُتلا أيضاً في الغارة نفسها التي اودت بحياة منزل الظواهري في كابل.
تجدر الإشارة إلى أنه لطالما نفت «طالبان» وجود الظواهري في كابل، ووصفت الأمر بأنه مجرد دعاية غربية. ويعد وجود الظواهري في كابل أمراً محرجاً للغاية لنظام «طالبان» في كابل، الذي كان يضغط بشدة من أجل نيل الاعتراف الدولي به من قِبل عواصم العالم الكبرى.
وكان الرئيس الأميركي، جو بايدن، أعلن مقتل الظواهري في غارة جوية بطائرة مسيرة، بعدما جرى استهداف محل إقامته في العاصمة الأفغانية كابل الأسبوع الماضي. وأكد المتحدث باسم حركة حكومة «طالبان الأفغانية»، ذبيح الله مجاهد، أن الحركة لم تعثر على أي جثة في موقع اغتيال الظواهري.
وحذرت «طالبان» من أن تكرار مثل هذه الهجمات والانتهاكات للمجال الجوي للبلاد ستكون له عواقب، وستكون الولايات المتحدة مسؤولة عنها، وبعد الإعلان عن مقتل أيمن الظواهري اتهمت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي «طالبان» بإيواء قيادة تنظيم «القاعدة» في كابل.
وبعد مقتل أسامة بن لادن في باكستان عام 2011، أصبح الظواهري زعيم تنظيم «القاعدة»، وأصبح أحد أكثر الشخصيات المطلوبة في العالم. ويمثّل قتل الظواهري أكبر ضربة يتعرض لها تنظيم «القاعدة» منذ قتلت قوات أميركية خاصة أسامة بن لادن عام 2011، ويثير الشكوك بشأن مدى إيفاء حركة «طالبان» بتعهدها عدم إيواء مجموعات مسلحة.
وتمثل وفاة الظواهري، زعيم تنظيم «القاعدة»، الذي قُتل في غارة أميركية بطائرة مسيّرة في العاصمة كابل، تحولاً مهمّاً في مسيرة الحركات الجهادية العالمية. فالظواهري لا يعدّ آخر القيادات التاريخية لتنظيم «القاعدة» الذي كان تدشينه قبل نحو 3 عقود، ولكنه أيضاً الرجل المسؤول عن التحولات الأخطر في مسيرة التنظيم وانتقاله من «الجهاد المحلي» إلى «الجهاد العالمي»؛ التي أسهمت في تحويل تنظيم «القاعدة» إلى منظمة عالمية تستقطب المتطرفين من كل أرجاء العالم. وحثت الولايات المتحدة مواطنيها في مختلف أنحاء العالم على توخي الحذر خشية أعمال عنف محتملة بعد مقتل زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري. وحذرت وزارة الخارجية الأميركية، الثلاثاء، من أن مقتل الظواهري قد يدفع مؤيدي «القاعدة» أو الجماعات الإرهابية التابعة لها لاستهداف المنشآت والأفراد الأميركيين. وكان الرئيس الأميركي، جو بايدن، قد أكد الاثنين، مقتل زعيم القاعدة في غارة أميركية بطائرة مسيرة في العاصمة الأفغانية كابل. وقال بايدن، إن الظواهري الذي ساعد في تدبير هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، مارس (آذار) «القتل والعنف» ضد المواطنين الأميركيين، مشيراً إلى أن وفاته ستجلب الراحة لعائلات ضحايا الهجمات. وأوضح مسؤول كبير في إدارة بايدن، أن الظواهري (71 عاماً)، كان على شرفة منزل من ثلاثة طوابق في العاصمة الأفغانية عندما استُهدف بصاروخين من طراز «هيلفاير» بعد فجر الأحد.


مقالات ذات صلة

غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

العالم غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

غوتيريش: أفغانستان أكبر مأساة إنسانية في العالم

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، أن الوضع في أفغانستان هو أكبر كارثة إنسانية في العالم اليوم، مؤكداً أن المنظمة الدولية ستبقى في أفغانستان لتقديم المساعدة لملايين الأفغان الذين في أمّس الحاجة إليها رغم القيود التي تفرضها «طالبان» على عمل النساء في المنظمة الدولية، محذراً في الوقت نفسه من أن التمويل ينضب. وكان غوتيريش بدأ أمس يوماً ثانياً من المحادثات مع مبعوثين دوليين حول كيفية التعامل مع سلطات «طالبان» التي حذّرت من استبعادها عن اجتماع قد يأتي بـ«نتائج عكسيّة». ودعا غوتيريش إلى المحادثات التي تستمرّ يومين، في وقت تجري الأمم المتحدة عملية مراجعة لأدائها في أفغانستان م

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم «طالبان» ترفض الادعاء الروسي بأن أفغانستان تشكل تهديداً أمنياً

«طالبان» ترفض الادعاء الروسي بأن أفغانستان تشكل تهديداً أمنياً

رفضت حركة «طالبان»، الأحد، تصريحات وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الذي زعم أن جماعات مسلحة في أفغانستان تهدد الأمن الإقليمي. وقال شويغو خلال اجتماع وزراء دفاع منظمة شنغهاي للتعاون يوم الجمعة في نيودلهي: «تشكل الجماعات المسلحة من أفغانستان تهديداً كبيراً لأمن دول آسيا الوسطى». وذكر ذبيح الله مجاهد كبير المتحدثين باسم «طالبان» في بيان أن بعض الهجمات الأخيرة في أفغانستان نفذها مواطنون من دول أخرى في المنطقة». وجاء في البيان: «من المهم أن تفي الحكومات المعنية بمسؤولياتها». ومنذ عودة «طالبان» إلى السلطة، نفذت هجمات صاروخية عدة من الأراضي الأفغانية استهدفت طاجيكستان وأوزبكستان.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم جهود في الكونغرس لتمديد إقامة أفغانيات حاربن مع الجيش الأميركي

جهود في الكونغرس لتمديد إقامة أفغانيات حاربن مع الجيش الأميركي

قبل أن تتغير بلادها وحياتها بصورة مفاجئة في عام 2021، كانت مهناز أكبري قائدة بارزة في «الوحدة التكتيكية النسائية» بالجيش الوطني الأفغاني، وهي فرقة نسائية رافقت قوات العمليات الخاصة النخبوية الأميركية في أثناء تنفيذها مهام جبلية جريئة، ومطاردة مقاتلي «داعش»، وتحرير الأسرى من سجون «طالبان». نفذت أكبري (37 عاماً) وجنودها تلك المهام رغم مخاطر شخصية هائلة؛ فقد أصيبت امرأة برصاصة في عنقها، وعانت من كسر في الجمجمة. فيما قُتلت أخرى قبل وقت قصير من سقوط كابل.

العالم أفغانيات يتظاهرن ضد اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

أفغانيات يتظاهرن ضد اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

تظاهرت أكثر من عشرين امرأة لفترة وجيزة في كابل، أمس، احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بحكومة «طالبان»، وذلك قبل يومين من اجتماع للأمم المتحدة، وفق وكالة الصحافة الفرنسية. وسارت نحو 25 امرأة أفغانية في أحد شوارع كابل لمدة عشر دقائق، وردّدن «الاعتراف بـ(طالبان) انتهاك لحقوق المرأة!»، و«الأمم المتحدة تنتهك الحقوق الدولية!».

«الشرق الأوسط» (كابل)
العالم مظاهرة لأفغانيات احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

مظاهرة لأفغانيات احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بـ«طالبان»

تظاهرت أكثر من 20 امرأة لفترة وجيزة في كابل، السبت، احتجاجاً على اعتراف دولي محتمل بحكومة «طالبان»، وذلك قبل يومين من اجتماع للأمم المتحدة. وسارت حوالي 25 امرأة أفغانية في أحد شوارع كابل لمدة عشر دقائق، ورددن «الاعتراف بطالبان انتهاك لحقوق المرأة!» و«الأمم المتحدة تنتهك الحقوق الدولية!». وتنظم الأمم المتحدة اجتماعاً دولياً حول أفغانستان يومَي 1 و2 مايو (أيار) في الدوحة من أجل «توضيح التوقّعات» في عدد من الملفات. وأشارت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، خلال اجتماع في جامعة برينستون 17 أبريل (نيسان)، إلى احتمال إجراء مناقشات واتخاذ «خطوات صغيرة» نحو «اعتراف مبدئي» محتمل بـ«طالبان» عب

«الشرق الأوسط» (كابل)

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.