هل ثمة ثورة ثقافيّة في أعقاب «كوفيد ـ 19»؟

الجوائح الوبائية تخلق طفرات ومناخات مواتية لنشوبها

هل ثمة ثورة ثقافيّة في أعقاب «كوفيد ـ 19»؟
TT

هل ثمة ثورة ثقافيّة في أعقاب «كوفيد ـ 19»؟

هل ثمة ثورة ثقافيّة في أعقاب «كوفيد ـ 19»؟

هي سنة الحياة أن تلبث المجتمعات البشريّة في حراك دائم وتحولات مستمرة، إلا أن أحداثاً معينة عالية الكثافة قد تدفع باتجاه تسريع تلك التحولات، بل ربما تخلق مناخات مواتية لنشوب ثورات ثقافيّة تتسبب بتغييرات نوعيّة في طرائق العيش والاجتماع.
ويبدو أن جائحة «كوفيد - 19» بكل أبعادها المعولمة وتأثيراتها التي لم تنتهِ بعد ستكون ضمن تلك الأحداث الحاسمة في تحفيز تحولات المجتمعات المعاصرة، أو هكذا على الأقل يعتقد عدد من الخبراء والمتخصصين الذين يتتبعون اتجاهات الأفراد عبر سلوكهم على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، ويحاولون ربطها بأحداث العالم الحقيقي.
فقد لاحظت دراسة أجرتها جامعة كوبنهاغن (الدنمارك) ارتفاعاً هائلاً في البحث من خلال محرك «غوغل» عن نصوص أدعية وصلوات دينية في أكثر من 107 دول حول العالم منذ تفشي الوباء، لا سيما في الأشهر الأولى من 2020. وقال استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث في الولايات المتحدة أن ربع البالغين يعتقدون أن عقائدهم الدينية تعززت بشكل ملحوظ بعد مرحلة «كوفيد»، فيما سجّل مركز أميركي لرصد التوجهات المتطرفة في العالم الافتراضي (NCRI) وجوداً متزايداً لمجموعات دينية ثوريّة الطابع تدفع نحو الانفصال عن المجتمع من أجل إطلاق نواة تبشر بـ«عصر طوباوي»، وأن كثيراً من تلك المجموعات بعد استقطابها عدداً كبيراً من المتابعين في العالم الافتراضي، امتد نشاطها للعالم المادي. كما جلب الوباء موجة مضاعفة من الهجمات المعادية للأجانب وطوفان من التعليقات المسيئة للأقليات العرقية والدينية.
العودة للدين قد تكون مفهومة في هذه الأوقات، لكن الأقل وضوحاً هو ما قد تسفر عنه على صعيد صيغ الاجتماع البشري. وهناك من العلماء من يرى أن كثيرين أصبحوا بعد تجربة الجائحة أكثر تقبلاً لأنظمة أشدّ صرامة ومعايير مجتمعيّة أقسى، مقارنة بسنوات قليلة سابقة، كما برزت مستويات أعلى من الإيمان بمفاهيم متفاوتة عن العقاب الإلهي سعياً لتفسير التهديدات البيئية الكبرى مثل الأمراض والمجاعة والمخاطر الطبيعية. وغالباً ما تتعارض تلك التفسيرات مع السرديات الرسميّة أو العلمية أحياناً، مما يخلق أجواء لقلاقل واضطرابات اجتماعيّة ومحاولات لاستعادة السيطرة على الأقدار من خلال الالتزام بسرديّات بديلة.
وبالتأكيد ليست العودة للدين سوى وجه واحد لتحولات ثقافية واسعة اجتاحت المجتمعات، وتزايدت فيها مع انتشار الوباء المعدي المواقف المحافظة والنزعات الاستبداديّة بشكل ملحوظ، وهو ما يفسّر جزئياً مزيداً من دعم التيارات اليمينية المتطرفة في عدد من الدول التي جرت فيها انتخابات عامة أو محليّة (مثل إيطاليا والمجر). ومن المثير للاهتمام وفق دراسة لفريق من جامعة كامبريدج (بريطانيا) أن مثل هذه التوجهات ترتبط بالأمراض التي تنتقل مباشرة من شخص لآخر، وليس عن طريق مضيف وسيط أو ناقل، أي أنها تتعلق بكيفية إدراكنا للآخرين كمصدر خطر. وعززت سلوكيات الأفراد خلال الجائحة الحاليّة استنتاجات الدراسة بنماذج من نحو خمسين دولة شملت أكثر من ربع مليون شخص.
وتستدعي هذه الاتجاهات نماذج موازية من التاريخ القريب والبعيد قد تثير القلق. إذ من المعروف أنّه كانت هناك علاقة طرديّة في المدن الألمانيّة بين ارتفاع معدلات الوفيات خلال جائحة الحمى الإسبانيّة (1918) وارتفاع نسب التأييد للحزب النازي في أوائل الثلاثينيّات. ويُفسّر المؤرخون ذلك بأن الخوف من الفوضى وانعدام السيطرة على المصير في بيئة الوباء يدفع للبحث عن مصدر دعم وطمأنة، ليس إلهياً فحسب، وإنما أيضاً من قبل حكومات صارمة قادرة على فرض نظام مشدد داخل إطار المجموعة المتجانسة في مواجهة جراثيم وفيروسات الغرباء والآخرين المختلفين عرقيّاً أو دينياً أو طائفيّاً.
وهناك دلائل متراكمة على أن وباء الموت الأسود (الطاعون) الذي ضرب أوروبا خلال العصور الوسطى وكان له أبلغ الأثر في إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع والثقافة فيها تسبب فور انتشاره في عودة جماعيّة إلى التدين وظهور التنبؤات بعقاب إلهي يُنهي العالم، وانتشار الطوائف المتطرفة التي تحدّت سلطة رجال الدين، وفي المذابح المسيحية ضد يهود أوروبا. وكان لهذا التدين المكثف آثار مؤسسيّة طويلة المدى، عززتها وفاة العديد من رجال الدين، والمخاوف من إرسال الطلاب في رحلات طويلة وخطيرة إلى الجامعات المعروفة، مما دفع التدين المتزايد لتأسيس جامعات جديدة محليّة فتحت باب الجدل والنقاش على نحو تسبب نهاية في تقويض وحدة المسيحية في العصور الوسطى، ومهد الطريق لصعود هويات قومية أقوى، وأسس آخر المطاف لحركة الإصلاح التي قسمت المسيحية نهائياً إلى بروتستانت وكاثوليك. وفي موازاة الجامعات الوطنيّة، فإن تنظيم إجراءات الحجر الصحي ضد الطاعون منح سلطة الدولة المدنية دفعة كبرى تجاه تقبل السكان لدورها في تنظيم حياتهم.
وربما يجب ألا نتجاهل في هذا السياق التأثيرات الحاسمة للموت الأسود على البنية الاقتصاديّة والطبقيّة للمجتمعات الأوروبيّة آنذاك. إذ إن هروب الناس من الوباء نحو الأراضي الفارغة والأعداد الهائلة للوفيات رفع من مستويات الأجور بشكل دراماتيكي، حيث كان الأسياد والملاك على استعداد لدفع المزيد مقابل العمالة الشحيحة بشكل متزايد. وجادل المؤرخ الفرنسي الشهير مارك بلوخ بأن مجتمع العصور الوسطى بدأ الانهيار في هذا الوقت تحديداً، لأن التدفق المضمون للدخل من عمل الفقراء إلى الأسر النبيلة في الإقطاعيات انتهى مع التراجع المخيف في عدد السكان، ومع ضعفهم انتشرت انتفاضات الفلاحين والصراعات المسلحة مع بقايا الإقطاع التي حاولت استبدال الريع بالنهب تحت تهديد السلاح.
وفي الوقت نفسه، فإن الوباء أهلك طرق التجارة البريّة بين الشرق والغرب منهياً بذلك ما يعرف باسم النظام العالمي القائم وفتح الباب للمغامرين البرتغاليين والإسبان بالبحث عن طرق جديدة عبر البحر والتي قادتهم في النهاية إلى استكشاف أفريقيا وأستراليا والأميركيتين وتأسيس ممالك غربيّة على أنقاض مجتمعات السكان المحليين. وللمفارقة، كان للأوبئة التي حملها معهم الغزاة: جدري الماء والحصبة، والجدري دور كبير في إبادتهم.
هذه وغيرها الكثير من الأدلة الواضحة على أن تغييرات نوعيّة هائلة على ثقافة المجتمعات تأتي عادة في أعقاب الكوارث الكبيرة، إذ إن الصدمات التي تأتي بها الجوائح الوبائية تنتج نوعاً من «الطفرات» الآيديولوجية التي تُضعف الفئات الأقل تكيّفاً في السكان، بينما تدفع الأكثر قدرة منهم على التكيّف إلى موضع أكثر رسوخاً. لكن في النهاية، فإن تلك التغييرات ليست بالأمر التلقائي، وتحدث بناء لقدرة المجتمع على الاستفادة من الاضطراب الجلل لتصحيح المسار وابتداع الجديد، إذ إن هنالك دلائل أخرى تشير إلى أن المجتمعات التي لا تفعل ذلك فإنها تخاطر بأن تكون أكثر عرضة لكوارث تالية، وأقل قدرة على التعامل معها، وكثير منها انتهى فعلاً إلى الانهيار.
ولعل واحدة من أطرف النظريات السائدة بين علماء الاجتماع هي الربط بين مدى انتشار الفيروسات والجراثيم وتفشي الأفكار التغييرية والثورية، حيث تبدو الظروف نفسها التي تجعل المجتمعات أكثر عرضة للعدوى - كاتساع فجوة الدّخول بين الطبقات، والانفجار السكاني، والعولمة هي ذاتها التي تفتح الأبواب لانتشار الأفكار التغييرية. وإذا لم يكن «كوفيد - 19» وحده بحامل لثورة ثقافية شاملة بمفرده هذه المرة - كما كان الطاعون يوماً ما - فإنه دون شك أحد العوامل الأساسية وراء ما سيكون عليه شكل العالم تالياً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
TT

«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)

نجحت «البحر الأحمر الدولية»، الشركة المطورة لأكثر الوجهات السياحية المتجددة طموحاً في العالم، في إتمام زراعة أكثر من 5000 شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه»، محققةً بذلك أكبر مشروع لإعادة إحياء هذا النوع النباتي في تاريخ السعودية.

ويكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعدّ الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار في أقصى الحدود الشمالية لانتشارها حول العالم. وتعرف أشجار المانغروف الحمراء محلياً باسم «القندل»، وتُمثل رئة حيوية للبيئة البحرية؛ إذ تلعب دوراً جوهرياً في حماية السواحل، وتوفير بيئة خصبة لتكاثر الأسماك والقشريات، فضلاً عن قدرتها الفائقة على احتجاز الكربون بمعدلات تتجاوز الغابات البرية.

وقال رائد البسيط، رئيس البيئة والاستدامة في «البحر الأحمر الدولية»: «إن نجاحنا في إعادة تأهيل أشجار المانغروف الحمراء بهذا النطاق الواسع ليس مجرد رقم يضاف لسجلاتنا؛ بل هو انتصار علمي يسجل باسم السعودية وشركتنا. نظراً للتحديات البيئية الدقيقة التي يتطلبها هذا النوع للنمو، فإن استعادته تعني استعادة التوازن للنظم البيئية الحساسة. نحن اليوم نضع حجر أساس لمستقبل بيئي أكثر استدامة، سيعود بالنفع المباشر على أهالي مناطق البحر الأحمر، ويعزز إرثنا الطبيعي للأجيال القادمة».

يكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعد الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار (البحر الأحمر)

وتختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية، بكونها أكثر تطلباً وحساسية؛ فهي لا تزدهر إلا في ظروف محددة للغاية من حيث ملوحة المياه، وحركة المد والجزر، واستقرار درجات الحرارة. ورغم هذه التعقيدات، سجل فريق البحر الأحمر الدولية معدل بقاء استثنائي للشتلات بلغ 97 في المائة، وهو رقم قياسي تحقق بفضل تطوير تقنيات مبتكرة محلياً داخل الشركة، شملت أساليب متقدمة لتثبيت الرواسب والتحكم الدقيق في حركة المياه.

من جانبه، أضاف راشد آل هتيلة، رئيس قسم الاستدامة البيئية في «البحر الأحمر الدولية»: «تمثل أشجار القندل كنزاً بيئياً نادراً على سواحلنا، وما حققناه في بحيرة الوجه هو برهان عملي على قدرتنا على تحويل التحديات البيئية إلى فرص للنمو والازدهار. هذه الخطوة ليست سوى بداية لمسيرة طموحة تهدف إلى حماية هذه النظم الطبيعية الفريدة وإعادة الزخم للحياة الفطرية في وجهاتنا».

تختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية بكونها أكثر تطلباً وحساسية (البحر الأحمر)

يُذكر أن هذا الإنجاز يأتي جزءاً جوهرياً من التزام «البحر الأحمر الدولية» الراسخ تجاه حماية البيئة، وضمن برنامجها الأوسع الذي نجح حتى الآن، في زراعة أكثر من 3 ملايين شتلة من أشجار المانغروف الرمادية، من أصل هدف طموح لزراعة 6 ملايين شتلة، ليكون بذلك أحد أضخم برامج إعادة التأهيل البيئي في المنطقة.

وتستقبل وجهة البحر الأحمر زوارها حالياً في 9 منتجعات فاخرة، بالإضافة إلى منتجع «ثُوَل الخاص». كما تترقب الأوساط العالمية افتتاح وجهة «أمالا» قريباً، التي ستدشن مرحلتها الأولى في «تربل باي» بـ6 منتجعات راقية، إلى جانب مرافق نوعية تشمل «نادي اليخوت»، و«معهد الحياة البحرية»، و«قرية المارينا»، لتقدم تجربة سياحية متجددة وفريدة من نوعها.


آل الشيخ: مفاجآت ثقافية سعودية - مصرية مرتقبة

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
TT

آل الشيخ: مفاجآت ثقافية سعودية - مصرية مرتقبة

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي

كشف المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية، الاثنين، عن مفاجآت مرتقبة في إطار التعاون الثقافي بين المملكة ومصر، وذلك عقب اجتماعه مع وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي، على هامش زيارته الحالية للقاهرة، التي تمتد لأيام.
وجاء الاجتماع بالتزامن مع زيارة أخوية أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جدة، حيث استقبله الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، واستعرضا العلاقات الثنائية الوثيقة والتاريخية بين البلدَين، والسبل الكفيلة بتطويرها في مختلف المجالات.
وناقش الجانبان خلال الاجتماع سبل تعزيز التعاون الثقافي بين السعودية ومصر، وبحثا مشاريع في الموسيقى والأوبرا والسينما. كما أكدا عمق علاقات البلدين التاريخية، وأهمية توسيع آفاق الشراكة في المجالات الثقافية والفنية، بما يواكب التوجهات الاستراتيجية لقيادتيهما، ويعزز الحراك الإبداعي المشترك.

جانب من اللقاء بمقر وزارة الثقافة المصرية (حساب تركي آل الشيخ على «إكس»)

وقال المستشار تركي آل الشيخ في تصريحٍ له عقب الاجتماع، إنه اتفق مع الوزيرة جيهان زكي على «أن يكون شعارنا (نزرع الأمل والبهجة)»، مضيفاً: «لدينا مفاجآت كبيرة، ونتشارك ذات الرؤية والتوجه، وهناك مفاجآت تخص دار الأوبرا المصرية، حيث سيتم إعداد برنامج كبير لزيارة فناني الدار إلى المملكة بشكلٍ شهري».

وأعلن رئيس هيئة الترفيه السعودية عن مفاجأة كبيرة جداً يجري الإعداد لها في الساحل الشمالي، وأخرى تتعلق بالسينما والثقافة في جميع محافظات مصر، مؤكداً أن «الصيف سيكون مختلفاً في مصر هذا العام»، والمرحلة المقبلة ستشهد إعلان عدد من المبادرات التي تعكس مستوى التنسيق القائم بين الجانبين.

بدورها، أبدت الوزيرة جيهان زكي، سعادتها بالنقاشات والحوارات بين الجانبين، معربة عن تقديرها لروح التعاون المثمرة. وأكدت أهمية الشراكات السعودية - المصرية، مشيرةً إلى أن الثقافة تمثل ركيزة أساسية في ترسيخ علاقات البلدين الاستراتيجية.

الوزيرة جيهان زكي تستقبل المستشار تركي آل الشيخ (هيئة الترفيه السعودية)

ويأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة اجتماعات يعقدها المستشار تركي آل الشيخ خلال زيارته الحالية إلى القاهرة، بهدف تعزيز الشراكات الثقافية والفنية، وفتح آفاق جديدة للتكامل بين المؤسسات المعنية في السعودية ومصر، بما يخدم تطلعات الشعبين.

كان المستشار تركي آل الشيخ التقى في وقت سابق، وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان، وبحثا تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات الإعلام والثقافة والفنون.

وقال رشوان إن زيارة آل الشيخ، بمضمونها وتوقيتها، تحمل رسالة ذات دلالات واضحة على أن العلاقات بين البلدين، على مختلف المستويات، بما فيها الجوانب الثقافية والإعلامية، أقوى وأكثر استقراراً ورسوخاً من أي محاولات يائسة للنيل منها أو تشويه حقيقتها.

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «فيسبوك» من لقائه مع الوزير ضياء رشوان

ونوَّه رئيس هيئة الترفيه السعودية بأنه سيجتمع مع عدد من المسؤولين عن شؤون الثقافة والإعلام والفنون، وكثير من الرموز المصرية في هذه المجالات، لبحث آفاق أوسع من التعاون، والارتقاء بالعمل المشترك إلى مستوى يتناسب مع ما يجمع البلدين وقيادتيهما من روابط تاريخية عميقة.

وأضاف آل الشيخ أن «هناك ثقافة عربية واحدة، بلغة عربية واحدة، أسهم فيها كل شعب عربي بطرق متنوعة، ولا شك أن التعاون المصري - السعودي اليوم يُمثّل أساساً في قيادة مشروع النهوض الثقافي العربي الشامل الذي نتطلع إليه».


واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
TT

واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

جددت واقعتا الكتابة على حائط بمنطقة آثار سقارة (غرب القاهرة) من قبل أحد المرشدين السياحيين، والتعدي على قلعة الجندي والحفر خلسة وتدمير حمام بخار بالكامل اكتُشف داخلها منذ ما يزيد على 5 سنوات... المطالب بضرورة التصدي لأي عمليات من شأنها تشويه الآثار المصرية، وتعريضها للخطر. وضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بمطالب لمتخصصين ومتابعين متنوعين بالحد من هذه السلوكيات.

وقال الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إن «المدهش في واقعة الكتابة بالطباشير أنها تأتي من مرشد سياحي، المفترض أنه على درجة كبيرة من الوعي بقيمة الأثر»، وطالب عبد البصير بـ«التصدي بحزم لمثل هذه التصرفات حتى يتم وأد حالات اللامبالاة والإهمال التي يمكن أن تنشأ لدى البعض، قبل أن تستفحل وتتفاقم ونجد صعوبة في السيطرة عليها».

وقال عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إن «تصرف المرشد السياحي وتبريره ما قام به، وعدم شعوره بالضرر الذي وقع على هرم سقارة، مسيء ومشين للآثار المصرية، ويعاقب عليه القانون، فضلاً عن أثره الحضاري السلبي الذي يمكن أن يصل للعالم من جراء تصرف عنصر يُفترض أن يتصدى لأي سلوك يشوّه الآثار لا أن يقوم هو به، كما أنه يجادل، وينفي علاقة الحجر الذي شوّهه بالأثر، والادعاء بأنه من الأحجار المضافة لهرم أوناس بسقارة».

مرشد سياحي يُشوّه هرم سقارة (يوتيوب)

وعدّ أن «التهاون مع مثل هذه التصرفات يعطي مردوداً سلبياً على الآثار المصرية، والتعامل معها، فضلاً عن نظرة العالم لنا حين نطالب باستعادة آثارنا المنهوبة»، وفق عبد البصير الذي دعا لوقفة قوية من نقابة المرشدين السياحيين بعد توقيف صاحب الواقعة.

في المقابل، كان هناك رصد لأعمال تعدٍّ على قلعة الجندي في سيناء، التي تقع على طريق الحج، وقد كشف عن هذه التعديات الخبير الأثري الدكتور عبد الرحيم ريحان في صفحته على «فيسبوك»، وقال إن «أعمال حفر نُفّذت خلسة أدت إلى تدمير حمام بخار بالكامل، كان قد اكتُشف في موسم حفائر 2020 - 2021 بواسطة بعثة آثار منطقة جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية، على الطريق الحربي لصلاح الدين في سيناء المعروف بطريق صدر».

جانب من أعمال التدمير التي رُصدت في الحمام الأثري (صفحة د.عبد الرحيم ريحان على «فيسبوك»)

ونشر ريحان صورة تظهر أرضية الحمام وقت اكتشافه، وتُوضح أن الأرضية كانت سليمة، وبعدد 6 بلاطات أثرية بحالة كاملة كما هو مثبت فى تقرير الحفائر، الذي يُشير إلى أنه ثالث حمام أيوبي متبقٍّ فى سيناء، وصورة أخرى تظهر أرضية الحمام بعد حدوث تعدٍّ عليه من قبل المحيطين بالمنطقة، و«القيام بأعمال حفائر خلسة داخل القلعة بحثاً عن الآثار، وهو ما أدى إلى تدمير أرضية الحمام، مما يمثل كارثة كبرى. والحمام مكون من 3 حجرات وموقد حجري ضخم أسفل الحمام تحت البلاطات التي دُمِّرت، وبه أحواض علوية وحوض توزيع ومغطس».

ووفق الدكتور فاروق شرف، خبير ترميم الآثار المصرية، فإن «ما جرى من تشويه داخل هرم أوناس بسقارة، وتدمير حمام كامل بقلعة الجندي بسيناء، يرجعان لوجود حالة تراخٍ من الأثريين أنفسهم في حماية الآثار»، وطالب في حديث لـ«الشرق الأوسط» بـ«ضرورة تكثيف المراقبة من جانب وزارة السياحة والآثار، فلا يجوز أن تُترك كنوزنا وهي موجودة في مساحات شاسعة عرضة للانتهاك دون حماية»، وأضاف شرف: «أقترح أن ينظم المجلس الأعلى للآثار محاضرات دورية للعاملين في مجال الآثار، إضافة إلى طلبة المدارس، توضح لهم أهمية الآثار وقضية حمايتها والحفاظ عليها وطرق ترميمها»، مؤكداً أن الاهتمام بالوعي الأثري هو حائط الصد الأول للحماية، وأن «وجود الأثر في منطقة بعيدة مثل قلعة الجندي لا يُبرر انتهاكه، ولا التعدي عليه».