أفريقيا... «ساحة صراع على النفوذ» بين واشنطن وموسكو وبكين

أميركا اعتمدت استراتيجية جديدة تُركز على «دبلوماسية التنمية»

بلينكن لدى وصوله إلى مطار جوهانسبرغ السبت (أ.ف.ب)
بلينكن لدى وصوله إلى مطار جوهانسبرغ السبت (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... «ساحة صراع على النفوذ» بين واشنطن وموسكو وبكين

بلينكن لدى وصوله إلى مطار جوهانسبرغ السبت (أ.ف.ب)
بلينكن لدى وصوله إلى مطار جوهانسبرغ السبت (أ.ف.ب)

مرة أخرى تبرز أفريقيا بوصفها ساحة للصراع على النفوذ بين القوى العظمى، ممثلة في الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين، عبر زيارات لمسؤولي الدول الثلاث إلى القارة، بحثاً عن دعم، وحفاظاً على النفوذ في ظل تزايد حدة الصراعات الدولية تحت ما يسمى بـ«الحرب الباردة الجديدة» في أعقاب الأزمة الروسية - الأوكرانية، وبوادر الأزمة الأميركية - الصينية.
وفي إطار الصراع على النفوذ، بدأ وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الأحد، جولة أفريقية تشمل جنوب أفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، في خطوة توصف بأنها محاولة لـ«تكثيف النشاط الدبلوماسي الأميركي في القارة»، حيث إنها تتزامن مع زيارة سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، لغانا ورواندا، وتأتي في أعقاب جولة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أفريقيا الشهر الماضي، والتي شملت كلاً من مصر وإثيوبيا والكونغو وأوغندا، وجولة وزير الخارجية الصيني التي شملت إريتريا وكينيا وجزر القمر بداية العام الحالي.

                                                  لافروف برفقة رئيس أوغندا بعنتيبي في 26 يوليو (أ.ب)

تأكيد على الشراكة
وبينما حاول لافروف خلال زيارته لأفريقيا حشد الدعم لبلاده في الأزمة الأوكرانية والتأكيد على «أفريقيا كشريك أساسي لموسكو»، مشيراً لـ«دور بلاده التاريخي في دعم حركات التحرر الوطني في دول القارة»، مع الحديث عن «خطط ومشروعات تعتزم موسكو تنفيذها لدفع جهود التنمية في القارة»، يأتي بلينكن بأجندة مماثلة تتضمن التأكيد على أن «الدول الأفريقية شريك أساسي في أكثر القضايا إلحاحاً في عصرنا، من تعزيز نظام دولي مفتوح ومستقرّ، والتطرق إلى تداعيات التغيّر المناخي وانعدام الأمن الغذائي والأوبئة العالمية، وتشكيل مستقبلنا التكنولوجي والاقتصادي»، بحسب بيان للخارجية الأميركية.
الصراع على النفوذ في القارة الأفريقية ليس جديداً، بحسب الدكتور عطية العيسوي الخبير في الشؤون الأفريقية، الذي أوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الروسية - الأوكرانية وأزمة تايوان كانت بمثابة عود الثقاب الذي أشعل الصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي على أفريقيا»، مشيراً إلى أن أسباب الصراع تتلخص في «كون أفريقيا مصدراً للمواد الخام، إضافة إلى أنها سوق كبيرة لتصدير المنتجات المختلفة». ويقول العيسوي إن «أميركا وفرنسا لا تريد أن تنفرد الصين وروسيا بقارة أفريقيا، فالصراع دائم ومستمر، وإن كان يخبو في فترات، ثم يعود للواجهة مرة أخرى حسب اهتمامات الإدارة الأميركية».
تأتي زيارة بلينكن بالتزامن مع الإعلان عن استراتيجية جديدة بشأن القارة الأفريقية، كشفت عنها مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، في تقرير نشرته الجمعة، قالت فيه إن «الاستراتيجية الجديدة تهدف إلى إحياء المشاركة الأميركية في جميع أنحاء القارة، والتركيز على الدبلوماسية والتنمية بدلاً من العسكرة، في إطار التنافس مع الصين وروسيا». وأوضحت أن «الاستراتيجية الجديدة تتضمن التأكيد على تعزيز الديمقراطية والحكم والأمن، والتركيز على التعافي من جائحة (كوفيد – 19). ومعالجة أزمة المناخ»، وتابعت أن «واشنطن ستغير أولوياتها في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل الأفريقي، من الدعم العسكري إلى دبلوماسية التنمية»، خاصة بعد أن «أنفقت الولايات المتحدة وشركاؤها مليارات الدولارات لدعم العمليات العسكرية ضد الجهات الإرهابية، دون أن تحقق النتائج المرجوة».
ويرجع إبراهيم إدريس، الباحث الإثيوبي المقيم في الولايات المتحدة الأميركية، الصراع بين الدول الثلاث إلى زمن الحرب الباردة بين معسكر الشرق والغرب. ويقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الدول الثلاث تتنافس على إيجاد مراكز قوى في عدة دول، من بينها جيبوتي وإريتريا والصومال وإثيوبيا»، مشيراً إلى أن «الصراع على الوجود العسكري يبرز بشكل رئيسي في دول القرن الأفريقي».
وتتعدد أوجه الصراع على القارة بين محاولة لفرض النفوذ العسكري عبر مجموعة من القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في عدة دول أفريقية أبرزها جيبوتي، التي تضم وحدها 9 قواعد عسكرية، أو عبر التسليح، وهو مصدر قوة روسيا في القارة، أو من خلال مؤتمرات القمة الروسية - الأفريقية، والصينية - الأفريقية، أو عبر تعزيز النفوذ الاقتصادي والذي تتفوق فيه الصين. وهنا يقول العيسوي إن «الصين منذ عشر سنوات أصبحت صاحبة أعلى معدل تبادل تجاري مع القارة الأفريقية، والذي بلغ 190 مليار دولار عام 2020. إضافة إلى تغلغل الصين في تنفيذ المشروعات الاقتصادية ومشروعات البنية التحتية في مختلف دول القارة».
على الصعيد الرسمي، تحاول الولايات المتحدة الأميركية تبرير وجودها في القارة بأنه لخدمة التنمية وليس في إطار صراع مع الصين وروسيا، وهو ما أكدته سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، في تصريحات لها الأربعاء على هامش زيارتها لغانا، بقولها إن «الولايات المتحدة تركز على تقديم المساعدات لغانا وأوغندا في مواجهة أزمة الغذاء، وليس المنافسة مع الصين وروسيا».
لكن كاميرون هدسون، الخبير في العلاقات الأميركية - الأفريقية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، يقول في تصريحات نشرتها «فورين بوليسي»، إنه «ينبغي الاعتراف بأن هناك منافسة خاصة مع الصين في أفريقيا، وأن واشنطن غالباً ما تكون في الطرف الخاسر».

مناطق النفوذ
وفي محاولة لتقسيم مناطق النفوذ بين الدول الثلاث، يقول العيسوي إن «الصين تتمتع بنفوذ قوي في جميع دول القارة، لأنها لا تبدي رغبة في فرض نفوذ سياسي، ولا تضع شروطاً سياسية للتعاون كما تفعل الولايات المتحدة الأميركية. من هنا نجد بكين موجودة في جميع الدول، حتى تلك التي تخضع للنفوذ الغربي مثل أنغولا، التي توجد بها قاعدة عسكرية أميركية».
أما روسيا فتعتمد في وجودها في القارة على العلاقات التاريخية، ومشاركتها في دعم حركات التحرر من الاستعمار، لذلك يتسع نفوذها في عدد كبير من الدول الأفريقية، وخاصة زيمبابوي، وأنغولا، وجنوب أفريقيا، وأفريقيا الوسطى، ونيجيريا، وحتى إثيوبيا، خاصة في أعقاب توتر العلاقات بين أديس أبابا وواشنطن على خلفية أزمة سد النهضة وتيغراي.
ويقول العيسوي إن «إثيوبيا تستخدم هذا التقارب الحالي مع روسيا وسيلة للضغط على واشنطن لرفع العقوبات، واستئناف المساعدات الأمنية»، مشيراً إلى أن «موسكو استطاعت بدعمها للدول الأفريقية تحييد هذه الدول عند التصويت على الأزمة الأوكرانية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تراوحت مواقف دول القارة بين الاعتراض أو الامتناع عن التصويت ضد روسيا».
ويمتد النفوذ الأميركي في أكثر من 40 دولة أفريقية، مع اختلاف الدرجة حسب المساعدات وشدة الاتهامات التي توجهها واشنطن لأنظمة الحكم. ويقول العيسوي إن «جميع الدول الأفريقية تدرك أنه لا يمكن الاستغناء عن دور أميركا، خاصة مع سيطرتها على الجهات المانحة والعلاقات الدولية».
وتسعى واشنطن من خلال زيارة بلينكن إلى «التأكيد على أن الدول الأفريقية شريك مهم»، بحسب الباحث في معهد بروكينغز لاندري سين، الذي يقول إن «زيارة بلينكن تأتي في لحظة فريدة تتشكل فيها الضغوط الاقتصادية والصحية والجيوسياسية، ومن المرجح أن تعيد ترتيب الأولويات واتخاذ المزيد من الإجراءات، لافتة إلى أن «الزيارة تأتي بعد أيام من زيارة لافروف لأربع دول أفريقية، لتوسيع الوجود الروسي في أفريقيا، وفي أعقاب إعلان إدارة بايدن عن قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا التي ستعقد في واشنطن العاصمة نهاية العام الحالي».
ويتركز الصراع في الدول ذات الاحتياطيات البترولية الكبيرة، أو التي تضم مناجم للذهب والنحاس مثل أنغولا ونيجيريا والكونغو ودول أفريقيا الوسطى، وزامبيا، وجنوب أفريقيا، إضافة إلى الدول التي تنشط فيها جماعات إرهابية مثل دول شرق أفريقيا، ودول الساحل.


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

تحطمت طائرته وسقط بلا مظلة... كيف نجا ضابط أميركي من الموت في جبال إيران؟

طائرة من طراز «إف-15 إي» تابعة لسلاح الجو الأميركي (صورة من سلاح الجو الأميركي)
طائرة من طراز «إف-15 إي» تابعة لسلاح الجو الأميركي (صورة من سلاح الجو الأميركي)
TT

تحطمت طائرته وسقط بلا مظلة... كيف نجا ضابط أميركي من الموت في جبال إيران؟

طائرة من طراز «إف-15 إي» تابعة لسلاح الجو الأميركي (صورة من سلاح الجو الأميركي)
طائرة من طراز «إف-15 إي» تابعة لسلاح الجو الأميركي (صورة من سلاح الجو الأميركي)

روى ضابط في سلاح الجو الأميركي تفاصيل مثيرة عن نجاته بعد تحطم طائرته المقاتِلة فوق منطقة جبلية بالصحراء الإيرانية، في أبريل (نيسان) الماضي، مؤكداً أنه واجه الموت لحظة سقوطه الحر من ارتفاع شاهق، قبل أن يقضي نحو 50 ساعة مصاباً ومتخفياً في إيران، إلى أن تمكنت القوات الأميركية من إنقاذه.

ووفق شبكة «سي بي إس نيوز» الأميركية، كان الضابط الأميركي، الذي عُرف باسم رمزه العملياتي «برافو Bravo» لدواعٍ أمنية، يجلس في المقعد الخلفي لمقاتِلة أميركية من طراز «إف-15 إي» بصفته ضابط أنظمة الأسلحة؛ أي الضابط المسؤول عن أنظمة التسليح والرادار والتنسيق التكتيكي للمعركة، خلال مهمة أطلقت، ليلة الثاني من أبريل، بالقرب من منطقة جبلية جنوب مدينة أصفهان، على مقربة من موقع كانت تحتفظ فيه إيران بجزء كبير من موادها النووية عالية التخصيب.

ووفقاً لقائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، الأدميرال براد كوبر، فقد تمثلت مهمة الطائرة، في تلك الليلة، في شن ضربة على منشآت صناعية مرتبطة ببرنامج الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيراني.

إلا أن الطائرة، التي تبلغ تكلفتها 30 مليون دولار وتُعد ركيزة أساسية في العمليات القتالية الجوية الأميركية منذ عقود، أُسقطت بصاروخ محمول على الكتف، وهي أسلحة قد تبلغ تكلفة الواحد منها نحو 100 ألف دولار.

لحظات من الرعب

وفي أول رواية علنية له عما حدث، وصف «برافو» لحظة إصابة الصاروخ للطائرة بأنها كانت تشبه «الاصطدام بقطار شحن».

وأشار، في حديثه لـ«سي بي إس نيوز»، إلى أنه بذل هو وزميله قصارى جهدهما لإنقاذ المقاتلة. لكن سرعان ما اتضح أن إنقاذ الطائرة أمر مستحيل، فاضطر الطياران إلى القفز بالمظلة.

لكن الصاروخ ألحق أضراراً بمظلة «برافو» أيضاً، ما جعله يسقط بسرعة تُقدر بنحو 110 - 160 كيلومتراً في الساعة.

وقال «برافو» عن تلك اللحظة: «نظرتُ للأعلى ولم أرَ مظلة، وكان ذلك أكثر المشاهد رعباً في حياتي. لذا صليتُ قائلاً: يارب، لتكن مشيئتك، لكن إذا كان لي أن أنجو من هذا الموقف، فأنا بحاجة إلى المساعدة».

واصطدم الضابط بالأرض بقوة، ما تسبَّب في إصابته بكسر في الظهر والذراع والكتف، لكنه تمكّن، رغم إصاباته، من الابتعاد عن موقع سقوطه، قبل أن يصعد إلى منطقة جبلية مرتفعة على أمل الاختباء من القوات الإيرانية التي كانت تبحث عنه.

سباق مع الزمن لإنقاذه

في الولايات المتحدة، أُبلغ وزير الحرب بيت هيغسيث بسقوط الطائرة، وأكد أن بلاده ستتحرك لإنقاذ الطيارين.

وتمكنت القوات الأميركية، بعد نحو 6 ساعات، من إنقاذ قائد الطائرة، الذي أُطلق عليه الاسم الرمزي «ألفا»، خلال عملية نهارية تعرضت خلالها المروحيات الأميركية لإطلاق النار.

وقال هيغسيث: «كانت معركة بالأسلحة النارية، طوال الطريق إلى الداخل، وطوال الطريق إلى الخارج، لكنهم أعادوا (ألفا)».

غير أن قوات الإنقاذ لم تتمكن، في البداية، من العثور على «برافو»، الذي ظل مختبئاً في الجبال، وسط البرد والرياح وقلة الطعام والمياه.

وكادت تُرسل قوة إنقاذ بعد ذلك بوقت قصير، إلا أن هيغسيث أشار إلى أن «الظروف لم تكن مواتية لتنفيذ ذلك».

وأضاف هيغسيث قائلاً: «لقد كان قراراً صعباً للغاية. لن أنسى أبداً وجودي في غرفة العمليات وقولي: حسناً، أعتقد أننا سننتظر 24 ساعة أخرى».

وكالة الاستخبارات تدخل على خط الإنقاذ

لعبت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية دوراً محورياً في تحديد موقع «برافو» وإنقاذه، من خلال عملية خداع واسعة هدفت إلى تضليل القوات الإيرانية التي كانت تبحث عنه، إلى جانب استخدام تقنيات سرية لتحديد مكانه.

وقبل بدء عملية الإنقاذ النهائية، نفذت قاذفات وطائرات مسيّرة أميركية ضربات على مواقع تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني بالقرب من المنطقة التي كان يختبئ فيها الضابط.

وشارك أكثر من 90 جندياً أميركياً على الأرض في عملية الإنقاذ، بينما شارك مئات آخرون في الجو وآلاف العناصر في تقديم الدعم. ووصف كوبر العملية بأنها واحدة من أكثر عمليات الإنقاذ تعقيداً في تاريخ الجيش الأميركي.

وقال «برافو» إن رؤيته للمنقذين كانت «واحدة من أعظم لحظات حياته».

لكن الخطر لم ينتهِ عند هذه النقطة، إذ علقت طائرات الإنقاذ في الرمال، ما حال دون إقلاعها، إلى أن تدخلت وحدة سرية تابعة للقوات الجوية لإنقاذ الموقف. واضطرت القوات الأميركية إلى تدمير طائرتين ومروحيات إنقاذ لمنع وقوع تقنياتها في أيدي الإيرانيين.

وبعد نحو خمسين ساعة من إسقاط طائرته، تمكن «برافو» من مغادرة إيران.

وبعد عودته إلى الولايات المتحدة، أكد الضابط أن ما جرى لا يراه قصة شخصية عن نجاته فحسب، بل «نموذجاً لما يمكن أن يحققه العمل الجماعي والتدريب والقيادة».

أما زميله «ألفا»، فأعرب عن امتنانه لفرق الإنقاذ، قائلاً: «ما زلت منبهراً بـالاحترافية والبراعة التكتيكية التي أظهرها متخصصو البحث والإنقاذ والقوة المشتركة التي نفذت مهمة إنقاذي وإنقاذ برافو، سواء أولئك الموجودون في مسرح العمليات أم مَن عملوا خلف الكواليس».


ترمب ينتقد «الأصوات السلبية» المطالبة بإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

ترمب ينتقد «الأصوات السلبية» المطالبة بإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس (الأحد) الأصوات التي طالبت في الآونة الأخيرة بإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، واصفاً إياها بـ«السلبية».

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد قال الرئيس الأميركي في تصريح لصحافيين خلال زيارته آيرلندا: «أعتقد أن هناك الكثير من الأصوات السلبية التي تثير المسألة ولا يجدر بها فعل ذلك وتتحدث عن أمور لن تحدث».

وأضاف: «نحن نسبق الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. نحن أكثر الدول تقدماً في العالم، وبصراحة أريد الحفاظ على هذا الوضع، لأن من يفز بالذكاء الاصطناعي هو الفائز».

وأتت هذه التعليقات بعد أيّام من قرار الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي جايكوب كوكسون مغادرة القطاع، متّهما شركتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» حيث عمل سابقاً بـ«المقامرة بحياتنا» في السباق إلى تطوير نماذج قادرة على تحسين قدراتها ذاتياً.

وكتب كوكسون في منشور على «إكس» أن «الأشخاص الذين يبنون الذكاء الاصطناعي يظنّون فعلاً أنه قد يقتلنا جميعاً بحلول نهاية العقد».

وحثّ مدير «أنثروبيك» داريو أمودي السبت الشركات على إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، في ظلّ مخاوف متنامية من مخاطر الأنظمة «الفائقة الذكاء».

وأيَّد هذا الطرح الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان ومالك شركة «إكس إيه آي» الملياردير إيلون ماسك، مع ازدياد الضغوط لتعزيز الإشراف على القطاع.

وفي مقابلة نشرت السبت، قال ألتمان إن شركته لن تطرح أسهمها في البورصة هذه السنة بسبب مخاوف مرتبطة بالسلامة.

من جهته، رأى رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون أن لجم تطوير الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يرتدّ سلباً على الولايات المتحدة في سباقها مع الصين.

وقال جونسون في تصريحات لشبكة «سي إن إن» صباح الأحد: «إذا ما عقد الكونغرس جلسة طارئة في مسعى إلى ضبط الذكاء الاصطناعي، فسنخسر السباق مع الصين ويشكّل ذلك تهديداً لكل الأميركيين».

وتابع: «لا داعي للذعر حالياً. علينا أن نتعامل مع هذه التكنولوجيا الجديدة كما تعاملنا مع غيرها في الماضي، وأن نضمن فعل كل ما في وسعنا بحس من المسؤولية، من دون كبح الابتكار الأميركي».

ودعا جونسون إلى عقد اجتماع في الكونغرس مع كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع الذكاء الاصطناعي لمناقشة أفضل إطار تنظيمي ممكن.

وقال جونسون: «سأفعل ذلك غداً».

يأتي موقف جونسون جزئيّاً رداً على دعوات أطلقها معارضون ديمقراطيون بارزون لإلغاء العطلة البرلمانية المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) حتى يتسنى للمشرعين العمل على تشريع يتّصل بسلامة الذكاء الاصطناعي.

وأقر كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الأبيض، بالمخاطر التي قد تترتّب على تفلّت الذكاء الاصطناعي من الضوابط، لكنه قال إن «الخطر الأكبر» يتمثل في «تمكّن طرف سيئ النية من الوصول إلى نظام ذكاء اصطناعي أفضل من النظام الذي نملكه والقادر على حمايتنا».

لكن قادة ديمقراطيين اعترضوا على هذا الطرح.

يواصل قطاع الذكاء الاصطناعي توسعه بوتيرة سريعة ومقلقة (رويترز)

وقال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز في مقابلة أجرتها معه شبكة «إيه بي سي» الأحد: «نحن بالتأكيد بحاجة إلى التحرك بشكل عاجل لمواجهة التحديات القائمة. وللأسف، تخلّى الجمهوريون عن مسؤولياتهم».

ودعا ديمقراطيون من الجناح اليساري في الحزب، من بينهم النائب عن ولاية كاليفورنيا رو خانا، إلى وقف كامل لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تحسين قدراتها ذاتياً.

وتبنَّت إدارة ترمب إلى حد بعيد شركات الذكاء الاصطناعي خلال ولايته الثانية.

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد ضخَّ مسؤولون تنفيذيون في مجال الذكاء الاصطناعي أموالاً طائلة في حملة انتخابات التجديد النصفي ⁠للكونغرس المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، والتي ‌ستحدد السيطرة على مجلسيه النواب والشيوخ.


ترمب يقلل من أهمية تقارير عن تزويد كيانات صينية إيران بمعلومات استخباراتية

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرة الرئاسة أثناء عودته من أيرلندا (ا.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرة الرئاسة أثناء عودته من أيرلندا (ا.ف.ب)
TT

ترمب يقلل من أهمية تقارير عن تزويد كيانات صينية إيران بمعلومات استخباراتية

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرة الرئاسة أثناء عودته من أيرلندا (ا.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن طائرة الرئاسة أثناء عودته من أيرلندا (ا.ف.ب)

قلل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، من أهمية تقارير إعلامية تفيد بأن كيانات صينية زودت طهران بصور أقمار اصطناعية لقاعدة عسكرية في الأردن، قبل وبعد هجوم إيراني عليها أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين.

وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية بعد يوم من نشر صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريرا يكشف مشاركة بكين معلومات استخباراتية، «عندما يقولون إن الصين تتجسس علينا، أقول إنهم محقون، ونحن أيضا نتجسس عليهم».

أضاف «هذا ما نفعله. إنهم في الاساس يفعلون ما نفعله نحن».

وقد تؤدي تقارير كهذه إلى مفاقمة التوتر بين واشنطن وبكين قبيل زيارة رسمية للرئيس الصيني شي جينبينغ إلى البيت الأبيض في 24 سبتمبر (أيلول).

ولاحقاً صرحت وزارة الخارجية الصينية تعقيباً على على تقارير مساعدة إيران، بأن بكين تعارض بشدة «الاتهامات التي لا أساس لها». وقال الناطق باسم الوزارة غوو جياكون في مؤتمر صحافي دوري «نحن ننفي بشدة الشكوك والاتهامات التي لا أساس لها ولا تستند إلى أية أدلة».

وفي 17 يوليو (تموز)، شنت إيران هجمات صاروخية على قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن التي تتمركز فيها قوات أميركية، ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود من الجيش الأميركي.

ولم يسم المسؤولون الأميركيون الذين استندت اليهم «وول ستريت جورنال» في تقريرها، الكيانات الصينية المتورطة، كما لم يشيروا إلى أن بكين تتحمل مسؤولية مباشرة.

وذكرت الصحيفة في وقت متأخر الجمعة، أن مسؤولين صينيين عندما ووجهوا بالأمر طالبوا الأميركيين بأدلة، ورفضوا الإقرار بتورط أي كيانات صينية في نقل مثل هذه الصور.

وكان ترمب قد حذر بكين من بيع أسلحة لإيران، كما فرضت واشنطن في مايو (أيار) عقوبات على ثلاث شركات صينية متخصصة في الأقمار الاصطناعية لدورها في دعم العمليات العسكرية الإيرانية.

وتعد الصين شريكا اقتصاديا رئيسيا لإيران، إذ تشتري منها جزءا كبيرا من إنتاجها النفطي.

ومع ذلك، قال ترمب الأحد إن الرئيس الصيني شي جينبينغ «تصرف بشكل معقول، ونحن نتصرف بشكل معقول أيضا».

وردا على سؤال عما إذا كان سيسمح يوما ببيع السيارات الصينية في الولايات المتحدة، قال ترمب «لم أفعل ذلك. أنا من منع دخولها، فالرسوم الجمركية هي التي منعت دخولها».