مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز: العزلة هي قدر الإنسان والحب خلاصه الوحيد

أغرم بها في مطالع الصبا وظلا متلازمين إلى ما بعد الموت

مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز
مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز
TT

مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز: العزلة هي قدر الإنسان والحب خلاصه الوحيد

مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز
مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز

إذا كانت الواقعية السحرية هي العبارة النمطية التي لازمت اسم غابرييل غارسيا ماركيز، وتجربته الروائية الفريدة منذ عقود، فإن صاحب «خريف البطريرك»، كان يرى أن «العزلة» دون سواها هي الكلمة السحرية التي يمكن بواسطتها الولوج إلى دهاليز عالمه السردي وأنفاقه المتشعبة. ومع أن ماركيز لا ينفي بشكل مطلق تداخل الواقعي والسحري في رواياته، إلا أنه يذهب بالمقابل إلى القول بأن ثمة أساساً واقعياً لكل ما نعته الكثيرون بالسحري والخارق وغير المألوف في كتاباته. ولكي يزيل لدى قرائه أي شعور بالحيرة واللبس، يقول ماركيز بأن الحياة اليومية في أميركا اللاتينية تقدم عشرات الشواهد على واقعية حكاياته، حيث شاهد رحالة أميركي شمالي، في مغامرة استكشافية لأعماق الأمازون، ساقية فرعية تجري في وسطها مياه تغلي. كما حدث في الأرجنتين أن رياحاً قطبية عاتية اقتلعت سيركاً كاملاً، وطارت به بعيداً عن مكانه الأصلي. كما أن المرأة التي دفعتها رياح مماثلة إلى الطيران مع ملاءاتها المنشورة على حبل الغسيل، هي الخلفية الواقعية لحكاية ريميديوس الجميلة التي جعلها الكاتب تطير نحو السماء.
على أن ماركيز الذي يرى، في حواره المطول مع صديقه بيلينو ميندوزا، أن الكاتب لا يكتب في حياته سوى عمل واحد، وأن الأعمال الأخرى ليست سوى تنويعات متفرقة على ذلك العمل، يقول لمحاوره إن الكتاب الأساسي الذي تتمحور حوله أعماله بمجملها هو «كتاب العزلة»، ليتابع موضحاً بأن هذه الظاهرة لا تنحصر بعمله الأشهر «مائة عام من العزلة» فحسب، بل تتعداه إلى بطل «الأوراق الذابلة» الذي يعيش ويموت بمفرده. وكذلك بطل «ليس للكولونيل من يكاتبه» الذي ينتظر مع زوجته وديكه معاشاً تقاعدياً لن يصله أبداً. وهو الوضع نفسه في «الساعة الرديئة» و«خريف البطريرك».
«ولكن ما هو مصدر الشعور بالعزلة عند آل بوينديا؟»، يسأل ميندوزا، ماركيز، في معرض حديثه عن العقيد أوريليانو، بطل الرواية التي أهدت كاتبها جائزة نوبل للآداب عام 1982، والتي صرح ماريو فارغاس يوسا قبل أيام بأنه لا يغار من ماركيز نفسه، بل من رائعته الروائية «مائة عام من العزلة».
«لأنهم يفتقرون إلى الحب»، يجيب ماركيز، ثم يستدرك قائلاً بأن أوريليانو، ذا ذنَب الخنزير، كان الوحيد الذي أنجب عن حب خلال قرن كامل، في حين أن الآخرين كانوا يختنقون بعزلتهم وخوائهم الروحي. بالإضافة إلى ذلك يسهب مؤسس الواقعية السحرية في الحديث عن العلاقة العاطفية الآهلة بالمصاعب، التي جمعت بين أبيه غابرييل إيليخو، وبين أمه لويسا التي مانع والدها في تزويجها من عامل التلغراف المولع بالنساء، قبل أن يفلح الأخير، عن طريق القصائد الشعرية والعزف على الكمان والرسائل التلغرافية، في الاقتران بالفتاة الجميلة، لينجبا بعد ذلك أحد عشر ابناً وابنة، أكبرهم الطفل الذي سيبهر العالم بأسلوبه الروائي الأخاذ، والذي يعترف فيما بعد بأنه استوحى من المغامرة العاطفية المؤثرة لأمه وأبيه، رائعته الروائية الأخرى «الحب في زمن الكوليرا».
إلا أن المتابعين الكثر لأعمال ماركيز، والمتعطشين للاطلاع على سيرته الشخصية وخفايا حياته، لن يجدوا في مذكراته الصادرة عام 2002 في جزأين اثنين، ما يرضي فضولهم للوقوف على حياته العاطفية ومغامراته المختلفة مع النساء. وبدلاً من ذلك يطلعنا المؤلف على كتابه الأثيرين، وعلى انخراطه يافعاً في العمل الصحافي، حيث تنقل بين «اليونيفيرسال» و«هيرالدو» و«السبيكتادور»، وعلى أعماله الأولى التي كلفه نشرها الكثير من المشقات والتعديلات المتواصلة. ولعل أطرف ما يرويه الكاتب الكولومبي المعروف بأسلوبه الساخر، هو ما رواه عن استرداده لمخطوطة له، كانت قد سُرقت مع أغراض أخرى تخصه، ليتبين أن اللص الذي أعادها، قام بتصحيح ثلاثة أخطاء إملائية كان ماركيز قد ارتكبها أثناء الكتابة. كما يُطلعنا على ما كابده في سنوات شبابه من فقر مدقع، أوصله إلى حدود التسول، بعد إغلاق الصحيفة التي كان يعمل مراسلاً لها في باريس، من قبل الديكتاتور الكولومبي روخاس بينيلا.
أما فيما يخص علاقته بالمرأة، فيقر ماركيز بأن النساء وحدهن يمنحنه الشعور بالأمان، ليضيف قائلاً: «في كل لحظة من لحظات حياتي، كان ثمة امرأة تقودني من يدي في ظلمة الواقع، الذي تعرفه النساء أكثر من الرجال، ويتخطينه بسهولة أكبر وضَوءٍ أقل». وحيث يظهر التباين واضحاً بين تصريحات ماركيز النظرية، وبين تحفظه اللافت في الكشف عن تفاصيل غرامياته ونزواته المشبوبة، فإن الكاتب نفسه يعترف بهذا الوضع «الفصامي»، ويعزوه إلى تربيته الكاثوليكية المحافظة، وإلى الأعراف والتقاليد التي كان قد كرسها المجتمع البورجوازي في فترة شبابه.
كما يعترف ماركيز في مذكراته بأن المرأة الوحيدة الذي شغف طيلة حياته بها هي مرسيدس بارشا. فمنذ لقائه بها طفلة على مقاعد الدراسة، أدرك أنها ستكون دون غيرها من نساء الأرض، حبيبته وزوجته ورفيقة دربه. وحيث لم تأبه الفتاة اليانعة لعرض الزواج الذي قدمه لها في لقائهما الأول، فقد راح يوطد علاقته بوالدها الصيدلاني الليبرالي، الذي بات أحد الأعضاء الدائمين في حانة «الرجل الثالث» التي كان يرتادها البحارة ومجدفو السفن في ذلك الزمن. ومع أن الابنة التي كانت تزاول دراستها في مدينة مديين، لم تكن تزور أسرتها إلا في أعياد الميلاد، فإن ماركيز كان يملك من الجلَد والشغف، ما يجعلاه قادراً على أن ينتظر عودتها النهائية إلى «بيت الطاعة» الزوجي، لعشرة أعوام كاملة، بما يجعل من قصته معها نوعاً من أوديسة مقلوبة، تلعب مرسيدس فيه دور عوليس السادر في مغامراته، فيما يتحول ماركيز إلى بنيلوب المنتظِرة، التي لم تفت من عزيمتها الوحدة والانتظار وتقادُم السنين.
«لقد كانت مرِحة ولطيفة في تعاملها معي على الدوام، ولكنها تمتلك موهبة مشعوذ في التملص من الأسئلة والإجابات، وعدم الالتزام بأي شيء محدد. وكان عليّ أن أتقبل ذلك على أنه استراتيجية أكثر رحمة من عدم المبالاة أو الصد»، يقول ماركيز في مذكراته. ورغم أنها أخبرته حين دعاها إلى الرقص في إحدى الحانات، بأن والدها يعتقد بإصرار بأن الأمير الجدير بالزواج منها لم يولد بعد، فقد بدا أنها بدأت تميل إليه، قبل أن تلتحق مرة أخرى بدير للراهبات، جاعلة من الرسائل المتبادلة بينهما الوسيلة الأنجع لإبقاء العلاقة في حالة التوهج. أما ماركيز فيعترف من جهته بأن رسالة مقتضبة وصلته من مرسيدس تقول فيها «لقد قتلوا كايتانو»، وهو طبيب معروف وعاشق بارع وصديق للطرفين، كانت كافية بالنسبة له للشروع في كتابة روايته الشهيرة «قصة موت معلن».
كان على ماركيز أن ينتظر عام 1958 لكي تتكلل بالزواج علاقته بمرسيدس، ذات الأصول المصرية - اللبنانية، التي تُظهرها بوضوح عظامها العريضة وعيناها البنيتان الواسعتان وسحنتها السمراء. وفي حوار لاحق مع مجلة كولومبية تقول مرسيدس، «جدي كان مصرياً خالصاً. كان يغني لي باللغة العربية، ويرتدي القطنيات البيضاء ويضع على رأسه قبعة من القش». أما ماركيز من جهته فيرى في مرسيدس «الشخصية الأكثر استحقاقاً للتقدير من كل الذين عرفهم في حياته».
ولم تمض سنة واحدة على ارتباطهما، حتى رُزق الزوجان بابنهما الأول رودريغو، الذي سيصبح مخرجاً سينمائياً في وقت لاحق. وبعده بثلاث سنوات سيُرزقان بابنهما الثاني غونتالو الذي سيعمل فيما بعد مصمماً غرافيكياً في العاصمة المكسيكية، التي اختارها الأب مكاناً لإقامته، نائياً بنفسه وبعائلته في تلك المرحلة، عن الصراع الحاد مع سلطات بلاده القمعية. ومع ذلك فإن ماركيز كان يغتنم الفرص جميعها ليشيد بالدور الإيجابي الذي لعبته زوجته في مسيرته الشخصية والأدبية، معترفاً بأنه من دون تعاونها وصبرها على العوز، وحسن إدارتها لشؤون العائلة، لما كان لمسيرته الأدبية أن تؤتي ثمارها، أو لحياته القلقة أن تعرف الاستقرار.
ولم تكتف مرسيدس، في ظل شهرة زوجها الواسعة، بتقبل التزايد المطرد لعدد معجباته، بل كانت تذهب، وفق روايته، أبعد من ذلك، فتساعده على التقرب من المرأة التي ينجذب إليها، وعلى تهيئة الفرصة المؤاتية للقاء بها إذا شاء. وقد تكون الصداقة الوثيقة التي جمعت بين ماركيز وشاكيرا، التي تشاء المصادفات أن تكون هي الأخرى من أصل لبناني، الشاهد الإضافي على كبح زوجته لمشاعر الغيرة، آخذة بعين الاعتبار بأن ما تتحمله في هذا الصدد، هو الثمن الذي لا بد من دفعه لمنع علاقتهما الشائكة من الانهيار. والواقع أن الصداقة الفريدة التي جمعت بين المغنية الفاتنة والكاتب العبقري الذي يكبرها بخمسين عاماً، هو نوع من لقاء رمزي بين قمتي كولومبيا الشاهقتين، كما بين المرأة التي اعتبرها ماركيز «النموذج الأمثل لقوة أرضية تعمل في خدمة السحر»، والرجل الذي اعتبرته من ناحيتها «الفيلسوف الكبير والمايسترو الأمهر للكلمات».
إلا أن الصورة التي رسمها صاحب «الجنرال في متاهته» لنفسه، والتي أظهرته على امتداد العقود الخمسة التي جمعته بمرسيدس، بمظهر الزوج الوفي و«المتبتل» في حبه ووفائه، ما لبثت أن تعرضت للاهتزاز بُعيد رحيل زوجته بقليل. فقد تبين وفق التقرير الذي نشرته صحيفة «اليونيفرسال»، بأن لماركيز ابنة غير معروفة، كانت قد أنجبتها له من خارج إطار الزواج عشيقته المكسيكية الجميلة سوسانا كاتو، التي تصغره بثلاثة وثلاثين عاماً. والفتاة التي أطلق عليها والدها اسم أنديرا، تيمناً بزعيمة الهند الراحلة التي كانت إحدى قارئاته المثابرات، ما زالت تعمل في حقل إنتاج الأفلام، دون أن تحمل كنية والدها البيولوجي. وقد أوضح غوستافو تاتيس، الصحافي الذي نشر الخبر موثقاً بالأدلة، بأنه لم يقدم على إفشاء هذا الخبر الصادم احتراماً لمشاعر مرسيدس التي رحلت عن هذا العالم عام 2020، أي بعد رحيل زوجها بسنوات ست.
والأرجح أن علاقة ماركيز بالصحافية الحسناء لم تكن لتخفى على امرأة حاذقة وبالغة الذكاء كمرسيدس بارشا، ولكنها اختارت التعالي على جراحها، لا حماية لعقدهما العائلي من الانفراط فحسب، بل لأنها كانت تملك من الأنفة والكبرياء ما يحملها في الوقت نفسه، على القفز فوق جراحها العاطفية الشخصية.
ولعل أكثر ما يؤكد هذا «التعالي»، هو الحوار الأخير الذي أجراه الزوجان عام 2013، أي قبل عام واحد من رحيل ماركيز، مع هيكتور فليسيانو، ونشر لاحقاً في كتاب مستقل بالإسبانية عنوانه «الصحافي غابو». فحين سأل فليسيانو ماركيز عن رأيه بجمال زوجته، أجاب «جمال مرسيدس شرقي وساحر، وعيناي لم تر امرأة غيرها طوال أعوام الزواج». أما مرسيدس، الرصينة والمتحفظة، فقد أجابت عن سؤال يتعلق بمشاعرها إزاء الكاتب الشاب المتقدم لخطبتها آنذاك، بأن تمتمت باقتضاب بالغ «لا شيء!». لكن هذه الإجابة الصادمة لم تكن تعكس الحقيقة التي تخبئها الزوجة في أعماقها إزاء الرجل العبقري الذي منحته كل ما تملكه من صلابة وقدرة على العطاء. والأدل على ذلك هو أنها اختارت في وصيتها الأخيرة أن يتم حرق جثمانها، وأن يذرى جزء من رمادها بين كولومبيا والمكسيك، تماماً كما أوصى زوجها المثقل بالأمراض قبيل رحيله. وهي إذ اختارت أن يدفن رمادها المتبقي إلى جوار رماد ماركيز، فلكي تكمل من خلال الموت، ما ظلا يتقاسمانه، عبر ستة وخمسين عاماً، من مشاعر الحب والألفة والتكامل الخلاق.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تدشن أحدث مضخات الإنسولين الذكية 

لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
TT

السعودية تدشن أحدث مضخات الإنسولين الذكية 

لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)

وسط تسارع عالمي في معدلات الإصابة بمرض السكري، كشفت جلسات مؤتمر تدشين أحدث مضخات الإنسولين الذكية في العاصمة الرياض عن أرقام مقلقة، تضع السعودية في المرتبة التاسعة عالمياً من حيث انتشار المرض، في وقت تتجه فيه السعودية إلى توسيع استثماراتها في تقنيات الرعاية الصحية الحديثة لتحسين جودة حياة المرضى وتعزيز التحكم بالمرض.

وشهد المؤتمر الذي عُقد في «إنتركونتيننتال» تدشين جهاز «أومني بود 5» لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحضور نخبة من أطباء وخبراء السكري من مختلف دول العالم، لمناقشة أحدث التطورات التقنية والعلاجية المرتبطة بإدارة داء السكري، إلى جانب استعراض تجارب سريرية وتطبيقات عملية للتقنيات الذكية الحديثة.

وجاء المؤتمر بتنظيم «إنسوليت» الشركة المتخصصة في تطوير أنظمة توصيل الإنسولين والتقنيات الذكية الخاصة بإدارة مرض السكري، حيث افتتح الحدث المدير العام للشركة في الشرق الأوسط والأسواق الناشئة، إلى جانب مدير الشركة في السعودية، قبل انطلاق سلسلة من الجلسات العلمية والنقاشية التي تناولت مستقبل رعاية السكري في السعودية والتجارب المبكرة مع جهاز «أومني بود 5».

جانب من جلسات مؤتمر مرض السكري الذي نظّمته «إنسوليت» في «إنتركونتيننتال - الرياض» (تركي العقيلي)

وأوضح محمد آل مهذل، المدير الطبي لمركز السكري والغدد الصماء في مدينة الملك فهد الطبية، لصحيفة «الشرق الأوسط»، أن العالم يواجه اليوم وباءً عالمياً يتمثل في داء السكري والسعودية ليست استثناءً من هذا التحدي الصحي المتصاعد، فنحو 25 في المائة من البالغين في السعودية مصابون بالسكري، فيما تقترب نسبة مماثلة من مرحلة ما قبل السكري، مضيفاً أن «السعودية سجلت قرابة ربع مليون مريض بالسكري من النوع الأول، مع تزايد سنوي في معدلات الإصابة يصل إلى 10 في المائة للنوع الأول مقارنة بـ6 في المائة للنوع الثاني».

وتابع: «ارتفاع معدلات الإصابة لا يقتصر على السعودية فحسب، إنما يشهد العالم بأسره زيادة مستمرة، خاصةً في حالات السكري من النوع الأول لدى الأطفال»، مبيناً أن «الأسباب الدقيقة لا تزال غير معروفة حتى الآن بالرغم من وجود مجموعة نظريات ترتبط بالإصابات الفيروسية وبعض العوامل الغذائية والبيئية المحيطة».

ولفت آل مهذل إلى أن السكري من النوع الثاني يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها الاستعداد الوراثي والعادات الصحية غير السليمة. وأردف: «يسهم قلة النشاط البدني وعدم الالتزام بالغذاء الصحي واضطرابات النوم في زيادة احتمالية الإصابة بالمرض». كما أكد أن السعودية كثفت خلال السنوات الماضية من برامج التوعية والكشف المبكر للحد من تطور حالات ما قبل السكري إلى السكري، إلى جانب التوسع في توفير أحدث العلاجات والتقنيات الطبية، منوهاً بأن «المملكة كانت من أوائل الدول التي تبنت حلول السكري الحديثة، مثل حساسات قياس السكر المستمرة والمضخات الذكية». وقد أسهمت الأجهزة الحديثة بشكل كبير في تحسين التحكم بمستويات السكر، خصوصاً لدى مرضى السكري من النوع الأول، إلى جانب دورها في تحسين جودة الحياة والنوم وتخفيف الأعباء اليومية على المرضى وعائلات الأطفال المصابين.

وكشف المؤتمر أن مريض السكري من النوع الأول يضطر لاتخاذ أكثر من 180 قراراً يومياً يتعلق بصحته وإدارة حالته المرضية، فيما يلجأ نحو 50 في المائة من المرضى إلى تناول وجبات غنية بالكربوهيدرات قبل النوم خوفاً من انخفاض السكر الليلي أو ما يعرف بانخفاض مستوى السكر في الدم، وهي إحدى التحديات التي لا تزال تمثل فجوة علاجية يسعى المختصون إلى تقليصها مستقبلاً رغم التطورات الحالية.

محمد آل مهذل المدير الطبي لمركز السكري والغدد الصماء خلال حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

وناقش المشاركون أحدث التقنيات القابلة للارتداء والمستخدمة تحت الماء، التي ساعدت مرضى السكري على ممارسة حياتهم اليومية بمرونة أكبر، إلى جانب أنظمة ذكية توفر سهولة التعبئة والتركيب والتحكم، وتضم حاسبات للكربوهيدرات تساعد المرضى على إدارة جرعات الإنسولين بدقة أعلى. ومن أبرز هذه التقنيات جهاز «أومني بود 5»، الذي يعمل عبر نظام آلي ذكي يراقب مستويات السكر بشكل مستمر ويعدل ضخ الإنسولين تلقائياً بناءً على قراءات الغلوكوز، بما يسهم في تحسين التحكم بالسكري وتقليل التقلبات الحادة في مستويات السكر.

وتضمنت برامج المؤتمر جلسات علمية ، من أبرزها جلسة بعنوان «مستقبل رعاية السكري في السعودية والتجارب المبكرة مع (أومني بود 5)» إلى جانب جلسة ناقشت كيفية تحويل الأدلة العلمية إلى ممارسات يومية واقعية للمرضى، كما ضم الحدث عدداً من المصابين بمرض السكري وعائلاتهم، في خطوة هدفت إلى رفع مستوى الوعي وإبراز أثره المباشر في تحسين جودة الحياة اليومية للمصابين، ومن بينهم الطفلة ياسمين الشثري، إحدى أوائل مستخدمي جهاز «أومني بود 5» في السعودية.

وعن أهمية التقنيات الحديثة في الرعاية الصحية، قالت لمى المعقيل، والدة ياسمين، لصحيفة «الشرق الأوسط»، إن « هذه الأجهزة أسهمت بشكل كبير في تقليل المخاوف المرتبطة بالمرض وتعزيز مفهوم الرعاية الذكية»، حيث أصبحت قادرة على التنبؤ بانخفاض مستوى السكر في الدم، إذ تقوم تلقائياً بإيقاف ضخ الإنسولين لتفادي حالات الهبوط، ومن بينها خصائص تعتمد على الحركة والنشاط البدني لتنظيم كمية الإنسولين المرسلة بما يتناسب مع احتياج ابنتها ومراقبة صحتها. وأشادت بدور هذه المؤتمرات المتخصصة في مجال السكري، وأن دورها مهم في رفع الوعي. وأضافت: «هذه المؤتمرات مهمة جداً للمرضى، وليس للممارسين الصحيين فقط، حيث تساعد المرضى وأسرهم على فهم الخيارات المتاحة بصورة أوضح، والتعرف على الفروقات بين أنواع المضخات والأجهزة المختلفة، ما يساعدهم على اتخاذ قرارات مبنية على معرفة ووعي حقيقيين».


آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
TT

آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

أبدى عددٌ من الآثاريين المصريين غضبهم وانتفضوا لمشاهِد مُصوَّرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر وسائل إعلام محلية، تظهر واجهة معبد كلابشة بأسوان (جنوب مصر) وبها مبنيان حديثان للخدمات الخاصة بالموقع الأثري، ما عدَّه متخصصون «تشويهاً» للموقع والبانوراما الخاصة بالمعبد.

وناشدت «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية» وزير السياحة والآثار، والأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إزالة هذه «التشوهات»، التي ظهرت في صور وصلت للحملة من مصادر عدة من آثاريين ومرشدين سياحيين وعشاق للحضارة المصرية، وكذلك معالجة آثار الطيور على الأثر، لحرصها على ظهوره بأجمل منظر، وفق بيان نشرته الحملة على «فيسبوك».

ويؤكد الخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية»، أن هناك نصوصاً قانونية تجرّم تشويه الآثار، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الصور التي وصلتنا تشير إلى مبانٍ خدمية في بانوراما الأثر، وهو أمر يؤثر سلباً على صورته وشكله أمام الزائرين». وتابع: «حل المشكلات لا يأتي على حساب الأثر، فالمباني الخدمية داخل المباني الأثرية يجب أن تراعي بيئة الأثر نفسه، وألا تتنافر معه، لأنها ستكون جزءاً من بانوراما الموقع».

ولفت إلى «ضرورة التعاون بين الجهات المسؤولة عن هذا الأمر، وبين هيئة التنسيق الحضاري، وأساتذة كليات الهندسة والفنون الجميلة والتطبيقية، قبل تنفيذ أي تدخلات حديثة في محيط الأثر، خصوصاً أنَّه مُسجَّل في قائمة التراث الحضاري باليونيسكو».

صورة لمعبد كلابشة بأسوان أثارت جدلاً (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

ويعدُّ معبد كلابشة من أجمل وأكمل المعابد في النوبة السفلى، وفق وزارة السياحة والآثار. وقد بُني في عهد الإمبراطور الروماني أغسطس (30 ق.م - 14م)، وكُرِّس للمعبود النوبي ماندوليس، وكذلك للمعبودَين المصريَّين القديمَين إيزيس وزوجها أوزيريس. وقد أُدرجت آثار النوبة المصرية، من أبوسمبل إلى فيلة، على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو» عام 1979.

وتؤكد أستاذة مساعدة الآثار والتراث الحضاري، الدكتورة مونيكا حنا، أن «هذا البناء الذي انتشر لا يصح، فهو يؤدي إلى ضياع مشهد البانوراما، حتى لو كانت الجزيرة التي يوجد فيها المعبد غير أثرية، لأنَّه تمَّ نقل المعبد إليها بعد تفكيكه».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «البانوراما الخاصة بالمعبد مُشوَّهة جداً، وإن كانت هناك رغبة في بناء حمامات أو مرافق خدمية، فيمكن بناؤها في أماكن أخرى خلف المعبد، أو في المنطقة بشكل عام بطريقة لا تشوه المشهد البانورامي. ولكن ما رأيناه يدل على فقر في الخيال، وفشل في إدارة موقع مهم مُسجَّل على قائمة التراث العالمي».

إحدى لوحات المعبد الداخلية (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

ويتكوَّن معبد كلابشة من صرح يؤدي إلى الفناء المفتوح، يؤدي بدوره إلى قاعة الأعمدة. في حين تقع غرفتان مستعرضتان خلفهما، وهما بمثابة غرفتين للقرابين. وفي نهاية المعبد يوجد قدس الأقداس، حيث احتُفظ بتمثال للمعبود النوبي ماندوليس كما هو المعتاد. وشهد هذا المعبد تأثيرات مختلفة من الحضارات المتعاقبة التي تركت بصمتها عليه في العصر الروماني، وكذلك مع بدايات انتشار المسيحية في مصر، وفق الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار.

ويرى الخبير الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، أن «وجود أبنية حديثة بالقرب من الأثر نفسه بشكل عام لا يجوز قانوناً، نظراً لأنه بمثابة تعدٍ على حرم الأثر، كما أنه يعدُّ تشويهاً بصرياً، لا يتماشى مع طبيعة الأثر والمكان، ولا يليق بالمنطقة الأثرية نفسها».

وقال عامر لـ«الشرق الأوسط»: «إن الصور المتداولة تظهر وجود مبانٍ بالقرب من معبد كلابشة أثارت سخط كثيرين من المتخصصين في علم الآثار بدافع الغيرة على آثار بلدهم، وحرصهم على ظهور آثارها بشكل يليق بمكانتها وحضارتها العظيمة»، مستدركاً: «لكني أعتقد أنَّ هذا المبنى لن يكون بالقرب من المعبد نفسه بالشكل الذي ظهر عليه في الصورة، نظراً لأنَّ الوزارة تعلم جيداً أنَّ مثل هذه الأمور لا تجوز، وتجلب انتقادات».

وتابع عامر: «هذا المبنى في الحقيقة بعيد بشكل كبير عن الأثر نفسه، كما أنه سيُطلَى بطريقة تتماشى مع طبيعة الأثر، وتراعي التناسق في الألوان، بما يتوافق مع الهوية البصرية للمكان. وأعتقد أنَّ المسؤولين عن الموقع سيحرصون على ذلك، لمعرفتهم بقيمة هذا الموقع الأثري المميز».


جاك مارون يقدم مسرحية «الوحش» من بطولة كارول عبود ودوري السمراني

مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)
مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)
TT

جاك مارون يقدم مسرحية «الوحش» من بطولة كارول عبود ودوري السمراني

مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)
مسرحية «الوحش» بطولة الثنائي كارول عبود ودوري السمراني (جاك مارون)

في لبنان، الحرب تُشعل أزمات القطاع الفني سريعاً. المسرح، الذي كان يحجز لنفسه مساحة نابضة بالحياة قبل سنوات، شهد توقفاً واضحاً: عروض تأجَّلت، وأخرى أُلغيت، وجمهور ينتظر ظروفاً أكثر أماناً.

ومع ذلك، بدأ المسرح يستعيد نبضه بخجل. الفنانون يرفضون الاستسلام، متمسكون برسالتهم، مدفوعين بالشغف والإصرار على الاستمرار.

الكاتب والمنتج والمخرج المسرحي والممثل جاك مارون يؤكد: «المسرح مساحة للمقاومة الثقافية، والتوقف الكامل يعني الاستسلام. وجود فريق متحمّس هو الحافز الذي يجعلنا نستمر، رغم ندرة الدعم في زمن الحرب».

كارول عبود في مشهد من المسرحية (جاك مارون)

في 23 مايو (أيار) الحالي، يبدأ جاك مارون عرض عمله الجديد «الوحش» على مسرح «مونو»، من بطولة كارول عبود، ودوري السمراني. تروي المسرحية قصة شخصين منبوذين من المجتمع يلتقيان في حانة فارغة ذات ليلة، حيث يبحث كل منهما عن بعض السلام الداخلي. يبدأ اللقاء متوتراً ومشحوناً بحوارات قاسية، قبل أن تنمو بينهما تدريجياً شرارة إنسانية صغيرة وسط أوجاعهما الثقيلة.

وكان العمل قد عُرض للمرة الأولى عام 2019 في المحترف الفني الخاص بمارون، على أن يُنقل لاحقاً إلى خشبة «مونو»، إلا أنَّ توالي الأزمات في لبنان حال دون ذلك.

يمتلك جاك مارون خبرةً طويلةً في عالم المسرح، ما يجعل أعماله منتظَرة من شريحة واسعة من اللبنانيين. وحول ما إذا كانت «الوحش» تحمل لمسةً رومانسيةً وسط الظروف القاسية، يوضح: «هي في الحقيقة قصة حب عاشها شخصان خلال 16 ساعة أمضياها معاً. لا نعرف مصير هذه العلاقة، لكن الجمهور سيتابع من خلالها موضوعات متعددة، لا سيما أن البطلين يحملان تاريخاً صادماً يجعلهما يشعران بالراحة وهما يستعيدان ماضيهما».

يؤكد مارون تمسُّكه بالمسرح الحقيقي (جاك مارون)

نصُّ المسرحية من تأليف الكاتب الأميركي جون باتريك شانلي، وترجمته إلى العربية أرزة خضر. ويشير مارون إلى أن اختيار الممثلين لم يكن عشوائياً، بل نتيجة رحلة طويلة من التفكير. يقول: «تأثرت بالقصة منذ قرأتها قبل 27 عاماً، وتركت في داخلي أثراً كبيراً. وعندما تعرَّفت إلى كارول عبود عام 2011 بعد تعاون سابق، رشحتها مباشرة للبطولة. ثم انتظرت حتى عام 2015 لاختيار الممثل الذي سيشاركها العمل. فعندما أقرِّر تنفيذ مشروع مسرحي، أحتاج إلى وقت طويل كي أرسمه كاملاً في خيالي، بأسلوبي وطريقتي».

تربط مارون بالكاتب الأميركي صداقة متينة، وهو من المعجبين بأعماله، وينوي تقديم نصوص أخرى له على المسرح مستقبلاً. ويشير إلى أنَّ تنفيذ أي عمل مسرحي في لبنان أصبح يحتاج إلى رحلة شاقة؛ بسبب الأزمات المتلاحقة. ويضيف: «في الظروف الطبيعية يقدِّم الفنان مشروعه في توقيته المناسب، لكن ما مرَّ به لبنان أخَّرني كثيراً. كنت حريصاً على التحكم بوقت التحضير والتنفيذ والعرض، لأنَّ الظروف المحيطة بنا لا يمكن السيطرة عليها. واليوم اتخذنا قرار تقديم المسرحية رغم كل شيء، ونأمل ألا تعترضنا مفاجآت تمنعنا من ذلك».

يشتهر جاك مارون بأسلوبه الإخراجي البصري المتقن، القائم على تقديم صورة مسرحية مختلفة تبتعد عن المباشرة والطرح السهل. فهو يحرص على إشراك المشاهد في رحلة فكرية وعاطفية، من دون تقديم الأفكار بشكل جاهز. ويقول: «تكمن مسؤوليتي في احترام عقل الجمهور وتقديم محتوى يليق بفكره. هذه المسؤولية تبدأ من النَّصِّ نفسه. فعندما يكون المحتوى راقياً، يجد المتلقي نفسه تلقائياً في المكان المناسب. لذلك أشعر دائماً بأنَّ عليّ أن أعيش القصة التي أقدّمها وأحييها داخلياً قبل أن يراها الجمهور».

ويشير مارون إلى أنه لا يستطيع تقديم أي مادة مسرحية ما لم يفهم مضمونها بالكامل، مؤكداً أنه يسير عكس مقولة «الجمهور عايز كده». ويعلق: «في زمن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، من الصعب التمييز بين الزيف والحقيقة. لذلك أجتهد لتقديم عمل حقيقي يترجم الحبر المكتوب على الورق، وينقل مشاعر شخصيات من لحم ودم. فإذا صدّقني الجمهور وتفاعل مع ما أقدمه، أشعر بأنني نجحت في مهمتي. فالمسرح ليس مجرد مساحة للضحك أو التسلية، بل مساحة للصدق الإنساني، مهما كان نوع العمل درامياً أو كوميدياً أو تراجيدياً. وفي زمن الذكاء الاصطناعي نحن بحاجة إلى الحقيقة أكثر من أي وقت مضى».

ويختم مارون حديثه لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «من الصعب أن تؤلف مسرحية وأنت تعيش في قلب مسرحية أخرى أكثر قسوة. فنحن اللبنانيين نتابع منذ سنوات طويلة عروضاً عبثية لا أحد يحاسب فيها أو يضع النقاط على الحروف. ومع ذلك، يبقى أملنا بلبنان الغد، وبالمواطنين الذين تشبثوا بأرضهم وما زالوا يحلمون بوطن أفضل».