مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز: العزلة هي قدر الإنسان والحب خلاصه الوحيد

أغرم بها في مطالع الصبا وظلا متلازمين إلى ما بعد الموت

مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز
مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز
TT

مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز: العزلة هي قدر الإنسان والحب خلاصه الوحيد

مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز
مرسيدس بارشا وغارسيا ماركيز

إذا كانت الواقعية السحرية هي العبارة النمطية التي لازمت اسم غابرييل غارسيا ماركيز، وتجربته الروائية الفريدة منذ عقود، فإن صاحب «خريف البطريرك»، كان يرى أن «العزلة» دون سواها هي الكلمة السحرية التي يمكن بواسطتها الولوج إلى دهاليز عالمه السردي وأنفاقه المتشعبة. ومع أن ماركيز لا ينفي بشكل مطلق تداخل الواقعي والسحري في رواياته، إلا أنه يذهب بالمقابل إلى القول بأن ثمة أساساً واقعياً لكل ما نعته الكثيرون بالسحري والخارق وغير المألوف في كتاباته. ولكي يزيل لدى قرائه أي شعور بالحيرة واللبس، يقول ماركيز بأن الحياة اليومية في أميركا اللاتينية تقدم عشرات الشواهد على واقعية حكاياته، حيث شاهد رحالة أميركي شمالي، في مغامرة استكشافية لأعماق الأمازون، ساقية فرعية تجري في وسطها مياه تغلي. كما حدث في الأرجنتين أن رياحاً قطبية عاتية اقتلعت سيركاً كاملاً، وطارت به بعيداً عن مكانه الأصلي. كما أن المرأة التي دفعتها رياح مماثلة إلى الطيران مع ملاءاتها المنشورة على حبل الغسيل، هي الخلفية الواقعية لحكاية ريميديوس الجميلة التي جعلها الكاتب تطير نحو السماء.
على أن ماركيز الذي يرى، في حواره المطول مع صديقه بيلينو ميندوزا، أن الكاتب لا يكتب في حياته سوى عمل واحد، وأن الأعمال الأخرى ليست سوى تنويعات متفرقة على ذلك العمل، يقول لمحاوره إن الكتاب الأساسي الذي تتمحور حوله أعماله بمجملها هو «كتاب العزلة»، ليتابع موضحاً بأن هذه الظاهرة لا تنحصر بعمله الأشهر «مائة عام من العزلة» فحسب، بل تتعداه إلى بطل «الأوراق الذابلة» الذي يعيش ويموت بمفرده. وكذلك بطل «ليس للكولونيل من يكاتبه» الذي ينتظر مع زوجته وديكه معاشاً تقاعدياً لن يصله أبداً. وهو الوضع نفسه في «الساعة الرديئة» و«خريف البطريرك».
«ولكن ما هو مصدر الشعور بالعزلة عند آل بوينديا؟»، يسأل ميندوزا، ماركيز، في معرض حديثه عن العقيد أوريليانو، بطل الرواية التي أهدت كاتبها جائزة نوبل للآداب عام 1982، والتي صرح ماريو فارغاس يوسا قبل أيام بأنه لا يغار من ماركيز نفسه، بل من رائعته الروائية «مائة عام من العزلة».
«لأنهم يفتقرون إلى الحب»، يجيب ماركيز، ثم يستدرك قائلاً بأن أوريليانو، ذا ذنَب الخنزير، كان الوحيد الذي أنجب عن حب خلال قرن كامل، في حين أن الآخرين كانوا يختنقون بعزلتهم وخوائهم الروحي. بالإضافة إلى ذلك يسهب مؤسس الواقعية السحرية في الحديث عن العلاقة العاطفية الآهلة بالمصاعب، التي جمعت بين أبيه غابرييل إيليخو، وبين أمه لويسا التي مانع والدها في تزويجها من عامل التلغراف المولع بالنساء، قبل أن يفلح الأخير، عن طريق القصائد الشعرية والعزف على الكمان والرسائل التلغرافية، في الاقتران بالفتاة الجميلة، لينجبا بعد ذلك أحد عشر ابناً وابنة، أكبرهم الطفل الذي سيبهر العالم بأسلوبه الروائي الأخاذ، والذي يعترف فيما بعد بأنه استوحى من المغامرة العاطفية المؤثرة لأمه وأبيه، رائعته الروائية الأخرى «الحب في زمن الكوليرا».
إلا أن المتابعين الكثر لأعمال ماركيز، والمتعطشين للاطلاع على سيرته الشخصية وخفايا حياته، لن يجدوا في مذكراته الصادرة عام 2002 في جزأين اثنين، ما يرضي فضولهم للوقوف على حياته العاطفية ومغامراته المختلفة مع النساء. وبدلاً من ذلك يطلعنا المؤلف على كتابه الأثيرين، وعلى انخراطه يافعاً في العمل الصحافي، حيث تنقل بين «اليونيفيرسال» و«هيرالدو» و«السبيكتادور»، وعلى أعماله الأولى التي كلفه نشرها الكثير من المشقات والتعديلات المتواصلة. ولعل أطرف ما يرويه الكاتب الكولومبي المعروف بأسلوبه الساخر، هو ما رواه عن استرداده لمخطوطة له، كانت قد سُرقت مع أغراض أخرى تخصه، ليتبين أن اللص الذي أعادها، قام بتصحيح ثلاثة أخطاء إملائية كان ماركيز قد ارتكبها أثناء الكتابة. كما يُطلعنا على ما كابده في سنوات شبابه من فقر مدقع، أوصله إلى حدود التسول، بعد إغلاق الصحيفة التي كان يعمل مراسلاً لها في باريس، من قبل الديكتاتور الكولومبي روخاس بينيلا.
أما فيما يخص علاقته بالمرأة، فيقر ماركيز بأن النساء وحدهن يمنحنه الشعور بالأمان، ليضيف قائلاً: «في كل لحظة من لحظات حياتي، كان ثمة امرأة تقودني من يدي في ظلمة الواقع، الذي تعرفه النساء أكثر من الرجال، ويتخطينه بسهولة أكبر وضَوءٍ أقل». وحيث يظهر التباين واضحاً بين تصريحات ماركيز النظرية، وبين تحفظه اللافت في الكشف عن تفاصيل غرامياته ونزواته المشبوبة، فإن الكاتب نفسه يعترف بهذا الوضع «الفصامي»، ويعزوه إلى تربيته الكاثوليكية المحافظة، وإلى الأعراف والتقاليد التي كان قد كرسها المجتمع البورجوازي في فترة شبابه.
كما يعترف ماركيز في مذكراته بأن المرأة الوحيدة الذي شغف طيلة حياته بها هي مرسيدس بارشا. فمنذ لقائه بها طفلة على مقاعد الدراسة، أدرك أنها ستكون دون غيرها من نساء الأرض، حبيبته وزوجته ورفيقة دربه. وحيث لم تأبه الفتاة اليانعة لعرض الزواج الذي قدمه لها في لقائهما الأول، فقد راح يوطد علاقته بوالدها الصيدلاني الليبرالي، الذي بات أحد الأعضاء الدائمين في حانة «الرجل الثالث» التي كان يرتادها البحارة ومجدفو السفن في ذلك الزمن. ومع أن الابنة التي كانت تزاول دراستها في مدينة مديين، لم تكن تزور أسرتها إلا في أعياد الميلاد، فإن ماركيز كان يملك من الجلَد والشغف، ما يجعلاه قادراً على أن ينتظر عودتها النهائية إلى «بيت الطاعة» الزوجي، لعشرة أعوام كاملة، بما يجعل من قصته معها نوعاً من أوديسة مقلوبة، تلعب مرسيدس فيه دور عوليس السادر في مغامراته، فيما يتحول ماركيز إلى بنيلوب المنتظِرة، التي لم تفت من عزيمتها الوحدة والانتظار وتقادُم السنين.
«لقد كانت مرِحة ولطيفة في تعاملها معي على الدوام، ولكنها تمتلك موهبة مشعوذ في التملص من الأسئلة والإجابات، وعدم الالتزام بأي شيء محدد. وكان عليّ أن أتقبل ذلك على أنه استراتيجية أكثر رحمة من عدم المبالاة أو الصد»، يقول ماركيز في مذكراته. ورغم أنها أخبرته حين دعاها إلى الرقص في إحدى الحانات، بأن والدها يعتقد بإصرار بأن الأمير الجدير بالزواج منها لم يولد بعد، فقد بدا أنها بدأت تميل إليه، قبل أن تلتحق مرة أخرى بدير للراهبات، جاعلة من الرسائل المتبادلة بينهما الوسيلة الأنجع لإبقاء العلاقة في حالة التوهج. أما ماركيز فيعترف من جهته بأن رسالة مقتضبة وصلته من مرسيدس تقول فيها «لقد قتلوا كايتانو»، وهو طبيب معروف وعاشق بارع وصديق للطرفين، كانت كافية بالنسبة له للشروع في كتابة روايته الشهيرة «قصة موت معلن».
كان على ماركيز أن ينتظر عام 1958 لكي تتكلل بالزواج علاقته بمرسيدس، ذات الأصول المصرية - اللبنانية، التي تُظهرها بوضوح عظامها العريضة وعيناها البنيتان الواسعتان وسحنتها السمراء. وفي حوار لاحق مع مجلة كولومبية تقول مرسيدس، «جدي كان مصرياً خالصاً. كان يغني لي باللغة العربية، ويرتدي القطنيات البيضاء ويضع على رأسه قبعة من القش». أما ماركيز من جهته فيرى في مرسيدس «الشخصية الأكثر استحقاقاً للتقدير من كل الذين عرفهم في حياته».
ولم تمض سنة واحدة على ارتباطهما، حتى رُزق الزوجان بابنهما الأول رودريغو، الذي سيصبح مخرجاً سينمائياً في وقت لاحق. وبعده بثلاث سنوات سيُرزقان بابنهما الثاني غونتالو الذي سيعمل فيما بعد مصمماً غرافيكياً في العاصمة المكسيكية، التي اختارها الأب مكاناً لإقامته، نائياً بنفسه وبعائلته في تلك المرحلة، عن الصراع الحاد مع سلطات بلاده القمعية. ومع ذلك فإن ماركيز كان يغتنم الفرص جميعها ليشيد بالدور الإيجابي الذي لعبته زوجته في مسيرته الشخصية والأدبية، معترفاً بأنه من دون تعاونها وصبرها على العوز، وحسن إدارتها لشؤون العائلة، لما كان لمسيرته الأدبية أن تؤتي ثمارها، أو لحياته القلقة أن تعرف الاستقرار.
ولم تكتف مرسيدس، في ظل شهرة زوجها الواسعة، بتقبل التزايد المطرد لعدد معجباته، بل كانت تذهب، وفق روايته، أبعد من ذلك، فتساعده على التقرب من المرأة التي ينجذب إليها، وعلى تهيئة الفرصة المؤاتية للقاء بها إذا شاء. وقد تكون الصداقة الوثيقة التي جمعت بين ماركيز وشاكيرا، التي تشاء المصادفات أن تكون هي الأخرى من أصل لبناني، الشاهد الإضافي على كبح زوجته لمشاعر الغيرة، آخذة بعين الاعتبار بأن ما تتحمله في هذا الصدد، هو الثمن الذي لا بد من دفعه لمنع علاقتهما الشائكة من الانهيار. والواقع أن الصداقة الفريدة التي جمعت بين المغنية الفاتنة والكاتب العبقري الذي يكبرها بخمسين عاماً، هو نوع من لقاء رمزي بين قمتي كولومبيا الشاهقتين، كما بين المرأة التي اعتبرها ماركيز «النموذج الأمثل لقوة أرضية تعمل في خدمة السحر»، والرجل الذي اعتبرته من ناحيتها «الفيلسوف الكبير والمايسترو الأمهر للكلمات».
إلا أن الصورة التي رسمها صاحب «الجنرال في متاهته» لنفسه، والتي أظهرته على امتداد العقود الخمسة التي جمعته بمرسيدس، بمظهر الزوج الوفي و«المتبتل» في حبه ووفائه، ما لبثت أن تعرضت للاهتزاز بُعيد رحيل زوجته بقليل. فقد تبين وفق التقرير الذي نشرته صحيفة «اليونيفرسال»، بأن لماركيز ابنة غير معروفة، كانت قد أنجبتها له من خارج إطار الزواج عشيقته المكسيكية الجميلة سوسانا كاتو، التي تصغره بثلاثة وثلاثين عاماً. والفتاة التي أطلق عليها والدها اسم أنديرا، تيمناً بزعيمة الهند الراحلة التي كانت إحدى قارئاته المثابرات، ما زالت تعمل في حقل إنتاج الأفلام، دون أن تحمل كنية والدها البيولوجي. وقد أوضح غوستافو تاتيس، الصحافي الذي نشر الخبر موثقاً بالأدلة، بأنه لم يقدم على إفشاء هذا الخبر الصادم احتراماً لمشاعر مرسيدس التي رحلت عن هذا العالم عام 2020، أي بعد رحيل زوجها بسنوات ست.
والأرجح أن علاقة ماركيز بالصحافية الحسناء لم تكن لتخفى على امرأة حاذقة وبالغة الذكاء كمرسيدس بارشا، ولكنها اختارت التعالي على جراحها، لا حماية لعقدهما العائلي من الانفراط فحسب، بل لأنها كانت تملك من الأنفة والكبرياء ما يحملها في الوقت نفسه، على القفز فوق جراحها العاطفية الشخصية.
ولعل أكثر ما يؤكد هذا «التعالي»، هو الحوار الأخير الذي أجراه الزوجان عام 2013، أي قبل عام واحد من رحيل ماركيز، مع هيكتور فليسيانو، ونشر لاحقاً في كتاب مستقل بالإسبانية عنوانه «الصحافي غابو». فحين سأل فليسيانو ماركيز عن رأيه بجمال زوجته، أجاب «جمال مرسيدس شرقي وساحر، وعيناي لم تر امرأة غيرها طوال أعوام الزواج». أما مرسيدس، الرصينة والمتحفظة، فقد أجابت عن سؤال يتعلق بمشاعرها إزاء الكاتب الشاب المتقدم لخطبتها آنذاك، بأن تمتمت باقتضاب بالغ «لا شيء!». لكن هذه الإجابة الصادمة لم تكن تعكس الحقيقة التي تخبئها الزوجة في أعماقها إزاء الرجل العبقري الذي منحته كل ما تملكه من صلابة وقدرة على العطاء. والأدل على ذلك هو أنها اختارت في وصيتها الأخيرة أن يتم حرق جثمانها، وأن يذرى جزء من رمادها بين كولومبيا والمكسيك، تماماً كما أوصى زوجها المثقل بالأمراض قبيل رحيله. وهي إذ اختارت أن يدفن رمادها المتبقي إلى جوار رماد ماركيز، فلكي تكمل من خلال الموت، ما ظلا يتقاسمانه، عبر ستة وخمسين عاماً، من مشاعر الحب والألفة والتكامل الخلاق.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
TT

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)
الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)

يحظى الممثل باسم مغنية بتفاعل ملحوظ من الجمهور من خلال تجسيده شخصية «فريد» في مسلسل «بالحرام»، إذ عبّر عدد من المشاهدين عن رغبتهم في استمرار العمل.

يجسّد مغنية شخصية «فريد»، رجل أعمال غامض ومضطرب نفسياً، يترأس شبكة مافيوية تستدرج الشبان لتوريطهم في أعمال فساد. وهو، في الوقت نفسه، حنون، مستعد لفعل أي شيء لإرضاء شقيقته طلباً لصفحها. ومن خلال شبكة تتاجر بالفتيات والمراهقين، يبني إمبراطوريته الدموية، مقدّماً شخصية مركَّبة.

يقول مغنية لـ«الشرق الأوسط»: «سعدت من دون شك بتفاعل الناس، إلا أن الحرب التي يشهدها لبنان أفقدتني طعم الفرح». ويضيف: «لبنان يسكنني، ولا أستطيع وصف حبّي له. قلبي يعتصر حزناً وألماً عندما أشاهده يحترق وأهله يعانون».

وكان مغنية قد لفت الأنظار بأدائه في أعمال درامية عدّة، منها «أسود»، و«للموت»، و«بالدم».

لفت مغنية في «بالحرام» المشاهد بأدائه المتّقن (إنستغرام مغنية)

دور «فريد» دقيق في خطوطه وقالبِه المرضي، وقد جسَّده مغنية شخصية صادمة تُشعر المشاهد بالغضب. وعن مدى جرأة تقديمه، يقول: «أعدُّ هذا الدور رسالة توعوية بامتياز، أوجِّه من خلالها نداءً إلى الأهل بضرورة الإحاطة بأبنائهم وحمايتهم من الانزلاق إلى المجهول. وبما أنه يحمل هذه الرسالة الإنسانية، كان لا بد من التحلي بالجرأة في تقديمه».

وتمكَّن مغنية من إقناع المشاهد بأداء عفوي، دقَّ من خلاله جرس الإنذار محذّراً من الوقوع في فخ أشخاص يضعون الأقنعة لإخفاء حقيقتهم، لا سيما من يعانون اضطرابات نفسية عميقة.

ويعلّق: «كان لا بد من لفت انتباه المشاهد إلى المخاطر التي قد يتعرَّض لها أولاده. (فريد) يمكن أن يكون موجوداً في أي عائلة. وقد سمعنا مؤخراً عن أحداث كثيرة كان ضحاياها أطفالاً خُدشت براءتهم من أقرب المقرّبين».

ويتابع: «في موضوع بهذه الأهمية، يحدِّد مصائر الأطفال، كنت أتمنى لو حملت الشخصية حدَّة أكبر. تأثَّر المشاهدون بخطوط العمل، وتلقَّفوا رسالته بوضوح. كمية الكراهية التي ولَّدتها لديهم دفعتهم إلى مزيد من الحذر».

ويشير مغنية إلى أن هذه الكراهية لم تؤثر على علاقته بالناس عند لقائهم به، بل إنهم يبادرونه بتعليقات إيجابية، كتلك التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويضيف أن أداءه استند إلى مخزون من الخبرات المتراكمة: «لدي تقنيات تعلَّمتها من شخصيات تعرَّفت إليها. فكلما اتَّسعت ثقافة الممثل، استفاد منها. بعضهم يمتلك خلفية غنية، لكنه لا يوظّفها في المكان المناسب». ويتابع: «غالباً ما ينبع أدائي من اللحظة، وتتبلور التفاصيل أكثر خلال التصوير، حيث أكون في حالة تركيز تام على المشهد كي لا يتشتت ذهني».

وعن مشاركاته الرمضانية، يقول: «أحب المشاركة في الأعمال الرمضانية لما تحمله من منافسة جميلة، حيث يعمل الممثل إلى جانب زملاء يتمتعون بالمستوى نفسه. لكن إذا لم أجد العمل الذي يقنعني، أغيب ببساطة. لست من الممثلين الذين يستهلكون حضورهم. قد أشارك في مسلسلات قصيرة بين وقت وآخر، لكن للدراما الرمضانية نكهتها الخاصة».

مع ماغي بو غصن التي تجسد دور شقيقته (إنستغرام مغنية)

وعن كيفية بناء شخصياته، يوضح: «على الممثل أن يجدِّد أداءه باستمرار. فتركيب الشخصية ليس سهلاً، وإذا لم يُحسن الإمساك بخيوطها، بدت مصطنعة أو مبالغاً فيها، لذلك تبقى العفوية ضرورية. هناك أدوار قدَّمتُها كما كُتبت، وأخرى أضفت إليها من عندي أو بتوجيه من المخرج، لكنني عموماً أعتمد على العفوية لحظة التصوير».

ويؤكد مغنية أنه، مثل غيره من الممثلين، يسعد بالإشادة، لكنه لا يحب المبالغة، أو ما يسميه «التبخير»، قائلاً: «بعض الأقلام توزِّع الإطراء عشوائياً، وهذا يضرُّ بالممثل، لذلك أفضل التريث في إطلاق الأحكام».

وعن متابعته للأعمال الرمضانية، يقول: «اطلعت على بعض المسلسلات، منها (المحافظة 15)، لكنني لم أكمل مشاهدتها. وبحكم متابعة زوجتي لمسلسل (لوبي الغرام)، كنت أشاهده أكثر من سواه. وبشكل عام، أحب الأعمال الرمضانية، خصوصاً أن معظم نجومها أصدقائي وزملاء مقرّبون».


صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
TT

صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)

مع انتهاء موسم الدراما الرمضانية، تبرز الحاجة إلى قراءة نتائجه من داخل صناعة الإنتاج. في هذا السياق، يقدّم المنتج صادق الصبّاح رؤيته للمشهد، مستنداً إلى خبرة تمتدّ منذ عام 1981.

ومن موقعه على رأس «سيدرز برودكشن» (الصبّاح إخوان)، يشارك في إنتاج أعمال درامية تُقدَّم سنوياً في بلدان عربية عدَّة؛ من سوريا إلى مصر فالمغرب، ضِمن إطار عابر للحدود.

في الموسم الرمضاني الماضي، قدَّم مجموعة من الأعمال التي لقيت حضوراً لدى المشاهد العربي، متولّياً الإشراف على مختلف مراحل إنتاجها. ويعتمد في اختياراته على خبرة تراكمية لصياغة أعمال متكاملة.

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الصبّاح عن المشهد الدرامي، ويستعرض ملامح الخريطة الرمضانية لعام 2027، كما يقيِّم تجاربه مع مواهب شابة، ويعلِّق على تعاوناته مع نجوم أعماله.

تقييم الموسم والمرحلة المقبلة

يحمل موسم رمضان 2027 عملاً سعودياً (شركة الصبّاح)

عقب انقضاء كل موسم رمضاني، تُجري شركة «الصبّاح إخوان» مراجعة لأعمالها وللمشهد الدرامي عموماً. ويوضح صادق الصبّاح، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»: «نعقد سلسلة اجتماعات تمتدّ لأيام، نراجع فيها ما قُدِّم ونبحث في الخطوات المقبلة للموسم الجديد. وفي رمضان 2027 نعمل على مجموعة من الأعمال الدرامية، بينها تعاون متجدِّد مع تيم حسن ضِمن مشروع مختلف، بعد تجربته في (مولانا). كما نتَّجه إلى إنتاجات خليجية، ولا سيما سعودية، إلى جانب استمرار حضور الدراما المصرية، مع اهتمام بدعم مواهب تمثيلية جديدة. وقد قدَّمنا، خلال العام الحالي، عمرو سعد في مسلسل (إفراج) ضِمن إطار مختلف عن أعماله السابقة. كذلك نعمل على مشروع لمسلسل مغربي، مع انتقال الأفكار إلى مراحل التنفيذ».

ياسمينة زيتون في تجربتها الأولى

في كل موسم رمضاني، يقدّم الصبّاح وجوهاً تمثيلية شابة، يختبر من خلالها حضورها وإمكاناتها. وقد تكرَّر ذلك، العام الحالي، مع تقديم وجهين جديدين: ملكة جمال لبنان السابقة ياسمينة زيتون، والإعلامية جينيفر عازار، فهل تتجهان إلى أدوار أكبر في أعماله المقبلة؟

يجيب: «قد يحدث ذلك في حالة ياسمينة زيتون، إذا أثبتت جدارتها، ولا سيما أننا حرصنا على تقديمها بعيداً عن صورتها المرتبطة بلقبها الجمالي. خاضت تجربتها الأولى في (بخمس أرواح)، وأرى أنها نجحت في الاختبار، كما خضعت لتدريبات في التمثيل مع فادي أبي سمرا على مدى 8 أشهر، إضافة إلى تدريب مع أساتذة سوريين، ما أسهم في تطوير أدائها. وقد نُظّمت هذه الورش بإشرافنا».

ويضيف: «أما جينيفر عازار فكان التوجّه في البداية لإسناد دور ياسمينة إليها، قبل أن نرى أن حضورها أنسب لشخصية زلفا، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التدريب لتعزيز أدواتها. كلتاهما تمتلكان قدرات وإمكانات قابلة للتطوير، وقد خاضتا التجربة برضا، رغم ما تطلَّبته من جهد. فالمواهب الجديدة يمكن أن تُغني الدراما العربية ككل».

الشارة الغنائية خارج إطار النجوم

إنتاجات «الصبّاح إخوان» الرمضانية كانت شاملة عربياً (شركة الصبّاح)

اللافت، هذا العام، في شارات مسلسليْ «مولانا» و«بخمس أرواح» غياب أصوات النجوم، فقد قُدِّمت شارتا البداية والنهاية في العمل الأول بصوتيْ منى واصف وسارة درويش، في حين اكتفى العمل الثاني بالموسيقى. فما أسباب هذا التوجّه؟

يوضح صادق الصبّاح: «في السابق تعاقدنا مع نجوم غناء لتنفيذ الشارات، لكننا، هذا العام، فضَّلنا إعادة توجيه الكلفة نحو عناصر إنتاجية أخرى، في ظل الظروف الراهنة. لذلك استعنّا بصوتيْ منى واصف وسارة درويش على موسيقى من تأليف أريجان، الذي سبق أن تعاونّا معه، في حين اختار مُخرج (بخمس أرواح) الاعتماد على الموسيقى فقط في الشارة، وهو خيار لقي قبولاً لدى الجمهور».

ولم يقتصر هذا التوجّه على ذلك، بل شمل أيضاً كاريس بشار، التي جمعت في «بخمس أرواح» بين التمثيل وأداء مقاطع غنائية ضِمن العمل. ويعلِّق الصبّاح: «أُلقّبها بـ(وَحْشة تمثيل)، حضورها متكامل وأداؤها رائع، إنها مُبدعة، ولا تزال حتى اليوم تصقل موهبتها، حتى إنها خضعت لدروس مسرحية في أمستردام».

البطولات المطلقة تتراجع

يشير الصبّاح إلى تراجع حضور البطولات المطلقة، في ظل بروز مواهب شابة يجري إشراكها في الأعمال الدرامية. ويقول: «عندما يتوافر هذا العدد من الطاقات الجديدة، يصبح من الضروري توظيفها. أعتمد هذا النهج في مصر أيضاً، حيث اتفقتُ مع نقابة الفنانين على إشراك خرِّيجي معهد الفنون في تجارب الأداء، بدءاً من أدوار صغيرة تتدرَّج مع الوقت. كما أُطبِّق المقاربة نفسها في لبنان، حيث يعمل المخرجون على الاستفادة من هذه الطاقات».

تأجيل «ممكن» خارج السباق الرمضاني

مسلسل «ممكن» مستوحى من فيلم «بريتي وومن» (شركة الصبّاح)

أثار خروج مسلسل «ممكن»، بطولة نادين نسيب نجيم وظافر العابدين، من السباق الرمضاني تساؤلات حول أسبابه. يوضح الصبّاح: «بعد نقاشات مع مجموعة (إم بي سي)، تقرّر تأجيل العرض. طبيعة العمل، المستوحَى من الفيلم الأميركي (Pretty Woman)، لم تكن ملائمة للشهر الفضيل. وقد أنهينا التصوير أخيراً، مع اعتماد عدد حلقات أقل، على أن يُسلَّم العمل قريباً إلى (إم بي سي)؛ لعرضه في توقيت لاحق». ويشير إلى استمرار تعاونه مع نادين نسيب نجيم، واصفاً إياها بأنها من الأسماء الأساسية في أعمال الشركة.

تحديات الكتّاب في الدراما العربية

وعن تعاونه المرتقب مع الكاتبة نادين جابر، بعد انتقالها سابقاً إلى «إيغل فيلمز»، يقول: «نادين كاتبة لها أسلوبها، ولها كامل الحرية في خياراتها. تعود، اليوم، للتعاون معنا في عمل رمضاني لموسم 2028، وتعمل على مشروعات أخرى؛ بينها عمل مصري، وآخر لبناني. نواصل البحث عن كتَّاب دراما، في ظل نقص بهذا المجال على مستوى المنطقة. نتلقى عدداً كبيراً من النصوص، تُراجعها لجنة متخصصة، لكننا لا نزال نبحث عن نصوص تلبي متطلباتنا».

وعن الأعمال التي تابعها خلال الشهر الكريم، يختم المنتج صادق الصبّاح: «تابعت مسلسل (أب ولكن) بطولة محمد فراج، إلى جانب أعمالنا. كما لفتتني مخرجة العمل ياسمين أحمد كامل، وطلبت من ابني أنور مواكبة جيل المخرجين الشباب للاستفادة من طاقاتهم، وتطوير العمل الدرامي».


حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
TT

حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

أعلن فريق بحثي مصري، الخميس، اكتشاف حفرية لقرد قديم في منطقة وادي مغرة بشمال مصر، قد يغير خريطة البحث عن أصول القردة العليا والأسلاف الأوائل للبشر.

وأوضح الباحثون من فريق «سلام لاب» بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (دلتا مصر)، أن هذا الكشف يشير إلى أن أقرب الأسلاف للقردة العليا قد تكون نشأت في شمال أفريقيا، خارج المناطق التقليدية التي دُرست طويلاً في شرق أفريقيا. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «Science».

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وأطلق الباحثون على الحفرية المكتشفة اسم «مصريبيتيكوس مغرانسيس» (Masripithecus moghraensis)، أو «القرد المصري من مغرة».

ويعود تاريخ الحفرية، وهي عبارة عن فك سفلي، إلى عصر الميوسين المبكر؛ أي قبل نحو 17 إلى 18 مليون سنة. ويُعد هذا النوع أقرب صلة معروفة بسلالة القردة التي أدت في نهاية المطاف إلى جميع القردة الحية اليوم.

أصل القردة العُليا

ومن المعروف أن أقدم القردة، أو القردة الأولى (stem hominoids)، نشأت في أفريقيا، خلال عصر الأوليغوسين قبل أكثر من 25 مليون سنة، وتنوعت هناك قبل أن تنتشر إلى أوراسيا منذ نحو 14 إلى 16 مليون سنة، خلال عصر الميوسين.

ومع ذلك، ظل أصل القردة العُليا، التي تضم جميع الأنواع الحية وآخر سلف مشترك لها، أمراً غير مؤكد؛ نظراً لندرة الأحافير من تلك الفترة وصعوبة تفسيرها. وتزيد هذه الصعوبة عدم تكافؤ سجل الأحافير في أفريقيا، حيث اقتصرت معظم الاكتشافات على مناطق قليلة، ما يترك مساحات واسعة محتملة لم تُستكشف بعد.

رسم تخيلي لـ«مصريبيتيكوس مغرانسيس» (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وجاء في مقالة مرتبطة بنتائج الدراسة نُشرت بدورية «Science» أن «النتائج تشير إلى أن علماء الحفريات ربما كانوا يبحثون عن أسلاف القردة العُليا في المكان الخطأ».

وحسب الدراسة، يعكس هذا الاكتشاف أهمية توسيع نطاق البحث الجغرافي؛ إذ إن التركيز السابق على مناطق محددة في أفريقيا قد ترك أجزاء واسعة من موطن قردة الميوسين دون استكشاف.

وقالت الدكتورة شروق الأشقر، الباحثة الرئيسية للدراسة بمركز الحفريات الفقارية بكلية العلوم في جامعة المنصورة، إن الاكتشاف يفتح نافذة جديدة وواسعة لفهم تطور القردة العليا مثل الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الاكتشاف يلقي الضوء على منطقة غير مكتشفة تماماً فيما يتعلق بحفريات القردة العُليا، وهي شمال أفريقيا، وتحديداً مصر؛ إذ كانت معظم الحفريات السابقة مكتشفة في شرق أفريقيا، خصوصاً كينيا وأوغندا.

وأوضحت الأشقر أن نتائج الدراسة تدعم الفرضية القائلة إن أصل القردة العُليا قد يكون في شمال أفريقيا، وتحديداً في مصر.

«تأريخ الأطراف»

ولتحديد مكان النوع المكتشف في شجرة التطور، استخدم الفريق نهجاً حديثاً يُعرف بـ«تأريخ الأطراف» (Bayesian tip-dating)، وهو أسلوب يجمع بين السمات التشريحية وأعمار الحفريات لتقدير العلاقات التطورية وأوقات التفرع. وتشير نتائج التحليلات إلى أن «مصريبيتيكوس» يمثل القرد الأولي الأكثر ارتباطاً بالسلالة التي أدت إلى ظهور جميع القردة الحية.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبيتيكوس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وعما يميز هذا الاكتشاف عن الأحافير المكتشفة سابقاً في شرق أفريقيا، أشارت الأشقر إلى أن مقارنة الحفرية المكتشفة مع مثيلاتها السابقة أظهرت أن ما يميز «مصريبيتيكوس» هو حجم الأنياب الكبيرة في الفك السفلي مقارنة بحجم الأسنان الخلفية، وطبوغرافيا السن شديدة التجعيد، وعظمة الفك قوية للغاية، وعادةً ما تميز الأنياب الكبيرة ذكور القردة العُليا عن الإناث، لكن الناب المكتشف كان أكبر من أي ناب ذكري معروف سابقاً.

وأشارت الأشقر إلى أن منطقة وادي مغرة في شمال مصر تكتسب أهمية خاصة، كونها المنطقة الوحيدة الباقية في مصر التي تحتوي على صخور تعود إلى عصر الميوسين، ما يتيح فرصة البحث عن حفريات مماثلة تعود إلى هذه الحقبة.