تراجع التوتر بين كوسوفو وصربيا... حتى آخر الشهر

موسكو أعلنت تأييدها الصرب وبرلين قلقة و«الناتو جاهز»

جنود تابعون لحلف «الناتو» يقومون بدورية في كوسوفو (أ.ف.ب)
جنود تابعون لحلف «الناتو» يقومون بدورية في كوسوفو (أ.ف.ب)
TT

تراجع التوتر بين كوسوفو وصربيا... حتى آخر الشهر

جنود تابعون لحلف «الناتو» يقومون بدورية في كوسوفو (أ.ف.ب)
جنود تابعون لحلف «الناتو» يقومون بدورية في كوسوفو (أ.ف.ب)

أرجأت كوسوفو بدء العمل بقواعد جديدة لعبور حدودها مع صربيا بعد تصاعد التوترات في المنطقة. وجاء في تغريدة لرئيس وزرائها، ألبين كورتي، في الساعات الأولى من اليوم الاثنين، أن بريشتينا اتفقت مع شركاء دوليين على تعليق الإجراءات التي كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ نهاية يوم الأحد وتستمر لمدة 30 يوماً.
وقالت شرطة بريشتينا، في وقت سابق، إن مسلحين صرباً منعوا الوصول إلى معبرين حدوديين في شمال كوسوفو، التي يغلب على سكانها العرق الصربي، وإن مهاجمين مجهولين أطلقوا النار على ضباط كوسوفيين. ولم يسفر الهجوم عن إصابة أحد.
وصرح كورتي أن القواعد الخاصة بلوحات السيارات ووثائق الدخول والخروج عبر المعابر الحدودية ستعلق مؤقتاً، بشرط إزالة جميع الحواجز واستعادة حرية التنقل. وقالت حكومة كوسوفو إنها «تدين بشدة» أعمال قطع الطرق في الشمال وإطلاق النار هناك، مشيرة إلى أن السلطات في بلغراد هي المسؤولة عن «أعمال الاعتداءات المتعددة» التي ارتكبت بعد ظهر ومساء يوم الأحد.
وكانت السلطات في كوسوفو تعتزم التوقف عن الاعتراف بوثائق الهوية الصربية بدءاً من اليوم الاثنين، وهي خطوة تعدها «إجراءً متبادلاً» بحسبان أن صربيا تطلب بالفعل من الكوسوفيين الذين يدخلون صربيا الحصول على وثائق مؤقتة؛ لأن السلطات الصربية لا تعترف بالوثائق الكوسوفية.
وذكرت بعثة «الناتو» في كوسوفو «كوفور»، أنها تراقب الوضع من كثب، وأنها مستعدة للتدخل «إذا تعرض الاستقرار للخطر».
وكان الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، والسفير الأميركي لدى كوسوفو، جيف هوفينيه، أعربا في وقت سابق عن دعمهما تأجيل بدء العمل بالإجراءات الجديدة. ورحب بوريل بالخطوة، وكتب على موقع «تويتر» إنه من المتوقع إزالة جميع الحواجز على الفور. وقال إن «القضايا العالقة يجب حلها من خلال الحوار عن طريق وساطة الاتحاد الأوروبي». ورأى أن تطبيع العلاقات بين كوسوفو وصربيا «أمر ضروري من أجل مسارات اندماجهما في الاتحاد الأوروبي».
من جهتها، أعربت موسكو عن دعمها صربيا في الخلاف القائم مع كوسوفو. وقال ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، في تصريحات صحافية نقلتها وكالة «نوفوستي»، إنه رغم النجاح في تجنب تفاقم الصراع بين الجانبين وتأجيله لشهر واحد، فإنه من الضروري التحلي بالحذر، مشدداً، في الوقت نفسه، على «ضرورة احترام جميع حقوق الصرب». ورداً على سؤال لأحد الصحافيين بشأن انضمام صربيا إلى «منظمة معاهدة الأمن الجماعي»، أجاب بيسكوف بأن تلك القضية «لم تكن على جدول الأعمال».
وهذه المنظمة هي تحالف عسكري أوراسي يضم بعض دول الفضاء السوفياتي السابق؛ وهي: روسيا وكازاخستان وأرمينيا وبيلاروسيا وطاجيكستان وقرغيزستان.
وكانت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، عدّت، في تصريح لها مساء أمس الأحد، أن الأحداث في كوسوفو «دليل على فشل جهود الوساطة التي يقوم بها الاتحاد الأوروبي»، واتهمت كوسوفو بـ«الاستفزاز».
وفي برلين، أعربت وزيرة الدفاع الألمانية، كريستينه لامبرشت، عن قلقها إزاء الوضع المتوتر على الحدود بين كوسوفو وصربيا. وقالت: «من الجيد أن رد فعل حكومة كوسوفو الآن يتسم بالتعقل، وبالتالي؛ فإنها تساهم في التهدئة». وذكرت أن بعثة «الناتو»؛ «كوفور»، تراقب أيضاً الوضع من كثب، و«على استعداد للتدخل في حال تعرض الاستقرار للخطر»، حسبما ينص تفويضها، وقالت: «لا يزال الجيش الألماني مع (الناتو) في بعثة (كوفور) من أجل ضمان بيئة آمنة وحرية الحركة لجميع الأفراد في كوسوفو».
يذكر أن كوسوفو، التي يغلب على سكانها العرق الألباني، انفصلت عن صربيا عام 1999 وأعلنت الاستقلال عام 2008. ولم تعترف صربيا بذلك ولا تزال تطالب بالإقليم بوصفه جزءاً من أراضيها، فيما يعترف معظم دول الاتحاد الأوروبي بكوسوفو دولة منفصلة.


مقالات ذات صلة

السلطات الأميركية تلاحق رجلاً يشتبه بقتله 5 أشخاص في تكساس

العالم السلطات الأميركية تلاحق رجلاً يشتبه بقتله 5 أشخاص في تكساس

السلطات الأميركية تلاحق رجلاً يشتبه بقتله 5 أشخاص في تكساس

أعلنت السلطات في ولاية تكساس، اليوم (الاثنين)، أنّها تلاحق رجلاً يشتبه بأنه قتل خمسة أشخاص، بينهم طفل يبلغ ثماني سنوات، بعدما أبدوا انزعاجاً من ممارسته الرماية بالبندقية في حديقة منزله. ويشارك أكثر من مائتي شرطي محليين وفيدراليين في عملية البحث عن الرجل، وهو مكسيكي يدعى فرانشيسكو أوروبيزا، في الولاية الواقعة جنوب الولايات المتحدة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وفي مؤتمر صحافي عقده في نهاية الأسبوع، حذّر غريغ كيبرز شريف مقاطعة سان خاسينتو في شمال هيوستن، من المسلّح الذي وصفه بأنه خطير «وقد يكون موجوداً في أي مكان». وعرضت السلطات جائزة مالية مقدارها 80 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تتيح الوصول إل

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
العالم الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

من التداعيات المباشرة والأساسية للحرب في أوكرانيا عودة أجواء الحرب الباردة وبروز العقلية «التناحرية» التي تسود حالياً العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. ومع كل ما يجري في العالم، نلمح الكثير من الشرارات المحتملة التي قد تؤدي إلى صدام بين القوتين الكبريين اللتين تتسابقان على احتلال المركز الأول وقيادة سفينة الكوكب في العقود المقبلة... كان لافتاً جداً ما قالته قبل أيام وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين وشكّل انعطافة كبيرة في مقاربة علاقات واشنطن مع بكين، من حيّز المصالح الاقتصادية الأميركية إلى حيّز الأمن القومي.

أنطوان الحاج
العالم وكالة تاس: محادثات سلام بين أرمينيا وأذربيجان قريباً

وكالة تاس: محادثات سلام بين أرمينيا وأذربيجان قريباً

نقلت وكالة تاس الروسية للأنباء عن أمين مجلس الأمن الأرميني قوله إن أرمينيا وأذربيجان ستجريان محادثات في المستقبل القريب بشأن اتفاق سلام لمحاولة تسوية الخلافات القائمة بينهما منذ فترة طويلة، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء. ولم يفصح المسؤول أرمين جريجوريان عن توقيت المحادثات أو مكانها أو مستواها.

«الشرق الأوسط» (يريفان)
العالم مقاتلات روسية تحبط تقدم قوات الاحتياط الأوكرانية بصواريخ «كروز»

مقاتلات روسية تحبط تقدم قوات الاحتياط الأوكرانية بصواريخ «كروز»

أعلنت وزارة الدفاع الروسية، اليوم (الجمعة)، أن الطيران الروسي شن سلسلة من الضربات الصاروخية البعيدة المدى «كروز»، ما أدى إلى تعطيل تقدم الاحتياطيات الأوكرانية، حسبما أفادت وكالة الأنباء الألمانية. وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيانها، إن «القوات الجوية الروسية شنت ضربة صاروخية بأسلحة عالية الدقة بعيدة المدى، وأطلقت من الجو على نقاط الانتشار المؤقتة للوحدات الاحتياطية التابعة للقوات المسلحة الأوكرانية، وقد تحقق هدف الضربة، وتم إصابة جميع الأهداف المحددة»، وفقاً لوكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية. وأضافت «الدفاع الروسية» أنه «تم إيقاف نقل احتياطيات العدو إلى مناطق القتال».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم نائب لرئيس الوزراء الروسي يؤكد أنه زار باخموت

نائب لرئيس الوزراء الروسي يؤكد أنه زار باخموت

أعلن مارات خوسنولين أحد نواب رئيس الوزراء الروسي، اليوم (الجمعة)، أنه زار مدينة باخموت المدمّرة في شرق أوكرانيا، وتعهد بأن تعيد موسكو بناءها، حسبما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية. وقال خوسنولين على «تلغرام»ك «لقد زرت أرتيموفسك»، مستخدماً الاسم الروسي لباخموت، مضيفاً: «المدينة متضررة، لكن يمكن إعادة بنائها.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
TT

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)

أثار الملياردير الأميركي إيلون ماسك موجة من التفاعل على منصة «إكس» بعدما لمح، على سبيل المزاح، إلى رغبته في شراء شركة الطيران الأوروبية منخفضة التكلفة «رايان إير»، وتعيين شخص يحمل اسم «رايان» لإدارتها.

الملياردير الأميركي إيلون ماسك في مركز معارض «بورت دو فرساي» في باريس بفرنسا يوم 16 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

وجاءت هذه التصريحات عقب مناوشة إلكترونية بدأت عندما سخر فريق «رايان إير» على وسائل التواصل الاجتماعي من انقطاع مؤقت في منصة «إكس»، موجّهاً تعليقاً لماسك يتساءل فيه ما إذا كان يحتاج إلى خدمة «واي فاي». وردّ ماسك بطريقة ساخرة، متسائلاً إن كان عليه «شراء رايان إير ووضع شخص اسمه الحقيقي رايان على رأسها».

ولم يكتفِ ماسك بذلك، بل عاد ليسأل الشركة عن تكلفة الاستحواذ عليها، معتبراً أن من «قدرها» أن يملكها شخص يحمل الاسم نفسه. هذا التراشق الساخر سرعان ما استدعى رداً رسمياً من المدير التنفيذي لـ«رايان إير» مايكل أوليري، الذي قال إن ماسك «يعرف عن قوانين ملكية شركات الطيران أقل مما يعرف عن ديناميكا الطيران»، مضيفاً أنه سيتناول الموضوع في مؤتمر صحافي بدبلن، وفق ما نقلته شبكة «يورو نيوز» الإخبارية.

كما أطلقت شركة «رايان إير» تعليقاً ساخراً عبر حسابها الرسمي، معلنة عن عرض خاص على المقاعد تحت عنوان «العظماء الأغبياء»، موجّهة إياه لماسك ولغيره من مستخدمي «إكس».

يُذكر أن أحد مؤسسي هذه الشركة هو رجل الأعمال الآيرلندي توني رايان، الذي لعب دوراً محورياً في إطلاقها خلال ثمانينات القرن الماضي. ورغم وفاته عام 2007، لا تزال عائلته من كبار المساهمين، فيما يتولى أوليري إدارة الشركة منذ سنوات طويلة.

لكن، بعيداً من المزاح، فإن أي محاولة حقيقية من ماسك لشراء «رايان إير» ستصطدم بعقبات قانونية أوروبية. فوفقاً لقوانين الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون شركات الطيران العاملة داخل التكتل مملوكة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة لمواطنين من دول الاتحاد وتحت سيطرتهم الفعلية. وبما أن ماسك أميركي الجنسية، فلن يُسمح له بالاستحواذ على حصة مسيطرة دون تغيير جذري في هيكل الملكية، وهو ما قد يعرّض تراخيص الشركة للخطر.

ورغم كل ذلك، بدا أن ماسك يستمتع بالجدل، إذ حققت هذه السجالات ملايين المشاهدات خلال وقت قصير.


أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
TT

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى، وإنه ينبغي لأوروبا أن ترد بقوة اقتصادياً إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أعضاء الحلف الذين أرسلوا قوات إلى غرينلاند، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف راسموسن أن إصرار ترمب على ضرورة أن تصبح ‌غرينلاند جزءاً من ‌الولايات المتحدة يمثّل ‌أكبر ⁠تحدٍّ ​للحلف ‌منذ تأسيسه في عام 1949. وغرينلاند إقليم دنماركي شبه مستقل.

ويقدّم راسموسن منظوراً فريداً للأزمة بصفته زعيماً سابقاً لكل من الدنمارك، التي تولى رئاسة وزرائها من 2001 إلى 2009، وحلف الأطلسي (ناتو)، حيث شغل منصب الأمين العام ⁠من 2009 إلى 2014.

وقال: «مستقبل حلف شمال الأطلسي ‌هو الذي بات على المحك حقاً». وأضاف لوكالة «رويترز» من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «انتهى وقت التملق؛ فهو لا يجدي نفعاً. والحقيقة أن ترمب لا يحترم إلا القوة والوحدة. وهذا هو بالضبط ما يجب على أوروبا ​أن تظهره الآن».

وأفاد بأنه لا ينتقد قادة مثل الرئيس الحالي لحلف الأطلسي ⁠مارك روته، الذي أغدق المديح على ترمب، لكنه قال إن الوقت حان لاتباع أوروبا نهجاً جديداً.

ولفت إلى أن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التي تمنح صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الاقتصادية يجب أن تكون مطروحة بعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية لحين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

ويقول ترمب إن ملكية ‌الولايات المتحدة لغرينلاند أمر حيوي للأمن القومي الأميركي.


أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».