معرض تشكيلي لفنانين من ذوي احتياجات خاصة في بيروت

لوحات ومنحوتات لتسعة فنانين من ذوي الاحتياجات الخاصة في معرض «فايبرانت سولز» ببيروت (أ.ف.ب)
لوحات ومنحوتات لتسعة فنانين من ذوي الاحتياجات الخاصة في معرض «فايبرانت سولز» ببيروت (أ.ف.ب)
TT

معرض تشكيلي لفنانين من ذوي احتياجات خاصة في بيروت

لوحات ومنحوتات لتسعة فنانين من ذوي الاحتياجات الخاصة في معرض «فايبرانت سولز» ببيروت (أ.ف.ب)
لوحات ومنحوتات لتسعة فنانين من ذوي الاحتياجات الخاصة في معرض «فايبرانت سولز» ببيروت (أ.ف.ب)

ليست الأزهار وحدها متنوعة الألوان، بل كذلك أوراق الأشجار والبيوت والملابس والأجنحة وأشعة الشمس، في لوحات ضمن معرض في بيروت يضمّ أعمالاً تشكيلية لموهوبين من ذوي الاحتياجات الخاصة، يُقبِل أصحاب المجموعات على شرائها «لقيمتها الفنية»، على ما يؤكد المنظمون، ولما يجدونه فيها من «أمل» يحتاج إليه اللبنانيون في خضمّ أزماتهم.
وبين الفنانين التسعة المشاركين في معرض «فايبرانت سولز»، والذين تراوح أعمارهم بين 11 و48 سنة، ستة يعانون التوحد والاضطرابات السلوكية، في حين أن النحاتين الثلاثة من المكفوفين.
ويتيح المعرض الذي افتُتح الخميس فرصة لاكتشاف إبداعات هؤلاء، وجميعهم يعرضون أعمالهم للمرة الأولى، ولإبراز مواهبهم كفنانين تشكيليين لتأخذ حقها من «التقدير اجتماعياً واقتصادياً»، بحسب منصة «كرييتيف كول» التي تنظّم المعرض في صالة «أوبرا غاليري بيروت» وبالتعاون معها.


جواد مطر مع عمله في معرض «فايبرانت سولز» ببيروت (أ.ف.ب)

وينطلق المعرض من اقتناع الجهتين المنظمتين بأن «الفن يبعث الأمل (...) ويبني الجسور بين الناس ويوفر علاجا ويعزز تقدير الذات»، على ما رأت في مقال تمهيدي لكتيّب عن المعرض مديرة «كرييتيف كول» ألين كرم وصاحبة «أوبرا غاليري بيروت» سلوى شلهوب.
وتوضح كرم لوكالة الصحافة الفرنسية، أن المنصة «لا تهدف إلى توفير العلاج بالفن بمفهومه الطبي، بل تسعى إلى تطوير قدرات الفنانين الموهوبين ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال ورشات عمل بإشراف أساتذة وفنانين معروفين، وإلى تمكينهم من إبراز أعمالهم الفنية ومن الاندماج في المجتمع كأشخاص أولاً، وكذلك كفنانين».
وتقدم «كرييتيف كول» المواد والتدريب للفنانين ذوي الاحتياجات الخاصة، بالتعاون مع جمعيات تعنى بهم، وتتولى بيع أعمالهم من خلال منصتها أو عبر إقامة معارض، أولّها «فايبرانت سولز».
وتذهب عائدات هذا المعرض وتلك التي ستليه مستقبلاً إلى الفنانين المشاركين وإلى الجمعيات التي ترعاهم.
وتقول مديرة «أوبرا غاليري» نوميس بركات لوكالة الصحافة الفرنسية «ما يؤكد القيمة الفنية للأعمال المعروضة أننا بعناها كلها تقريباً حتى الآن».


جانب من معرض «فايبرانت سولز» في بيروت (أ.ف.ب)

وتضيف «أهم أصحاب المجموعات الفنية لم يشتروا الأعمال المعروضة لتشجيع المبادرة، بل سمعناهم يقولون مثلاً سنضع هذه اللوحة هنا ونحتاج إلى لوحة أخرى متناسقة معها، ونستنتج تالياً أنهم وجدوا شيئاً في هذه اللوحات. لقد وجدوا فيها حياة وأملاً بعد ثلاثة أعوام قاسية اجتازها لبنان».
وتلاحظ بركات، أن «ما يلفت الأنظار عند دخول صالة العرض هي الألوان” التي تحفل بها اللوحات. وتضيف «نحن نحتاج إلى الأمل والألوان في الوقت الراهن، والزبائن متعطشون إليها».
ويفتخر شاهيه كاندرجيان (21 عاماً) الذي يعاني اضطراباً سلوكياً بأن ستاً من لوحاته العشر المعروضة بيعت حتى الآن، وأَحبُّها إلى قلبه لوحة شروق الشمس ذات الأشعة الصفراء والزرقاء والحمراء والبرتقالية وراء الأشجار الخضراء.
ويقول بحماسة لوكالة الصحافة الفرنسية وهو يفتح صفحات دفتر الرسم الخاص به «عملت في أمور كثيرة ووجدت أنها صعبة، أما الرسم فيساعدني على الاسترخاء والراحة».


لارا الحسين ولوحة في معرض «فايبرانت سولز» (أ.ف.ب)

أما لارا الحسين (31 عاماً) التي تعاني هي الأخرى اضطرابات سلوكية ويتولى متابعتها «مركز سفارنوتز»، فشجرة الحياة في لوحتها ذات أوراق زاهية الألوان أيضاً، وهي مبسوطة نحو الأعلى.
وتخبر وكالة الصحافة الفرنسية، بأن أستاذتها شجعتها «كثيراً هذه السنة، وأن عمها الرسام يعطيها نصائح».
وتقول «تطورت كثيراً (...) وأنا فخورة كثيراً برسومي».
وفي حين رسم كريستيان نازاريان (14 عاماً) بيوتاً متنوعة الألوان قرميدها رمادي على خلفية زرقاء، تشبه بتلاصقها بيوت جواد مطر (11 عاماً)، وهو أصغر الفنانين المشاركين، فيما شاء آدم الخطيب (14 عاماً) منازله مائلة وغير مصطفة بانتظام.
وتقول والدة جواد مطر الذي رسم قلبه مع أجنحة ملوّنة «هو صغير العائلة، وفي مدرسة الجمعية اللبنانية للتوحد اكتشفوا موهبته وعملوا على تنميتها».
أما هو فيشير إلى أنه يحب أن يرسم البحر «أكثر من الزهور» التي يبدع أيضاً في تنسيقها وتلوينها.
ويميل شربل خوري (14 عاماً) الذي يعاني التوحد إلى الأشكال الهندسية ذات الطابع التجريدي، وفنانه المفضل ليوناردو دافينشي. ويتحدث خوري بالفرنسية باقتضاب قائلاً «أرسم للفن»، وهو يحلم بأن يصبح رساماً.
وإضافة إلى اللوحات، في المعرض منحوتات مصنوعة بأيدي ثلاثة فنانين مكفوفين هم سليم سليمان وسعاد يوسف ومحمد حمود «تعكس مشاعر الفنانين المتناقضة وتجاربهم التي تتراوح ما بين الألم والفرح»، بحسب المنظمين.
ويقول حمود البالغ (30 عاماً) والذي نحت هرّتين بالطين طلاهما بالرزين، لوكالة الصحافة الفرنسية «ولدت كفيفاً، لكنّ حواسي الأخرى متطورة جداً كالسمع واللمس. لدي هرّة ألمسها وأحاول أن أنحتها كما أشعر بها، فبواسطة اللمس والإحساس تبقى الصورة مطبوعة في ذهني».
ويقول «اكتشفت هذه الموهبة عندما كبرت بفضل المدرسة اللبنانية للضرير والأصم التي تدربنا منذ الصغر وتكشف نقاط قوتنا وتنميها لنا لنبرع فيها، وآمل في أن يكون لي مستقبل في هذا المجال».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
TT

«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)

اعتاد المصريون أن يستقبلوا شهر رمضان كل عام بالزينة مختلفة الألوان والأشكال، حتى أصبح هذا الطقس ملازماً للشوارع والحواري خصوصاً في المناطق الشعبية، وباستخدام خامات بسيطة يتم توفيرها من تبرعات تضامنية بين الأهالي.

ورغم ارتفاع أسعار الزينة التي وصلت لما يزيد على 40 جنيهاً (الدولار يصل إلى نحو 47 جنيها) لحبل الورق الملون الذي لا يتجاوز طوله عشرة أمتار، في حين تتراوح قيمة متر حبل الإضاءة «الليد» ما بين 15 و20 جنيهاً، أما الفانوس المعلق فسعره بين 350 و1000 جنيه. إلا أن هذا لم يمنع المصريين من الاحتفال بقدوم شهر رمضان، وكان الطريق إلى ذلك من خلال جمع الأموال والإسهامات البسيطة من كل بيت، لكي لا يحرم أي مكان من الاحتفال، ولم تخل حارة أو شارع من الأعلام والأشرطة الملونة والفوانيس، فضلاً عن المصابيح مختلفة الألوان.

ولتجاوز عقبات الغلاء في مواد الزينة لجأ بعض الشباب إلى صنعها بأنفسهم، واشتروا -حسب سعد عبد الهادي «عشريني» في منطقة الطالبية بحي الهرم- الأفرخ الملونة من المكتبات، وراحوا يكوّنون فريقاً، منهم من حوّلها إلى قصاصات، ومنهم من لصقها بالصمغ في أحبال الخيط، وقال عبد الهادي لـ«الشرق الأوسط» كانت هذه حيلتنا لتجاوز ارتفاع سعر رابطة الزينة، المكونة من الأشرطة المصنوعة من «السلوفان»، لم نشتر شيئاً سوى الفانوس، لأننا لا نمتلك حرفية صناعته.

الزينة الرمضانية يعلقها الأهالي في الشوارع والحارات (الشرق الأوسط)

وبالقرب من شارع العروبة بالهرم لجأ عدد من أبناء السكان إلى حيلة متفردة، لخصها محمود حسين «ثلاثيني» ويعمل في صناعة الحلوى، في تأجير الزينة خلال الشهر، وردها بعد انقضائه، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حين عرفنا أن ما نقوم به كل عام سوف يكلفنا الكثير فكرنا في الاكتتاب وتأجير أحبال المصابيح من محل قريب لمستلزمات الأفراح، بدلاً من شرائها، كما اتفقنا مع صاحب المحل على المشاركة معنا في تزيين الشارع احتفالاً بحلول الشهر الكريم». ولفت إلى أن البعض يعلق فانوساً كبيراً وسط الزينة، لكن «لأن سعره يبدأ من 400 جنيه اكتفينا بالزينة المضيئة وأحبال المصابيح (الليد) المؤجرة»، على حد تعبيره.

ولأن تجارة الزينة والأشرطة الملونة تلقى رواجاً كبيراً خلال شهر رمضان، راحت معظم محلات وأصحاب المتاجر يبيعونها بحثاً عن الأرباح، بدءاً من محلات الكهرباء، حتى أصحاب الدكاكين الصغيرة، والمكتبات، ومن بينهم سعيدة مرزوق التي تمتلك مكتبة في منطقة ترسا بحي الهرم، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تنتهز فرصة حلول شهر رمضان وتذهب إلى منطقة تحت الربع بالقرب من العتبة لتشتري من التجار هناك أنواعاً مختلفة من الزينة، لتبيعها لجيرانها. وأضافت أن «الإقبال كبير على شرائها، فلم يبق منها إلا كمية قليلة، وضعتها في مقدمة المكتبة التي تتخصص في بيع الأقلام والملخصات والأدوات الكتابية، لتعلن قرب نفاد بضاعتها».

زينة رمضان تأخذ أشكالاً متعددة (الشرق الأوسط)

اهتمام المصريين واحتفالاتهم بقدوم شهر رمضان -وفق قول الدكتور مسعود شومان، الباحث في الفنون الشعبية والتراث- مرتبطان بسعيهم الدائم للمزج بين المناسبات الدينية والسعادة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هم يرون المناسبات الدينية تقترن بالفرح والسرور، وفي كثير من البلدان حتى الآن يستقبلون رمضان بزفة يشارك فيها كل الطوائف وأصحاب المهن والحرفيين». وأشار شومان إلى أمثلة شعبية تصف رمضان وتعبر عن الفرحة به مثل «أوله مرق، ووسطه حلق، وآخره خلق» يقصدون اللحم، وصناعة الكعك، ثم الاحتفال بالعيد وارتداء الملابس الجديدة. كل أشكال الفرح هذه لا ينفصل عنها في رأي شومان تزيين الشوارع، موضحاً أن «المصريين يرون الشهر الكريم ضيفاً يجب استقباله بالأعلام والزينات، كأنه قريب طال غيابه، هنا تبدو (أنسنة رمضان) واضحة، يتعاملون معه على أنه مولود يتجلى في الهلال، وهنا تأتي الاحتفالات الطقسية بتزيين الشوارع، والأغنيات الشعبية لاستقباله، والموائد العامرة، يستمر هذا حتى يكبر الهلال ويختفي، ليبدأ دورة جديدة في رحلة عودة أبدية مرة أخرى».

ومع الزينات تظهر أغاني «يا أبو رمضان يا أبو صحن نحاس يا داير في بلاد الناس، سقت عليك أبو العباس لتبات عندنا الليلة»، و«يا رمضان يا عود كبريت يا مخوف كل العفاريت سقت عليك أهل البيت لتبات عندنا الليلة»، ويوضح هذا -حسب شومان- أنهم «يعدّونه ضيفاً، وكل منهم يسعى لاستضافته ليلة، ويجب هنا أن تكون الاستضافة بالزينات في الشوارع والأضواء في كل مكان، وهو عمل جماعي أساسه المشاركة والتعاون، وكل يُسهم بقدر استطاعته، القضية هنا لا دخل لها بالفقر وضيق ذات اليد، لكنها بالغنى الروحي الذي يتمتع به الناس في كل مكان»، على حد تعبيره.


«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

التقديرات الأولية لعدد المشاهدين الذين أمّوا مهرجان برلين السينمائي من بدايته وحتى 20 من الشهر الحالي، أي قبل يومين من نهاية الدورة الحالية، تجاوزت 250 ألف مُشاهد في نحو 20 صالة توزَّعت في أرجاء العاصمة الألمانية، لكن المُتوقَّع أن يتساوى عدد المشاهدين هذا العام مع عددهم في العام الماضي (نحو 330 ألف مُشاهد). وإن لم يحدث ذلك، فالسبب يعود إلى المطر والبرد اللذين لم تشهد المدينة مثلهما منذ سنوات.

الأفلام التي حشدها المهرجان حتى الآن شديدة التنوّع، ليس فقط بالنسبة إلى المستوى العام، بل أيضاً بالنسبة إلى الاهتمامات التي انطوت عليها. هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية. والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي. وبالنسبة إلى المصادر، توزَّعت كما كان منتظراً بين سينمات عربية وآسيوية وأفريقية وأوروبية وأميركية. ليس أنّ هذا الوضع غير موجود في المهرجانات الأخرى، وإنما الأضواء المُسلطة على هذه العناصر تبرزها بوضوح وتمنح المشاهدين أسباباً متنوّعة لحضور كل الأفلام (فيلم محمد حمّاد «لجوء آمن» عُرض 6 مرات في 6 صالات بيعت تذاكرها كاملة).

«سومسوم: ليلة النجوم»... عزلة على حافة الغفران (مهرجان برلين)

هذه الدورة، بإجماع عدد غير قليل من الحاضرين، هي أفضل دورات برلين في السنوات الخمس الماضية. وهناك ما يدعم هذا الرأي رغم وجود أفلام تجنح ضدّه.

بعد فيلم الافتتاح، «لا رجال صالحون»، المموَّل من سويسرا والمعروض على أنه أول اشتراك من أفغانستان، والذي هو تجربة شخصية حُوِّلت إلى دراما ساخنة الموضوع باهتة التأثير، لوحظ أنّ معظم ما عُرض حتى الآن من أفلام دار حول تجارب أشخاص في أتون الحياة الاجتماعية لكلّ منهم. والخيط الجامع لها هو أنها دراما فردية أو اجتماعية تعبّر عن تجارب خاصة. هذا ما ساعد المهرجان على تحاشي اللجوء إلى أفلام تتعامل مع موضوعات وشخصيات سياسية، كما كانت الحال في السنوات القليلة الماضية.

ميثولوجيا أفريقية

«سومسوم: ليلة النجوم» للمخرج التشادي محمد صالح هارون عُرض داخل المسابقة الرسمية، وقد عُرِّف عنه على أنه إضافة إلى اشتراك أفريقي ملحوظ عدداً في هذه الدورة (فيلمان آخران في عداد ما عُرض هنا، واحد من السنغال والثاني من الكونغو). «سومسوم» هو أيضاً أحد الأفلام المعنية بسرد حكاية تقودها شخصية واحدة. بطلته فتاة شابة اسمها «كالو» (ميمونة ميواما) تعيش في قرية صغيرة في بعض النواحي الصحراوية. ماتت والدتها حين وضعتها، وحملت في وجدانها الشعور بأنها هي السبب في الوفاة. لكن امرأة أكبر سناً منها اسمها «آية» تخبرها عكس ذلك. ومن ناحية ثانية، هي على علاقة حبّ مع شاب يبادلها الشعور، لكنّ والده يعارض هذا الارتباط على أساس أنّ عائلة «كالو» مهاجرة من قرية أخرى. كذلك تعارض القرية دفن «آية» في مقابرها لأنها بدورها لاجئة ولم تكن محبوبة.

تضع «كالو»، بسبب صداقتها لـ«آية»، جثمانها فوق عربة، وتتوجّه بها بعيداً صوب صخور ترابية. تدخل مغارة لتسير بين جدرانها، ثم تعود إلى الجثمان فتحفر لها وتدفنها. فجأة تنهض «آية» من تحت التراب لتؤكد لـ«كالو» مجدداً أنها باتت حرّة. الغرابة لا تدعم الفيلم، بل تتركه هائماً، والمزج بين ما هو متخيَّل وبين ما هو حقيقي يمرّ بلا تأثير فعلي.

شخصيات الفيلم التي تعيش في تلك القرية (وتتحدَّث الفرنسية من دون مبرّر) تتصرَّف كلّها وفق إدارة المخرج، وليس تبعاً لجهد نابع منها. هذا ينطبق على بطلة الفيلم التي تمر بمواقف كثيرة، لكنها تبقى بعيدة عن أن تترك تأثيراً لدى الجمهور. هذه أيضاً حال الفيلم الذي ينشط في اتجاهات شتّى ليقول القليل.

وحدة عاشق البلوز

يتحدَّث «سومسوم: ليلة النجوم» في بعض جوانبه عن وحدة بطلته وسط بيئتها الرافضة لها، لكن «الرجل الأكثر وحدة في المدينة» هو الفيلم الذي يقبض على روح تلك الوحدة وبلا جهد يُذكر. فيلم ألماني من إخراج تيزا كوفي وراينر فريمل عن رجل تجاوز عامه الخمسين بلا أهل ولا عائلة ولا معارف. «أصدقائي الوحيدون هم مغنّو دلتا البلوز»، يقول في أحد المَشاهد. والفيلم يبدأ به يستمع إلى أساطير هذا اللون الغنائي، مثل صن هاوس، وروبرت جونسون، وبيسي سميث، وبلايند، وويلي جونسون، في منزله.

«ألويس كوخ» ليس شخصية خيالية. هو في الواقع رجل نمساوي أحبَّ البلوز منذ صباه، وأخذ يعرفه ويغنّيه في بعض الملاهي. الآن لا يزال متيّماً بهذا النوع من الأغنيات (بلوز دلتا المسيسيبي يختلف عن أنواع بلوز أخرى تكاثرت في شيكاغو ولويزيانا، ثم في الغرب الأميركي وصولاً إلى سان فرانسيسكو وجوارها). لم يتعلّم «كوخ» اللغة الإنجليزية إلا من أغنيات ألفيس بريسلي (الذي كان بدوره «ملك الروك» متأثّراً بالبلوز). لكن الفيلم ليس تسجيلياً، بل يمنح المخرجان «كوخ» حكاية يؤدّي بطولتها وتتحدَّث عنه.

خلال ساعة ونصف الساعة، نراه وحيداً في حياته باستثناء ما يختار سماعه وترداده. الحكاية المختارة بسيطة: «كوخ» يعيش في عمارة هجرها باقي سكانها وبقي فيها وحده. المالكون يريدون هدمها. يمانع في مغادرة منزله لارتباطه بمحتوياته (ألبومات قديمة، أجهزة استماع موسيقية، بيانو... إلخ)، لكنه يذعن في النهاية. ببراعة، نراه مرّتين يتوقّف عند بناية قريبة يراقب هدمها. بذلك ربط الفيلم بين حالته وحالة ماضٍ كبير يُهدَم أيضاً. يشتري «كوخ» تذكرة إلى أميركا ليزور «أصدقاءه» (هؤلاء كلّهم رحلوا عن الدنيا، لكونهم انطلقوا في عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته) وليعيش في الدلتا. اللقطة الأخيرة توجز الفيلم بأسره. يستمع إلى بيرثا «تشِبي» هيل تغنّي، ثم يقفل جهاز الأسطوانات وتسود الشاشة السوداء. الفيلم، إذ يحكي قصة محورها قديم، يعمد إلى أسلوب محافظ وكلاسيكي، لا تلعب الكاميرا فيه دور البطولة ولا تركض لاهثة وراء شخصياته. إنها بدورها جزء من عالم انتهى أو يكاد.


مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
TT

مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري، مصطفى غريب، إن مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «هي كيميا» جاءت في اللحظات الأخيرة، وبعدما كاد أن يغيب عن هذا العام، لعدم وجود فكرة أو تجربة مناسبة للدراما.

وأضاف غريب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل جاء بالمصادفة بعد لقاء مع المؤلف مهند طارق، الذي أخبره بأن لديه مشروع مسلسل مكتوب منه ما يقرب من نصف عدد الحلقات، وطلب منه الاطلاع عليه، وبعد قراءة الحلقات اتصل بالمنتج، وناقشوا الأمر معاً، وتحمسوا لتقديم المشروع لطرافة فكرته، وانطلقت التحضيرات بالتزامن مع كتابة الحلقات.

ويصف مصطفى غريب قرار الموافقة على المسلسل بأنه كان من أسرع القرارات في مسيرته، «لكنه لم يكن قراراً متسرعاً، فالبحث عن نص مكتوب بشكل شبه مكتمل كان بالنسبة لي عاملاً حاسماً، خصوصاً في ظل طبيعة الإنتاج التلفزيوني، التي قد تنطوي أحياناً على مخاطرة عندما يُبنى المشروع على حلقة أو حلقتين فقط».

وعن أسباب حماسه لـ«هي كيميا»، يوضح مصطفى أنه لا يتعامل مع العمل بمنطق المنافسة أو الرهانات، ولا يشغله تصنيف نفسه أو غيره داخل قوالب جاهزة، فبالنسبة له، المسألة الأساسية هي أن يخرج العمل في صورة جيدة، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومع الجمهور، مؤكداً أنه لا يدخل أي تجربة وهو يفكر في السباق الرمضاني، أو في مقارنة نفسه بأعمال أخرى، بقدر ما يركز على سؤال واحد، هل المسلسل سيقدم شيئاً حقيقياً للناس أم لا؟

وفي ما يتعلق بتحضيره للشخصية، يوضح غريب: «طريقتي لا تختلف كثيراً من عمل إلى آخر، فأنا أبدأ دائماً بقراءة السيناريو بهدوء، محاولاً فهم ملامح الشخصية، كما كُتبت على الورق، ثم البحث عما يمكن إضافته إليها من تفاصيل، سواء على مستوى السلوك أو الشكل أو الإيقاع، وذلك بالتعاون مع المخرج والمؤلف»، مؤكداً أن بناء الشخصية لا يعتمد فقط على ما هو مكتوب، بل أيضاً على ما يمكن استنباطه «بين السطور».

الملصق الترويجي للمسلسل (حسابه على فيسبوك)

وحول الكوميديا والارتجال، يوضح مصطفى غريب أن العمل الكوميدي بطبيعته يفتح المجال للاجتهاد والتجريب، لكن ذلك لا يحدث بشكل عشوائي، فهناك دائماً أساس مكتوب يُبنى عليه، ثم تأتي اللمسات الإضافية خلال القراءة أو في أثناء التصوير، أو حتى في الأيام التي لا يكون فيها تصوير، حين يعود الممثل إلى الورق ليقترح أفكاراً أو بدائل، مؤكداً أن بعض اللحظات تولد في لحظتها أمام الكاميرا، بينما تحتاج لحظات أخرى إلى تفكير مسبق، وكل ذلك يمر في النهاية عبر رؤية المخرج.

ويثني الممثل المصري على التعاون مع المخرج إسلام خيري، الذي وصفه بأنه «يتمتع بنظرة شاملة للعمل من الخارج، ما يسمح له برؤية المشهد من زاوية أوسع، فلا يتردد في تعديل المشهد، أو حذف أفكار اتُفق عليها مسبقاً إذا شعر بأن هناك خياراً أفضل، وهو ما حدث بالفعل في بعض المشاهد، حتى في المشهد الأول من المسلسل، الذي شهد تغييرات جذرية قبل تصويره، في محاولة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة».

ويشدد مصطفى غريب على أن النجاح الحقيقي بالنسبة له لا يُقاس بـ«التريند» أو بالأرقام المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بردود الفعل المباشرة من الناس، فاللحظات التي يشعر فيها بقيمة ما قدمه هي تلك التي يلتقي فيها بجمهور حقيقي في الشارع، أو يتلقى رسالة صادقة من شخص يقول له إنه أعجبه العمل، لافتاً إلى أنه لم يسعَ يوماً لصناعة نجاح مصطنع، ولم يدفع مقابل دعاية زائفة، لقناعته أن هذه الأمور لا تصنع قيمة حقيقية.

وعن النجاح الذي حققه في السابق، يعترف مصطفى غريب بأنه أمر يحمل قدراً من القلق، ليس فقط في مجال التمثيل، بل في أي مجال؛ فالنجاح، في رأيه، يفرض مسؤولية أكبر، ويجعل سقف التوقعات أعلى، وهو ما قد يكون أكثر صعوبة من الفشل نفسه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن أي شخص يتقاضى أجراً مقابل عمله عليه مسؤولية أن يؤديه بأقصى قدر من الإخلاص.

ويختتم مصطفى غريب حديثه بالتأكيد على أن طموحه الأساسي يظل ثابتاً في أن يشارك في أعمال صادقة، وأن ينجح في إدخال البهجة على قلوب الناس، معتبراً أن «القدرة على إضحاك الجمهور، خصوصاً في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها، هي واحدة من أصعب وأهم المهام التي يمكن أن ينجح فيها أي فنان»، على حد تعبيره.