حفيدة بيكاسو لـ «الشرق الأوسط» : كان جدي يقدس الحياة اليومية ويؤمن بالخرافات

تهتم بإحصاء أعماله وتكتب في إصدارها الأخير عن جانب مجهول من شخصيته

ديانا فيدماير بيكاسو وخلفها لوحة «غرنيكا» (غيتي)
ديانا فيدماير بيكاسو وخلفها لوحة «غرنيكا» (غيتي)
TT

حفيدة بيكاسو لـ «الشرق الأوسط» : كان جدي يقدس الحياة اليومية ويؤمن بالخرافات

ديانا فيدماير بيكاسو وخلفها لوحة «غرنيكا» (غيتي)
ديانا فيدماير بيكاسو وخلفها لوحة «غرنيكا» (غيتي)

جدها مؤسس الحركة التكعيبية وأشهر فناني العالم على الإطلاق، والدتها رعت الكثير من المؤسسات الخيرية وأهدت المتاحف أعمال والدها. إنها ديانا فيدماير بيكاسو، باحثة متخصصة في تاريخ الفن ومتفرغة منذ سنوات لمهمة إحصاء وتصنيف أعمال بيكاسو.
حصلت على شهادة الدكتوراه في تاريخ الفن من جامعة السوربون، ثم عملت خبيرة في الرسومات القديمة في «دار سوثبيز» في لندن وباريس. وملامح ديانا فيدماير بيكاسو وشعرها الأشقر الطويل يذكران بجدتها ماري تيريز، التي خلدها الفنان الشهير في لوحاته. التقيناها في باريس وكان لنا معها هذا الحوار:

> كيف كان توجهك لمجال البحث في تاريخ الفن، هل كان لتراثك العائلي تأثير على مسارك المهني؟
- أعتبر نفسي محظوظة كوني ترعرعت في وسط يعشق الفن وفي بيت يتضمن روائع التحف من أعمال جدي. هذا لا يعني أن طريقي كان مرسوماً منذ البداية، فقبل أن أتفرغ لعملي باحثة في تاريخ الفن ومُتخصصة في أعمال بيكاسو درست القانون وحصلت على شهادة الدكتوراه في تاريخ الفن من جامعة السوربون، ثم عملت خبيرة في الرسومات القديمة في «دار سوثبيز» في لندن وباريس، ولم أتخصص في أعمال جدي إلا بداية 2003.
> منذ سنوات وأنت منكبة على إعداد كتالوج عن أعمال بيكاسو وهو عمل ضخم، حيث إنه يتطلب عمليات بحث واستقصاء للعثور على أثر جميع القطع الفنية. أولاً أين وصلت في عملك؟ وكيف يتم استقصاء المعلومات والبحث عن أثر هذه القطع؟
- فعلاً منذ 2003 أعمل مع فرقة من الباحثين في إطار مؤسسة «دي دبليو إيديشن» على إعداد كتالوج لمنحوتات بيكاسو. والكتالوج هو إصدار يحصي ويُصنف جميع أعمال الفنان حسب التسلسل الزمني والموضوعي. هذا الكتالوج الذي يضم عدة أجزاء يقتفي أثر التُحف، ويعطينا معلومات عن مصدرها، وأماكن عرضها وبطاقتها التقنية. قبل كل عمل تحليلي كان عليّ إجراء مسح شامل لكل القطع التي نُسبت لجدي والموجودة إما في المؤسسات المتحفية أو في دور العرض وعند المقتنين الخاصين في فرنسا والعالم. وهو عمل ضخم يتطلب صبراً وتنظيماً، لا سيما أن أعمال بيكاسو كانت غزيرة ومتنوعة، وكذلك كثيرة التنقل بين قاعات المعارض وفي المجموعات الخاصة.
> في معرض «مايا رويز بيكاسو» القائم حالياً في باريس إلى غاية 22 ديسمبر (كانون الأول) 2022، نلمس الحضور القوي لمايا (والدتك) في أعمال بيكاسو واهتمام هذا الأخير بمواضيع الطفولة في لوحاته، هل لكي أن تشرحي لنا هذا الجانب؟ كيف كان علاقة بيكاسو «الأب» بوالدتك؟
- مشروع معرض «مايا رويز بيكاسو» نشأ على أعقاب معرض آخر هو «بيكاسو ومايا، الأب وابنته» الذي نظمته في غاليري «غاغوسيان» في باريس عام 2017، فكان هذا المعرض الأخير بمثابة تتمة طبيعية لعملي حول هذه العلاقة العائلية التي أثارت اهتمامي. جدتي ماري تيريز والتر التقت بيكاسو في باريس وبدأت بينهما علاقة سرية منذ 1927، أمي وُلدت عام 1935 وكانت الطفلة الأكثر تمثيلاً في أعمال بيكاسو كما كانت بمثابة مصدر إلهام له تماماً كما كانت جدتي ماري تيريز من قبلها. وقد كان هذا المعرض مناسبة أيضاً لأتقرب أكثر من والدتي، حيث غالباً ما نعتقد أننا نعرف كل شيء عن عائلتنا وهذا غير صحيح. وقد كان بيكاسو نفسه يرسم كثيراً مع أطفاله، بل ويشركهم في أعماله أيضاً، وكان يُقحم نفسه في حركة أبوية مزدوجة، فمن جهة يعيد إحياء دور «المعلم الأول» الذي كان والده يؤديه معه، ومن جهة أخرى دور «التلميذ» مع أطفاله. الأعمال التي كانت خلاصة هذه اللحظات ألهمت بيكاسو جماليات جديدة، تتناسب مع التجارب الفنية التي قادها طوال حياته. التحرر من قيود الاتباعية والعودة إلى نوع من بدائية التمثيل والبساطة والعفوية، كل هذا كان ممكناً عند بيكاسو بالعودة إلى الطفولة ورموزها الجمالية.
> مقارنة بباحثين آخرين، هل تعدين نفسك محظوظة باعتبارك قريبة من «المصدر»، أم أن الأمر قد يسبب لك أحياناً نوعاً من الإحراج؟
- بصفتي باحثة في التاريخ، العمل على التحف الفنية لبيكاسو يعد فرصة عظيمة، نظراً لأهمية أعماله وتنوعها. بصفتي حفيدة الفنان، العمل على هذه القطع يسمح لي بالغوص في حميميته والتواصل مع تاريخ عائلتي. وما زلت أرى أني محظوظة وأنا أكتشف في كل مرة أشياء جديدة عن تاريخ عائلتي، لسنوات طويلة لم أكن أعلم عن علاقة جدتي وجدي إلا بعض التفاصيل المتفرقة هنا وهناك، وما تم تسريبه عن «الأسطورة العائلية» والطرائف التي تم نشرها في بعض الكتب، وغالباً ما كانت خاطئة.
> اليوم وفي كل أنحاء العالم لا تزال المعارض المخصصة لأعمال بيكاسو تحظى برواج كبير، فكيف نُفسر عالمية بيكاسو؟
- أعتقد أن نجاح أعمال بيكاسو تعود لتميزه، لكونه فناناً اهتم بكل شيء، بالفن الكلاسيكي والخارج عن أوروبا، كان دائم الإبداع، بالرسم والنحت والتركيب والمُلصق. مصادر إلهامه كانت متعددة مما سمح له بتشكيل سلسلة أعمال قيمة ومتنوعة تترك أثرها عند كل من يراها.
> يعد بيكاسو كما هو معروف مؤسس التيار التكعيبي، وقد كان له أثر على عدة شخصيات فنية من شتى المجالات، فما كانت برأيك أكثر هذه التأثيرات تميزاً؟
- على سبيل التذكير بعد «سلسلة القيثارة» التي أنجزها عام 1912 أصبح بيكاسو يعد بمثابة أب التكعيبية الصناعية. هذه القطعة المصنوعة من الكرتون والخيط وألياف الحديد والحبال فتحت باب النقاش في حدود النحت، وشكلت علامة بارزة عند الكثير من الفنانين المعاصرين، إضافة إلى أنها ألهمتهم كثيراً. بعضهم اكتشف في الإنشاءات التكعيبية لبيكاسو مجالاً لإعادة إحياء ممارستهم الفنية: مثل الفنان فرانك ستيلا وسلسلته «الدوائر»، وفنانين تشكيلين معاصرين أمثال أنتوني كارو أو توماس كيزفيتر أو برتران لافيي وكلهم تأثروا بمنحوتات بيكاسو، وكذلك النحات الفرنسي الجزائري عادل عبد الصمد (الذي أنجز منحوتة زيدان المعروضة في قطر)، بعض الفنانين أمثال البريطاني توماس هاوساغو اعترف لي في لقاء بمناسبة معرض «بيكاسو مانيا» الذي نظمته عام 2015 بأن بيكاسو زاره في المنام وهو ابن السابعة عشرة ليشجعه على المواصلة في حلمه بأن يصبح فناناً. أحب أيضاً فكرة أن يكون تأثير بيكاسو في مجالات لا نتوقعها، كالرقص مثلاً، وهو ما نراه واضحاً في رؤية عرض «عائلة سلتيبانك» لمصمم الرقص العصري قادر بلعربي.
> في إصدارك الأخير «بيكاسو الساحر، دار نشر غاليمار» تتحدثين عن جانب من شخصية جدك لم نكن نعرفها، هل لكي أن توضحي؟
- بمناسبة تحضيرات المعرض عثرت على عدة أغراض ظل جدي يحتفظ بها سراً في بيته ثم جدتي ووالدتي من بعده: ملابس، خصلات شعر وأظافر، موضوعة في قطع من الحرير، بتواريخ مُحددة، انبهرت باكتشاف هذه الأغراض التي سلطت الضوء على جانب من شخصية جدي، الذي كان شديد الإيمان بالخرافات، وأتذكر ما كانت والدتي ترويه عن الخبز الذي لا يجب أن يوضع مقلوباً على المائدة أو المظلة التي لا يجب أن تفتح داخل المنزل، أو الوصية التي كان يرفض كتابتها لأنه يعتقد أنها ستجلب الموت. وهو ما تناولته بالتحليل في هذا الكتاب الذي ألفته بالتعاون مع الباحث فيليب شارلي، وكلانا وصل للخلاصة التالية: هذا التقديس للحياة اليومية يسير جنباً إلى جنب مع علاقة الفنان بالحياة وبإلهامه. هذه الأغراض التي وجدتها والتي أسميها «تذكارات بيكاسو» تخضع لذكرى الرسام، وتصبح، على نطاق أوسع، العناصر المكونة للذاكرة الجماعية وهي تشكل عند بيكاسو ذخيرة لمواجهة النسيان.
> هل تعرفنا على كل أعمال بيكاسو، أم أن هناك أشياء لم نكتشفها بعد؟
- هناك دائماً ما يمكن اكتشافه في عمل بيكاسو. فتاريخ الفن هو نظام يتطور باستمرار وفقاً للتيارات، كما يمكننا الاقتراب من العديد من جوانب حياة بيكاسو المختلفة، خصوصاً أنه عاش وقتاً طويلاً وأنتج كثيراً. عمله غزير ومحمول بالعديد من التجارب التقنية والمواد المختلفة، وقد ترك لنا تراثاً غنياً للغاية لا يزال يعد بالكثير من الاكتشافات.
> ما رأيك فيما تشهده الساحة الفنية والثقافية من انتعاش في منطقة الخليج؟
- تلعب دول الخليج دوراً مهماً في سوق الفن، بالإضافة إلى السياسات الثقافية الطموحة التي أصبحت مؤسسية. وبفضل إنشاء متاحف رائعة، نجح الفنانون المعاصرون في هذه المنطقة في تسجيل بصماتهم على الساحة الدولية. يشهد على هذه الحيوية إنشاء دور المزادات مثل «سوثيبيز» و«كريستيز»، أو إنشاء معارض الفن المعاصر في دول الخليج. هذه الديناميكية الإيجابية في تصوري تدعو إلى الغبطة والتفاؤل بازدهار إبداعي أكبر فأكبر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.