حفيدة بيكاسو لـ «الشرق الأوسط» : كان جدي يقدس الحياة اليومية ويؤمن بالخرافات

تهتم بإحصاء أعماله وتكتب في إصدارها الأخير عن جانب مجهول من شخصيته

ديانا فيدماير بيكاسو وخلفها لوحة «غرنيكا» (غيتي)
ديانا فيدماير بيكاسو وخلفها لوحة «غرنيكا» (غيتي)
TT

حفيدة بيكاسو لـ «الشرق الأوسط» : كان جدي يقدس الحياة اليومية ويؤمن بالخرافات

ديانا فيدماير بيكاسو وخلفها لوحة «غرنيكا» (غيتي)
ديانا فيدماير بيكاسو وخلفها لوحة «غرنيكا» (غيتي)

جدها مؤسس الحركة التكعيبية وأشهر فناني العالم على الإطلاق، والدتها رعت الكثير من المؤسسات الخيرية وأهدت المتاحف أعمال والدها. إنها ديانا فيدماير بيكاسو، باحثة متخصصة في تاريخ الفن ومتفرغة منذ سنوات لمهمة إحصاء وتصنيف أعمال بيكاسو.
حصلت على شهادة الدكتوراه في تاريخ الفن من جامعة السوربون، ثم عملت خبيرة في الرسومات القديمة في «دار سوثبيز» في لندن وباريس. وملامح ديانا فيدماير بيكاسو وشعرها الأشقر الطويل يذكران بجدتها ماري تيريز، التي خلدها الفنان الشهير في لوحاته. التقيناها في باريس وكان لنا معها هذا الحوار:

> كيف كان توجهك لمجال البحث في تاريخ الفن، هل كان لتراثك العائلي تأثير على مسارك المهني؟
- أعتبر نفسي محظوظة كوني ترعرعت في وسط يعشق الفن وفي بيت يتضمن روائع التحف من أعمال جدي. هذا لا يعني أن طريقي كان مرسوماً منذ البداية، فقبل أن أتفرغ لعملي باحثة في تاريخ الفن ومُتخصصة في أعمال بيكاسو درست القانون وحصلت على شهادة الدكتوراه في تاريخ الفن من جامعة السوربون، ثم عملت خبيرة في الرسومات القديمة في «دار سوثبيز» في لندن وباريس، ولم أتخصص في أعمال جدي إلا بداية 2003.
> منذ سنوات وأنت منكبة على إعداد كتالوج عن أعمال بيكاسو وهو عمل ضخم، حيث إنه يتطلب عمليات بحث واستقصاء للعثور على أثر جميع القطع الفنية. أولاً أين وصلت في عملك؟ وكيف يتم استقصاء المعلومات والبحث عن أثر هذه القطع؟
- فعلاً منذ 2003 أعمل مع فرقة من الباحثين في إطار مؤسسة «دي دبليو إيديشن» على إعداد كتالوج لمنحوتات بيكاسو. والكتالوج هو إصدار يحصي ويُصنف جميع أعمال الفنان حسب التسلسل الزمني والموضوعي. هذا الكتالوج الذي يضم عدة أجزاء يقتفي أثر التُحف، ويعطينا معلومات عن مصدرها، وأماكن عرضها وبطاقتها التقنية. قبل كل عمل تحليلي كان عليّ إجراء مسح شامل لكل القطع التي نُسبت لجدي والموجودة إما في المؤسسات المتحفية أو في دور العرض وعند المقتنين الخاصين في فرنسا والعالم. وهو عمل ضخم يتطلب صبراً وتنظيماً، لا سيما أن أعمال بيكاسو كانت غزيرة ومتنوعة، وكذلك كثيرة التنقل بين قاعات المعارض وفي المجموعات الخاصة.
> في معرض «مايا رويز بيكاسو» القائم حالياً في باريس إلى غاية 22 ديسمبر (كانون الأول) 2022، نلمس الحضور القوي لمايا (والدتك) في أعمال بيكاسو واهتمام هذا الأخير بمواضيع الطفولة في لوحاته، هل لكي أن تشرحي لنا هذا الجانب؟ كيف كان علاقة بيكاسو «الأب» بوالدتك؟
- مشروع معرض «مايا رويز بيكاسو» نشأ على أعقاب معرض آخر هو «بيكاسو ومايا، الأب وابنته» الذي نظمته في غاليري «غاغوسيان» في باريس عام 2017، فكان هذا المعرض الأخير بمثابة تتمة طبيعية لعملي حول هذه العلاقة العائلية التي أثارت اهتمامي. جدتي ماري تيريز والتر التقت بيكاسو في باريس وبدأت بينهما علاقة سرية منذ 1927، أمي وُلدت عام 1935 وكانت الطفلة الأكثر تمثيلاً في أعمال بيكاسو كما كانت بمثابة مصدر إلهام له تماماً كما كانت جدتي ماري تيريز من قبلها. وقد كان هذا المعرض مناسبة أيضاً لأتقرب أكثر من والدتي، حيث غالباً ما نعتقد أننا نعرف كل شيء عن عائلتنا وهذا غير صحيح. وقد كان بيكاسو نفسه يرسم كثيراً مع أطفاله، بل ويشركهم في أعماله أيضاً، وكان يُقحم نفسه في حركة أبوية مزدوجة، فمن جهة يعيد إحياء دور «المعلم الأول» الذي كان والده يؤديه معه، ومن جهة أخرى دور «التلميذ» مع أطفاله. الأعمال التي كانت خلاصة هذه اللحظات ألهمت بيكاسو جماليات جديدة، تتناسب مع التجارب الفنية التي قادها طوال حياته. التحرر من قيود الاتباعية والعودة إلى نوع من بدائية التمثيل والبساطة والعفوية، كل هذا كان ممكناً عند بيكاسو بالعودة إلى الطفولة ورموزها الجمالية.
> مقارنة بباحثين آخرين، هل تعدين نفسك محظوظة باعتبارك قريبة من «المصدر»، أم أن الأمر قد يسبب لك أحياناً نوعاً من الإحراج؟
- بصفتي باحثة في التاريخ، العمل على التحف الفنية لبيكاسو يعد فرصة عظيمة، نظراً لأهمية أعماله وتنوعها. بصفتي حفيدة الفنان، العمل على هذه القطع يسمح لي بالغوص في حميميته والتواصل مع تاريخ عائلتي. وما زلت أرى أني محظوظة وأنا أكتشف في كل مرة أشياء جديدة عن تاريخ عائلتي، لسنوات طويلة لم أكن أعلم عن علاقة جدتي وجدي إلا بعض التفاصيل المتفرقة هنا وهناك، وما تم تسريبه عن «الأسطورة العائلية» والطرائف التي تم نشرها في بعض الكتب، وغالباً ما كانت خاطئة.
> اليوم وفي كل أنحاء العالم لا تزال المعارض المخصصة لأعمال بيكاسو تحظى برواج كبير، فكيف نُفسر عالمية بيكاسو؟
- أعتقد أن نجاح أعمال بيكاسو تعود لتميزه، لكونه فناناً اهتم بكل شيء، بالفن الكلاسيكي والخارج عن أوروبا، كان دائم الإبداع، بالرسم والنحت والتركيب والمُلصق. مصادر إلهامه كانت متعددة مما سمح له بتشكيل سلسلة أعمال قيمة ومتنوعة تترك أثرها عند كل من يراها.
> يعد بيكاسو كما هو معروف مؤسس التيار التكعيبي، وقد كان له أثر على عدة شخصيات فنية من شتى المجالات، فما كانت برأيك أكثر هذه التأثيرات تميزاً؟
- على سبيل التذكير بعد «سلسلة القيثارة» التي أنجزها عام 1912 أصبح بيكاسو يعد بمثابة أب التكعيبية الصناعية. هذه القطعة المصنوعة من الكرتون والخيط وألياف الحديد والحبال فتحت باب النقاش في حدود النحت، وشكلت علامة بارزة عند الكثير من الفنانين المعاصرين، إضافة إلى أنها ألهمتهم كثيراً. بعضهم اكتشف في الإنشاءات التكعيبية لبيكاسو مجالاً لإعادة إحياء ممارستهم الفنية: مثل الفنان فرانك ستيلا وسلسلته «الدوائر»، وفنانين تشكيلين معاصرين أمثال أنتوني كارو أو توماس كيزفيتر أو برتران لافيي وكلهم تأثروا بمنحوتات بيكاسو، وكذلك النحات الفرنسي الجزائري عادل عبد الصمد (الذي أنجز منحوتة زيدان المعروضة في قطر)، بعض الفنانين أمثال البريطاني توماس هاوساغو اعترف لي في لقاء بمناسبة معرض «بيكاسو مانيا» الذي نظمته عام 2015 بأن بيكاسو زاره في المنام وهو ابن السابعة عشرة ليشجعه على المواصلة في حلمه بأن يصبح فناناً. أحب أيضاً فكرة أن يكون تأثير بيكاسو في مجالات لا نتوقعها، كالرقص مثلاً، وهو ما نراه واضحاً في رؤية عرض «عائلة سلتيبانك» لمصمم الرقص العصري قادر بلعربي.
> في إصدارك الأخير «بيكاسو الساحر، دار نشر غاليمار» تتحدثين عن جانب من شخصية جدك لم نكن نعرفها، هل لكي أن توضحي؟
- بمناسبة تحضيرات المعرض عثرت على عدة أغراض ظل جدي يحتفظ بها سراً في بيته ثم جدتي ووالدتي من بعده: ملابس، خصلات شعر وأظافر، موضوعة في قطع من الحرير، بتواريخ مُحددة، انبهرت باكتشاف هذه الأغراض التي سلطت الضوء على جانب من شخصية جدي، الذي كان شديد الإيمان بالخرافات، وأتذكر ما كانت والدتي ترويه عن الخبز الذي لا يجب أن يوضع مقلوباً على المائدة أو المظلة التي لا يجب أن تفتح داخل المنزل، أو الوصية التي كان يرفض كتابتها لأنه يعتقد أنها ستجلب الموت. وهو ما تناولته بالتحليل في هذا الكتاب الذي ألفته بالتعاون مع الباحث فيليب شارلي، وكلانا وصل للخلاصة التالية: هذا التقديس للحياة اليومية يسير جنباً إلى جنب مع علاقة الفنان بالحياة وبإلهامه. هذه الأغراض التي وجدتها والتي أسميها «تذكارات بيكاسو» تخضع لذكرى الرسام، وتصبح، على نطاق أوسع، العناصر المكونة للذاكرة الجماعية وهي تشكل عند بيكاسو ذخيرة لمواجهة النسيان.
> هل تعرفنا على كل أعمال بيكاسو، أم أن هناك أشياء لم نكتشفها بعد؟
- هناك دائماً ما يمكن اكتشافه في عمل بيكاسو. فتاريخ الفن هو نظام يتطور باستمرار وفقاً للتيارات، كما يمكننا الاقتراب من العديد من جوانب حياة بيكاسو المختلفة، خصوصاً أنه عاش وقتاً طويلاً وأنتج كثيراً. عمله غزير ومحمول بالعديد من التجارب التقنية والمواد المختلفة، وقد ترك لنا تراثاً غنياً للغاية لا يزال يعد بالكثير من الاكتشافات.
> ما رأيك فيما تشهده الساحة الفنية والثقافية من انتعاش في منطقة الخليج؟
- تلعب دول الخليج دوراً مهماً في سوق الفن، بالإضافة إلى السياسات الثقافية الطموحة التي أصبحت مؤسسية. وبفضل إنشاء متاحف رائعة، نجح الفنانون المعاصرون في هذه المنطقة في تسجيل بصماتهم على الساحة الدولية. يشهد على هذه الحيوية إنشاء دور المزادات مثل «سوثيبيز» و«كريستيز»، أو إنشاء معارض الفن المعاصر في دول الخليج. هذه الديناميكية الإيجابية في تصوري تدعو إلى الغبطة والتفاؤل بازدهار إبداعي أكبر فأكبر.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

اكتشاف تمثال ضخم في منطقة أثرية بدلتا مصر

موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

اكتشاف تمثال ضخم في منطقة أثرية بدلتا مصر

موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
موقع تل فرعون الأثري بدلتا مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

يسلط اكتشاف تمثال أثري ضخم بموقع تل فرعون بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية (دلتا مصر) الضوء على الكثير من مظاهر النشاط الديني والملكي في منطقة شرق الدلتا.

وقالت وزارة السياحة والآثار المصرية في بيان صحافي أصدرته الأربعاء أنها «عثرت على تمثال ضخم يفتقد الجزء السفلي «الأرجل، والقاعدة»، ورجحت أن يكون للملك رمسيس الثاني.

يتميز التمثال المكتشف بضخامة لافتة، ويُقدّر وزنه بين 5 إلى 6 أطنان، ويبلغ طوله نحو 2.20 متر، وهو في حالة حفظ سيئة نسبياً، بينما تُظهر الأجزاء المتبقية سمات فنية وملكية ترجّح أنه كان جزءاً من مجموعة ثلاثية، على غرار ما تم الكشف عنه في عدد من المواقع الأثرية بمحافظة الشرقية.

الحالة السيئة التي ظهر عليها التمثال دعت الدكتور فاروق شرف، خبير ترميم الآثار، للتحذير من استخدام أدوات تضر بالتمثال، مثل الجاروف، والجرافة التي ظهرت خارج المنطقة الأثرية، عبر صور التقطت من الموقع الأثري.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا توجد معلومات عن الطريقة التي تم بها نقل التمثال حيث ستتم دراسته بشكل معمق، وترميمه». وأوضح أن «الدراسات التي سيتم إجراؤها على التمثال سوف توضح حالته جيداً، وإمكانيات تحمله، والخدوش الموجودة على جسمه، وكل هذا سوف يوضح الأسلوب الذي سيتبعه الخبراء في ترميمه».

تمثال يصور رمسيس الثاني (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعد شرف الطريقة التي يتم بها نقل التمثال من موقع اكتشافه إلى منطقة دراسته وترميمه خطوة شديدة الأهمية، مشيراً إلى ضرورة أن تتم بطريقة يدوية، لحماية الاكتشاف من أية مخاطر.

ويعد التمثال حسب بيان وزارة السياحة والآثار من الشواهد الأثرية المهمة التي تسلط الضوء على مظاهر النشاط الديني والملكي في منطقة شرق الدلتا، وقال الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إنه يسهم في تعزيز وفهم ظاهرة نقل وإعادة توظيف التماثيل الملكية خلال عصر الدولة الحديثة، لا سيما في سياق ارتباط المواقع الإقليمية بالمراكز الملكية الكبرى.

وتشير الدراسات الأولية للتمثال إلى أنه تم نقله في العصور القديمة من مدينة «بر-رمسيس» إلى موقع تل فرعون، المعروف قديماً باسم «إيمت»، لإعادة استخدامه داخل أحد المجمعات الدينية، وهو ما يعكس الأهمية الدينية والتاريخية للموقع عبر العصور. وفق محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار.

وأضاف عبد البديع أنه «في إطار الحفاظ على التمثال، تم نقله فور العثور عليه من داخل مجمع المعابد بالموقع إلى المخزن المتحفي بمنطقة صان الحجر، تمهيداً لبدء أعمال الترميم الدقيقة والعاجلة، وفقاً لأعلى المعايير العلمية المتبعة في صيانة وحفظ الآثار».

وتبرز أهمية منطقة «تل فرعون» في كونها تضم بقايا معبد قديم يرجع للأسرة الـ19، ويجسد التمثال شخصيتين في مجسم واحد، وهو نمط فني كان شائعاً في عهد رمسيس الثاني لإظهار الملك بجوار أحد الآلهة تأكيداً على شرعيته، وارتباطه الإلهي وفق معتقدات المصري القديم.

ويقع «تل فرعون» الأثري على بعد 10كم جنوب صان الحجر في القسم الشرقي من دلتا النيل، وكانت تلك المنطقة تعد من أبرز المراكز السكانية في الوجه البحري خلال عصري الدولة الحديثة والعصر المتأخر، وتميزت بوجود معبد ضخم مكرّس لعبادة الإلهة واجيت، والذي لا تزال أطلاله قائمة على الجانب الغربي من الموقع.


كم راتبك... كيف تجيب عن أكثر الأسئلة حساسية؟

من حق أي شخص أن يتردد أو يرفض الإفصاح عن راتبه بحسب الخبراء (بكسلز)
من حق أي شخص أن يتردد أو يرفض الإفصاح عن راتبه بحسب الخبراء (بكسلز)
TT

كم راتبك... كيف تجيب عن أكثر الأسئلة حساسية؟

من حق أي شخص أن يتردد أو يرفض الإفصاح عن راتبه بحسب الخبراء (بكسلز)
من حق أي شخص أن يتردد أو يرفض الإفصاح عن راتبه بحسب الخبراء (بكسلز)

يُعد الحديث عن الرواتب من أكثر المواضيع حساسية في بيئات العمل والعلاقات الاجتماعية، لكن هذا المفهوم بدأ يتغير تدريجياً مع الأجيال الشابة التي تميل إلى مزيد من الشفافية بشأن الدخل والأجور.

وبين من يرى السؤال عن الراتب أمراً طبيعياً، ومن يعتبره تعدياً على الخصوصية، يثار الجدل حول حدود اللياقة الاجتماعية في هذا الملف.

ويشرح تقرير نشره موقع «سي إن بي سي» متى يكون السؤال عن الراتب مناسباً، وكيف يمكن الرد عليه بلباقة.

هل أصبح الحديث عن الراتب أقل حساسية؟

بالنسبة إلى الأجيال الشابة، يبدو أن الإجابة تزداد ميلاً إلى «لا»، وفقاً لتوماس فارلي، خبير الإتيكيت وكاتب النشرة الأسبوعية «Mister Manners Mondays».

ويقول إن فكرة أن السؤال عن الراتب غير مناسب تُعد مفهوماً جديداً تماماً، خصوصاً لدى جيل «زد»، مضيفاً أن حتى بعض أبناء جيل الألفية الأصغر سناً لا يرون جدوى من إخفاء هذه المعلومات، إذ يؤمنون بالشفافية ويرفضون الأسرار في هذا الجانب.

وبحسب استطلاع أجرته منصة التوظيف "KickResume" عام 2025، قال 39 في المائة من العاملين من جيل «زد» إن الرواتب تُناقش بصراحة في أماكن عملهم، مقارنة بـ30 في المائة من جيل الألفية و22 في المائة من جيل "إكس".

كيف تسأل عن الراتب بطريقة لائقة؟

يرى خبراء الإتيكيت أن طريقة طرح السؤال والسبب وراءه هما العاملان الأساسيان؛ فإذا كان الدافع مجرد الفضول أو التطفل، فمن المرجح ألا يُستقبل السؤال بشكل جيد.

أما إذا كان الهدف معرفة مستوى الرواتب من أجل التفاوض على راتبك؛ فمن الأفضل أولاً إجراء بحث شخصي عبر مواقع الوظائف أو مراجعة نطاقات الرواتب المعلنة في الوظائف المفتوحة.

وإذا كان لا بد من السؤال مباشرة، فيُنصح بطرحه بلطف ومن دون إلحاح، كأن تسأل عن نطاق تقريبي بدلاً من رقم محدد، أو أن تشرح سبب سؤالك مسبقاً.

كيف ترفض الإجابة من دون إحراج؟

في المقابل، من حق أي شخص أن يتردد أو يرفض الإفصاح عن راتبه، خصوصاً بين الزملاء في العمل.

وتقول خبيرة الإتيكيت، ديان غوتسمان، إنه من المقبول تماماً وضع حدود واضحة، مثل القول: «لا أشعر بالراحة في الحديث عن الأمور المالية، فهذا موضوع أفضل إبقاءه خاصاً».

وإذا أراد الشخص أن يكون متعاوناً من دون كشف تفاصيل دقيقة، يمكنه ذكر نطاق تقريبي بدلاً من الرقم الفعلي.

الشفافية والخصوصية... توازن مطلوب

ويرى الخبراء أن النقاش حول الرواتب لم يعد من المحرمات كما كان في السابق، لكنه لا يزال موضوعاً حساساً يحتاج إلى قدر من اللباقة واحترام الخصوصية. فالشفافية قد تساعد على تحقيق عدالة أكبر في الأجور، لكن لكل شخص الحق الكامل في الاحتفاظ بمعلوماته المالية لنفسه.


67 ألف بائع وهمي... كيف تسببت كعكة في اكتشاف أزمة خطيرة في توصيل الطعام بالصين؟

أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)
أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)
TT

67 ألف بائع وهمي... كيف تسببت كعكة في اكتشاف أزمة خطيرة في توصيل الطعام بالصين؟

أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)
أحد العاملين في خدمة توصيل الطعام بالصين (رويترز)

أدت شكوى أحد الزبائن بشأن «كعكة مخيبة للآمال» إلى إطلاق تحقيق واسع النطاق كشف عن الآلاف من «بائعي الطعام الوهميين» في الصين، ما أسفر عن غرامات باهظة لبعض أكبر الشركات في البلاد، وسلّط الضوء على مخاطر المنافسة السعرية الشرسة، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وبدأ التحقيق - الذي شهد مناوشات بين المحققين وموظفي خدمة التوصيل - الصيف الماضي عندما تلقى رجل في بكين، يُدعى ليو، كعكة عيد ميلاد مزينة بزهرة غير صالحة للأكل، وفقاً لتقارير إعلامية رسمية متعددة. وطلب ليو الكعكة عبر منصة توصيل إلكترونية، ولعدم رضاه عن طلبه، أبلغ السلطات المحلية عن البائع.

وكشفت السلطات الرقابية عن سلسلة متاجر حلويات وهمية، تضمّ ما يقارب الـ400 فرع، تعمل بتراخيص مزوّرة لمتاجر الأغذية، دون وجود أيّ فروع فعلية لها.

وأدى هذا الحادث إلى تحقيق شامل على مستوى البلاد، وكشف عن شبكة توريد أغذية غير رسمية، حيث يقوم أحد التجار بتحصيل ثمن الطلب من الزبون، ثم يعرضه على منصة وسيطة ليتنافس عليه منتجون آخرون، ويتم اختيار صاحب أقل سعر لتنفيذ الطلب، مما يُعرّض جودة وسلامة الغذاء للخطر.

وذكرت وكالة أنباء «شينخوا» الرسمية أنه تم اكتشاف أكثر من 67 ألف بائع وهمي من هذا النوع، باعوا ما يزيد على 3.6 مليون قطعة كعك.

وفي مثال كشفت عنه الوكالة الصينية، دفع أحد المستهلكين 252 يواناً (35 دولاراً أميركياً) مقابل كعكة قطرها ست بوصات، لكن الطلب أُعيد بيعه سراً عبر منصة وسيطة، حيث تنافس البائعون (الخبازون) على تنفيذه بأسعار 100 و90 و80 يواناً، وفاز صاحب أقل سعر. ونتيجة لذلك، حصل البائع الوهمي على المنصة الإلكترونية على ما يقارب نصف السعر الذي دفعه المستهلك، بينما حصلت منصة التوصيل على رسوم خدمة بنسبة 20 في المائة، تاركةً للخباز الحقيقي 30 في المائة من المبلغ وهامش ربح ضئيل.

وخلصت الهيئة الصينية لتنظيم السوق في تحقيقها الأسبوع الماضي، إلى أن سبع منصات توصيل رئيسية، من بينها «PDD» المالكة لمنصة «Temu»، و«علي بابا»، و«Douyin» التابعة لشركة «ByteDance»، و«Meituan»، و«JD.com»، قد أخفقت في توفير الحماية الكافية للمستهلكين والتحقق من تراخيص بائعي المواد الغذائية بشكل صحيح.

وفرضت الهيئة غرامة قياسية بلغت 3.6 مليار يوان (نحو 530 مليون دولار أميركي) إجمالاً، وهي أكبر غرامة منذ تعديل قانون الأمن الغذائي في البلاد عام 2015، وفقاً لوكالة أنباء «شينخوا».

ووفق «سي إن إن»، يُسلّط التحقيق الذي استمر عشرة أشهر الضوء على جهود بكين الرامية إلى الحدّ من المنافسة السعرية الشديدة التي دفعت الشركات إلى حلقة مفرغة لا يمكن تحمّلها، حيث تمثّلت هذه المنافسة في خفض الأسعار على منصات التوصيل على حساب سلامة الغذاء.