العجائبي في عصور ومدن دانيال

مدينة كابوسية تحت سطحها مدينة أخرى أكثر كابوسية

العجائبي في عصور ومدن دانيال
TT

العجائبي في عصور ومدن دانيال

العجائبي في عصور ومدن دانيال

لا يغادر الروائي أحمد عبد اللطيف عالمه العجائبي إلا ليعود إليه، عملاً بعد آخر، متلمساً وجوه المدينة الملعونة؛ المدينة المعاقبة، حيث لا تغيب صورة تغيب صورة القهر، الذي يتجلى حتى في الأسماء التي نحملها أو حتى عندما نرتكب الشر، كما في روايته «إلياس» مثلاً.
في روايته الجديدة «عصور دانيال في مدينة الخيوط» الصادرة حديثاً عن دار العين يبني عبد اللطيف مدينة فنتازية كابوسية لا يلبث القارئ أن يكتشف تحت سطحها الأرشيف، وهو مدينة أكثر كابوسية من الأولى، كلتاهما تؤشران إلى مدينة واقعية ثاوية تحتهما؛ مدينة مفرطة في واقعيتها، معاقبة بعنف يضع الرواية ضمن ما بات يُعرف بـ«أدب الصدمة».
وقد صار أحمد عبد اللطيف يجيد هذا الربط بين «الخيالي» و«الواقعي». تجلى ذلك في رواياته السابقة مثل «صانع المفاتيح» و«سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج»، كما تجلى في مجموعته القصصية السابقة على الرواية الجديدة «مملكة مارك زوكربيرغ وطيوره الخرافية - منشورات المتوسط 2021» التي تضافرت فيها الكبائر والعقوبات التوراتية بعقوبات وتعاليم مارك زوكربيرغ مالك «فيسبوك» المتحكم في مصائر أصحاب الحسابات.
عنوان الرواية، عقبة لا يمكن تفاديها، إذ لا بد لكل رواية من عنوان يميزها في قول أمبرتو إيكو، وفي قوله أيضاً إن الروايات التي تحمل اسم بطلها في عنوانها، مثل «ديفيد كوبر فيلد» لتشارلز ديكينز أو «الأب غوريو» لبلزاك، يمكن أن يشكل عقبة تأويلية وتدخلاً صارخاً ومفرطاً من الكاتب بفرضه شخصية البطل، بينما كان بوسع القارئ أن يتعلق بشخصيات أخرى في العمل*. لكن عبد اللطيف اختار أن يقسم العنوان مناصفة بين دانيال والمدينة. وليست هذه القسمة ما يجعل العنوان مقبولاً من وجهة نظر إيكو، ولكن لأن هذا العنوان يلبي فكرة إيكو عن العنوان النموذجي الذي يشتت الأفكار ولا يعبئها باتجاه تأويل واحد.
يعكس اسم «دانيال» دلالة دينية، لكن القارئ سيكتشف في مكان متقدم من السرد أن الاسم من اختيار عرافة نصحت به أبويه بعد تكرار موت مواليدهما الذين لم يبق منهم غير صور ثلاث على الجدار، ومع الحَمل الرابع تشاءم الأبوان من تصوير الوليد وامتثلا للاسم الذي اختارته العرَّافة، فعاش بلا صورة من طفولته.
في العتبة الثانية بعد العنوان ينصب الكاتب فخاً جديداً باقتباس من سفر دانيال: «فدخل دانيال وطلب من الملك أن يعطيه وقتاً فيبين للملك التعبير. حينئذ لدانيال كُشِف السر في رؤيا الليل» لكن «دانيال» الرواية، ليس كدانيال النبي. لم يقذف الله بالمعرفة في قلبه، لكي يخبر الملك بتفسير النبوءة، لكنه قرأ الماضي في الأرشيف، واحترف القتل المتسلسل للانتقام مما تعرض له وما عرفه، فأخذ يتخير ضحاياه من ملفاتهم.
يتجلى مفهوم «الصدمة» منذ الجملة الأولى؛ فقد اختار الكاتب استراتيجية المباغتة بالعجيب في الجملة الأولى: «في صباح الثالث والعشرين من يناير (كانون الثاني) فتحت الدُمى بيد خشبية نوافذ غرفها وأبواب شرفاتها لتشاهد بعيون زجاجية لم ينقصها الصعقة والرعب عشرات الجثث الملقاة حول نافورة الميدان الرئيسي بدم يطفو على ماء المطر وعيونٍ مفتوحة على العدم»، بهذا التأسيس وضع القارئ داخل نسق المدينة العجائبية، لكنه وضع في يده خيطاً يقوده للمدينة الواقعية المضمرة داخل النص، من خلال الإشارة إلى يوم محدد للواقعة، وقوة الحياة داخل الدمى ممثلة على الأقل في قدرتها على الاندهاش والخوف. وهذا الخيط الرابط بين المدينتين هو ما يباعد بين مدينة الدمى ومدن «ألف ليلة وليلة» الممسوخة بقوة إلهية، فهذه المدينة ممسوخة ببطش بشري، وليست سوى صدى أو شبح لمدينة واقعية ينبغي على القارئ أن يجدها بنفسه، فقد تكون مدينته.
التفاصيل التالية حول هيئة الدمى المقتولة بقطع عرضي في الرقبة، وبقايا الرعب الذي استشعرته الدمى لحظة القتل لم تزل واضحة على وجوههم الساكنة، ولا بد أن يداً بشرية هي التي صفَّت الجثث مثل وردة حول نافورة الميدان، وبعيداً بخطوات من وردة المذبحة ثمة أشياء مبعثرة: نظارات طبية ومحافظ وأحذية وجوارب وتليفونات محمولة.
على مدار السرد هناك ذلك الغنى في التفاصيل الدقيقة التي تقوم بمهمة تثبيت عقد التواطؤ بين الكاتب والقارئ على اعتبار مدينة الدمى بكل حركتها وعنفها وغربة سكانها قناعاً لمدينة أخرى.
لم تكن المدينة المعاقبة بمطر توراتي استمر أياماً تنقصها هذه المذبحة الغامضة، فقد كانت غارقة تحت أمطار لم تتوقف لأيام متتابعة، بما استتبع التفاصيل الدقيقة التي يمكن أن يتسبب فيها الطوفان، من موت العشرات صعقاً وغرقاً، وضياع الكثير من الأطفال الدمى وبحث العائلات الدمى عن أطفالها وسط شائعات عن حالات خطف ترتكبها عصابات تقوم بتهريب هؤلاء الأطفال إلى إحدى الدول الآسيوية، واضطرت الدمى إلى وضع سقالات لعبور الشوارع الغارقة، وانقطاع الكهرباء وبقاء المدينة تحت الظلام في ليالي الشتاء الباردة، دون مياه للشرب، إلى آخر ما يمكن أن يقع لمدينة مغضوب عليها.
في زمن سابق على مشهد القيامة ذاك، كان دانيال يجلس على الكنبة في شقته يتطلع في البناية المقابلة إلى دانيال آخر، يكتب على أضواء الشموع، وفي الخلفية طيف امرأة يروح ويجيء.
ليس هناك من تطابق بين دانيال ودانيال، لكننا نبقى دون يقين إن كانا شخصين أو هي هلاوس شخص ينظر إلى داخله. في 23 يناير كانت المذبحة، وفي يناير سابق (وهنا يحدد عام 2002) قرر دانيال الراوي الهجرة من المدينة، ليلتقي في مصلحة الجوازات بقريب له، وبدلاً من أن يساعده ذلك الرجل على الهروب يقنعه بوظيفة بدلاً من السفر.
بهذه الواقعة التي تبدو مصادفة يجد دانيال نفسه في الأرشيف، أو المدينة الحقيقية التي يحكمها واحد وأربعون رجلاً وتتمتع بحماية أمنية عالية، وتُمسك بخيوط ومصائر سكان مدينة الدمى. وسرعان ما نعرف أن اختياره للالتحاق بالأرشيف ليس مصادفة تماماً: «وأنا كدانيال انتقلت في غمضة عين من سكّان المدينة العلوية إلى المدينة السفلية لأنهم اختاروني ولأنهم حين نظروا إلى جسدي لم يجدوا قلباً ولا كبداً ولا طحالاً ولا رئة تتنفس فعرفوا أن مكاني ليس بين الوحوش الظاهرة وإنما بين الوحوش المختبئة التي تلدغ دون أن يراها أحد».
عدم اليقين الذي يكتنف هذا العالم لا يقف عند حد تضاعيف صور الشخصيات في مرايا مياه المطر المهتزة وعتمة ظلام فرضته الأمطار على المدينة، بل نجده في موجات الزمن غير المنتظمة، لكن هذه الفوضى ينظمها خط زمني دائري، كأنه حزام الطرق السريعة حول المدن المكتظة، يبدأ السرد من جثث الأربعين حول النافورة في الميدان، وينتهي بالمشهد ذاته، وهي جثث موظفي الأرشيف الذين يحملون أرقاماً، باستثناء رئيسهم الذي يحمل الرقم صفر، والذي سيستعيض عن موظفيه بأربعين جدداً، ويبقى هو خالداً هو والأرشيف.
لا نجد أثر الكتاب المقدس في تصدير أول الرواية فحسب، إذ تطالعنا بعض العبارات مثل: «وفي ليلة الحادثة فيما كنت أتأمل دانيال في الطابق الخامس كنت أقول لنفسي إن دانيال ابن النور وأنا ابن الظلام بشمعة واحدة أعيش ومائة شمعة لا تكفيه»، كما نجد ذلك النفس الديني والأسطوري في استخدام الرقم أربعين. في عدد العاملين في الأرشيف وفي المدة التي دام فيها ظلام المدينة قبل أن تتحرك الدمى للدفاع عن حياتها.
تتسع اللغة المشهدية للرواية للعب المجازي والصور الفنية: للجثث شكل الوردة، وللشمعة التي تكافح الظلام أثر رومانسي وسط الرعب، وفي شتاء يناير «تكاد الشمس لا تظهر من وراء السحب وكان القمر مخنوقاً بيد قاتل ماهر». ويواصل عبد اللطيف في هذه الرواية الاستغناء من علامات الترقيم، مانحاً السرد إيقاعاً أسرع، معفياً القارئ من التوجيه والحمل العاطفي الذي تضيفه علامات الترقيم إلى الجملة.
لا يمضي الأثر الذي تتركه «عصور دانيال في مدينة الخيوط» في اتجاه واحد؛ بسبب لعبة المرايا التي عكست صوراً لدانيال الضحية، دانيال المجرم، دانيال الكاتب، ودانيال المتلصص، مثلما لا يمكن الوقوف على سبب واحد للعقوبة القاسية الموقعة على دمى مدينة الخيوط من الأرض والسماء، لكن المدينة التي يغتصب فيها معلم دين الأطفال فيفضي بهم للانتحار، لا يمكن أن تكون بريئة وليس كل قتلاها أبرياء.

* الإشارة إلى أمبرتو إيكو، من كتابه «حاشية على اسم الوردة» ترجمة أحمد الويزي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

يمكن تشبيه إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بإدمان المخدرات أو السجائر. وبينما يدور جدل بين الخبراء حول الحد الفاصل بين الإفراط في الاستخدام والإدمان، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُسبب الإدمان، فلا شك أن الكثيرين يشعرون بأنهم لا يستطيعون التخلص من جاذبية منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات» وغيرها، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وتسعى الشركات التي صممت هذه التطبيقات جاهدةً لإبقائك مُلتصقاً بها لعرض الإعلانات التي تُدرّ عليها مليارات الدولارات. وقد تبدو مقاومة إغراء التصفح اللانهائي، وجرعات الدوبامين التي تُفرزها مقاطع الفيديو القصيرة، والشعور بالرضا عن الذات الذي تُوفّره الإعجابات والتفاعلات الإيجابية... وكأنها معركة غير متكافئة.

وتركزت معظم المخاوف بشأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، لكن البالغين أيضاً عُرضة لاستخدامها بكثرة لدرجة أنها قد تُؤثر على حياتهم اليومية.

إدمان أم لا؟ وما علاماته؟

تُعرّف الدكتورة آنا ليمبكي، الطبيبة النفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية، الإدمان بأنه «الاستخدام القهري المستمر لمادة أو سلوك ما رغم الضرر الذي يلحق بالنفس أو بالآخرين».

وخلال شهادتها في محاكمة تاريخية تتعلق بأضرار وسائل التواصل الاجتماعي بلوس أنجليس، قالت ليمبكي إن ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي مساحة للإدمان الشديد هو «إمكانية الوصول إليها على مدار الساعة، وبشكل غير محدود وسلس».

ويشكك بعض الباحثين في مدى ملاءمة مصطلح «الإدمان» لوصف الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن الشخص يجب أن يعاني من أعراض محددة. وتشمل هذه الأعراض رغبات قوية، وأحياناً لا يمكن السيطرة عليها، وأعراض انسحاب، لتُصنّف الحالة على أنها إدمان.

ولا يُعترف بإدمان وسائل التواصل الاجتماعي كاضطراب رسمي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع القياسي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون وغيرهم من ممارسي الصحة النفسية لتقييم المرضى وعلاجهم. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود إجماع واسع النطاق حول تعريف إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وما إذا كانت المشكلات النفسية الكامنة تُسهم في الاستخدام المُفرط لها. لكن مجرد عدم وجود اتفاق رسمي حول هذه المسألة لا يعني أن الاستخدام المُفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لا يُمكن أن يكون ضاراً، كما يقول بعض الخبراء.

تقول الدكتورة لوريل ويليامز، أستاذة الطب النفسي في كلية بايلور الأميركية للطب: «بالنسبة لي، المؤشر الأهم هو شعور الشخص تجاه (الكمية) التي يستخدمها، وكيف يؤثر ذلك على مشاعره». وتضيف: «إذا اكتشف المستخدمون أنهم يتابعونها بكثرة لدرجة أنهم يفوتون أشياء أخرى قد يستمتعون بها، أو أموراً يحتاجون إلى الاهتمام بها، فهذا استخدام ضار. إضافةً إلى ذلك، إذا شعرتَ بعد استخدامها بالإرهاق والإنهاك والحزن والقلق والغضب بشكل متكرر، فهذا الاستخدام ليس جيداً لك».

بمعنى آخر، هل يؤثر استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي على جوانب أخرى من حياتك؟ هل تؤجل أعمالك المنزلية، أو عملك، أو هواياتك، أو وقتك مع الأصدقاء والعائلة؟ هل حاولت تقليل وقتك على وسائل التواصل الاجتماعي لكنك أدركت أنك غير قادر على ذلك؟ هل تشعر بالسوء حيال استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي؟

ويقول أوفير توريل، أستاذ إدارة نظم المعلومات في جامعة ملبورن الأسترالية، الذي درس استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لسنوات، إنه «لا يوجد اتفاق» حول مصطلح إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، لكن «من الواضح أننا نواجه مشكلة. ليس بالضرورة أن نسميها إدماناً، لكنها مشكلة، وعلينا كمجتمع أن نبدأ بالتفكير فيها».

نصائح للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

تقول ويليامز إنه قبل وضع حدود للتصفح، من المفيد فهم كيفية عمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات لجذب المستخدمين. وتضيف: «فكّر في وسائل التواصل الاجتماعي كشركة تحاول إقناعك بالبقاء معها وشراء منتج أو خدمة، وضَعْ في اعتبارك أن هذه المعلومات ليست ضرورية، وقد لا تكون صحيحة. ابحث عن مصادر معلومات بديلة. وتذكر دائماً أنه كلما زاد عدد مرات رؤية معلومة ما، زادت احتمالية تصديقها».

ويقترح إيان أندرسون، الباحث في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، إجراء تغييرات بسيطة وفعّالة للحد من استخدام تطبيق التواصل الاجتماعي المفضل لديك. ويُعد تغيير مكان التطبيق على هاتفك أو إيقاف الإشعارات من «التدخلات البسيطة»، لكن أكثر الخيارات فاعلية، مثل عدم إدخال هاتفك إلى غرفة النوم أو غيرها من الأماكن التي تستخدمه فيها عادةً، قد تُساعد أيضاً.

أيضاً، يمكن للأدوات التقنية أن تساعد في الحد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية. وتحتوي أجهزة «آيفون» و«أندرويد» على أدوات تحكم مدمجة لتنظيم وقت استخدام الشاشة. وتتيح هذه الأدوات للمستخدمين فرض قيود عامة على فئات معينة من التطبيقات، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الألعاب أو الترفيه، أو التركيز على تطبيق معين، من خلال تحديد الوقت المسموح باستخدامه فيه.


مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.