مساعٍ خارجية لكسر الجمود السياسي في ليبيا

براغ تؤكد دعمها جهود استكمال الاستحقاق المُرتقب

عماد السائح رئيس مفوضية الانتخابات في ليبيا (يمين) ملتقياً السفير التشيكي لدى البلاد يان فيسيتال في طرابلس (المفوضية)
عماد السائح رئيس مفوضية الانتخابات في ليبيا (يمين) ملتقياً السفير التشيكي لدى البلاد يان فيسيتال في طرابلس (المفوضية)
TT

مساعٍ خارجية لكسر الجمود السياسي في ليبيا

عماد السائح رئيس مفوضية الانتخابات في ليبيا (يمين) ملتقياً السفير التشيكي لدى البلاد يان فيسيتال في طرابلس (المفوضية)
عماد السائح رئيس مفوضية الانتخابات في ليبيا (يمين) ملتقياً السفير التشيكي لدى البلاد يان فيسيتال في طرابلس (المفوضية)

دفع التقدم المُحرز على الصعيد العسكري في ليبيا كثيراً من الأطراف الإقليمية والخارجية لتجديد مساعيها بغية حلحلة الأزمة السياسية المُتكلسة، وتقريب وجهات النظر حول ضرورة إجراء انتخابات رئاسية ونيابية في أقرب الآجال، لإنقاذ البلاد من الفوضى.
وأمام حالة من «القلق» الأميركي حيال ما وُصف بـ«الجمود السياسي» في ليبيا، جاء الدور الألماني، الذي يجسده السفير ميخائيل أونماخت، ليؤكد أن «الحفاظ على إنجازات محادثات (القاهرة) و(جنيف)؛ ومواصلة البحث عن اتفاق بشأن القضايا العالقة في (المسار الدستوري) أمر حاسم للانتخابات والاستقرار السياسي في ليبيا».
ويرى سياسيون ليبيون أن تعقّد الأزمة السياسية يرجع إلى «تمسك كل فصيل بما يراه مناسباً له ولجماعته»، لكنها «فتحت المجال أمام إذابة جليد الخصومة التقليدية بين جبهتي شرق وغرب ليبيا».
ولمّح السياسيون إلى التقارب بين عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، والمشير خلفية حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، من جهة، والمستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وتركيا من جهة أخرى، ورأوا أن ذلك قد يصب في صالح حلحلة القضية الليبية.
وذهب فيصل الشريف المحلل السياسي الليبي، إلى أن ما وصفها بـ«الصفقة» التي أُبرمت بين حفتر والدبيبة، «حققت مكاسب سياسية للأخير في مواجهة خصومه».
وتحدث رئيس مجلس النواب عن حالة من التقارب مع تركيا، كاشفاً في تصريحات إعلامية لفضائية «المسار» الليبية، مساء أول من أمس، عن زيارته أنقرة قريباً (دون تحديد موعدها)، كما لفت إلى لقاء قريب سيجمع وفداً من مجلس النواب التركي مع فتحي باشاغا، رئيس حكومة «الاستقرار» المكلفة من البرلمان.
وفي السياق ذاته، عبّر السفير الألماني، الذي التقى في طرابلس العاصمة خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، وعبد الله اللافي النائب بالمجلس الرئاسي، مساء أول من أمس، عن سعادته لمواصلة الجهود التي قد تُفضي إلى تقارب بشأن خلافات «المسار الدستوري» بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، كما رحّب «بجهود المجلس الرئاسي للتوصل إلى تسوية بين جميع الأطراف السياسية».
وتُبدي ألمانيا اهتماماً بالقضية الليبية لجهة الوصول إلى استقرار سياسي وإجراء الانتخابات «في أسرع وقت ممكن»، وهو ما عكسته المباحثات التي أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في برلين منتصف الأسبوع الجاري، مع المستشار الألماني أولاف شولتس، وفقاً للمتحدث الرئاسي.
وتمحورت المحادثات حول الأزمة الليبية في ظل «توافق على تضافر الجهود المشتركة سعياً لتسوية الأوضاع هناك على نحو شامل ومتكامل، وبما يسهم في الحد من التدخلات الخارجية، ويحافظ على موارد ومؤسسات الدولة الليبية».
وكان مؤتمر «برلين 1» الذي استضافته ألمانيا في 18 و19 يناير (كانون الثاني) عام 2020 قد انتهى إلى ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار وعدم التدخل الخارجي في ليبيا، مع تأكيد أنه «لا يوجد حل عسكري للأزمة الليبية».
وجاء «برلين 2»، الذي استضافته ألمانيا أيضاً في 24 يونيو (حزيران) 2021، ليؤكد ضرورة خروج «المرتزقة» والقوات الأجنبية من أنحاء ليبيا، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021، لكنّ شيئاً من ذلك لم يحدث لأسباب عدة.
وفي إطار الدعم الدولي للمسار الديمقراطي في ليبيا، التقى عماد السائح، رئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مع السفير التشيكي لدى ليبيا يان فيسيتال، بديوان مجلس بالعاصمة.
وقالت المفوضية إن اللقاء استهدف «الوقوف على مستوى جاهزية المفوضية لتنفيذ العمليات الانتخابية القادمة»، مشيرةً إلى أنه تناول أيضاً ما يمكن تقديمه من دعم وخبرات من خلال الدعم الفني والاستشاري المقدم من بعثة الاتحاد الأوروبي عبر مشروع (بيبول) الذي تشرف على تنفيذه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).
ونقلت المفوضية أن فيسيتال أكد دعم حكومة بلاده لجهود استكمال الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة، وقال: «أشاد بمستوى جاهزيتها، بعدما اطّلع على جهود مراحل العملية الانتخابية التي تم إنجازها».
وسبق لريتشارد نورلاند، مبعوث الولايات المتحدة وسفيرها لدى ليبيا، أن ابدى «قلقه» بشأن الجمود السياسي في ليبيا، مرحّباً بدعوة المجلس الرئاسي لوجود تسوية، لكنه حث «القادة السياسيين الليبيين عبر الطيف السياسي وداعميهم الأجانب على اغتنام الفرصة لاستعادة ثقة مواطنيهم في مستقبل البلاد»، ورأى أن الحوار والتسوية هي التي تحدّد معالم الطريق للانتخابات والاستقرار السياسي.
وإلى جانب الجهود المبذولة على الصعيد الخارجي، أكد ماريو دراغي رئيس الوزراء الإيطالي، الذي التقى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، منتصف الأسبوع الجاري، أن بلديهما «يعملان على إحلال السلام في منطقة البحر المتوسط»، ورأى أنهما قادران على «تقديم مساهمة حاسمة في استقرار ليبيا».
وبينما لا تزال الخلافات حول «المسار الدستوري» اللازم لإجراء الانتخابات قائمة دون التوصل إلى توافق بين مجلسي النواب والأعلى لـ«الدولة» بشأن كثير من النقاط الخلافية، عقد الأخير جلسة مساء أول من أمس، في مقر المجلس بالعاصمة لمناقشة مخرجات «المسار الدستوري» بين المجلسين الذي ترعاه البعثة الأممية. لكنه علّق جلسته إلى الاثنين المقبل، للتصويت على النقاط المهمة في مشروع الوثيقة الدستورية.
وأحرزت ليبيا تقدماً عسكرياً نسبياً على صعيد البحث في خطوات توحيد المؤسسة العسكرية، في ظل لقاء رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق عبد الرازق الناظوري، والفريق محمد الحداد، رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» في العاصمة منتصف الأسبوع.


مقالات ذات صلة

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

شمال افريقيا «ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

حلت نجلاء المنقوش، وزيرة الشؤون الخارجية الليبية، أمس بتونس في إطار زيارة عمل تقوم بها على رأس وفد كبير، يضم وزير المواصلات محمد سالم الشهوبي، وذلك بدعوة من نبيل عمار وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. وشدد الرئيس التونسي أمس على موقف بلاده الداعي إلى حل الأزمة في ليبيا، وفق مقاربة قائمة على وحدتها ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية. وأكد في بيان نشرته رئاسة الجمهورية بعد استقباله نجلاء المنقوش ومحمد الشهوبي، وزير المواصلات في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، على ضرورة «التنسيق بين البلدين في كل المجالات، لا سيما قطاعات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن».

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

أكدت السعودية أمس، دعمها لحل ليبي - ليبي برعاية الأمم المتحدة، وشددت على ضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، حسبما جاء خلال لقاء جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا ورئيس البعثة الأممية فيها. وتناول الأمير فيصل في مقر الخارجية السعودية بالرياض مع باتيلي سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، والجهود الأممية المبذولة لحل الأزمة. إلى ذلك، أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، فيما شهدت طرابلس توتراً أمنياً مفاجئاً.

شمال افريقيا ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

فتحت الانشقاقات العسكرية والأمنية التي عايشتها ليبيا، منذ رحيل نظام العقيد معمر القذافي، «بوابة الموت»، وجعلت من مواطنيها خلال الـ12 عاماً الماضية «صيداً» لمخلَّفات الحروب المتنوعة من الألغام و«القنابل الموقوتة» المزروعة بالطرقات والمنازل، مما أوقع عشرات القتلى والجرحى. وباستثناء الجهود الأممية وبعض المساعدات الدولية التي خُصصت على مدار السنوات الماضية لمساعدة ليبيا في هذا الملف، لا تزال «قنابل الموت» تؤرق الليبيين، وهو ما يتطلب -حسب الدبلوماسي الليبي مروان أبو سريويل- من المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في هذا المجال، مساعدة ليبيا، لخطورته. ورصدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في تقر

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

أكدت السعودية دعمها للحل الليبي - الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، وضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، وجاءت هذه التأكيدات خلال اللقاء الذي جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. واستقبل الأمير فيصل بن فرحان في مقر وزارة الخارجية السعودية بالرياض أمس عبد الله باتيلي وجرى خلال اللقاء بحث سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، إضافة إلى استعراض الجهود الأممية المبذولة لحل هذه الأزمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا «الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

«الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي، عن دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية (غرب البلاد) في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، وذلك في ظل توتر أمني مفاجئ بالعاصمة الليبية. وشهدت طرابلس حالة من الاستنفار الأمني مساء السبت في مناطق عدّة، بعد اعتقال «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، أحد المقربين من عبد الغني الككلي رئيس «جهاز دعم الاستقرار»، بالقرب من قصور الضيافة وسط طرابلس. ورصد شهود عيان مداهمة رتل من 40 آلية، تابع لـ«جهاز الردع»، المنطقة، ما أدى إلى «حالة طوارئ» في بعض مناطق طرابلس. ولم تعلق حكومة عبد الحميد الدبيبة على هذه التطورات التي يخشى مراقبون من اندلاع مواجهات جديدة بسببها،

خالد محمود (القاهرة)

«السوشيال ميديا»... ساحة صراع خلفية لأفرقاء ليبيا

الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي في افتتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس الشهر الحالي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي في افتتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس الشهر الحالي (مكتب الدبيبة)
TT

«السوشيال ميديا»... ساحة صراع خلفية لأفرقاء ليبيا

الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي في افتتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس الشهر الحالي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي في افتتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس الشهر الحالي (مكتب الدبيبة)

تزايد اعتماد أفرقاء الصراع الليبي على توظيف منصات التواصل الاجتماعي، بوصفها ساحة خلفية للصراع السياسي والدعاية ومهاجمة الخصوم، في مشهد يعكس عمق الانقسام بين حكومتين في شرق البلاد وغربها.

فخلف شاشات الهواتف الجوالة وأجهزة الحاسوب، تجلّى هذا الاستخدام المكثف خلال المواجهات الأخيرة بين قوات «الجيش الوطني الليبي» ومجموعة مسلحة في الجنوب، حيث تحولت المنصات الرقمية إلى ساحة موازية للمعركة الميدانية بين داعم للجيش ومساند للمسلحين.

وفي غياب أرقام رسمية، يرى خبير تقني بطرابلس لـ«الشرق الأوسط»، أن طرفي الصراع، شرقاً وغرباً، ينفقان ملايين الدنانير سنوياً على صفحات ممولة، مشيراً إلى تصاعد تأثيرها في أوقات الحروب والأزمات لتوجيه الرأي العام وصياغة السرديات المتنافسة.

* ولاءات واضحة في الفضاء الإلكتروني

يرسم الانقسام القائم خريطة ولاءات واضحة في الفضاء الإلكتروني؛ ففي غرب البلاد، تبرز صفحات على «فيسبوك»؛ من بينها «المصدر» (نحو مليون متابع)، و«سياسة بالليبي» (506 آلاف)، و«ليبيا 180» (320 ألفاً)، وتقدم نفسها باعتبارها منصات إخبارية. غير أن محتواها يتضمن، وفق اختصاصيين، مواد ذات طابع دعائي، بينها صور مركبة ومقاطع مجتزأة، وأحياناً محتوى يُشتبه في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي فيه، في سياق السجال مع خصوم الشرق.

حفتر قبل إطلاق رؤية «الجيش الوطني» الليبي 2030 (إعلام القيادة العامة)

ولم يصدر عن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تعليق رسمي على اتهامات متكررة بتمويل غير معلن لبعض هذه الصفحات. كما تنشط صفحات أخرى تُصنَّف قريبة من مواقف سلطات الغرب، مثل «الدريبل الليبي» (370 ألف متابع)، و«رادار مصراتة» (218 ألفاً)، وتشارك في تغطية الأحداث من زاوية تعكس تموضعها السياسي.

في المقابل، يبرز في شرق ليبيا عدد من الصفحات المعروفة بقربها من «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، من بينها «صلاح الأطيوش» (321 ألف متابع)، و«عاجل بنغازي الأصلية» (146 ألفاً)، و«طارق بن زياد الجفالي» (247 ألفاً)، و«نسر الرجمة» (97 ألفاً). وإلى جانبها ينشط مدونون يُنظر إليهم على أنهم قريبون من المعسكر ذاته، مثل صالح أحمد (203 آلاف)، وعقيلة الصابر (201 ألف)، وخالد درنة (68 ألفاً)، حيث يسهمون في تشكيل خطاب داعم لمواقف الشرق الليبي في القضايا الخلافية.

سيف الإسلام القذافي خلال تقدمه بأوراقه للترشح في الانتخابات الرئاسية في 14 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 (رويترز)

ولم يكن أنصار النظام الرئيس الراحل معمر القذافي بعيدين عن المشهد؛ إذ تحظى صفحة «قورينا» بـ223 ألف متابع، و«سيفيون ونفتخر» بـ104 آلاف، و«فريق العمل الميداني» بـ100 ألف، و«قلم القائد» بـ156 ألفاً، و«أوج» بـ55 ألفاً. وقد برز نشاطها على نحو متزايد بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي، في سياق يعكس استمرار حضور أنصار النظام السابق رقمياً.

وتشكّل الحالة الصحية لقادة الصراع مادة خصبة للإشاعات والسجال بين الصفحات المحسوبة على المعسكرين. وبرز ذلك مع الدبيبة عقب خضوعه لعملية جراحية وُصفت بالبسيطة في القلب، ما أعاد إلى الأذهان الجدل الذي أثير سابقاً خلال تلقي حفتر العلاج في فرنسا، وما رافقه من تكهنات وتوظيف سياسي وإعلامي.

ويقر الناشط السياسي الليبي عياد عبد الجليل، بدور هذه الصفحات في الصراع بين شرق ليبيا وغربها، عادّاً أن «نصف المعركة يُدار إعلامياً». وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «التأثير الرقمي تحول إلى أداة أساسية في إدارة الصراع وصياغة السرديات المتنافسة، مع تصاعد مظاهر التضليل، سواء بإعادة نشر صور قديمة على أنها راهنة، أو بتوظيف تقنيات حديثة، بينها أدوات الذكاء الاصطناعي».

ومع ذلك، فقد رأى عبد الجليل أن «المنصات المحسوبة على حكومة الدبيبة تتسم بتعدد الولاءات وتباين الخطاب، مقابل انضباط أكبر في صفحات معسكر الشرق الليبي، المرتبط بالقيادة العامة في الرجمة نتيجة مركزية القرار الإعلامي».

* استقطاب «سوشيالي«

في المقابل، تسعى بعض الصفحات والمدونين إلى النأي بأنفسهم عن تهم التمويل السياسي. ويقول خالد الحجازي، الناشط في «تيار سبتمبر» الموالي للنظام السابق، إنه يعبّر عن قناعاته بأفكار نظام معمر القذافي، نافياً تلقي أي تمويل سياسي، وأشار لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه «لم يفعّل خاصية تحقيق الأرباح عبر صفحته».

أما الناشط الليبي محمد قشوط، الداعم لـ«الجيش الوطني»، فيؤكد أن تأييده نابع من قناعته بدور المؤسسة العسكرية في الحرب على المجموعات المتطرفة في بنغازي ودرنة قبل أعوام، وأن الوقوف معها «خيار وطني لحماية السيادة ومواجهة الفوضى والميليشيات».

وسط هذا الاستقطاب «السوشيالي»، يحذر المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، من تصاعد توظيف المنصات في الصراع، عادّاً أنها «تحولت إلى بديل مؤثر للإعلام التقليدي وأكثر قدرة على تشكيل الرأي العام».

وأوضح أن هذه المنصات «قد تؤدي دوراً إيجابياً إذا استُخدمت بمهنية»، لكنها في أجواء الاستقطاب «قد تتحول إلى أداة لتأجيج الانقسام الجهوي والقبلي والسياسي».

وأشار العبدلي لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «بعض الأطراف استثمرت بكثافة في الفضاء الرقمي، عبر دعم صفحات ومؤثرين وإطلاق حملات موجهة للتأثير في اتجاهات الجمهور، وهو نمط برز خصوصاً خلال فترات التوتر، حيث جرى تضخيم خطاب الكراهية، وإعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية»، مبدياً مخاوف من «استخدام المال العام في تمويل هذه الحملات في ظل الفساد المستشري في البلاد».

وختم العبدلي موضحاً أن «تدفق الأخبار غير الدقيقة والمحتوى الموجَّه أربك المشهد العام، وأضعف تماسك النسيج الوطني، في ظل ضعف أدوات التحقق لدى بعض المستخدمين»، لافتاً إلى أن «هذا التأثير امتد إلى سلوك المواطن، مع تنامي التفاعل الافتراضي على حساب المشاركة الميدانية، بما أتاح هامشاً أوسع لأطراف الصراع لإدارة خصومتهم عبر الفضاء الرقمي».


مصر: وافدون مخالفون يستنفرون لتقنين أوضاعهم أو العودة بعد مطاردات أمنية

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: وافدون مخالفون يستنفرون لتقنين أوضاعهم أو العودة بعد مطاردات أمنية

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

بثت الصحافية المصرية إيمان عادل، قبل أيام، مقطعاً عبر صفحتها بـ«فيسبوك» تناشد فيه الجهات الأمنية النظر إلى وضع والد نجلها، وهو سوري الجنسية، وقد حاول تجديد إقامته كما كان يفعل كل عام، لكنه صُدم بـ«الرفض الأمني»، بالتزامن مع حملات لترحيل الوافدين المخالفين، لافتة إلى أن ترحيله سيعني قطيعة بين طفل مصري وأبيه.

استغاثة الصحافية التي نتج عنها العديد من ردود الفعل المتعاطفة معها، هي جزء من محاولات آلاف الوافدين وعائلاتهم ممن يرغبون في البقاء بمصر، ويبحثون عن طريقة لتقنين أوضاعهم تجنباً للترحيل، بينما قرر آخرون العودة قبل توقيفهم، في ظل حملات أمنية لتدقيق أوراق المقيمين.

ومنذ حلول شهر رمضان، تشهد الحملات الأمنية هدوءاً نسبياً، أرجعه البعض إلى «تفاهمات» لمنح الوافدين فرصة لتقنين أوضاعهم أو الانخراط في مبادرات العودة الطوعية.

حملات موسعة

السيسي المصري يلتقي رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي أكمنة الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة. وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وكان مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد الأحمد، أشار في منشور عبر موقع «إكس»، في 8 فبراير (شباط) الماضي، إلى أنه منذ مطلع عام 2026 يجرون لقاءات مكثفة مع الجانب المصري لتنسيق الجهود وتذليل العقبات التي تواجه السوريين في مصر، مضيفاً: «تقدمنا للجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين».

وخلال زيارته الأخيرة إلى مصر، في 26 فبراير (شباط) الماضي، تطرق رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، إلى ملف ترحيل الوافدين، مؤكداً خلال لقائه وفد الجالية السودانية بمصر، أنه «لا يوجد عودة قسرية للسودانيين، وأن الإقامات السياحية ما زالت متاحة لهم كما كان في السابق».

ورصدت «الشرق الأوسط» عبر جروبات الجاليات السودانية والسورية في مصر، تراجع منشورات الشكوى من توقيف الوافدين، مقابل زيادة في أخرى يستفسر أصحابها عن التأشيرات السياحية، أو الاستثمارية، أو المدى الزمني الذي يستغرقه غلق ملفاتهم بصفتهم لاجئين أو طالبي لجوء داخل «مفوضية شؤون اللاجئين في مصر» تمهيداً لعودتهم طوعياً، وكذلك أفضل الشركات التي تُسيّر رحلات للعودة.

«العودة الطوعية»

لقاء رئيس الوزراء السوداني بالجالية السودانية في القاهرة (متداولة)

ودفعت الحملات الأمنية خلال الفترة الماضية العديد من السودانيين من غير القادرين على تقنين أوضاعهم إلى اتخاذ قرار «العودة الطوعية» منتظرين استئناف رحلاتها، حسب أمين الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان إبراهيم عز الدين، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ملاحظته هدوء الحملات منذ بداية رمضان.

وأضاف عز الدين، وقد كان واحداً ممن حضروا لقاء رئيس الوزراء السوداني، أن مجموعة من رجال الأعمال السودانيين أعلنوا خلال اللقاء تكفلهم بتكلفة العودة للسودانيين الموقوفين في القاهرة، على متن 7 طائرات وقد تزيد إلى 10، بالإضافة إلى وعود من الحكومة السودانية باستئناف رحلات العودة الطوعية البرية في أقرب وقت.

الأمر نفسه أكده القنصل السوداني في أسوان عبد القادر عبد الله، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن رحلات العودة الطوعية البرية من المتوقع أن تُستأنف عقب شهر رمضان، بينما هناك استعدادات تجري حالياً في القاهرة لتسيير 7 رحلات جوية للعودة الطوعية بتمويل من رجال أعمال سودانيين.

وكان مشروع «العودة الطوعية» الذي تقوم عليه منظومة الدفاعات السودانية أسهم في زيادة أعداد العائدين بشكل لافت خلال الفترة الماضية، وقُدرت أعدادهم في الفترة بين مطلع 2024 وحتى نهاية العام الماضي بأكثر من 400 ألف شخص.

وأضاف القنصل السوداني: «حملات تدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين شهدت هدوءاً ملحوظاً في محافظات جنوب الصعيد منذ بداية رمضان».

من جانبه، قال مصدر أمني مصري، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهدوء النسبي حالياً في حملات تدقيق مخالفي الإقامة مقارنة بالشهرين الماضيين لا يعني التراجع عنها، مضيفاً: «تخفيفها يرجع إلى وجود أولويات أمنية أكثر إلحاحاً الفترة الحالية، خصوصاً مع الأوضاع الإقليمية في المنطقة».


الصومال يعتمد دستوراً دائماً... فرصة للاستقرار أم خلافات جديدة مع المعارضة؟

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال يعتمد دستوراً دائماً... فرصة للاستقرار أم خلافات جديدة مع المعارضة؟

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

استكمل الصومال دستوره المؤقت بعد 14 عاماً ليعتمد دستوراً دائماً، والذي يعد أحد أبرز بنود الخلاف بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة، خاصة ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي وصلاحيات الولايات.

ودعا الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، المعارضة عقب اعتماد الدستور بالبرلمان، لاحترام نتائج التصويت النيابي.

تلك الخطوة يراها خبير في الشؤون الصومالية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنها لن تنهي الخلافات بين الحكومة والمعارضين، ولكنها قد تفتح باباً للحوار، مع عدم استبعاد أن تحدث تعديلات مستقبلية حال استمرت الأزمة السياسية.

وكان استكمال الدستور المؤقت الذي أقر في 1 أغسطس (آب) 2012، أحد مطالب المعارضة منذ اندلاع أزمة سياسية في البلاد في 2025، وذلك ضمن خلافات أخرى تضمنت رفض الانتخابات المباشرة المرتقبة هذا العام.

دعوة رئاسية للمعارضة

وصادق أعضاء مجلسي الشعب والشيوخ للبرلمان الفيدرالي، الأربعاء، بـ«أغلبية ساحقة على استكمال صياغة دستور البلاد، وصوت لصالح المصادقة على دستور البلاد 222 من أعضاء مجلسي البرلمان الفيدرالي»، وفق وكالة الأنباء الصومالية.

وحضر أعمال الجلسة المشتركة التي ترأسها رئيس مجلس الشعب شيخ آدم محمد نور، 186 من نواب مجلس الشعب، و36 من أعضاء مجلس الشيوخ.

والخميس، قال الرئيس حسن شيخ محمود، إن الصومال تجاوز رسمياً مرحلة الدستور المؤقت، بعد إتمام اعتماد دستور البلاد بشكل كامل بشفافية، في البرلمان. بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية (صونا).

ووصف شيخ محمود دستور 2012 بأنه كان حجر زاوية في إعادة بناء الدولة، لكنه أثّر على السياسة والاقتصاد وأداء مؤسسات الدولة، حيث شهدت البلاد خلافات حول توزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، وصعوبات في تطوير منظومة القضاء والمالية العامة.

أعضاء من مجلسي الشعب والشيوخ للبرلمان الفيدرالي بالصومال خلال جلسة استكمال صياغة دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن «اعتماد دستور الصومال يفتح نقاشاً واسعاً حول ما إذا كان خطوة نحو الاستقرار السياسي أم سبباً لمزيد من الخلاف مع المعارضة، خاصة أن الخلافات حول الدستور في الصومال ليست جديدة، لكنها تعكس صراعاً سياسياً حول شكل الدولة وتقاسم السلطة بين الحكومة الفيدرالية والولايات».

ويعول بري على أهمية أن «يتم إدارة هذه الخلافات عبر الحوار والتوافق، وإلا فقد تتحول إلى أزمات سياسية حادة بين الحكومة والمعارضة، أو حتى بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات»، مستدركاً: «لكن في المقابل، وجود دستور واضح يمكن أن يكون آلية لتنظيم الخلافات بدلاً من أن تتحول إلى صراعات مفتوحة».

وخاطب الرئيس الصومالي، في كلمته، السياسيين المعارضين الذين أعربوا عن مخاوفهم من آلية مراجعة الدستور، داعياً إياهم إلى احترام النتائج والحفاظ على الدستور الجديد، مؤكداً أن أي تعديلات مستقبلية ستتم من خلال الإجراءات الدستورية المعتمدة.

وشدد حسن شيخ محمود على أن أي نزاعات سياسية مستقبلية سيتم حلها وفقاً للأطر الدستورية، بدلاً من اللجوء إلى اتفاقات سياسية خارج الدستور، مؤكداً أن الدستور هو اتفاق اجتماعي يحدد صلاحيات السياسيين ويضع قواعد إدارة الدولة.

وتجدر الإشارة إلى أن ولايتي غوبالاند وبونتلاند الإقليميتين وقيادات سياسية بارزة عارضت التعديلات الدستورية التي قالت إنها لم تتم بطريقة قانونية، معلنة مقاطعتها للدستور المعدل الذي صادق عليه البرلمان الفيدرالي، بحسب ما نقله موقع «الصومال الجديد».

مرجعية لحل الخلافات السياسية

ويرى المحلل في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن الرئيس الصومالي عندما يؤكد أن أي نزاعات سياسية سيتم حلها وفق الأطر الدستورية، فهو يبعث بعدة رسائل سياسية، منها تأكيد أن الدستور هو المرجعية العليا لحل الخلافات السياسية، والدعوة إلى العمل داخل المؤسسات بدل اللجوء إلى التصعيد السياسي أو الإعلامي، ومحاولة إظهار أن الحكومة تسعى إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون.

لكن المعارضة قد ترى أن بعض التعديلات أو خطوات اعتماد الدستور تمت دون توافق كافٍ، خاصة في بندي نظام الحكم وصلاحيات الولايات، وهو ما يثير الجدل، وفق تقدير بري.

ويعتقد بري «أنه من الطبيعي أن يستمر النقاش حوله، ومستقبل الدستور يعتمد على عدة عوامل، منها مدى تحقيق توافق وطني بين الحكومة والمعارضة والولايات، وقدرة الطبقة السياسية على إدارة الخلافات عبر الحوار».

لذلك من الممكن أن يشهد الدستور تعديلات جديدة في المستقبل، خاصة إذا استمرت المعارضة في الاعتراض على بعض مواده أو طريقة اعتماده، وفق بري.

ومر الصومال الذي شهد حروباً أهلية عديدة، بعدة دساتير؛ أولها في 1960 وأقر شعبياً في 1961، بجانب وثيقة دستورية في 1979، قبل أن تنهار الدولة في سنة 1991، وتدخل في صراعات أهلية، أدت لظهور الميثاق الانتقالي عام 2000 والذي كان بمثابة لبنة لجمهورية ثالثة تلت الحكومات المدنية (بين 1960 و1969)، والعسكرية (بين 1969 و1991)، ووضع ميثاق انتقالي ثان في 2004 عقب مؤتمر مصالحة في كينيا، ووضع دستور مؤقت عام 2012.