«قيد التأليف»... رؤية فنية تُحلق من السعودية إلى إيطاليا

13 فناناً سعودياً يسترجعون جذور هويتهم ويربطونها بالمستقبل

زوار المعرض يتأملون عمل «ترحال» للفنانة خلود البقمي (الشرق الأوسط)
زوار المعرض يتأملون عمل «ترحال» للفنانة خلود البقمي (الشرق الأوسط)
TT

«قيد التأليف»... رؤية فنية تُحلق من السعودية إلى إيطاليا

زوار المعرض يتأملون عمل «ترحال» للفنانة خلود البقمي (الشرق الأوسط)
زوار المعرض يتأملون عمل «ترحال» للفنانة خلود البقمي (الشرق الأوسط)

يحلق 13 فناناً سعودياً برؤيتهم الفنية إلى إيطاليا عبر 30 عملاً جمعها معرض «قيد التأليف» الذي ينظمه «غاليري 369 للفن المعاصر»، وافتتح الأسبوع الماضي بقصر «بالازو بامبو» في مدينة فينيسيا (البندقية). المعرض يستمر إلى 13 أغسطس (آب) المقبل، جامعاً أعمالاً عميقة تستلهم من الهوية السعودية، وتُقدم نظرة فلسفية مغايرة ما بين الماضي وأفق المستقبل.
تتحدث القيم الفني منى العبد الله لـ«الشرق الأوسط»، مبينة أن المعرض يعبر عن الهوية الثقافية المتطورة للسعودية، ويحمل جوانب متنوعة من التاريخ والتراث لتقديمها بصورة معاصرة، وكشفت أن المعرض سينقل لمدينة روما في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل بالتزامن مع ذكرى اليوم الوطني السعودي.
تضيف العبد الله: «المعرض سيكبر، وفي روما سيزداد عدد الفنانين السعوديين، وفي خطتنا الاستراتيجية انتقاله إلى باريس مطلع عام 2023، وبعدها إلى لندن، ثم نيويورك، ثم سنضيف مدناً أخرى لاحقاً»، مبينة أنه تم فتح مجال المشاركة للفنانين من كافة أنحاء السعودية، وتتابع: «نتمنى أن يصل المعرض في نسخته الأخيرة إلى 100 عمل، نسافر بها إلى كل أنحاء العالم».
بسؤالها عن سبب تسميته بـ«قيد التأليف»، توضح أن كلمة «التأليف» هي البداية للمعرض، بما يحمله ذلك من تأليف الموسيقى والشعر وأي شيء آخر، وتكمل: «وجدنا في المعجم العربي أن كلمة (تأليف) تدل على كل ما يحمل في بدايته فكرة، وهو يُؤلف فيتطور فيُكتب فيُنثر فيسجل». وتشير إلى أن الفكرة هناك تحمل عنصرين متناغمين: الإرث مع الانفتاح وقابلية التطور.

اتصال للفنان حمود العطاوي (الشرق الأوسط)

اتصال
يقدم الفنان حمود العطاوي، في المعرض، عملاً فنياً سمّاه «اتصال»، وهو مكون من مجموعة كبيرة من القطع البلاستيكية الصغيرة، ممثلة بفكرة العداد الإلكتروني الذي أصبح يعرف بـ«الخاتم الإسلامي» الذي يحسب عدد التسابيح.
ويتخذ الفنان من فكرة استخدام اليد والأصابع طريقة لتقديم وتعزيز المفاهيم الإنسانية الأساسية ببساطة، إذ يعكس الخاتم الإسلامي ارتباط الإنسان بسلوكه الديني، ويمكن اعتباره وسيلة اتصال بين مخلوق ومبدع، مع محاكاة العمل الفني للوحة الشهيرة للفنان مايكل أنجلو، التي حملت أيضاً مضموناً يتناول حالة التواصل بين المخلوق والخالق.

الفنان عبيد الصافي  يدمج الزمن  مع الرقمنة (الشرق الأوسط)

قصة «شلونك؟»
تركزت فكرة الفنان حاتم الأحمد، على مفهوم المصادر والمراجع اللغوية وأسس صلاحيتها ضمن إطار مرئي يلخص انتقال بعض المصطلحات من جيل إلى جيل، يحولها بمرور الوقت ومن خلال النقل الشفهي إلى مفاهيم مختلفة تماماً عن الأصل وحالات استخدامها.
يعتمد عمل الأحمد على التطور الطبي للمرضى أثناء تفشي الطاعون، ويركز على أعراضه من حيث المظهر، وهو تغير طفيف في لون المصاب بالطاعون، بدءاً من اللون الوردي المحمر، والانتقال إلى اللون البرتقالي المصفر، وانتهاءً بلون شاحب، نهاية باللون الأزرق، وهي المرحلة الأخيرة قبل وفاة المصابين بالوباء، ومن هنا وُلدت الكلمة العربية (شلونك؟)، وهي مصطلح يدور حول الاستفسار عن مرحلة تطور المرض، حيث ينسج العمل سياقاً زمنياً يربط بين المصطلح الأصلي وطابعه السلبي والطريقة التي يتحول بها المصطلح إلى طابع معاصر أكثر إيجابية، مما يدل على أهمية اللغة كمركب وعنصر من الهوية الثقافية.

هاجر
من خلال فيلم بجودة سينمائية عالية، قدمت الفنانة ضياء يوسف، عملاً فنياً يستلهم من موروث قصة السيدة هاجر مع مياه زمزم التي جمعتها بيدها في مكة المكرمة، وبدت فيها كما لو أنها تمسك بين يديها مستقبل المدينة المقدسة بأكمله، في تعبير لما وصلت إليه البلاد اليوم في المسارعة نحو المستقبل، وحماية الطيور، والأشجار، والبيئة.
ترى يوسف أن الناس من جميع أنحاء العالم يتدفقون إلى الأراضي المقدسة في السعودية بحثاً عن الحياة والأمل، وترحب بهم البلاد بسعادة كما حدث في قصة مياه زمزم، حيث لم يكن حينها لدى هاجر أي وسيلة للبقاء سوى إيمانها العميق بذلك، إلى أن نجحت المدينة في النمو كبذرة في يديها المباركتين، وهنا تقول الفنانة، «اليوم المرأة السعودية لديها الإمكانات والقدرة على مضاعفة المحاولات والجهود، وحكمة الجدات ومرونتهن وقوتهن ونضالهن من أجل أبنائنا وأولاد العالم لبناء مستقبل مبارك ومزدهر».


«شلونك؟» للفنان حاتم الأحمد (الشرق الأوسط)
 

اعتزاز الهوية
الفنان فهد النصار، قدم عملاً ينسجم مع فكرة المعرض القائمة على إعادة التكوين وربط الماضي بالحاضر والمستقبل، إذ تضمنت فكرته ربط مجموعة من الزخارف المستلهمة من المخزون الثقافي السعودية، وتقديمها كمدلول للهوية السعودية وما يُعرف عن السعوديين، في عمل حمل اسم «اعتزاز الهوية».
يقول النصار عن عمله، «عندما تفكر في شخص سعودي، فإن أول ما يخطر ببالك هو المظهر، والملبس... وبما أننا فخورون بماضينا وحاضرنا، فإن هذه الفكرة هي ربط ما يميزنا بماضينا»، مبيناً أنه في عمله اختار الزخرفة النجدية، في إعادة تقديمها لما يرتديه السعوديون في شكل جديد ومبتكر.

ساعة الصحراء
يمزج الفنان عبيد الصافي بين معرفته التكنولوجية وإنتاجه الإبداعي بسلاسة من خلال تجربة الوسائط الجديدة، مثل الفيديو والتركيبات التفاعلية، قائلاً: «في عملي، أستكشف التفاعل البشري كحالة للوصول إلى الهوية الثقافية من خلال استدعاء الذاكرة». ويسعى الصافي لاكتشاف مدى الانفتاح على الآخر وكيف يمكن رؤيته على ضوء الوقت المتسارع حالياً.
ويرى الفنان أننا نعيش أوقاتاً معاصرة سريعة جداً، ولا تزال الثقافة هي المكون الأساسي لضمير المجتمع وتعبيراً عن العمق التاريخي المتراكم في المجتمع، إلى جانب دورها في الهوية والشعور بالانتماء إلى المكان، ويقول، «ثقافة الصحراء هي ثقافة مطلقة تعكس الهوية والذات بشكل كامل».
وفي عمل الصافي، تجسد الساعة الخيالية أرضاً قديمة، وهي رمزية للعملية الحالية في البحث عن الزمن الحركي كجزء من وقت ماضي جُرد من القيمة الرقمية والأنظمة البشرية، وهو فضاء زمني فارغ يزدهر داخل الساعة، ويصل من خلاله المتلقي إلى لحظة جديدة في الزمان من قلب الصحراء.

سجادة أمي
الفنان سعيد قمحاوي، يستند في عمله «سجادة أمي» إلى تاريخ السجاد الطويل في السعودية، الذي يعود إلى العصور الوسطى، حيث يتشكل جوهر العمل في الجمع بين التاريخ والفنون والانفتاح والهوية. ويأتي «سجادة أمي» مشروعاً فنياً يحاول من خلاله استكشاف ظاهرة الهجرة الداخلية في السعودية من خلال تجربته الشخصية منذ انتقاله من مسقط رأسه إلى العاصمة الرياض.
يرى قمحاوي، من خلال عمله، أن الرياض شهدت في العقود الماضية حركة اقتصادية وتنموية سريعة أثرت على جميع المدن السعودية الأخرى، وخلقت داخلها تنوعاً ومزيجاً من الثقافات المحلية، ومن هنا استخدم آخر الأشياء المادية المتبقية لديه، التي تربطه بثقافته المحلية، ممثلة بقطعة السجاد التي قدمها والده هديةً لوالدته، وما زالت هذه القطعة تحمل في وجدانه عبير التاريخ ورائحة الريحان التي تداعب ذاكرة الفنان.
يتساءل قمحاوي خلال هذا العمل عن القدرة على التكيف مع الواقع المعاصر، وكيف يمكن للمرء أن يحتضن الاختلاف دون أن يطغى على التفرد، وكمحاولة لمقاومة آثار الزمن، قام سعيد قمحاوي، برقمنة السجادة حفاظاً على ذاكرته وهويته.

المكعب الأسود
أما الفنانة زهرة الغامدي، فقدمت «المكعب الأسود» الذي جاء كجزء من مشاركتها في إقامة فنية بسويسرا، حيث عاشت الرحلة كعملية استكشاف وتحدٍ كبير لبناء علاقة بينها وبين بيئة مختلفة عن بيئتها، وكانت لديها رغبة جامحة في توديع المنطقة ومعانقة جبالها، في شعور قوي بالانفصال ورغبة ملحة في الاقتراب من الطبيعة.
وحينها، بدأت الغامدي في التفكير بعمق في العناصر المحيطة بها، بحثاً عن أي منها من شأنه أن يساعدها في تلك اللحظات على التعبير عن مشاعرها، ووجدت «العطارة» (غطاء الرأس الأسود) جزءاً من هويتها الثقافية لكونها ترتديه في كل مرة تخرج فيها، واختارته للتعبير عن مشاعرها، حيث وضعت على الأرض، في محاولة منها للفت أنظار الطبيعة إلى غطاء رأسها ذي اللون الأسود، والشكل المربع، للتعبير عن وجودها في المكان قبل تركه.

أعمال غنية
بالمجمل، فإن كل عمل تضمنه المعرض جاء مثيراً للفضول وغنياً بالإلهام، من ذلك عمل الفنان سعد الهويدي «توله»، وهي القارورة الزجاجية التي تحفظ عطر العود، في إشارة إلى فخر السعوديين بعطر العود الطبيعي الذي يقدم للضيوف في المناسبات. إذ صمم عمله لإبراز هذا السلوك الأصيل من خلال وضع البترول داخل التولة، وخلق توازٍ بصري بين عنصرين من عناصر الهوية الثقافية السعودية.
وفي عمل «ترحال»، تقدم الفنانة خلود البقمي رؤية فنية لافتة، في محاولتها لإظهار جانب الاستدامة والتوافق مع البيئة مع المواد، قائلة «من أجل الترويج لرسالتي عن الاستدامة في تاريخ التراث السعودي، يتألف العمل الفني من عدة هياكل مصنوعة من الخشب مما يخلق مساراً يسمح للزوار بالسير وهم محاطون بالصوف». وتسعى البقمي لخلق تجربة تفاعلية مختلفة لدى المتلقي، لمعرفة عمق الجذور الثقافية في قصة بناء الخيام وغزل الصوف ومهارات المرأة وقصائد النساء وقصص التكيف مع الصحراء.
أما الفنان خالد المرزوقي، فيشير في عمله «من الأعلى» إلى التغيرات الجذرية التي شهدتها السعودية على جميع الأصعدة، على اعتبار أنها تؤثر على الذاكرة المرئية للمدن والأحياء والأسواق الشعبية، خصوصاً في مدينة جدة، «المكان الذي التقطت فيه لقطات العمل»، حيث يتم حالياً إعادة تأهيل العديد من الأحياء وفقاً للتطور العالمي الذي يمر به المجتمع. لكن مع ذلك، فإن هذه التغييرات تستند إلى الذاكرة الثقافية والاجتماعية الثرية، كما يرى الفنان في عمله «من الأعلى» الذي يحاول مراقبة صدى تلك التغييرات باستمرار عن طريق تحديدها بصرياً في الذاكرة والتواصل معها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كيف يؤثر اللعب بدمى «باربي» على المهارات الاجتماعية للأطفال؟

اللعب بـدمى «باربي» يمكن أن يحسّن بشكل كبير مهارات الأطفال الاجتماعية (رويترز)
اللعب بـدمى «باربي» يمكن أن يحسّن بشكل كبير مهارات الأطفال الاجتماعية (رويترز)
TT

كيف يؤثر اللعب بدمى «باربي» على المهارات الاجتماعية للأطفال؟

اللعب بـدمى «باربي» يمكن أن يحسّن بشكل كبير مهارات الأطفال الاجتماعية (رويترز)
اللعب بـدمى «باربي» يمكن أن يحسّن بشكل كبير مهارات الأطفال الاجتماعية (رويترز)

أظهرت دراسة حديثة أن اللعب بـدمى «باربي» يمكن أن يحسّن بشكل كبير مهارات الأطفال الاجتماعية ويساعدهم على تنمية التعاطف وفهم مشاعر الآخرين.

وبحسب صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، فقد أجرى الباحثون التابعون لجامعة كارديف البريطانية دراسة استمرت 6 أسابيع على أطفال تتراوح أعمارهم بين 4 و8 سنوات، طُلِب من نصفهم اللعب بدمى «باربي»، فيما طُلِب من النصف الآخر اللعب بأجهزة لوحية محمّلة مسبقاً بالألعاب مفتوحة النهايات، أي دون أهداف محددة كما هو الحال في اللعب بالدمى.

وفي بداية ونهاية الأسابيع الستة، خضع الأطفال لاختباراتٍ لقياس مدى تفاعلهم مع الآخرين، وفهمهم لمشاعرهم، وتعاطفهم معهم.

ولاحظت الدراسة أن الأطفال، سواء كانوا أولاداً أو بناتٍ، الذين لعبوا بالدمى كانوا أكثر قدرة على التعبير عن المشاعر وفَهْم وجهات نظر الآخرين، مقارنةً بمن قضوا وقتاً على الأجهزة اللوحية.

كما شجع اللعب بالدمى على التفاعل مع الأشقاء والأصدقاء والآباء، مما يعزز الروابط الاجتماعية.

وقالت المؤلفة الرئيسية للدراسة، الدكتورة سارة جيرسون، من كلية علم النفس بجامعة كارديف: «نعتقد أن اللعب بالدمى قد يشجع الأطفال على التفاعل الاجتماعي بشكل أكبر، ويمنحهم فرصاً أكثر لفهم معتقدات الآخرين ومشاعرهم ونياتهم، أو التفكير فيها، مقارنة بأنواع اللعب الأخرى».

وأضافت: «عند اللعب بالدمى، تتاح للأطفال فرصة تقمص الشخصيات، وتأليف القصص، وتمثيل المواقف المختلفة، مما يعزز قدرتهم على تخيل أفكار الآخرين ومشاعرهم».

وتابعت: «تتيح سيناريوهات اللعب التخيلي هذه للأطفال ممارسة المهارات الاجتماعية، ومعالجة المشاعر، وتنظيمها في بيئة آمنة».

وسبق أن حذرت عدة دراسات وأبحاث من أن قضاء الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات يؤثر بالسب على تركيزهم وتفاعلاتهم الاجتماعية.

كما وجدت دراسة أجريت في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي أن قضاء الأطفال الصغار خمس ساعات أو أكثر يومياً أمام الشاشات يُضعف قدرتهم على الكلام، حيث يعرفون أربع كلمات أقل في المتوسط ​​من أولئك الذين يقضون 44 دقيقة فقط.


«تدريب الفضول»: طريقة بسيطة لإدارة القلق الاجتماعي

اضطراب القلق الاجتماعي عبارة عن حالة نفسية تتسم بالخوف أو القلق الشديد في المواقف الاجتماعية (بيكسلز)
اضطراب القلق الاجتماعي عبارة عن حالة نفسية تتسم بالخوف أو القلق الشديد في المواقف الاجتماعية (بيكسلز)
TT

«تدريب الفضول»: طريقة بسيطة لإدارة القلق الاجتماعي

اضطراب القلق الاجتماعي عبارة عن حالة نفسية تتسم بالخوف أو القلق الشديد في المواقف الاجتماعية (بيكسلز)
اضطراب القلق الاجتماعي عبارة عن حالة نفسية تتسم بالخوف أو القلق الشديد في المواقف الاجتماعية (بيكسلز)

في عالم تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية ويعاني فيه كثيرون من التوتر في المواقف اليومية، تبرز الحاجة إلى أساليب عملية تساعد على التعامل مع القلق بطرق فعّالة. ومن بين هذه الأساليب الحديثة نسبياً، يبرز «تدريب الفضول» بوصفه إحدى تقنيات اليقظة الذهنية التي تُستخدم ضمن العلاج السلوكي المعرفي، بهدف التخفيف من القلق الاجتماعي وتحسين التفاعل مع الآخرين، وفقاً لما أورده موقع «هيلث لاين».

يُعرَّف اضطراب القلق الاجتماعي بأنه حالة نفسية تتسم بالخوف أو القلق الشديد في المواقف الاجتماعية. وقد تظهر أعراضه في صور متعددة، مثل احمرار الوجه، والغثيان، والتعرّق، والدوار، وتسارع ضربات القلب. وغالباً ما يُثير لقاء أشخاص جدد، أو التحدث أمام الآخرين، أو حضور التجمعات، مخاوف من التعرض للنقد أو المراقبة الدقيقة.

وعند مواجهة هذه المواقف، ينشغل الشخص المصاب بالقلق الاجتماعي بمراقبة ذاته بشكل مفرط؛ فيبدأ بتقييم أدائه، والتخطيط لما سيقوله، وتوقّع أحكام الآخرين، والقلق بشأن مجريات التفاعل، مع استحضار السيناريوهات السلبية المحتملة. وتنشأ هذه الحالة من مزيج من المراقبة الذاتية القلِقة وسلوكيات البحث عن الأمان، التي تهدف ظاهرياً إلى تحسين الأداء الاجتماعي، لكنها في الواقع تُسهم في استمرار دائرة القلق وتفاقمها.

ما هو «تدريب الفضول»؟

يُعدّ تدريب الفضول من ممارسات اليقظة الذهنية المستخدمة في إطار العلاج السلوكي المعرفي، وهو من الأساليب العلاجية الأكثر توصية للتعامل مع القلق الاجتماعي. ويقوم هذا التدريب، ببساطة، على تحويل الانتباه من التركيز الداخلي المتمثل في الأفكار السلبية وانعدام الأمان، إلى الملاحظة الخارجية لما يحدث في البيئة المحيطة.

ورغم أن جزءاً كبيراً من العلاج السلوكي المعرفي يعتمد على تمارين تركّز على الداخل، مثل التأمل والانتباه إلى الأفكار، فإن ما يميّز تدريب الفضول هو تركيزه على توجيه الانتباه نحو الخارج، مما يجعله مكمّلاً مهماً لهذه الممارسات.

وبحسب لاري كوهين، الشريك المؤسس للمركز الوطني للقلق الاجتماعي، والحاصل على ترخيص في الخدمة الاجتماعية السريرية وشهادة في العلاج السلوكي المعرفي، فإن الهدف من هذا التدريب يتمثل في تبنّي موقف قائم على الفضول بدلاً من إصدار الأحكام في المواقف الاجتماعية، مع ملاحظة الأفكار والمشاعر دون الانغماس فيها أو التفاعل معها بشكل مفرط.

كيف يُمارس «تدريب الفضول»؟

إذا كنت تعاني من القلق الاجتماعي، فقد يكون من المفيد مناقشة فكرة «تدريب الفضول» مع معالجك النفسي. ومن المهم التمييز هنا بين القلق الاجتماعي والخجل؛ فالخجل يُعد سمة شخصية طبيعية، بينما يُصنّف القلق الاجتماعي كأحد اضطرابات القلق التي قد تتطلب تدخلاً علاجياً.

يُعدّ التركيز أحد الأهداف الأساسية في هذا النوع من التدريب. وقد يطلب منك المعالج النفسي أداء تمارين عملية لتعزيز هذه المهارة. على سبيل المثال، قد تُكلّف بمشاهدة سلسلة من مقاطع الفيديو، مع محاولة نقل انتباهك تدريجياً من عنصر إلى آخر داخل المشهد، مع إبقاء أفكارك الداخلية في الخلفية.

كما يمكن ممارسة هذا التدريب في الحياة اليومية، من خلال الذهاب إلى مكان عام وملاحظة ما يدور حولك لمدة 10 دقائق. حاول الانتباه لما تراه وتسمعه، وحرّك تركيزك ببطء بين المشاهد والأصوات المختلفة. وعندما تظهر أفكار أو مشاعر، تعامل معها باعتبارها «ضجيجاً في الخلفية» دون الانخراط فيها.

وقد يكون من المفيد أيضاً تدوين الملاحظات اليومية حول هذه التجارب، إذ يساعد ذلك على تتبّع التقدّم وتعزيز الوعي الذاتي بمرور الوقت.


تعرف على وسائل التواصل الاجتماعي الأسوأ لصحتك النفسية

الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)
الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)
TT

تعرف على وسائل التواصل الاجتماعي الأسوأ لصحتك النفسية

الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)
الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)

كشف تقرير عالمي حديث عن أن تطبيقات التواصل الاجتماعي القائمة على التصفح الخوارزمي مثل «إنستغرام» و«تيك توك» ترتبط بتأثيرات سلبية أكبر على الصحة النفسية مقارنة بمنصات تركز على التواصل المباشر مثل «فيسبوك» و«واتساب».

وبحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، فقد أوضح «تقرير السعادة العالمي»، الصادر عن مركز أبحاث الرفاهية بجامعة أكسفورد، أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم، مع أن التأثير كان أشدّ وطأةً في الدول الناطقة بالإنجليزية وأوروبا الغربية.

وبيَّنت الدراسة أن نوع المنصة ومدة الاستخدام يؤثران بشكلٍ كبير على رفاهية المستخدم.

ففي دراسة شملت 17 دولة في أميركا اللاتينية، ارتبط الاستخدام المتكرِّر لـ«واتساب» و«فيسبوك» بارتفاع الرضا عن الحياة، بينما أدى استخدام منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» - التي تخضع بشكلٍ كبير للخوارزميات ومحتوى المؤثرين - إلى انخفاض مستويات السعادة وزيادة المشكلات النفسية.

كما أظهرت دراسة أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن التطبيقات ذات الطابع البصري والاستهلاكي، المليئة بمحتوى المؤثرين، كانت أكثر ارتباطاً بالتأثيرات السلبية.

وقال البروفسور جان-إيمانويل دي نيف، مدير مركز أبحاث الرفاهية: «يشير هذا إلى ضرورة إعادة البُعد الاجتماعي إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وحثّ كلٍّ من المسؤولين عن هذه المنصات ومستخدميها على الاستفادة من هذه الأدوات لأغراض اجتماعية، والتواصل الحقيقي مع الآخرين».

وأشار التقرير إلى أن استخدام وسائل التواصل لمدة ساعة واحدة يومياً أو أقل يرتبط برضا أعلى عن الحياة مقارنة بعدم استخدامها مطلقاً.

وقال دي نيف: «هناك توازن دقيق هنا - لا إفراط ولا تفريط. يبدو أن الاستخدام المعتدل الإيجابي هو الأمثل».

وتضمن التقرير تصنيفاً للدول حسب مستوى السعادة، وشهد عام 2026 العام الثاني على التوالي الذي لم تشهد فيه قائمة الدول الـ10 الأولى أي دولة ناطقة باللغة الإنجليزية.

وحافظت فنلندا على المركز الأول للعام التاسع على التوالي، وجاءت آيسلندا في المركز الثاني، تلتها الدنمارك في المرتبة الثالثة، في استمرار لهيمنة الدول الإسكندنافية على صدارة التصنيف.

وسجّلت كوستاريكا حضوراً لافتاً باحتلالها المركز الرابع، مع السويد والنرويج في المركزَين الخامس والسادس على التوالي.