«قيد التأليف»... رؤية فنية تُحلق من السعودية إلى إيطاليا

13 فناناً سعودياً يسترجعون جذور هويتهم ويربطونها بالمستقبل

زوار المعرض يتأملون عمل «ترحال» للفنانة خلود البقمي (الشرق الأوسط)
زوار المعرض يتأملون عمل «ترحال» للفنانة خلود البقمي (الشرق الأوسط)
TT

«قيد التأليف»... رؤية فنية تُحلق من السعودية إلى إيطاليا

زوار المعرض يتأملون عمل «ترحال» للفنانة خلود البقمي (الشرق الأوسط)
زوار المعرض يتأملون عمل «ترحال» للفنانة خلود البقمي (الشرق الأوسط)

يحلق 13 فناناً سعودياً برؤيتهم الفنية إلى إيطاليا عبر 30 عملاً جمعها معرض «قيد التأليف» الذي ينظمه «غاليري 369 للفن المعاصر»، وافتتح الأسبوع الماضي بقصر «بالازو بامبو» في مدينة فينيسيا (البندقية). المعرض يستمر إلى 13 أغسطس (آب) المقبل، جامعاً أعمالاً عميقة تستلهم من الهوية السعودية، وتُقدم نظرة فلسفية مغايرة ما بين الماضي وأفق المستقبل.
تتحدث القيم الفني منى العبد الله لـ«الشرق الأوسط»، مبينة أن المعرض يعبر عن الهوية الثقافية المتطورة للسعودية، ويحمل جوانب متنوعة من التاريخ والتراث لتقديمها بصورة معاصرة، وكشفت أن المعرض سينقل لمدينة روما في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل بالتزامن مع ذكرى اليوم الوطني السعودي.
تضيف العبد الله: «المعرض سيكبر، وفي روما سيزداد عدد الفنانين السعوديين، وفي خطتنا الاستراتيجية انتقاله إلى باريس مطلع عام 2023، وبعدها إلى لندن، ثم نيويورك، ثم سنضيف مدناً أخرى لاحقاً»، مبينة أنه تم فتح مجال المشاركة للفنانين من كافة أنحاء السعودية، وتتابع: «نتمنى أن يصل المعرض في نسخته الأخيرة إلى 100 عمل، نسافر بها إلى كل أنحاء العالم».
بسؤالها عن سبب تسميته بـ«قيد التأليف»، توضح أن كلمة «التأليف» هي البداية للمعرض، بما يحمله ذلك من تأليف الموسيقى والشعر وأي شيء آخر، وتكمل: «وجدنا في المعجم العربي أن كلمة (تأليف) تدل على كل ما يحمل في بدايته فكرة، وهو يُؤلف فيتطور فيُكتب فيُنثر فيسجل». وتشير إلى أن الفكرة هناك تحمل عنصرين متناغمين: الإرث مع الانفتاح وقابلية التطور.

اتصال للفنان حمود العطاوي (الشرق الأوسط)

اتصال
يقدم الفنان حمود العطاوي، في المعرض، عملاً فنياً سمّاه «اتصال»، وهو مكون من مجموعة كبيرة من القطع البلاستيكية الصغيرة، ممثلة بفكرة العداد الإلكتروني الذي أصبح يعرف بـ«الخاتم الإسلامي» الذي يحسب عدد التسابيح.
ويتخذ الفنان من فكرة استخدام اليد والأصابع طريقة لتقديم وتعزيز المفاهيم الإنسانية الأساسية ببساطة، إذ يعكس الخاتم الإسلامي ارتباط الإنسان بسلوكه الديني، ويمكن اعتباره وسيلة اتصال بين مخلوق ومبدع، مع محاكاة العمل الفني للوحة الشهيرة للفنان مايكل أنجلو، التي حملت أيضاً مضموناً يتناول حالة التواصل بين المخلوق والخالق.

الفنان عبيد الصافي  يدمج الزمن  مع الرقمنة (الشرق الأوسط)

قصة «شلونك؟»
تركزت فكرة الفنان حاتم الأحمد، على مفهوم المصادر والمراجع اللغوية وأسس صلاحيتها ضمن إطار مرئي يلخص انتقال بعض المصطلحات من جيل إلى جيل، يحولها بمرور الوقت ومن خلال النقل الشفهي إلى مفاهيم مختلفة تماماً عن الأصل وحالات استخدامها.
يعتمد عمل الأحمد على التطور الطبي للمرضى أثناء تفشي الطاعون، ويركز على أعراضه من حيث المظهر، وهو تغير طفيف في لون المصاب بالطاعون، بدءاً من اللون الوردي المحمر، والانتقال إلى اللون البرتقالي المصفر، وانتهاءً بلون شاحب، نهاية باللون الأزرق، وهي المرحلة الأخيرة قبل وفاة المصابين بالوباء، ومن هنا وُلدت الكلمة العربية (شلونك؟)، وهي مصطلح يدور حول الاستفسار عن مرحلة تطور المرض، حيث ينسج العمل سياقاً زمنياً يربط بين المصطلح الأصلي وطابعه السلبي والطريقة التي يتحول بها المصطلح إلى طابع معاصر أكثر إيجابية، مما يدل على أهمية اللغة كمركب وعنصر من الهوية الثقافية.

هاجر
من خلال فيلم بجودة سينمائية عالية، قدمت الفنانة ضياء يوسف، عملاً فنياً يستلهم من موروث قصة السيدة هاجر مع مياه زمزم التي جمعتها بيدها في مكة المكرمة، وبدت فيها كما لو أنها تمسك بين يديها مستقبل المدينة المقدسة بأكمله، في تعبير لما وصلت إليه البلاد اليوم في المسارعة نحو المستقبل، وحماية الطيور، والأشجار، والبيئة.
ترى يوسف أن الناس من جميع أنحاء العالم يتدفقون إلى الأراضي المقدسة في السعودية بحثاً عن الحياة والأمل، وترحب بهم البلاد بسعادة كما حدث في قصة مياه زمزم، حيث لم يكن حينها لدى هاجر أي وسيلة للبقاء سوى إيمانها العميق بذلك، إلى أن نجحت المدينة في النمو كبذرة في يديها المباركتين، وهنا تقول الفنانة، «اليوم المرأة السعودية لديها الإمكانات والقدرة على مضاعفة المحاولات والجهود، وحكمة الجدات ومرونتهن وقوتهن ونضالهن من أجل أبنائنا وأولاد العالم لبناء مستقبل مبارك ومزدهر».


«شلونك؟» للفنان حاتم الأحمد (الشرق الأوسط)
 

اعتزاز الهوية
الفنان فهد النصار، قدم عملاً ينسجم مع فكرة المعرض القائمة على إعادة التكوين وربط الماضي بالحاضر والمستقبل، إذ تضمنت فكرته ربط مجموعة من الزخارف المستلهمة من المخزون الثقافي السعودية، وتقديمها كمدلول للهوية السعودية وما يُعرف عن السعوديين، في عمل حمل اسم «اعتزاز الهوية».
يقول النصار عن عمله، «عندما تفكر في شخص سعودي، فإن أول ما يخطر ببالك هو المظهر، والملبس... وبما أننا فخورون بماضينا وحاضرنا، فإن هذه الفكرة هي ربط ما يميزنا بماضينا»، مبيناً أنه في عمله اختار الزخرفة النجدية، في إعادة تقديمها لما يرتديه السعوديون في شكل جديد ومبتكر.

ساعة الصحراء
يمزج الفنان عبيد الصافي بين معرفته التكنولوجية وإنتاجه الإبداعي بسلاسة من خلال تجربة الوسائط الجديدة، مثل الفيديو والتركيبات التفاعلية، قائلاً: «في عملي، أستكشف التفاعل البشري كحالة للوصول إلى الهوية الثقافية من خلال استدعاء الذاكرة». ويسعى الصافي لاكتشاف مدى الانفتاح على الآخر وكيف يمكن رؤيته على ضوء الوقت المتسارع حالياً.
ويرى الفنان أننا نعيش أوقاتاً معاصرة سريعة جداً، ولا تزال الثقافة هي المكون الأساسي لضمير المجتمع وتعبيراً عن العمق التاريخي المتراكم في المجتمع، إلى جانب دورها في الهوية والشعور بالانتماء إلى المكان، ويقول، «ثقافة الصحراء هي ثقافة مطلقة تعكس الهوية والذات بشكل كامل».
وفي عمل الصافي، تجسد الساعة الخيالية أرضاً قديمة، وهي رمزية للعملية الحالية في البحث عن الزمن الحركي كجزء من وقت ماضي جُرد من القيمة الرقمية والأنظمة البشرية، وهو فضاء زمني فارغ يزدهر داخل الساعة، ويصل من خلاله المتلقي إلى لحظة جديدة في الزمان من قلب الصحراء.

سجادة أمي
الفنان سعيد قمحاوي، يستند في عمله «سجادة أمي» إلى تاريخ السجاد الطويل في السعودية، الذي يعود إلى العصور الوسطى، حيث يتشكل جوهر العمل في الجمع بين التاريخ والفنون والانفتاح والهوية. ويأتي «سجادة أمي» مشروعاً فنياً يحاول من خلاله استكشاف ظاهرة الهجرة الداخلية في السعودية من خلال تجربته الشخصية منذ انتقاله من مسقط رأسه إلى العاصمة الرياض.
يرى قمحاوي، من خلال عمله، أن الرياض شهدت في العقود الماضية حركة اقتصادية وتنموية سريعة أثرت على جميع المدن السعودية الأخرى، وخلقت داخلها تنوعاً ومزيجاً من الثقافات المحلية، ومن هنا استخدم آخر الأشياء المادية المتبقية لديه، التي تربطه بثقافته المحلية، ممثلة بقطعة السجاد التي قدمها والده هديةً لوالدته، وما زالت هذه القطعة تحمل في وجدانه عبير التاريخ ورائحة الريحان التي تداعب ذاكرة الفنان.
يتساءل قمحاوي خلال هذا العمل عن القدرة على التكيف مع الواقع المعاصر، وكيف يمكن للمرء أن يحتضن الاختلاف دون أن يطغى على التفرد، وكمحاولة لمقاومة آثار الزمن، قام سعيد قمحاوي، برقمنة السجادة حفاظاً على ذاكرته وهويته.

المكعب الأسود
أما الفنانة زهرة الغامدي، فقدمت «المكعب الأسود» الذي جاء كجزء من مشاركتها في إقامة فنية بسويسرا، حيث عاشت الرحلة كعملية استكشاف وتحدٍ كبير لبناء علاقة بينها وبين بيئة مختلفة عن بيئتها، وكانت لديها رغبة جامحة في توديع المنطقة ومعانقة جبالها، في شعور قوي بالانفصال ورغبة ملحة في الاقتراب من الطبيعة.
وحينها، بدأت الغامدي في التفكير بعمق في العناصر المحيطة بها، بحثاً عن أي منها من شأنه أن يساعدها في تلك اللحظات على التعبير عن مشاعرها، ووجدت «العطارة» (غطاء الرأس الأسود) جزءاً من هويتها الثقافية لكونها ترتديه في كل مرة تخرج فيها، واختارته للتعبير عن مشاعرها، حيث وضعت على الأرض، في محاولة منها للفت أنظار الطبيعة إلى غطاء رأسها ذي اللون الأسود، والشكل المربع، للتعبير عن وجودها في المكان قبل تركه.

أعمال غنية
بالمجمل، فإن كل عمل تضمنه المعرض جاء مثيراً للفضول وغنياً بالإلهام، من ذلك عمل الفنان سعد الهويدي «توله»، وهي القارورة الزجاجية التي تحفظ عطر العود، في إشارة إلى فخر السعوديين بعطر العود الطبيعي الذي يقدم للضيوف في المناسبات. إذ صمم عمله لإبراز هذا السلوك الأصيل من خلال وضع البترول داخل التولة، وخلق توازٍ بصري بين عنصرين من عناصر الهوية الثقافية السعودية.
وفي عمل «ترحال»، تقدم الفنانة خلود البقمي رؤية فنية لافتة، في محاولتها لإظهار جانب الاستدامة والتوافق مع البيئة مع المواد، قائلة «من أجل الترويج لرسالتي عن الاستدامة في تاريخ التراث السعودي، يتألف العمل الفني من عدة هياكل مصنوعة من الخشب مما يخلق مساراً يسمح للزوار بالسير وهم محاطون بالصوف». وتسعى البقمي لخلق تجربة تفاعلية مختلفة لدى المتلقي، لمعرفة عمق الجذور الثقافية في قصة بناء الخيام وغزل الصوف ومهارات المرأة وقصائد النساء وقصص التكيف مع الصحراء.
أما الفنان خالد المرزوقي، فيشير في عمله «من الأعلى» إلى التغيرات الجذرية التي شهدتها السعودية على جميع الأصعدة، على اعتبار أنها تؤثر على الذاكرة المرئية للمدن والأحياء والأسواق الشعبية، خصوصاً في مدينة جدة، «المكان الذي التقطت فيه لقطات العمل»، حيث يتم حالياً إعادة تأهيل العديد من الأحياء وفقاً للتطور العالمي الذي يمر به المجتمع. لكن مع ذلك، فإن هذه التغييرات تستند إلى الذاكرة الثقافية والاجتماعية الثرية، كما يرى الفنان في عمله «من الأعلى» الذي يحاول مراقبة صدى تلك التغييرات باستمرار عن طريق تحديدها بصرياً في الذاكرة والتواصل معها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended