«الحرية والتغيير» السوداني يقيّم تجربته في الحكم ويعترف بقصور

وزير في حكومة حمدوك: إلغاء الديون إنجاز تاريخي منذ الاستقلال

TT

«الحرية والتغيير» السوداني يقيّم تجربته في الحكم ويعترف بقصور

وجه تحالف المعارضة السودانية «الحرية والتغيير» انتقادات ذاتية حادة لشراكته مع المكون العسكري، وأعلن تحمله المسؤولية عن الإخفاقات التي حاقت بتجربة الانتقال الديمقراطي، التي أعقبت سقوط نظام حكم الرئيس المعزول عمر البشير الإسلاموي، وشن التحالف، الذي شارك في الحكم حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، هجوماً عنيفاً على المكون العسكري، وحمّل مدنيين في «مجلس السيادة» المسؤولية الكبرى في فشل تجربة الانتقال وفتح شهية العسكر للسلطة.
وقال المتحدث باسم التحالف واثق البرير، في كلمة خلال ورشة عمل عُقدت في الخرطوم، بالتعاون مع صحيفة «الديمقراطي» المستقلة، لتقييم الفترة الانتقالية، إن الهدف من عقد الورشة هو «تعزيز فريضة النقد والشفافية».
واعترف البرير، وهو الأمين العام لـ«حزب الأمة» في مفتتح الجلسة بتعثر الفترة الانتقالية، وقال إنها «أُجهضت بانقلاب 25 أكتوبر»، وتعهد بمخاطبة الملفات والمسؤوليات التي تحملها التحالف لـ«التاريخ»، والعمل على توحيد «قوى الثورة والتغيير» في جبهة مدنية موحدة.
وأوضح وزير رئاسة مجلس الوزراء الأسبق خالد عمر يوسف، في ورقته لتقييم الجهازين التنفيذي والسيادي، أن أحد أهم الانتقادات الموجَّهة إلى تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، يتمثل في عدم وجود ما أُطلق عليه «توافق تفصيلي» لما بعد سقوط نظام الإسلاميين، والعلاقة مع المؤسسة العسكرية، والبطء في تحول هياكل التحالف من مرحلة المقاومة إلى مرحلة الانتقال، وقدرة هياكل التحالف على الاستجابة للمتغيرات الهائلة بعد الثورة، ودخول ملايين السودانيين في العملية السياسية، وعدم جاهزية الهياكل الانتقالية لاستيعاب الطاقة الجديدة، فضلاً عن مناهج إدارة التباينات داخل التحالف نفسه.
وقال يوسف إن عدم وجود علاقة مؤسسية بين قوى الحرية والتغيير والجهاز التنفيذي أثّرت على أداء الفريقين. وأضاف: «أهم دروس التجربة، بكل ما يقال وأوجه القصور، من دون وحدة قوى التحول لن يَحدث تحول ديمقراطي... القصور في أداء الحرية والتغيير لا يعني عدم الحاجة لوحدة قوى الثورة، بل يُستفاد منه في وضع المعالجات بعدم تكراره، أو تقليل الأخطاء».
ودعا إلى بحث العلاقة بين المدنيين والعسكريين في البلاد للوصول لمنهج أمثل، وإلى جعل التحالف والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمهنيين أكثر مؤسسية، ووضع تعريف واضح لدور كل منها وتكاملها، وتحديد الأولويات بطريقة معقولة، وإقامة تواصل فعّال.
واعترف يوسف بوجود قصور في أداء الحكومة، بيد أنه أشار إلى أن الانقلاب كان الهدف منه قطع الطريق أمام بدء الحكومة الانتقالية في النجاح، وقال: «منذ اليوم الأول يخطط المكون العسكري للانقلاب عن طريق إفشال الحكم، بوضع المتاريس أمام طريقها... مقاومة ضارية استمرت لنحو سنتين أفلحت في إزالة المتاريس التي وضعها المكون العسكري في طريق الانتقال».
وعدّ يوسف سداد متأخرات ديون السودان للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتي أدت للوصول لـ«نقطة القرار» في إعفاء مبلغ 56 مليار دولار ديوناً على السودان، أكبر إنجازات حكومته، وقال: «السودان منذ تاريخه ظل يراكم في الديون، ولم تستطع حكومة من حكوماته الوصول لمرحلة إعفاء الديون ما عدا الحكومة الانتقالية التي حققت إنجازاً تاريخياً بإعفاء السودان من ديونه».
وانتقد العلاقة بين «الحرية والتغيير» ورئيس الوزراء وتحولها لـ«علاقة متوترة» في بعض الأحيان وأداء مكتبه الذي تسبب في تداخل بينه وبين الوزارات، ما خلق كثيراً من المشكلات. وقال: «رئيس الوزراء لم يكن يؤمن بأن له دوراً سياسياً، وأن الدور السياسي خاص بالحرية والتغيير، وأن دوره ينحصر في العمل التنفيذي... هذه قضية بحاجة لنقاش، هل دور رئيس الوزراء في مراحل الانتقال دور سياسي أم دور تنفيذي إداري؟».
وشدد على أهمية ما أطلق عليه الإصلاح العسكري والأمني، ورهن نجاح الانتقال بتحقيقه.
وقال عضو مجلس السيادة السابق صديق تاور، في ورقته، إن أداء مجلس السيادة بمكونيه المدني والعسكري، ومكون السلام الذي انضم إليه لاحقاً، تأثر ببقاء مؤسسات النظام السابق في الدولة ومؤسساتها المختلفة في الأجهزة الأمنية والاقتصاد والإعلام والحكم المحلي وغيرها. وأضاف: «سقط رأس النظام وأعوانه الأساسيون، ولكن النظام ظل بكل ركائزه وأذرعه كما هو».
وأوضح تاور أن رئيس الوزراء «استغنى» عن مرجعيته السياسية الممثلة في «الحرية والتغيير»، واستعاض عنها بمستشارية خاصة لا التزام لها بالمرجعية.
واتهم تاور رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، بالتنازل عن صلاحيات من صميم مهامه لمجلس السيادة، مثل ملف السلام الذي نصّت الوثيقة الدستورية على تبعيته للجهاز التنفيذي. وقال: «رئيس الوزراء لسبب ما تنازل عن هذه المهمة للمجلس السيادي، بمشاركة بعض المكونات المدنية... هناك بعض المدنيين بملعوب أسهموا في نقل ملف السلام لمحمد حمدان دقلو... هذا أحد الأخطاء الكبيرة جداً، لم يؤدِّ لنقل ملف السلام فقط للمكون العسكري، لكنه فتح شهية المكون العسكري».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مصر وفرنسا إلى تعاون أوسع بعد أول «حوار استراتيجي»

المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر وفرنسا إلى تعاون أوسع بعد أول «حوار استراتيجي»

المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)

عقدت مصر وفرنسا الجولة الأولى لحوارهما الاستراتيجي في مجالات عديدة، واتفقتا على عقد الدورة المقبلة في باريس خلال النصف الأول من عام 2027، وفق بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية المصرية، الثلاثاء.

وتعزز هذه الجولة سبل التعاون في مجالات عديدة، وتنمي مستوى التنسيق، لا سيما فيما يتعلق بالتوتر في المنطقة بحكم ثقل البلدين ومحورية دورهما، بحسب تقديرات عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وفرنسا نحو 2.9 مليار دولار خلال عام 2024، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في 2025، مسجلاً ارتفاعاً ملحوظاً عن مستويات عام 2023 التي بلغت 2.5 مليار دولار.

الوفد الفرنسي المشارك في الحوار الاستراتيجي الأول (الخارجية المصرية)

وأفادت «الخارجية المصرية» في بيان مشترك، الثلاثاء، بأنه «عُقد في القاهرة الجولة الأولى للحوار الاستراتيجي بين مصر وفرنسا، برئاسة نائب وزير الخارجية محمد أبو بكر، والأمين العام لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، مارتن بريان».

ويأتي الحوار في أعقاب قرار بالارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وذلك خلال زيارة رسمية قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر في أبريل (نيسان) 2025.

ويرى السفير حجازي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في لحظة دولية تتسم بتعدد الأزمات وتشابكها، تبرز مصر وفرنسا بوصفهما ركيزتين استراتيجيتين في محيطين متداخلين: الشرق الأوسط وأوروبا»، لافتاً إلى أن هذا الحوار الاستراتيجي سيقود إلى تعاون أكبر وأوسع.

تعاون اقتصادي ومالي

وخلال الجولة الأولى، رحّب الجانبان بالمستوى المتميز الذي وصلت إليه العلاقات الثنائية، وبحثا سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي، وتنفيذ الاتفاق الحكومي للتعاون المالي للفترة 2026 - 2030، الذي يستند إلى مشروعات يتم اعتمادها من قبل الطرفين، وفق البيان المشترك.

وكانت زيارة ماكرون قد شهدت توقيع 9 اتفاقيات تمويل مع الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 262.2 مليون يورو، لدعم مشروعات في مجالات النقل والطاقة والإسكان.

وأكد الجانب المصري خلال الاجتماع بالقاهرة الأهمية المتزايدة لبرامج دعم الموازنة كآلية تمويلية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، وضمان كفاءة تخصيص الموارد وفقاً للأولويات الوطنية.

وأعرب الوفد الفرنسي عن دعمه لدمج مصر في مبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، بحسب البيان المشترك.

كما بحث الجانبان ملف التقدم المحرز في إطار الحوار الثنائي بشأن الهجرة، والذي تم إطلاقه في ظل الشراكة الاستراتيجية، وأقرا مبدأ إعداد خريطة طريق مصرية - فرنسية لتعزيز التعاون في مجال التراث، مرحبين بقرب افتتاح مكتبة المتحف المصري الكبير، التي تم تطويرها بدعم فرنسي.

ويرى حجازي أن البيان المشترك الصادر عن الجانبين يحمل توافقاً واضحاً على دفع العلاقات إلى مستوى أكثر مؤسسية وفاعلية، من خلال تكثيف التنسيق السياسي، وتعزيز آليات التشاور الدوري.

هذا التعاون يأتي، بحسب الدبلوماسي المصري الأسبق، لحكم ثقل البلدين، قائلاً إن «مصر، بحكم موقعها الجغرافي وتحكمها في مسارات حيوية مثل قناة السويس، ودورها المحوري في قضايا إقليمية حساسة كغزة وأمن البحر الأحمر، تمثل عنصر توازن لا غنى عنه في معادلة الاستقرار الإقليمي».

في المقابل، تمتلك فرنسا، بحسب حجازي، ثقلاً سياسياً داخل الاتحاد الأوروبي، وحضوراً فاعلاً في البحر المتوسط ولبنان، إضافة إلى قدرتها على التأثير في الأطر الدولية مثل مجلس الأمن الدولي.

الوفد المصري المشارك في الحوار الاستراتيجي الأول (الخارجية المصرية)

الأزمات الإقليمية

كما شهدت الجولة الأولى التأكيد على الالتزام بتعزيز التعاون الثنائي في مجال إدارة الأزمات الإقليمية، مع التركيز على منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك تحقيق السلام الدائم فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وفقاً لحل الدولتين، ومتابعة تطورات الأوضاع في كل من إيران ولبنان والعراق وليبيا والسودان ومنطقة القرن الأفريقي، إلى جانب قضايا المياه.

وعن المسار الإقليمي للتعاون، يرى حجازي أن تقاطع أدوار مصر وفرنسا يخلق فرصة نادرة لبناء شراكة قادرة على ربط الأمن الإقليمي بالاستقرار الدولي، خصوصاً في ظل تصاعد المخاطر التي لم تعد حدودها جغرافية.

وأكد أن تعزيز التنسيق بين القاهرة وباريس «لا يمثل فقط مصلحة ثنائية، بل يشكل أحد المسارات الواقعية للحفاظ على قدر من التوازن في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيراً على الأمن العالمي».


«اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تنتظر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ترتيبات جديدة في ظلِّ التعثر الحالي، لا سيما منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي، وعدم توصُّل جولتَي تفاوض بالقاهرة الأسبوعين الماضيين لنقاط حاسمة.

تلك الترتيبات التي يشير لها الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تأتي عبر مقترحات قُدِّمت لـ«حماس» بآخر جولة بالقاهرة، لا سيما في ملفَي نزع السلاح والانسحابات، ودمج موظفي الحركة بالقطاع، بحسب تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط».

وأكد الخبراء أن «هذه الترتيبات ستأخذ وقتاً، وستتم مدفوعة بأمور رئيسية هي تطورات حرب إيران، ونشر القوات الدولية والقوات الشرطية الفلسطينية، ودخول لجنة التكنوقراط للقطاع وبدء عملها».

ورغم عدم الوصول لاتفاق بشأن نزع سلاح «حماس» باجتماع القاهرة الأسبوع الماضي، فإنَّ ملادينوف قال لـ«رويترز»، مساء الاثنين: «أجرينا بعض المناقشات الجادة للغاية مع حماس خلال الأسابيع القليلة الماضية، وهي ليست سهلة».

وأضاف: «متفائل إلى حدٍّ ما بأننا سنتمكَّن من التوصُّل إلى ترتيب يرضي جميع الأطراف والأهم من ذلك، يرضي سكان غزة»، لافتاً إلى أنَّ «الأمر سيستغرق بعض الوقت».

وكان ملادينوف قد أكد بدء إزالة العقبات أمام «لجنة إدارة القطاع». وأعرب خلال مقابلة مع قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن أسفه لتأخر دخول اللجنة إلى غزة؛ بسبب «العقبات القائمة».

أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية»، الدكتور مختار غباشي، يرى أنَّ ملادينوف يحاول فقط شراء الوقت بالحديث عن ترتيبات، خصوصاً أنَّ قضايا غزة ولبنان وإيران تعدُّ ملفاً واحداً، وسيتم حسمها حزمةً واحدةً، وستترتب عليها ترتيبات أخرى بالمنطقة، مؤكداً أنَّ حديثه عن أخذ تلك الترتيبات وقتاً يؤكد وحدة الملفات جميعاً التي لم تُحسَم بعد.

في حين يشير المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، إلى أنَّ لقاءات ملادينوف الأسبوعين الماضيين ما بين «حماس» والحكومة الفلسطينية وإسرائيل، كانت محاولة لإيجاد ترتيبات للانتقال للخطوة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، لكن التعقيدات أكبر، والسبب الرئيسي عراقيل إسرائيل، وبالتالي من الطبيعي أن تأخذ وقتها، وربما لا يكون حسمها قريباً وتؤجل لما بعد حرب إيران.

تلميذان يسيران بين أنقاض المباني المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وغداة تصريحات ملادينوف، قالت «حماس» في بيان، الثلاثاء، إنها أجرت كثيراً من اللقاءات والمشاورات في القاهرة مع الوسطاء والفصائل الفلسطينية حول تطبيق باقي التزامات المرحلة الأولى (اتفاق شرم الشيخ)، والتحضير للنقاش حول ترتيبات المرحلة الثانية، في ضوء خطة الرئيس ترمب.

وأكدت الحركة أنَّها والفصائل الفلسطينية تعاملت بمسؤولية وإيجابية عالية مع المقترحات المُقدَّمة؛ بهدف التوصُّل إلى اتفاق مقبول، وأنَّ الحركة مهتمة باستمرار المفاوضات مع الوسطاء لتذليل كل العقبات، وسوف تُقدِّم ردَّها على المقترحات المُقدَّمة بعد إتمام المشاورات مع قيادة الحركة والفصائل الفلسطينية.

وقالت «حماس»، السبت الماضي، إنَّها عقدت عدداً من اللقاءات والحوارات مع الوسطاء والفصائل الفلسطينية، من أجل العمل على استكمال تطبيق بنود المرحلة الأولى من الاتفاق كافة.

ولفت الرقب إلى أنَّ المقترحات التي تسلمتها «حماس» في لقاء القاهرة الأخيرة تدور، كما هو متداول، بشكل رئيسي حول «نزع سلاحها، ودمج موظفيها في القطاع، ولن تقدم رداً صادماً، لكن نجاح أي مسار يتوقَّف على نشر القوات الدولية والقوات الشرطية الفلسطينية، ودخول (لجنة التكنوقراط)».

وبحسب الرقب «ستميل حماس إلى حلول وسط يقدمها الوسطاء عبر تفاهمات واضحة والتزامات وضمانات محددة»، لكن كل هذا «سيأخذ وقتاً» ارتباطاً بمسار حرب إيران، ونهايته أو استمراريته.

في حين يؤكد غباشي أنَّ قبول «حماس» للمقترحات من عدمه يتوقَّف على مدى وجود التزامات وضمانات حقيقية بشأن الانسحاب الإسرائيلي، وزيادة المساعدات الإغاثية، وبدء الإعمار. ويضيف: «لو تحقَّق ذلك ستتجاوب (حماس) وإذا تعثر فإننا لا يزال لدينا وقت للوصول لذلك في ظلِّ عراقيل إسرائيل».


أول زيارة لرئيس فنلندي إلى مصر منذ 17 عاماً تفتح آفاقاً تجارية واستثمارية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في استقبال نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب بقصر الاتحادية في القاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في استقبال نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب بقصر الاتحادية في القاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
TT

أول زيارة لرئيس فنلندي إلى مصر منذ 17 عاماً تفتح آفاقاً تجارية واستثمارية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في استقبال نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب بقصر الاتحادية في القاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في استقبال نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب بقصر الاتحادية في القاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب في القاهرة، الثلاثاء، في زيارة استهدفت تعزيز التعاون الثنائي، وتطرقت لآفاق التجارة والاقتصاد والاستثمار، وتناولت أبرز القضايا على الساحتين الإقليمية والدولية.

وفي كلمة ترحيب بالرئيس ستوب، نوَّه السيسي بأن هذه هي الزيارة الأولى لرئيس فنلندي إلى مصر منذ سنوات، «مما يضفي طابعاً خاصاً عليها، لما تعكسه من عمق العلاقات بين مصر وفنلندا، فضلاً عما تعكسه من إرادة سياسية مشتركة للدفع بتلك العلاقات نحو آفاق أرحب»، وفق بيان من الرئاسة المصرية.

وكانت الزيارة الأخيرة قبل هذه قد قامت بها الرئيسة السابقة تارجا هالونين عام 2009، وضم الوفد الفنلندي آنذاك ستوب الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبلاً نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب بالقاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

وأقيمت مراسم الاستقبال الرسمية للرئيس الفنلندي في قصر الاتحادية، بشرق القاهرة، حيث عُزفت موسيقى السلام الوطني للبلدين.

وأكد السيسي «اعتزاز مصر بالعلاقات الثنائية مع فنلندا»، مشيراً إلى أهمية مواصلة العمل بين الجانبين بهدف تطويرها في مختلف المجالات، بما في ذلك السياسية والاقتصادية والتجارية؛ فيما لفت الرئيس الفنلندي إلى «حرص بلاده على تطوير العلاقات الثنائية مع مصر والانتقال بها إلى آفاق أرحب استناداً إلى ما تمتلكه مصر وفنلندا من مقومات تسمح بدفع العلاقات الثنائية في العديد من المجالات».

وقال السيسي في مؤتمر صحافي مشترك مع ستوب: «عقدنا محادثات معمقة وبنّاءة حول مختلف أوجه التعاون الثنائي، وتشاورنا وتبادلنا وجهات النظر حول مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، حيث توافقنا على ضرورة البناء على ما تحقق من تعاون خلال السنوات الماضية، والعمل على استكشاف فرص ومجالات جديدة للشراكة بيننا بما يعكس الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها البلدان».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبلاً نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب والوفد المرافق له بالقاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

وأكد الجانبان «ضرورة تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وخلق بيئة مواتية لزيادة حجم التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات المتبادلة، فضلاً عن دعم التواصل بين مجتمعي الأعمال في البلدين».

ووفق إفادة لمتحدث الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، فقد نوه الرئيس الفنلندي بـ«حرصه على اصطحاب وفد من رواد الأعمال الفنلنديين لبحث فرص استفادة الشركات الفنلندية من مناخ الاستثمار في مصر».

الحرب الإيرانية

وشددت مصر على «رفضها الكامل وإدانتها للاعتداءات غير المبررة ضد دول الخليج العربي وسائر الدول العربية»، وجددت «دعمها لأمن الدول العربية الشقيقة بعدّه جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي». كما دعا السيسي إلى «ضرورة استمرار التنسيق بين مختلف الشركاء من أجل تحقيق الأمن والاستقرار إقليمياً ودولياً».

وأطلع السيسي نظيره الفنلندي على الجهود المصرية لتحقيق التهدئة والاستقرار والحيلولة دون الانزلاق في هوة صراع عميقة في منطقة يمر من خلالها جزء غير هين من حركة التجارة العالمية، ما يجعل التطورات التي تشهدها المنطقة ذات تأثير مباشر على أمن الطاقة والغذاء وحركة الملاحة والتجارة الدولية.

مروحية هجومية أميركية من طراز إيه إتش-64 أباتشي تحلق فوق مضيق هرمز يوم الجمعة (سنتكوم)

وأكد الرئيس المصري الترحيب بالهدنة الحالية لما تمثله من تطور إيجابي نحو احتواء التصعيد وتهيئة المناخ لتحقيق التهدئة المنشودة، مشيراً إلى «ضرورة استغلال هذه الفرصة لإفساح المجال أمام المسار الدبلوماسي، بما يدعم فرص التوصل إلى حلول سلمية، ويحد من مخاطر اتساع دائرة الصراع».

وقال الرئيس الفنلندي: «إننا نعيش في عالم يسوده الاضطراب وانعدام السلام، فالتجارة والطاقة والتكنولوجيا تفرق بيننا ونرى نزاعات محلية تتحول لإقليمية وعالمية».

وكان السيسي قد رحب في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي بوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وحث الأطراف كافة على ⁠الانخراط ⁠بجدية في المحادثات «وصولاً للسلام الدائم، والتعايش السلمي بين شعوب المنطقة والعالم».

القضايا الإقليمية

وكانت القضية الفلسطينية محوراً مهماً خلال اللقاء، ودعا الرئيس المصري إلى «عدم السماح بتشتيت الانتباه عن الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، في ظل ما يشهده الشعب الفلسطيني من معاناة متفاقمة وانتهاكات مستمرة». وشدد على «ضرورة تكثيف الجهود لضمان الالتزام بوقف إطلاق النار وتنفيذ كل بنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف الحرب في غزة».

فلسطينيون في خان يونس جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)

واستعرض السيسي جهود مصر لضمان نفاذ المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، مؤكداً «ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية ورفض أي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني أو فرض واقع يتعارض مع حل الدولتين، بعدّه السبيل الوحيد الذي توافق عليه المجتمع الدولي لتحقيق التسوية العادلة للقضية والسلام الدائم في المنطقة، وذلك بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية».

وبحسب متحدث الرئاسة، تناولت المحادثات كذلك تطورات الأوضاع في لبنان وليبيا، وتحدث الرئيس المصري عن جهود بلاده لدعم التوصل إلى وقف إطلاق النار في السودان وتخفيف المعاناة الإنسانية، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مؤكداً على «ثوابت الموقف المصري الداعي إلى الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض أي محاولات لتقسيمه أو إنشاء كيانات موازية، باعتبار ذلك خطاً أحمر للأمن القومي المصري».

وشددت القاهرة قبل أيام على «سرعة التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان، تمهيداً لوقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية شاملة ذات ملكية سودانية خالصة». واستعرض وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء نظيرته البريطانية إيفيت كوبر، على هامش أعمال «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» بتركيا، السبت الماضي، الجهود التي تبذلها مصر في إطار «الرباعية الدولية» للتعامل مع الأزمة.

وتضم «الرباعية الدولية» بشأن السودان كلاً من السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات، وقدَّمت في سبتمبر (أيلول) الماضي مبادرة، تضمّنت إقرار هدنة مدتها 3 أشهر بين الأفرقاء، من أجل توفير المساعدات الإنسانية العاجلة للمتضررين من السكان المدنيين، على أن تُطلق عملية انتقال سياسي سلمي للسلطة لمدة 9 أشهر، تُفضي إلى قيام حكومة مدنية شرعية تحصل على ثقة المواطنين السودانيين.

وأصدرت الرئاسة المصرية في منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بياناً حذرت فيه من «تجاوز خطوط حمراء في السودان، بوصفها تمس مباشرة الأمن القومي المصري»، وتضمنت تلك الخطوط «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم السماح بانفصال أي جزء منه».

الاتحاد الأوروبي

كما تطرقت محادثات الرئيسين المصري والفنلندي، الثلاثاء، إلى التعاون بين مصر والاتحاد الأوروبي، وأكد الرئيسان «أهمية الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي، والدور الذي يمكن أن تضطلع به فنلندا في دعم هذه الشراكة وتطويرها».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجتمعاً بالوفد الرئاسي الفنلندي بقصر الاتحادية في القاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

ولدى مصر والاتحاد الأوروبي ملفات تعاون مشترك كثيرة، من أبرزها جهود مواجهة «الهجرة غير المشروعة»، وجهود توفير الطاقة، ومكافحة الإرهاب، والتحول الرقمي، ومجالات التنمية المستدامة والاستثمارات، إلى جانب النمو الملحوظ في التبادل التجاري، الذي سجل 21.4 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، وفقاً لإحصاءات حكومية مصرية.