سعاد ماسي لـ «الشرق الأوسط»: لماذا لا يفكر غيرنا بالهجرة؟

تترجم في «ارسملي بلاد» قلقها حول مستقبل الشعوب

في «ارسملي بلاد» تترجم الفنانة حلمها في وطن يسكنه السلام (الشرق الأوسط)
في «ارسملي بلاد» تترجم الفنانة حلمها في وطن يسكنه السلام (الشرق الأوسط)
TT

سعاد ماسي لـ «الشرق الأوسط»: لماذا لا يفكر غيرنا بالهجرة؟

في «ارسملي بلاد» تترجم الفنانة حلمها في وطن يسكنه السلام (الشرق الأوسط)
في «ارسملي بلاد» تترجم الفنانة حلمها في وطن يسكنه السلام (الشرق الأوسط)

تهندس سعاد ماسي أعمالها الفنية فتقدمها بمقاييس معينة وتزخرفها بصوت يتسم بالقوة والحنان معاً. فهي استفادت من شهادتها الجامعية في مجال الهندسة المدنية، كي تسطر أغانيها وتقولبها تماماً كمنزل يتألف من سقف وجدران وتطوف فيه روح الفن الأصيل. تميزت بموهبة غنائية لا تشبه غيرها فخاطبت من خلالها الكبار والصغار والحكام والبلدان. قدمت أعمالاً غنائية على أنغام آلة الغيتار التي ترافقها في حفلاتها. وبين موضوعات الحب والطفولة والهجرة وغيرها، بنت قاعدة جماهيرية طالت المشرق والمغرب. صارت واحدة من أشهر الفنانات العربيات اللاتي ينتظر الغرب صدور أعمالهن بالفرنسية والعربية والإنجليزية.
الطفلة الجزائرية التي ولدت في بيت موسيقي تستقر اليوم في فرنسا، ولكن ذلك لم يبعدها عن أجواء الشرق والأزمات التي تسكنه. أصدرت أخيراً، واحدة من أغاني ألبومها العاشر «سيكوانا» تحت عنوان «ارسملي بلاد». ورافق الأغنية كليب مصور ضمن فكرة بسيطة. فنراها تجلس على مقعد في غاليري فني وهي تنظر إلى لوحة تتبدل مشهدياتها ورسوماتها لتواكب كلمات الأغنية، وتتحدث فيها عن بلاد سعيدة يعيش أهلها بهناء وسلام.


حصدت سعاد ماسي جوائز عالمية عن أعمالها الغنائية

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، تخبرنا سعاد ماسي عن أغنيتها الجديدة التي تنتقد خلالها اللاأمان في بلادنا. ونسألها عما إذا هي تترجم فيه قلقها ومخاوفها من الغد، فتقول: «رغبت من خلال هذه الأغنية التعبير عن قلقي على مستقبل أطفالنا وشعوبنا وأمتنا. واقع بلادنا بات قاسياً. وعدم النظر إلى هذا الواقع وجهاً لوجه يتحول بطريقة ما إلى حالة نكران. وأنا بطبعي لا أحب التستر على المشكلة أو أن أغض النظر عنها. وكي نحل مشاكلنا علينا أن نحددها أولاً ونضع إطاراً خاصاً بها، كي نستطيع الانقضاض عليها. لذلك ترينني في أغنية (ارسملي بلاد) أتحدث عن الواقع كما هو، ومن دون مواربة».
سعاد التي هاجرت إلى فرنسا منذ مدة، تقول: «إن ما نراه للأسف هو هروب من بلادنا أكثر مما هو هجرة. وهذه الظاهرة موجودة فقط في بلدان النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. والسؤال الذي يجب علينا طرحه على أنفسنا هو، لماذا هذه الظاهرة تعم فقط بلداننا ودول العالم الثالث؟ لماذا السويديون أو الدنماركيون أو الكنديون وغيرهم لا يعرفون هذا النوع من المشاكل؟ وعندما نعرف الإجابة على هذا السؤال وبصدق سنكون بدأنا نتلمس بداية الحل لها».
يلعب النص في أغاني سعاد ماسي دوراً أساسياً في أعمالها الغنائية، لذلك تسرق اهتمام الناس لأنها تخاطبهم بلسان حالهم. فهي بعيدة كل البعد عن الأغاني التجارية المسطحة. وفي «ارسملي بلاد» يحضر الحلم بقوة في كلام الأغنية حول الوطن الذي رسمته في خيالها. وتعلق: «لا أعرف ما إذا كان هذا حلماً، ولكنه إرادة أكيدة وأيضاً صرخة غضب هادئة. فأنا من الأشخاص الذين يحلمون بوعي جماعي بحيث لا يكون هذا رسماً بسيطاً، ولكنه بناء حقيقي لبلداننا. ومن أجل ذلك يتطلب الأمر إرادة لتحقيقه. والبلد الذي أتخيله هو بلد يمكننا العيش فيه جميعاً، بغض النظر عن أصولنا ومعتقداتنا واختلافاتنا. أحلم ببلد تُحترم فيه حرية الفرد حتى تتاح للحرية الجماعية أن تبصر النور».
رغم المسافات التي تبعدها عن وطنها الجزائر فإن سعاد ماسي بقيت متمسكة في الغناء بالعربية. صحيح أنها تجيده أيضاً بالإنجليزية والفرنسية، ولكنها ترى في لغتها الأم حاجة وهوية لا تستغني عنهما أبداً. وتوضح في هذا السياق: «لغتي الأم أي الجزائرية؟ هي بالنسبة لي مثل مذياع أرفع الصوت من خلاله. لغتي هي البداية والنهاية وأشبهها بموقع الجزائر في البحر الأبيض المتوسط. فبلادي مسرح مفتوح ومع هذه اللغة استطعت الإبحار في أخرى. وكما تعلمين فإنني أغني أيضاً بالفرنسية والإنجليزية وحتى بالإسبانية. في رأيي رسالة الفنان تكمن في التقريب بين الناس وليس العكس. وتنوع اللغات في غنائنا، يخدم هذا الموضوع».


بالنسبة لسعاد ماسي الهجرة مشكلة تواجه فقط شعوب البلدان النامية

تملك سعاد ماسي انطباعاً خاصاً حول الساحة العربية اليوم وتقول: «أشبهها إلى هذا العالم الذي تتحكم به السرعة، لا أعرف لماذا لدي انطباع بأن العالم يركض والناس تركض وراءه. لذلك أحاول المقاومة فأبقى بمنأى عن هذه الظاهرة». وماذا تقصدين بالمقاومة؟ ترد: «بالنسبة لي هي أن أستغرق وقتاً للتفكير، وآخذ المسافة الكافية للكتابة، وكذلك الأمر بالنسبة للتأليف الموسيقي. أحب التحدث مع الموسيقيين والتشاور معهم وكذلك مراقبة الحياة بمشهديتها الكبرى وتفاصيل يومياتها. أحاول أن أحافظ على طبيعتي وأحترم جمهوري. وأطالب نفسي دائماً بعمل يحثني على البحث، فمن خلاله أحاول على الأقل ألا أخيب أمل الناس». وعمن يلفتها على الساحة اليوم تقول: «لا زلت أميل إلى أجواء زمن الفن الجميل فأستمتع بموسيقاه وثراء تركيبات نوتاته، والطاقة الهائلة التي كان يتمتع بها الفنانون في تلك الحقبة».
قريبة سعاد ماسي من الناس، ليس فقط بموضوعات أغانيها بل في أدائها اليومي معهم. وهي معروفة بتواضعها كنجمة عالمية، بحيث لم يحصل عندها تضخم للأنا. فهل برأيها هذا التصرف هو من سمة الفنان الأصيل؟، «أعرف تماماً من أين أتيت، فأنا امرأة بسيطة جاءت من عائلة بسيطة وأرغب في البقاء هكذا قريبة من الناس، فأكون منهم وبينهم. وإذا ما ابتعدت عنهم سأشعر من دون شك بأنني خنت الأمانة، وخنت المبادئ التي تربيت عليها».
حصدت سعاد ماسي عدة جوائز عالمية عن أعمالها الغنائية، وذاع صيتها في الشرق والغرب. كما ترشحت لجائزتين عالميتين عن ألبومها «أمنية»، وتوجها بلقب أفضل فنانة في فئة أفضل ألبوم، ضمن جوائز أديسون الهولندية. فكانت أول فنانة عربية تحقق ذلك في مهرجان فني يوازي بأهميته جوائز الغرايمي العالمية. حتى إن جيل الشباب يعتبرها أيقونته الفنية، فيتمثل بها ويلحق بحفلاتها حتى آخر الدنيا. وعن الفرق الذي أحدثته في عملها كي تحصد كل هذه الشهرة؟ ترد: «في الحقيقة ليس لدي تفسير لذلك، ولكن ربما لأنني كنت من أوائل النساء اللاتي غنين القومية بالعربية. وربما يعود السبب إلى الخليط الذي أحدثته بين التقليدي والحديث ومزج الأساليب والأدوات بطريقة متناغمة. ومع هذا الاعتراف يتملكني الشعور بضرورة المثابرة والعمل بجدية أكبر».

الفنانة الجزائرية سعاد ماسي

وهل تتوقعين لألبومك الجديد «سيكوانا» النجاح نفسه؟ ترد: «همي الوحيد عندما أقدم عملاً جديداً هو أن أكتب ما يرضي جمهوري. بعدها إن حصدت الجوائز أكون فرحانة. ولكن تنحصر سعادتي الحقيقية بالابتسامة المرسومة على ثغر جمهوري، فصدقيني هي أفضل هدية يمكن لفنان أن يتلقاها».
وفي ألبومها الجديد «سيكوانا» تقدم مروحة من الأغاني المنوعة كالروك والكاونتري والموسيقى الصحراوية والشعبية. ومن أصل 11 أغنية يتضمنها الألبوم كتبت 9 منها وتعاونت فيه مع المنتج العالمي جاستن آدامز. فهل تتفاعل أكثر مع الأغاني التي تكتبها؟ توضح ماسي لـ«الشرق الأوسط»: «كتبت 9 من أغنياتي ولحنت 10 منها. وكي أكون صريحة معك فأنا أتفاعل بالطريقة نفسها مع الأغاني التي أقدمها إذا كانت من تأليفي أو العكس. فالأغاني التي أكتبها هي موضوعات اخترتها وتحدثت بها مع المؤلف. أحب هذه الحرية التي أتمتع بها في اختيار موضوعات أغاني وألحانها». وعن المعنى الذي يحمله عنوان ألبومها «سيكوانا» تقول: «يرتبط بملكة وآلهة نهر السين الفرنسي، ويرمز إلى الشفاء في أساطير الغال. وألبومي يتحدث عن شرور عالمنا الحديث وتجريد مجتمعاتنا من إنسانيتها وكأننا نعيش في زمن مريض. لذلك أتمنى أن نشفى من هذا اللهاث وراء المادة ونسياننا البشرية».
وعن كيفية اختيارها لأغانيها تقول: «قبل أن أصبح فنانة كنت مواطنة تعيش حياة عادية مثل أي شخص آخر. وفي المقابل كنت أشعر بحساسية شديدة لما يحيط بي كل يوم. إلهامي في اختيار أغنياتي ينبع من هناك. لهذا السبب أكتب أولاً قبل تأليف الموسيقى، ولكن بمجرد وضع كلمات الأغاني، أعمل على الموسيقى التي تقولب الكلمات واللحن، وأحياناً أسمح لنفسي بفعل أشياء مختلفة وهي أن أغني موضوعاً حزيناً بلحن سعيد، وهي طريقة اعتمدها للإشارة إلى أن الأمل موجود دائماً».
وعن الكلمة التي تحب التوجه بها إلى المرأة العربية تقول: «موضوع المرأة العربية بحد ذاته يثير فيّ مشاعر مختلطة. وبرأي المطلوب منها أن تتشبث في شق طريقها كي تنجز ما تصبو إليه. وللوصول إلى هذه النتيجة عليها أن تتعلم. فالدراسة هي السلاح الأقوى الذي من خلاله يمكنها أن تواجه أي مشكلة تعتريها. وإذا رغبت بغد مشرق فلتطلب العلم والمعرفة وتسعى إليهما».
وتختم لـ«الشرق الأوسط» حديثها مع سعاد ماسي الأم. وتسألها عن القيم والمبادئ التي تزرعها اليوم خلال تربيتها لبناتها كي يصبحن نساء صلبات في المستقبل فترد: «أشدد في تربية بناتي على ضرورة التعامل مع الناس بصدق واحترام وتسامح. فأنا وكغيري من الأمهات لدي عيوبي ومحاسني. وأحاول دائماً أن أتحاور وأتناقش معهن كي نؤسس معاً لرابط قوي يولد عندهن استيعاب الآخر وتفهمه».



البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
TT

البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)

خفّضت البنوك المركزية الأجنبية حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012، وفق ما كشفت عنه صحيفة «فاينانشال تايمز». وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الدول لبيع هذه الأصول السيادية لدعم اقتصاداتها وحماية عملاتها المحلية من الانهيار في أعقاب اندلاع الحرب على إيران.

وأظهرت بيانات «الاحتياطي الفيدرالي» أن قيمة السندات التي تحتفظ بها المؤسسات الرسمية الدولية -وهي مجموعة تضم بشكل أساسي البنوك المركزية والحكومات- تراجعت بمقدار 82 مليار دولار منذ 25 فبراير (شباط) الماضي، لتستقر عند 2.7 تريليون دولار. ويعكس هذا التراجع الحاد، الذي حدث خلال شهر واحد فقط منذ بدء الحرب، حجم الاضطراب الذي أصاب الموارد المالية للدول المعتمدة على استيراد النفط، نتيجة لقفزة أسعار الطاقة التي أشعلها إغلاق إيران مضيق هرمز الحيوي.

فاتورة الطاقة والتدخل في العملات

أدى الارتفاع الكبير في أسعار النفط وصعود الدولار على نطاق واسع إلى وضع البنوك المركزية أمام خيار وحيد: التدخل في أسواق الصرف الأجنبي لدعم عملاتها، وهي عملية تتطلّب عادةً تسييل السندات الأميركية للحصول على السيولة الدولارية. وقالت استراتيجية الأسعار الأميركية في «بنك أوف أميركا»، ميغان سويبر: «القطاع الرسمي الأجنبي يبيع سندات الخزانة بشكل مكثف».

من جانبه، أوضح الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية، براد سيتسر، أن مستوردي النفط مثل تركيا والهند وتايلاند هم على الأرجح في طليعة البائعين، حيث يضطرون إلى دفع مبالغ أكبر مقابل النفط المقوم بالدولار. وتُظهر البيانات الرسمية أن البنك المركزي التركي وحده باع 22 مليار دولار من الأوراق المالية الحكومية الأجنبية من احتياطياته منذ 27 فبراير، وهو اليوم الذي سبق الهجمات على إيران، ويُعتقد أن جزءاً كبيراً من هذه المبيعات كان من سندات الخزانة الأميركية.

تحصين «خزائن الحرب»

يرى محللون أن هذه الدول لا ترغب في رؤية عملاتها تضعف أكثر، لأن ذلك يرفع السعر المحلي للنفط، مما يفرض إما زيادة الدعم الحكومي وإما إلحاق ضرر بالغ بالأسر. وفي هذا السياق، رأى كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «آيغون» لإدارة الأصول، ستيفن جونز، أن البيانات تشير إلى قيام الجهات الرسمية الأجنبية بـ«تحصين خزائن الحرب» من خلال تسييل السندات للحصول على نقد عاجل لمواجهة التقلبات.

وعلى الرغم من أن بعض المحللين أشاروا إلى أن هذه الحيازات قد تكون انتقلت إلى وسطاء آخرين خارج «فيدرالي نيويورك»، فإن ميغان سويبر أكدت أن حجم المبيعات المسجل يظل لافتاً، خصوصاً أن سوق سندات الخزانة تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2012، وهو العام الذي شهد آخر مرة مستويات مماثلة من البيع.

ضغوط إضافية على السوق الأميركية

تأتي مبيعات البنوك المركزية في وقت حساس تعاني فيه سوق السندات الأميركية أصلاً من ضغوط بيعية، حيث يتخوّف المتداولون من أن يؤدي صراع الشرق الأوسط إلى تأجيج التضخم عالمياً. وقد دفع هذا الضغط العوائد على السندات لأجل عامين و10 أعوام إلى الارتفاع خلال هذا الشهر بأكبر وتيرة لها منذ عام 2024، مما رفع تكاليف الاقتراض ليس فقط للحكومة الأميركية، بل للشركات والأسر أيضاً.

وتختتم «فاينانشال تايمز» تقريرها بالإشارة إلى أن هذه الحركة تعكس قصة أكبر بدأت تتشكل في السنوات الأخيرة، وهي سعي مديري الاحتياطيات الأجنبية والحسابات الرسمية إلى تنويع أصولهم بعيداً عن سندات الخزانة الأميركية، مما يجعل المستثمرين القطاع الخاص الأجنبي يلعب دوراً متزايد الأهمية في هذه السوق التي تعد الأكبر والأعمق في العالم بقيمة 30 تريليون دولار.


«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
TT

«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

في تقييم هو الأكثر قتامة منذ اندلاع المواجهات العسكرية في المنطقة، حذَّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، الذي يدخل أسبوعه الخامس، يضع المسار التنموي للمنطقة العربية في مواجهة مخاطر غير مسبوقة. فبحسب تقديرات حديثة صادرة عن البرنامج، لن تقتصر التداعيات العسكرية على مناطق النزاع المباشر، بل ستمتد لتمحو مكاسب تنموية تحققت بشق الأنفس، مهددة بابتلاع إجمالي النمو الذي حققته المنطقة في عام 2025 بالكامل. وتُشير هذه التقديرات إلى أن التصعيد قد يُكبّد اقتصادات المنطقة العربية خسائر هائلة تتراوح قيمتها بين 120 مليار دولار و194 ملياراً، ما يعادل خسارة بنسبة 3.7 في المائة إلى 6.0 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي الجماعي.

هذا النزيف المالي يصاحبه ارتفاع حاد في معدلات البطالة يناهز 4 نقاط مئوية، ما يترجم فعلياً إلى فقدان 3.6 مليون وظيفة؛ وهو عدد يفوق إجمالي الوظائف التي استحدثتها المنطقة العربية خلال عام 2025 بأكمله.

وكشف تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بعنوان «التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية»، عن واقع مقلق لنقاط الضعف الهيكلية التي تتسم بها المنطقة؛ حيث إن تصعيداً عسكرياً قصير الأمد يمكن أن يُحدث تداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة وواسعة النطاق، قد يستمر تأثيرها على المدى الطويل.

عائلة تجلس أمام حوض بناء السفن في خورفكان بإمارة الشارقة قبالة ساحل خليج عُمان (أ.ف.ب)

شرايين الطاقة المختنقة

يحلل التقييم الفني أثر النزاع العسكري على حركة الملاحة الإقليمية، معتبراً أن اضطراب الممرات البحرية الحيوية يمثل «قناة الانتقال الرئيسية» للأزمة الاقتصادية. ويأتي مضيق هرمز كأبرز نقاط الاختناق، حيث يشير التقرير إلى أن المضيق - الذي يعبر من خلاله 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية - قد دخل حالة «إغلاق فعلي»، مما خلق صدمة هيكلية عطلت تدفقات الطاقة والسلع الأساسية، ودفع أسعار النفط لقفزات قياسية غير مسبوقة منذ عقود.

ووفقاً لنماذج المحاكاة التي اعتمدها التقرير في سيناريو «الاضطراب الشديد المصحوب بصدمة الطاقة»، فإن استمرار إغلاق أو تعثر هذه الممرات المائية الحيوية سيؤدي إلى قفزة جنونية في التكاليف التجارية تصل إلى 100 ضعف. هذا الشلل اللوجيستي أجبر الموردين على إعادة توجيه مسارات الشحن بعيداً عن مناطق النزاع، مما أدَّى لتقليص هوامش الربح في القطاعات الإنتاجية.

وحذَّر البرنامج من أنَّ هذا التعطُّل بات يهدد بشكل مباشر الأمن الغذائي الإقليمي وسلاسل إمداد الأدوية، خاصة في الدول التي تعتمد كلياً على الاستيراد عبر هذه الممرات المضطربة.

مبنى تضرر جراء هجوم بطائرة إيرانية مسيَّرة في المنامة البحرين (رويترز)

الخليج ومنطقة المشرق في مواجهة الصدمة

تُبرز النتائج أن التداعيات ليست متجانسة، بل تتفاوت بشكل ملحوظ عبر أرجاء المنطقة نظراً للخصائص الهيكلية التي تتسم بها مناطقها الفرعية الرئيسية. وتشير التقديرات إلى أن أكبر الخسائر على مستوى الاقتصاد الكلي تتركز في منطقتي مجلس التعاون الخليجي ومنطقة المشرق.

وفيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، تشير محاكاة السيناريوهات الأكثر حدة إلى احتمال فقدان ما بين 5.2 في المائة إلى 8.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبناءً على هذه النماذج التقديرية، حذَّر التقرير من خطر فقدان ما يصل إلى 3.1 مليون وظيفة، بسبب توقف الإنتاجية في حال استمرار التصعيد العسكري.

أما في منطقة المشرق (لبنان، والأردن، والعراق، وسوريا)، فإن الأثر يتجاوز الأرقام ليصبح كارثة إنسانية بامتياز. إذ أشار التقييم إلى أن هذه المنطقة هي بؤرة الفقر الجديدة، حيث سيُدفع ما بين 2.85 و3.30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 75 في المائة من إجمالي الزيادة في الفقر على مستوى المنطقة العربية ككل.

وفي لبنان، يحذِّر برنامج الأمم المتحدة في تقييمه من «انهيار صامت» يطال اللاجئين والنازحين مع انقطاع سلاسل الإغاثة، وتزايد الضغوط على قطاعات التعليم والصحة التي باتت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات.

متطوعون في مبادرة «مطبخ الطوارئ» يعدون وجبات طعام للنازحين في لبنان (أ.ف.ب)

العودة إلى الوراء

على امتداد المنطقة، يُتوقع أن يتراجع مستوى التنمية البشرية - كما يقيسه مؤشر التنمية البشرية - بنسبة تتراوح تقريباً بين 0.2 و0.4 في المائة، وهو ما يعادل انتكاسة تعادل نحو نصف عام إلى عام كامل تقريباً من التقدم المحرز في مجال التنمية البشرية.

مخاطر الاستقرار النقدي

حذَّر التقييم الفني من أن استمرار الأزمة يضع الاستقرار النقدي في المنطقة العربية على المحك. وأشار إلى أن الضغوط المتزايدة على العملات المحلية في دول المشرق وشمال أفريقيا قد تضطر المصارف المركزية - في حال تفاقم التضخم المستورد - إلى اللجوء لخيارات صعبة، منها رفع أسعار الفائدة. وينبه إلى أن هذا المسار، رغم كونه أداة لمواجهة التضخم، سيزيد من أعباء خدمة الديون السيادية، مما قد يقلِّص مستقبلاً قدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامة الأساسية والبرامج التنموية.

نزيف الأجواء

سجَّل التقييم اضطراباً حادَّاً في قطاع الطيران المدني واللوجيستيات الجوية، حيث أدَّى إغلاق بعض الأجواء وتحويل مسارات الرحلات بعيداً عن مناطق النزاع إلى قفزة في تكاليف التشغيل. وأكَّد التقرير أن هذه التعقيدات تسببت في نزيف حاد لقطاع السياحة الإقليمي، الذي يمثل ركيزة أساسية لتنويع الدخل في دول مثل الأردن ومصر ودول الخليج، مما يهدِّد بفقدان آلاف الوظائف في هذا القطاع الحيوي.

كرسي فارغ بجوار لوحة مغادرة تُظهر إلغاء رحلة تابعة للخطوط الجوية الكويتية (رويترز)

ضرورة تغيير السياسات الاستراتيجية

وفي تقديمه للتقييم، قال الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري: «هذه الأزمة تدق أجراس الإنذار لدول المنطقة لكي تعيد تقييم خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بالسياسات المالية والقطاعية والاجتماعية بشكل جذري؛ إذ تُمثّل نقطة تحولٍ مهمة في المسار التنموي للمنطقة». وأضاف: «تُبرز النتائج التي توصلنا إليها الحاجة المُلحة إلى تعزيز التعاون الإقليمي لتنويع الاقتصادات - بما يتجاوز الاعتماد على النمو القائم على إنتاج المحروقات - وكذلك توسيع القواعد الإنتاجية، وتأمين النظم التجارية واللوجيستية، وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، وذلك للحد من التعرض للصدمات والنزاعات».


«دراية المالية» الوسيط المالي الأكبر في السعودية

«دراية المالية» الوسيط المالي الأكبر في السعودية
TT

«دراية المالية» الوسيط المالي الأكبر في السعودية

«دراية المالية» الوسيط المالي الأكبر في السعودية

تصدرت شركة «دراية المالية» مؤسسات السوق المالية في السعودية من حيث إجمالي قيم التداولات المحلية والأجنبية خلال عام 2025، بإجمالي تجاوز 446 مليار ريال، وفقاً للبيانات الصادرة عن هيئة السوق المالية.

وسجّلت الشركة نحو 298 مليار ريال في تداولات الأسواق الأجنبية، وأكثر من 149 مليار ريال في السوق المحلية، لتتبوأ بذلك المركز الأول بحصة سوقية بلغت 13 في المائة من إجمالي التداولات.

ويعكس هذا الأداء نمو نشاط الشركة في تعاملات الأسواق الأجنبية، واستمرار توسُّعها في تقديم خدمات الوساطة، وتوفير الوصول إلى الأسواق المحلية، والعالمية.

وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة «دراية المالية» محمد الشماسي أن تصدّر الشركة لإجمالي قيم التداولات خلال عام 2025 يأتي امتداداً لثقة العملاء بمنصاتها، وخدماتها، ويجسّد فاعلية الاستراتيجية التي تنتهجها الشركة في تطوير خدمات التداول، وتعزيز بنيتها التقنية، وتوسيع نطاق الوصول إلى مختلف الأسواق.

وأضاف الشماسي: «يمثل تحقيق هذا الإنجاز تأكيداً على ريادة (دراية) في نشاط الوساطة المالية في المملكة. ونحن ملتزمون بالاستمرار في تطوير حلولنا الاستثمارية، وتوسيع نطاق خدماتنا بما يتماشى مع تطلّعات المستثمرين في المملكة، مع التركيز على تقديم تجربة تداول متقدمة مدعومة بأفضل الأدوات التقنية، والتحليلية، بما يعزز قدرتنا على دعم عملائنا، وتمكينهم من الوصول بكفاءة إلى الفرص الاستثمارية في الأسواق المحلية، والعالمية».

ومن المتوقع أن تواصل «دراية المالية» ريادتها في قطاع الوساطة خلال عام 2026؛ وذلك بفضل حزمة من المبادرات الاستراتيجية التي أطلقتها الشركة مؤخراً لتعزيز تجربة المستثمرين، من أبرزها إتاحة التداول دون عمولة في سوق الأسهم السعودية، امتداداً لتجربتها الناجحة في السوق الأميركية، بما يسهم في خفض التكاليف، وزيادة جاذبية المنصة.

كما عززت الشركة بنيتها التقنية بإطلاق خدمات إيداع فوري عبر (Apple Pay) والبطاقات البنكية؛ وإتاحة تطبيق موحد للتداول في السوقين السعودية، والأميركية بكل سلاسة.

وتعَد «دراية المالية» واحدة من أبرز المؤسسات المتخصصة في تقديم الخدمات المالية، والتداول، وإدارة الصناديق الاستثمارية في المملكة؛ حيث تمتلك خبرات مالية واسعة، واستراتيجيات استثمار مدروسة، وتعمل على تحقيق أفضل عوائد ممكنة للمستثمرين، مع إدارة المخاطر بفاعلية، وتتميز بتقديم تجربة تداول مميزة، وحلول استثمارية مبتكرة لعملائها؛ مما يجعلها واحدة من أبرز الخيارات المفضلة للمستثمرين في السوق السعودية.