«تسريب وغش إلكتروني» بامتحانات مصر... أزمة شائكة تحاصر التعليم

الوزير يعترف بتشعبها... و«تلغرام» كلمة سر لتخطي التأمين

طالبات خلال أداء امتحانات الثانوية العامة في مصر (أرشيفية - رويترز)
طالبات خلال أداء امتحانات الثانوية العامة في مصر (أرشيفية - رويترز)
TT

«تسريب وغش إلكتروني» بامتحانات مصر... أزمة شائكة تحاصر التعليم

طالبات خلال أداء امتحانات الثانوية العامة في مصر (أرشيفية - رويترز)
طالبات خلال أداء امتحانات الثانوية العامة في مصر (أرشيفية - رويترز)

رغم إعلان السلطات المصرية أخيراً تعقب بعض مجموعات «الغش الإلكترونية» على تطبيق «تلغرام» وإغلاقها، والقبض على بعض مسؤوليها، وتأكيد وزارة التربية والتعليم على تحجيم الظاهرة؛ فإن ثمة مجموعات جديدة بأسماء متعددة تدّعي «مساعدة الطلاب»، تواصل ما بدأته القديمة، وتمارس الغش، بتشجيع من بعض أولياء الأمور، الذين يكيلون المديح للقائمين على هذه المجموعات السرية.
وانطلق ماراثون امتحانات الثانوية العامة في مصر، في 20 يونيو (حزيران) الماضي فيما يبلغ عدد الطلاب بهذه المرحلة للعام الحالي نحو 708 آلاف طالب وطالبة في الشعبتين العلمية والأدبية.
وتنقسم عمليات التحايل بالمخالفة للوائح والقوانين المنظمة للامتحانات في مصر إلى مستويين، إذ تبدأ بنشر وتسريب «الأسئلة» عبر مسارات إلكترونية، ليلتقطها القائمون على تلك المجموعات أو التطبيقات، لتبدأ المرحلة الثانية المتمثلة في «الغش» عبر تقديم الإجابات ونشرها لتصل إلى عدد كبير من الطلبة، وذلك في إطار من السرعة.
ومع الاعتماد أخيراً على «التسريب الإلكتروني»، فإن ذلك لم يمنع الغش في الواقع، حيث تم تداول أسئلة مادة الفيزياء بتاريخ 14 يوليو (تموز) 2022. في نفس موعد الامتحان من داخل سيارة تقف خارج إحدى لجان الامتحان، وهي الواقعة التي شغلت كيفية حدوثها جانباً من اهتمام المصريين.

واعترف وزير التربية والتعليم المصري أخيراً، بوجود الظاهرة، مشيراً إلى أن «القضية يقف خلفها أطراف كثيرة بالمجتمع»، منتقداً ما وصفه بـ«المحاولات المستميتة لتشويه صورة الامتحانات المصرية».
وبينما يؤكد مسؤولو وزارة التربية والتعليم، أن «فريق مكافحة الغش الإلكتروني» يتتبع لحظياً جميع صفحات لإغلاقها وإبلاغ الجهات الأمنية لضبط القائمين عليها، فإن خبراء يرون صعوبة تحقيق ذلك.
على مدار أسابيع، تتبعت «الشرق الأوسط» ما يدور في عالم الغش الافتراضي، وكيف تدور وقائعه، والتفاعل عليه، إذ تعقب مُعد التحقيق مع انطلاق ماراثون (امتحانات الثانوية العامة 2021 - 2022)، محاولات الغش في عدد من المجموعات على تطبيق «تلغرام»، كما انضم بالفعل إلى 3 منها تحمل أسماء: «شاومينج - shawming”، «الكنترول تسريب امتحانات»، «تسريب ثانوية عامة قبل اللجنة»، و«كان المحرك لنا في بدء التتبع رسالة أرسلت مع بدء امتحانات المواد الدراسية غير المضافة للمجموع على أبرز مجموعات الغش (شاومينج)، على لسان أدمن (مدير) المجموعة»، جاء نصها: «لم نترككم في الأيام الماضية فكيف نترككم في الأيام العجاف... ذاكر أنت... وسيب الباقي علينا... مش هنتأخر».
تعج هذه المجموعات بآلاف المشتركين، وصل العدد في «شاومينج» وحدها إلى 250 ألف مشترك بعد نحو أسبوعين من بدء الامتحانات، مدفوعين إلى ذلك بتمكن المجموعة من تسريب بعض أوراق الأسئلة عليها، وهو ما جاء صريحاً بتأكيد القائمين عليها نجاح عملية تسريب الامتحانات، قائلين في تحدٍ جديد: «ما زالت خطة تسريب امتحانات الثانوية العامة مفاجئة لم يعلن عنها شاومينج حتى الآن».
وبدأت «شاومينج» قبل عدة سنوات، نشاطها بمجموعة «شاومينج بيغشش الثانوية العامة» على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، لتصبح هي أشهر صفحات الغش الإلكتروني خلال السنوات الماضية. و«شاومينج» كلمة صينية مركبة وتعني البحث مع التصوير أو النسخ خلسة أي بشكل سري.

وجاء انتقال المجموعة وغيرها من مجموعات الغش إلى «تلغرام»، بعد أن أطلّت من قبل عبر «فيسبوك» و«واتساب»، لكي تحمل مزيداً من الأمان لنفسها، وكذلك كنوع من التحدي التقني بتصعيب عملية تعقبها، بحسب المتخصص في الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي بمصر محمد فتحي.
يقول فتحي لـ«الشرق الأوسط»: «يبحث من يقومون بالتسريب عن طرق التواصل الآمنة للتسريب، أو أدوات اتصال غير معروفة، وهنا يأتي (تلغرام) مناسباً لأغراضهم، فهي وسيلة يصعب تعقبها لأنه تطبيق مفتوح المصدر، فإذا كانت الجهات الرقابية يمكنها مخاطبة الجهات المالكة لوسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، لوقف المجموعات التي تقوم بالتسريب، فإنها لا تستطيع ذلك في (تلغرام)».
ورصدت «الشرق الأوسط» مطالبة أصحاب هذه المجموعات من الراغبين في الانضمام إليها إرسال روابط مجموعات فرعية سرية إلى 100 عضو (طالب) آخرين، مع تأكيد الانضمام إلى صفحة المجموعة على موقع «يوتيوب» وإرسال صورة للشاشة (إسكرين) تأكيداً لذلك ولضمان أكبر عدد من المشتركين، وهي المجموعات التي تعِد بنشر الإجابات كاملة وفق ما يروج على المجموعات الأصلية.
ومع انطلاق امتحانات المواد الدراسية الأساسية بمادة اللغة العربية بدأ «الغش الإلكتروني»، وهو عبارة عن نشر الإجابات بعد بدء الامتحان مباشرة، حيث يحرض مسؤول الصفحة الطلاب أعضاء المجموعة على تصوّير الامتحان صورة واضحة وإرسالها، مع طمأنتهم بإخفاء كود الورقة الامتحانية، حيث قال مسؤول «شاومينج» في رسالته: «صور الامتحان صور واضحة، إرمي الورقة تحت الديسك أو على حسب ما تعرف، وافتح الفون وصوّر، وابعت ما تقلقش هانخفي الكود بتاعك، بس يا ريت صور واضحة علشان نعرف نحل».
ولقي هذا التحريض استجابة فورية، وفق ما رصدته «الشرق الأوسط» في امتحانات (الكيمياء، الجغرافيا، اللغة الفرنسية)، حيث تم تداول أسئلة الامتحان من داخل اللجان بعد دقائق من بدء موعد الامتحان، وإرسالها على المجموعات الفرعية، وبعد دقائق تم نشرها على المجموعة العامة أو الفرعية مزودة بالإجابات مع إخفاء كود الورقة، حيث تعقد جميع الامتحانات بنظام «البابل شيت» (اختيار من متعدد، ولا تحتوي على أي أسئلة مقالية).
وفي تحدٍ لافت لتأكيدات وزير التعليم قبيل انطلاق الامتحانات بأنه «لم ولن يحدث تسريب لأي من امتحانات الثانوية العامة 2022 لأنها كلها مؤمنة تأميناً كاملاً من جانب الجهات المعنية»، مطالباً وسائل الإعلام بحذف كلمة «تسريب» من القاموس، تمكنت المجموعات من تسريب بعض الامتحانات، في بداية الماراثون، بالإضافة إلى ممارسة الغش الإلكتروني مع مواد عدة لاحقة، مما دعا الوزير إلى الاعتراف باستمرار الواقعة، خصوصاً عقب واقعة تسريب الأسئلة «من داخل سيارة»، إذ أعلن ضبط المتسببين والتحقيق معهم بمساعدة الأجهزة الأمنية، وأكد: «استطعنا تقليص هذه الظاهرة (الغش) بشكل هائل، والتي لم تتجاوز 10 محاولات (داخل اللجان) منذ بدء الامتحانات وهذا إنجاز رائع بجميع المقاييس». على حد تعبيره.
لكن مسؤول إحدى مجموعات الغش على «تلغرام»، أرسل رسالة عقب انتهاء امتحان إحدى المواد قال فيها «تم تقفيل الامتحان والتضبيط بنجاح»، لتأتي ردود الطلاب وأولياء أمورهم - المُحوّلة من المجموعات الفرعية - بالكلمات المكتوبة والرسائل الصوتية على شاكلة: «بجد شكراً جداً جداً... ما قصرت في شيء ربنا يكرمك... مع إن كلمة شكراً قليلة في حقك»، «بجد شكراً حل مضبوط ومصداقية وكفاية مجهودكم والله»، «ولا ألف رسالة شكر توفي حقكم إنكم بتساعدوا أولادنا في ظل الظروف الصعبة اللي عملتها الوزارة... ربنا يجعله في ميزان حسناتك».
وتتعدد دوافع مسؤولي مجموعات الغش، بحسب فتحي: «بعض هذه المجموعات هدفها الربح عبر الانتشار إلكترونياً بزيادة عدد المتابعين، وآخرون يهدفون فقط لمساعدة الطلاب بالفعل، وحتى لو كان ذلك بالمخالفة، وأطراف أخرى يكون هدفهم فقط محاولة مضايقة مسؤولي التعليم، وهو ما رأيناه من كلماتهم التي تتحدى وزير التعليم وتأكيدهم فشل منظومته، وهناك من يأخذها وسيلة للنصب والكسب المادي السريع غير المشروع».
وتحلل الدكتورة إنشاد عز الدين، أستاذة علم الاجتماع، هذه الرسائل قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «تلك الرسائل تحمل ازدواجية يعيشها أصحابها، فهم يتوجهون بالدعاء بأن يكون الغش المحرم دينياً في ميزان حسنات هؤلاء الغشاشين، فكيف ذلك؟، فهذا السلوك المزدوج سلوك معاكس ومناقض ناتج عن خلل في المفاهيم والتنشئة، وهو ادعاء ينافي الحقيقة، وبالتالي فإن تفشي هذه الازدواجية هي مؤشر لظهور الغش بأنواعه المختلفة».
وترى إنشاد عز الدين، أن انتشار مثل هذه المجموعات والقائمين عليها يعد انعكاساً لظروف المجتمع الراهنة وفروق فردية بين أفراده، فليس كل الطلاب على نفس الدرجة من العلم والاستيعاب والذكاء، وبالتالي نرى فئة منهم تتلذذ بأن تأخذ ما ليس لها».
وتمكنت وزارة الاتصالات المصرية، بالتعاون مع فريق مكافحة الغش الإلكتروني بوزارة التعليم، والجهات الأمنية، منذ أيام قليلة من إغلاق عدد من مجموعات الغش الإلكتروني على «تلغرام». وهو ما تأكدت منه «الشرق الأوسط» أخيراً، عند محاولتها الدخول إلى إحداها، حيث وجدت رسالة نصها «هذه المجموعة غير متاحة بسبب نشرها محتوى ينتهك حقوق الملكية».
وقد تزامن مع بدء امتحانات الثانوية العامة، إعلان وزارة الداخلية المصرية ضبط أحد الأشخاص لقيامه بإنشاء وإدارة قناة على موقع التواصل الاجتماعي «تلغرام» لنشر الأسئلة والادعاء بكونها أسئلة امتحانات ثانوية عامة، بالاشتراك مع نجل شقيقه، وبحوزتهما هواتف محمولة تستخدم في نشاطهما الإجرامي. كما ألقي القبض على طالب لقيامه بنشر مشاركات عبر «فيسبوك» تتضمن قدرته على تسريب امتحانات الثانوية العامة، وبمواجهته أقر بارتكابه الواقعة بقصد النصب على متابعيه والتحصل منهم على مبالغ مالية.
وينص القانون المصري على توقيع عقوبات رادعة على من يروج لهذه الظاهرة، حيث ينص على الحبس والغرامة والحرمان من الامتحان لكل من روّج ونشر صوراً من امتحانات الثانوية العامة على أي من وسائل التواصل الاجتماعي.
ورغم هذه الجهود، فإن ثمة مجموعات أخرى ما تزال تنشط في مجال الغش الإلكتروني، ويصعب السيطرة عليها جميعاً بحسب خبراء.
وهو ما أيده وزير التعليم المصري في منشور له عبر حسابه على «فيسبوك» تحت عنوان «رأي صريح في قضية شائكة»: «الغش مسؤولية مجتمع بأسره وليس وزارة أو حكومة أو جهاز أمني... ليحاسب كل ولي أمر نفسه بصدق ويقرر ما إذا كان الأولاد ينجحون بمجهودهم وعن استحقاق في كل مراحل التعليم أم بوسائل أخرى؟».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


الجزائر تحتفل بذكرى اتفاقات الاستقلال بـ«نكهة» تجريم الاستعمار

من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر تحتفل بذكرى اتفاقات الاستقلال بـ«نكهة» تجريم الاستعمار

من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والفرنسي (الرئاسة الجزائرية)
من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

احتفلت الجزائر، اليوم (الخميس)، بمرور 64 سنة على بدء تنفيذ «اتفاقات إيفيان»، التي وضعت حداً لـ132 عاماً من الاحتلال الفرنسي (1830 - 1962). ويأتي هذا الاحتفال في وقت تمرُّ فيه العلاقات مع مستعمر الأمس بامتحان في غاية التعقيد، وسط محاولات متعثرة للخروج من أزمة حادة خيَّمت على الروابط الثنائية منذ أشهر طويلة.

النواب الجزائريون خلال التصويت على قانون تجريم الاستعمار في 24 ديسمبر الماضي «البرلمان»

وزاد من صعوبة المشهد التوجُّه نحو سنِّ نسخة قوية من «قانون الاستعمار» في الجزائر، التي تضمَّنت في مسوداتها الأولى مواد حادة ضد الطرف الآخر، قبل أن يتم التراجع عن كثير منها في النسخة النهائية؛ ما يعكس، حسب ملاحظين، «صعوبةً بالغةً في تجاوز آلام الماضي، وفشل محاولات بناء روابط طبيعية طوال العقود الستة الماضية».

يُخصص هذا اليوم في الجزائر «عيداً للنصر»، الذي يوافق 19 مارس (آذار) 1962 كتاريخٍ لانتهاء المفاوضات حول الاستقلال بين ممثلي «الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية»، ووفد عن الحكومة الفرنسية.

وفد الحكومة المؤقتة الجزائرية قبيل انطلاق مفاوضات وقف إطلاق النار (أرشيفية)

وفي هذه المناسبة، أكد الرئيس عبد المجيد تبون، في خطاب مكتوب نشرته الرئاسة، أن الاستقلال «سُقي بأنهار من الدماء»، منتقداً «الوجه القبيح للاستعمار»، ومذكِّراً بتضحيات الشعب الجزائري لاسترجاع حريته. وأبرز أن «جيل اليوم يواصل ملاحم الرعيل الأول عبر معركة البناء والتشييد»، ومتعهداً بـ«الوفاء لوديعة الشهداء والتمسُّك برسالتهم الوطنية».

وأوضح تبون أن الهيمنة الاستعمارية على بلاده أبرزت «وجه الاستعمار الاستيطاني الظالم، الخالي من كل القيم الإنسانية، المنغمس في القتل والتدمير والنهب، والمُجسِّد لأبشع مظاهر العدوان والهمجية. لكن في النهاية هذا الاستعمار نفسه ارتجف وتزعزع أمام قوة الحق وأمام سنن الكون، التي أنصفت عبر التاريخ طالبي الحرية، التي جعلها الله أساس الإنسانية».

وشدَّد تبون على أن «ذكرى الثورة المجيدة لا تُمحى أبداً... ثورة قادها أبطال آمنوا إما بحياة حرة كريمة، أو بموت في سبيل الشهادة، واحتضنها شعب متمسِّك بجذوره في أرضه وغيور على هويته». كما أشاد بـ«انخراط الشعب في الكفاح المسلح منذ أول نوفمبر (تشرين الثاني) 1954 إلى غاية انتزاع النصر بعد مآسٍ ودمار في كل مكان، وأرض محروقة ونهب ممنهج».

وفد الحكومة الفرنسية في مفاوضات استقلال الجزائر (صحف فرنسية)

وبحسب تبون تواجه الجزائر حالياً تحديات مرتبطة بـ«بناء صمودها الاقتصادي، وتعزيز حصون سيادتها في سياق إقليمي ودولي غير مستقر»، موضحاً أنها «رسمت طريقها وجعلت من بين أولوياتها تعزيز قدرات الاقتصاد الوطني عبر إنجازات كبرى مهيكلة ومتكاملة، في إطار مشروع تنموي استراتيجي طموح ومتعدد الأبعاد»، مشيراً إلى أنه «مشروع يتجسَّد على أرض الواقع بفضل إرادات وطنية صادقة وجهود متضافرة، حريصة على الحفاظ على مصالح الدولة وخدمة الشعب، تؤمن بجزائر منتصرة بمشاركة الجميع، وتتحقَّق فيها آمال الجزائريات والجزائريين».

احتفالات في العاصمة

أشرف على تنظيم الاحتفالات وزير المجاهدين عبد المالك تاشريفت، ووالي الجزائر العاصمة عبد النور رابحي، إلى جانب مجاهدين ومسؤولين مدنيين وعسكريين، حيث تمَّ رفع العلم ووضع أكاليل الزهور على النصب التذكاري للشهداء بوسط المدينة. وأكد الوزير في كلمة أن المناسبة «تجسيد للوفاء لتضحيات الشهداء»، مشدداً على مواصلة مسار البناء وترسيخ مكاسب الاستقلال. كما دعا إلى «الحفاظ على وحدة الوطن والعمل الجماعي لخدمة الجزائر»، مع التأكيد على «دور جيل الاستقلال في بناء دولة قوية».

من احتفالات عيد النصر بالجزائر العاصمة (وزارة المجاهدين)

يذكر أن «اتفاقات إيفيان»، التي جرت بسويسرا، أنهت حرباً شرسةً بين جيش التحرير الوطني والقوات الاستعمارية استمرت 7 سنوات (1954-1962)، وأسفرت عن سقوط نحو 1.5 مليون شهيد جزائري، إضافة إلى آلاف الضحايا من الجانب الفرنسي، وخلَّفت جراحاً عميقة لا تزال آثارها قائمةً.

وشملت الاتفاقات، إلى جانب وقف القتال، تنظيم مرحلة انتقالية لنقل السيادة إلى الجزائر، ورسم ملامح العلاقات المستقبلية بين البلدين. كما نصَّت على نقل السلطة إلى الحكومة الجزائرية بعد الاستقلال، وتنظيم استفتاء شعبي لتأكيده، جرى في 1 يوليو (تموز) 1962، وأُعلنت نتائجه في 5 من الشهر ذاته، حيث صوّت أكثر من 99 في المائة من الجزائريين لصالح الاستقلال.

الوفد الجزائري وهو يستعد لبدء مفاوضات وقف إطلاق النار (أرشيفية)

ومن بين البنود البارزة أيضاً حرية التنقل بين الجزائر وفرنسا، وهو الملف الذي أصبح اليوم من أبرز نقاط الخلاف بين البلدين. فقد تصاعد التوتر في العامين الأخيرين، على خلفية الدعم الفرنسي لخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء، إلى جانب قضايا أخرى مثل الهجرة في إطار «اتفاق 1968»، الذي يُنتقد في فرنسا بوصفه يمنح امتيازات للجزائريين، إضافة إلى ملف الهجرة غير النظامية، حيث تطالب باريس الجزائر باستعادة رعاياها المقيمين بصفة غير قانونية. كما تشمل الخلافات «اتفاق 2007» المتعلق بإعفاء بعض المسؤولين من التأشيرة بين الجانبين.

ويميِّز ذكرى «عيد النصر» هذه السنة إطلاق قانون يخص تجريم الاستعمار جرى تداوله نهاية 2025 بالغرفة البرلمانية السفلى، في وقت شهدت فيه العلاقات مع فرنسا تصعيداً حاداً. ويعد سَنُّه، بحسب قطاع واسع من الملاحظين، بمثابة حلقة من حلقات هذا التوتر، وهو نص تشريعي يهدف أساساً إلى التعامل مع الاستعمار بوصفه «جريمة دولة» وتثبيت ذلك قانونياً، مع توثيق الانتهاكات مثل القتل والتعذيب والتهجير والتجارب النووية (1960 - 1966).

وزير المجاهدين وذوي الحقوق (الوزارة)

وفي صيغته الأولى، كان القانون يتضمَّن مطالب واضحة موجهة لفرنسا، أبرزها تقديم اعتذار رسمي ودفع تعويضات مادية شاملة للضحايا. لكن خلال مناقشته في الغرفة البرلمانية العليا ثم في الصيغة النهائية (مارس 2026)، تم حذف هذين البندين (الاعتذار والتعويض العام) بعد خلافات داخل البرلمان. وفُهم من هذه الخطوة أنَّ الجهات العليا في البلاد هي مَن أمرت بـ«صيغة منقَّحة» للنصِّ؛ للحفاظ على خط الرجعة في العلاقة مع فرنسا.


ما تداعيات حرب إيران على الإشغال السياحي في عيد الفطر بمصر؟

إقبال سياح على زيارة الآثار المصرية أواخر العام الماضي (وزارة السياحة المصرية)
إقبال سياح على زيارة الآثار المصرية أواخر العام الماضي (وزارة السياحة المصرية)
TT

ما تداعيات حرب إيران على الإشغال السياحي في عيد الفطر بمصر؟

إقبال سياح على زيارة الآثار المصرية أواخر العام الماضي (وزارة السياحة المصرية)
إقبال سياح على زيارة الآثار المصرية أواخر العام الماضي (وزارة السياحة المصرية)

بعد أن كانت مصر تتوقع قفزة في معدلات السياحة الوافدة هذا العام، أصبح هناك الآن تخوف من تداعيات الحرب الإيرانية على قطاع السياحة الحيوي، خصوصاً مع قيود على حركة السفر من دول خليجية.

ورغم التطمينات الحكومية، يؤكد خبراء في هذا القطاع على ضرورة التحوط بإجراءات عاجلة لزيادة نسبة السياحة الوافدة أو حتى الحفاظ عليها، مشيرين إلى تأجيل رحلات وإلغاء حجوزات كانت مقررة خلال عطلة عيد الفطر.

وتتوقع الحكومة المصرية تراجع عدد من المؤشرات الاقتصادية الرئيسية بسبب تداعيات الحرب. وناقشت اللجنة الحكومية المركزية لإدارة الأزمات برئاسة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أبرز الانعكاسات الاقتصادية للحرب.

أجانب خلال زيارة أحد المعالم الأثرية في مصر (وزارة السياحة المصرية)

وأشارت الحكومة في إفادة، هذا الأسبوع، إلى «تأثيرات محتملة على معدلات نمو الاقتصاد»، إلى جانب «تأثيرات الأزمة على إمدادات الطاقة، وأسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة العالمية».

رسائل طمأنة

كانت السياحة المصرية قد سجلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي، وحققت نسبة نمو بلغت 21 في المائة بعد استقبال 19 مليون سائح، حسب وزارة السياحة.

وفي الأيام الأولى لحرب إيران، قال وزير السياحة والآثار شريف فتحي إن مصر «آمنة ومستقرة»، وإن التطورات الجيوسياسية في المنطقة لم تؤثر على حركة السياحة الوافدة إليها.

وأكد الوزير، خلال اجتماع للجنة السياحة والطيران المدني بمجلس النواب مطلع الشهر الحالي، أن «المقصد المصري يتمتع بخصوصية وحدود آمنة ومستقلة»، وفق بيان لوزارة السياحة المصرية.

ورغم رسائل الطمأنة التي تبعث بها الحكومة المصرية، يرى الخبير السياحي المصري حسام هزاع ضرورة «التحوط بإجراءات عاجلة؛ لضمان زيادة نسبة السياحة الوافدة في المواسم السياحية المقبلة»، ويقول: «المهم وضع خطة ترويج للمواسم المقبلة، تضمن تحقيق المستهدف من حركة السياحة للبلاد».

يُعدّ قطاع السياحة ركناً أساسياً للاقتصاد المصري ومصدراً مؤثراً في توفير العملة الصعبة وفرص العمل (وزارة السياحة المصرية)

ومع ذلك، فإنه لا يلمس تأثيراً كبيراً للحرب الإيرانية على نسب الإشغال السياحي في موسم رمضان وعيد الفطر، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «غالبية الحجوزات لم تُلغَ، باستثناء بعض الرحلات المرتبطة بخطوط الطيران القادمة من دول الخليج العربي».

وأضاف: «هناك شركات سياحة أجنبية أجَّلت رحلاتها لحين استقرار الأوضاع، ولم تلجأ لخيار الإلغاء».

ويعتقد هزاع أن نسبة التأثير لم تتجاوز 10 في المائة حتى الآن بالنسبة للحجوزات التي كانت مقررة في هذه الفترة، خصوصاً القادمة من السوق الآسيوية، ويشير إلى أن هذه النسبة لم تنعكس بوضوح على مؤشرات الحركة السياحية، لا سيما مع استمرار رحلات السياحة الأوروبية والأميركية، عاداً ذلك أنه يعكس «وضعاً سياحياً آمناً حتى الآن».

شركات السياحة

في المقابل، يرى مستشار وزير السياحة المصري الأسبق والخبير السياحي وليد البطوطي «تأثراً في الإشغالات خلال عيد الفطر بسبب الحرب الإيرانية».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك إلغاءات لرحلات عدّة، خصوصاً التي كانت مرتبطة بخطوط الطيران الخليجية»؛ مشيراً إلى أن توقُّف الملاحة الجوية بسبب الحرب يؤثر على خطط شركات السياحة للسفر واستكمال برامجها.

وحسب البطوطي، فإن جزءاً أساسياً من تأثر حركة السياحة الوافدة كان بسبب البيان التحذيري الصادر عن الخارجية الأميركية للرعايا الأميركيين بالمنطقة من السفر لعدد من الدول - كانت مصر من بينها - في بداية حرب إيران.

ويضيف: «هذا البيان تسبب في إلغاء بعض الحجوزات، رغم صدور بيان لاحق من السفارة الأميركية بالقاهرة يؤكد على أن الوجهة السياحية المصرية آمنة ومستقرة».

ويُعدّ قطاع السياحة ركناً أساسياً للاقتصاد المصري ومصدراً مؤثراً في توفير العملة الصعبة وفرص العمل. وقد ارتفعت إيرادات القطاع السياحي 24 مليار دولار بنسبة 56 في المائة العام الماضي، مقابل 15.3 مليار دولار في عام 2024، وفق وزارة السياحة المصرية.


إعادة فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر

 معبر رفح بين قطاع غزة ومصر (د.ب.أ)
معبر رفح بين قطاع غزة ومصر (د.ب.أ)
TT

إعادة فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر

 معبر رفح بين قطاع غزة ومصر (د.ب.أ)
معبر رفح بين قطاع غزة ومصر (د.ب.أ)

أُعيد فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر، اليوم (الخميس)، بحسب ما أفاد به الإعلام الرسمي المصري ومسؤول في الهلال الأحمر، وذلك لأول مرة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، في 28 فبراير (شباط).

وأفاد مسؤول في الهلال الأحمر المصري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» (طالباً عدم الكشف عن هويته) بأنه أُعيد فتح معبر رفح في الاتجاهين، وسيُسمح للمرضى الفلسطينيين بالعبور إلى مصر، وللفلسطينيين العالقين بالعودة إلى غزة.

وعرضت قناة «القاهرة الإخبارية» المقرّبة من السلطات المصرية لقطات تُظهر عدداً من الفلسطينيين يستعدون للعبور من الجانب المصري إلى غزة، ومن بينهم أشخاص كانوا يتلقون العلاج الطبي في مصر.

كذلك أظهرت لقطات سيارات إسعاف تنتظر استقبال مرضى فلسطينيين قادمين من قطاع غزة.

وأعلنت إسرائيل، في وقت سابق هذا الأسبوع، أنه سيُعاد فتح معبر رفح الأربعاء، لكن ذلك لم يحدث.

وقالت إن الحركة عبر المعبر ستُستأنف بالتنسيق مع مصر، بشرط موافقة أمنية إسرائيلية، وتحت مراقبة بعثة الاتحاد الأوروبي.

وسيخضع القادمون إلى إجراءات تفتيش إضافية داخل غزة، في منطقة يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، بحسب هيئة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات).

وأرسل الاتحاد الأوروبي بعثته للمساعدة الحدودية (يوبام) إلى رفح، مطلع فبراير.

وفُتح المعبر الذي سيطرت عليه القوات الإسرائيلية قبل نحو عامين خلال الحرب مع «حماس»، أمام الأفراد بشكل جزئي ومحدود في الثاني من فبراير. غير أن الدولة العبرية أعادت إغلاقه تزامناً مع الهجوم الذي نفذته مع الولايات المتحدة على إيران في 28 منه.

وأعيد فتح معبر كرم أبو سالم الخاضع لسيطرة إسرائيل بعد أيام، بهدف السماح بدخول محدود للمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الوقود.

وبالنسبة للعديد من أهالي غزة المرضى والجرحى، كان رفح ممراً حيوياً لتلقي الرعاية الطبية في مصر، كما أنه من بين السبل القليلة للم شمل العائلات.

لكن رغم إعادة فتحه، الشهر الماضي، لم يُسمح إلا لعدد قليل من الفلسطينيين بالعبور.

وبحسب ثلاثة من مسؤولي الحدود المصريين، كان الحد الأقصى للدخول إلى مصر 50 مريضاً يُسمح لكل منهم بمرافقَين اثنين كحد أقصى، مع تحديد عدد الأشخاص المسموح بعودتهم إلى غزة بـ50 شخصاً أيضاً.

وأفاد الأشخاص الذين عادوا أثناء فترة إعادة فتح المعبر الوجيزة في فبراير بأنهم خضعوا لإجراءات أمنية مكثّفة وعمليات استجواب.