«خمسون قصيدة» في قبضة حياة صاخبة

مختارات تجسد رحلة حجازي الشعرية لستة وخمسين عاماً

«خمسون قصيدة» في قبضة حياة صاخبة
TT

«خمسون قصيدة» في قبضة حياة صاخبة

«خمسون قصيدة» في قبضة حياة صاخبة

في كتابه «خمسون قصيدة» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب وهو عبارة عن مختارات تجسد مسيرة الشاعر أحمد عبد المعطي الإبداعية، يقول الناقد دكتور محمد عبد المطلب «من الواضح أن شعرية حجازي محدودة «كميا» لكنها غير محدودة «كيفيا»، لافتا إلى أنه بدأ ينشر شعره منذ عام 1955 وظل يتابع النشر حتى عام 2011 والمسافة الزمنية لهذا النشر تبلغ ستة وخمسين عاما تقريبا، ما يعني أن إصدار شعره سار بمعدل ديوان كل ثماني سنوات تقريبا.
يفسر عبد المطلب ذلك بأن حجازي «لا يمارس الإبداع إلا عندما يدخل الحالة الشعرية التي يحل فيها كما تحل فيه». وهو ما أكسب شعريته خصوصية سكنى القلب والروح والعقل، كما تنطبق عليه مقولة التراث: «أشعر الشعراء من أنت في شعره حتى تفرغ منه» وإن كان القارئ لا يفرغ منه بعد القراءة بل يعيش عالمه الشعري حضورا وغيابا.
ومن ثم يؤكد عبد المطلب على أن المكانة الباذخة التي يحتلها حجازي في مسيرة الشعر العربي جاءته من عدة مصادر منها مكانته الريادية في شعر التفعيلة، فضلا عن معالجته ركائز الشعرية العربية الرئيسية وهى الموسيقى واللغة والخيال والمعنى والتي يشير إليها حجازي ضمنيا في كتابه «الشعر رفيقي»، حيث عرض للموضوع الشعري وضرورة أن يمتزج بالإحساس وتوابعه من الخيال، أو ما تختزنه الذاكرة من الثقافة واللغة، أي أن حجازي يعتمد هذه الرباعية على نحو من الأنحاء وهذا المفهوم يكاد يتوافق مع مفهوم واحد من أعلام التراث هو ابن سلام في مقولته: «الشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات منها ما تثقفه اليد ومنها ما يثقف اللسان» والصناعة في هذه المقولة تعني الفن.
ويتطرق عبد المطلب لديوان حجازي الأول «مدينة بلا قلب» مشيرا إلى أن إنتاج هذا الديوان صحبه موقفان متلازمان أحدهما مادي والآخر معنوي. الأول هو الرحيل من القرية إلى المدينة بكل نواتجه النفسية والعقلية والروحية، والآخر هو الصعود إلى قمة الشعر وهي القمة التي استقر فيها مغالبا مشقة الطريق ومغالبا منافسة الكبار وقد تغلب على كل ذلك لأنه من أصحاب العزم، فقد كان رفاق قريته يصنعون تماثيلهم من الطين أما هو فيصنعها من الحجارة مغالبا المشقة التي يعانيها مقارنة بما يعانيه رفاق طفولته وهو ما عبر عنه في «دفاع عن الكلمة»:
«أنا أصغر فرسان الكلمة
لكني سوف أزاحم من علمني لعب السيف
من علمني تلوين الحرف
سأمر عليه ممتطيا صهوة فرسي
لن أترجل... لن يأخذني الخوف»
وتتردد ذكريات الطفولة والصبا في ثماني قصائد من المختارات هي «العام السادس عشر، الأمير المتسول، رقص، تعليق على منظر طبيعي، خارج الوقت، وأيام أمي، طللية، المراثي». أهمية هذا الملمح تتمثل في أن زمن الطفولة هو الزمن الأثير في مسيرة حجازي فهو زمن البراءة والطهر والفطرة في القرية، زمن السعادة الروحية والقلبية يقول في قصيدة «خارج الوقت»:
«لم أعد أطلب المستحيل
ولم يبقَ لي أن أفكر في بشر سعداء
يعيشون في زمن كالطفولة
لا يهرمون أبدا»
هذه الطفولة الأبدية ظلت محفورة في ذاكرة هذا الشاعر بكل محتوياتها الحياتية والطبيعية أما محتوياتها الحياتية ففي مقدمتها طفولته مع أمه حيث يقول في قصيدة «أيام أمي»:
وأنا أذكر أمي في صباها وصباي
كنت طفلا
لا أرى في المرأة الكاشفة الساقين
إلا أنها أمي التي تجلس للمرآة
تفشي عطرها الفواح
أو ترسم فيها كحلها
ثم تمشي في ظلال الصيف كالطيف»
ومن الملامح الأخرى التي تجسدها مسيرة حجازي «الصدام بين القرية والمدينة». وهذا الملمح هو امتداد للملمح السابق، ذلك أن القرية هي التي شهدت مولد الشاعر وشهدت مرحلة الطفولة والصبا بكل ما فيهما من براءة وفطرية ولم يكن الشاعر بدعا في دخول هذه المرحلة فقد سبقه كثير من المبدعين من الشعراء والكتاب في دخولها والتعبير عنها فيما أبدعوه. ذلك أن الحنين إلى البدايات أمر تفرضه الفطرة الإنسانية بل يمكن القول إن دخول هذه المرحلة نسق ثقافي مغرق في القدم وليس الوقوف على الطلل في التراث إلا نوعا من الحنين إلى الماضي بكب محتوياته. ويتردد هذا المحور ترددا لافتا في ديوان حجازي بل إن ديوانه الأول حمل عنوانا دالا على هذا الصدام وربما كانت أقسى صور المدينة ما جاء في قصيدة «رسالة إلى مدينة مجهولة» يقول فيها:
«وكان أن عبرت في الصبا البحور
رسوت في مدينة من الزجاج والحجر
الصيف فيها خالد ما بعده فصول
بحثت فيها عن حديقة فلم أجد لها أثر
وأهلها تحت اللهيب والغبار صامتون
ودائما على سفر
لو كلموك يسألون.. كم تكون ساعتك»
يعد الفقد ملمحا آخر في هذه المختارات الشعرية التي يضمها الكتاب، ويمثل نتيجة للملمحين السابقين ومن ثم يضم في سياقه فكرة الموت أيضا. وهذا الفقد يتراجع للوراء بخاصة فقد الشاعر لطفولته في القرية وما يرتبط بها من الوالدين والإخوة ثم تفاقم الفقد في عالم المدينة للشخوص والأماكن والذكريات. ويتنامى الفقد مع التقدم في العمر. ومن تبعاته قصائد الرثاء في مدونة الشاعر، وتكاد تكون قصيدة «العودة من المنفى» خالصة لهذا الفقد الذي يسكن ذاكرة وقلب حجازي. يقول في مطلعها:
«لما تحررت المدينة عدت من منفاي
أبحث في وجوه الناس عن صحبي
فلم أعثر على أحد وأدركني الكِلال
فسألت عن أهلي وعن دار لنا
فاستغرب الناس السؤال»
ويتسع محور الفقد لنسق الموت بوصفة ركيزة الفقد التي لا مفر منها وإن كانت بداياته ذلك الموت الاعتباري الذي عبر عنه في قصيدة «الموت فجأة»:
«حملت رقم هاتفي
واسمي وعنواني
حتى إذا سقطت فجأة تعرفتم عليّ
وجاء إخواني
تصوروا لو أنكم لم تحضروا
ماذا يكون
أظل في ثلاجة الموتى طوال ليلتين»
ثم من الموت «الاعتباري» إلى الموت «الإسقاطي» الذي يواجه به عالم المدينة في قصيدة «مقتل صبي»:
«الموت في الميدان طن
الصمت حط كالكفن
وأقبلت ذبابة خضراء
جاءت من المقابر الريفية الحزينة
ولولبت جناحها على صبي مات في المدينة»
ويتجلى ملمح الزمن في قصيدته «المراثي» التي وضع لها عنوانا موازيا «محطات الزمن الآخر» وفيها يقول:
«زمن واقف
يتعامد فوق مدى الزمن الأفقي
وينأى عن المعدن المتدفق في الطرقات المضيئة
كيف يحسب وقت الرحيل
بعيدا عن الشمس واللحظات الدفينة»
ويرى دكتور عبد المطلب، أنه كان لشعرية حجازي بعض الاعتبارات في نظرها لما حولها بوصفها منبهات زمنية وربما كانت ساعة الميدان أهم تلك المنبهات يقول في «العام السادس عشر»:
«أصدقائي
نحن قد نغفو قليلا
بينما الساعة في الميدان تمضي
ثم نصحو فإذا الركب يمر»
أما عن الحضور الأنثوي، فيؤكد دكتور عبد المطلب أن الأنثى تعد آخر الملامح التي تتجلى عبر المختارات، فهي تكاد تكون حاضرة في معظم القصائد سواء أكان حضورها مباشرا ومجسدا أم كان حضورا رمزيا غير مباشر؛ وربما دخل حضورها منطقة الأساطير.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

عودة 150 سلحفاة عملاقة إلى جزر غالاباغوس بعد قرن من غيابها

إطلاق سلاحف عملاقة يافعة في فلوريانا لإعادتها إلى موطنها بجزر غالاباغوس (أ.ب)
إطلاق سلاحف عملاقة يافعة في فلوريانا لإعادتها إلى موطنها بجزر غالاباغوس (أ.ب)
TT

عودة 150 سلحفاة عملاقة إلى جزر غالاباغوس بعد قرن من غيابها

إطلاق سلاحف عملاقة يافعة في فلوريانا لإعادتها إلى موطنها بجزر غالاباغوس (أ.ب)
إطلاق سلاحف عملاقة يافعة في فلوريانا لإعادتها إلى موطنها بجزر غالاباغوس (أ.ب)

أعلنت وزارة البيئة في الإكوادور، الجمعة، أن علماء وحراساً للغابات وضعوا 150 سلحفاة عملاقة في جزيرة فلوريانا في أرخبيل غالاباغوس، بعدما اندثرت من هناك قبل أكثر من قرن. وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسار حراس الغارات 7 كيلومترات عبر «أراضٍ بركانية ومناطق صعبة لنقل السلاحف، مع التأكد من أنها تأقلمت»، حسبما جاء في بيان الوزارة.

حراس غالاباغوس يطلقون سلحفاة عملاقة يافعة في جزيرة فلوريانا لإعادتها إلى موطنها الأصلي (أ.ب)

ونُقلت هذه السلاحف إلى موطنها الطبيعي، بعدما كانت تعيش في مركز بحديقة وطنية في غالاباغوس.

وخضعت كل سلحفاة لحَجر صحي طويل، ووُضعت معها شريحة إلكترونية لتمييزها، قبل إطلاقها في الغابة.

وتقع جزر غالاباغوس على بعد ألف كيلومتر قبالة سواحل الإكوادور، وفيها حياة نباتية وبريّة فريدة من نوعها في العالم.

وفي هذه الجزر، توصّل عالم الأحياء تشارلز داروين لنظريته عن تطوّر الأنواع في القرن الـ19.

وإضافة لهذه السلاحف، تعمل السلطات على إعادة أنواع أخرى سبق أن اندثرت هناك، منها أنواع مختلفة من الطيور.


التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
TT

التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)

عندما يلتقي موسما الصوم لدى المسلمين والمسيحيين في لبنان، لا يبقى الأمر محصوراً بالطقوس الدينية، بل يتجسّد في تفاصيل الحياة داخل الأحياء المختلطة، حيث تتداخل العادات في مشهد يومي يعكس روح المشاركة.

في مناطق مثل الطريق الجديدة والمزرعة وقريطم والسوديكو، يراعي الجيران بعضهم بعضاً، من تخفيف الضجيج صباحاً إلى مراعاة أوقات الإفطار وتبادل الأطباق المنزلية. فموائد رمضان تصل إلى الجيران المسيحيين، ويبادل هؤلاء أطباقاً تتناسب مع الشهر، ولا سيما المأكولات المحضّرة بالزيت. ومرات تشمل هذه الموائد الحضور الافتراضي للأبناء المهاجرين، فينضمون إلى موائد الإفطار المختلطة عبر اتصال إلكتروني. وغالباً ما تتحوَّل السهرات المسائية إلى لقاءات مشتركة تجمع العائلات حول الشاي أو الحلويات، فيتراجع البعد الطقسي أمام البعد الاجتماعي.

العائلات اللبنانية تجتمع على موائد رمضان (الشرق الأوسط)

وتشير أنيسة مكاوي، التي تسكن في منطقة المزرعة، إلى أن هذه التفاعلات بين المجتمعين ليست طارئة. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا على ممارسة هذه التقاليد منذ الصغر، لأننا تربينا عليها. كانت والدتي تُهدي جارتها طبق حساء العدس الأصفر، وبالتالي تردّ لها الجارة الطبق مليئاً بحلوى الصفوف أو النمورة».

هذا الالتقاء بين موسمَي الصوم يعزز روابط الجيرة، وينعكس نبضاً مفعماً بالديناميكية في المدينة ومناطق أخرى. فيجتمع اللبنانيون في المقاهي والأسواق ومعارض رمضان اليدوية، وكذلك ينتظرون قرع الأجراس عند الظهر ورفع أذان المغرب لتبادل عبارة «صوم مبارك».

وتقول نهى، ربّة منزل وجدّة لستة أحفاد، إنّ هذه المناسبة تُعيد إلى أهل المدن وسكان المناطق الجبلية التقاليد الموروثة: «في كل مرة يلتقي فيها زمن الصومين، نحيي عادات تعلّمناها من أمهاتنا وجدّاتنا. فتطفو أواصر العلاقات الاجتماعية من جديد. ويستعيد المجتمع دفئه بفضل هذه التقاليد. نعود إلى زيارات الجيران والأصدقاء والدعوات إلى موائد الإفطار. وتساعد ربّات المنازل بعضهنّ بعضاً في تحضير الأطباق، ونسترجع نبضاً نفتقده في الأيام العادية».

أطباق رمضانية تتبادلها ربات المنازل في زمن الصوم (الشرق الأوسط)

في أحياء كثيرة، تختصر لحظة الغروب مشهد التقاء موسمي الصوم بصورة سمعية وإنسانية معبّرة. بين قرع أجراس الكنائس ورفع أذان المغرب، يتشكّل إيقاع يومي يذكّر السكان بأنهم يعيشون زمنين روحيين متوازيين في مساحة واحدة. فلا يعود الصوت مجرد إعلان طقس ديني، بل علامة على تقاطع الحياة الاجتماعية. وفي الأحياء المختلطة، يعرف الجيران هذا التزامن ولا يفوتهم، فيضبطون مواعيدهم عليه، ويتبادلون التحيات أو الأطباق، وكأن الصوتين يشكّلان خلفية مشتركة ليومهم.

وتحضر هذه الثنائية السمعية في ذاكرة اللبنانيين بوصفها جزءاً من المشهد اليومي، ليتحوَّل التقاء موسمي الصوم إلى تجربة تتجاوز الرمزية الدينية، وتصبح حالة معيشة حسّية يعيشها أهل الحي الواحد.

كما يقصد بعض اللبنانيين العودة إلى أرض الوطن خلال الشهر الفضيل. فيغادرون أماكن إقامتهم في أوروبا أو كندا ليعيشوا تفاصيل هذه الفترة في بلدهم الأم. وتقول نانسي في هذا السياق: «أحجز تذكرة السفر من ألمانيا إلى لبنان قبل حلول الشهر الفضيل. وغالباً ما أتفق مع صديقات مغتربات على العودة معاً. فشهر رمضان هنا يحمل لنا ذكريات نحب استعادتها بين الجيران والأهل. وله خصوصيته التي لا نجدها في بلاد الاغتراب الأوروبية. هذا اللقاء السنوي أنتظره من عام إلى آخر بفارغ الصبر، وأخطط له قبل أشهر طويلة».


«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
TT

«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)

أثار إدراج أطواق حديدية للرقاب يُعتقد أنها استُخدمت في استعباد أفارقة في زنجبار ضمن مزاد يُقام نهاية الأسبوع في اسكوتلندا جدلاً وانتقادات أخلاقية بشأن بيع مقتنيات مرتبطة بتاريخ الاستعباد، وذلك ضمن فعالية تحمل عنوان «تحدّي التاريخ».

وتعود القطع، وفق منظمي المزاد، إلى نحو عام 1780، ويُقدَّر ثمنها بنحو ألف جنيه إسترليني.

وقال ماركوس سالتر، صاحب دار «تشيكي أوكشنز» في بلدة تين بمقاطعة روس، إن بيع القطعة يهدف إلى «مواجهة التاريخ» وليس الإساءة، مضيفاً أن دار المزادات تَحقَّقت من المنصة التي تُعرض عبرها القطعة، والتي صنّفتها أثراً تاريخياً يمكن بيعه قانونياً؛ وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لكن الخطوة أثارت اعتراضات من سياسيين ونشطاء. وقالت النائبة العمالية بيل ريبيرو آدي، التي تترأس مجموعة برلمانية معنية بتعويضات الأفارقة، إن الاتجار بمثل هذه القطع يعني أن البعض «يواصلون التربّح من تجارة الرقيق».

وأضافت أن عرض القطعة في متحف قد يكون مقبولاً، بينما بيعها بوصفها مقتنيات لهواة الجمع يثير، على حد تعبيرها، شعوراً بـ«الرعب» بدلاً من التعلم من التاريخ.

كما عبَّر نايغل موراي، وهو محامٍ متقاعد يعيش في مرتفعات اسكوتلندا، عن رفضه للمزاد بعد مشاهدة الإعلان على «فيسبوك»، قائلاً إنه لن يتعامل مع دار المزادات مجدداً، واصفاً بيع القيود عبر مزاد بأنه «مقزز».

من جهته، قال سالتر إن القطعة تُباع نيابة عن تاجر احتفظ والده بها منذ نحو 50 عاماً، عادّاً أن التبرع بها لمتحف قد يؤدي إلى بقائها في المخازن دون عرضها للجمهور، مشيراً إلى أن ردود الفعل تراوحت بين المقاطعة والنقاش.

ويأتي الجدل وسط حساسية متزايدة بشأن التعامل مع المقتنيات المرتبطة بتاريخ الاستعباد. ففي عام 2024، رفض خبير برنامج «أنتيكس رودشو»، روني آرتشر-مورغان، تثمين سوار عاجي مرتبط بتاريخ مماثل.

قانونياً، قالت سيسيليا دانس، المحامية في مكتب «ويدليك بيل» بلندن، إنه لا يوجد قانون محدد يمنع بيع قطع مرتبطة بتاريخ الاستعباد، لكنها أشارت إلى أن إدارتها بما يُحقِّق المصلحة العامة - مثل التبرع بها أو إعارتها لمتاحف مع إشراك المجتمعات المتأثرة - تُعدُّ مساراً أكثر ملاءمة.

وأضافت أن سوق الفن شهدت تحولاً أخلاقياً مماثلاً تجاه الأعمال المرتبطة بنهب الحقبة النازية، ورأت أن هذا الإطار قد يمتد مستقبلاً ليشمل القطع المرتبطة بالاستعباد، في ظل تصاعد النقاش حول مخاطر تحويل المعاناة الإنسانية إلى سلعة.