5 أيام حاسمة للأزمة الحكومية الإيطالية

5 أيام حاسمة للأزمة الحكومية الإيطالية

رئيس البلاد رفض استقالة دراغي: امثل أمام البرلمان
السبت - 17 ذو الحجة 1443 هـ - 16 يوليو 2022 مـ رقم العدد [ 15936]

مساء الثلاثاء الماضي، فاجأ رئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراغي، المراسلين الأجانب، خلال العشاء السنوي معهم، بنكتة، مفادها أنّ مريضاً في حالة خطرة كان بحاجة لعملية زرع قلب، وقيل له إن بوسعه الاختيار بين قلب شاب في مقتبل العمر وقلب حاكم مصرف مركزي في الثالثة والثمانين من العمر، ولما اختار قلب الحاكم سُئِل عن السبب، فأجاب: «لأنه لا يستخدم قلبه أبداً»!

تلك النكتة كان لها وقعها الخاص بلسان الحاكم السابق للمصرف المركزي الأوروبي، لكنها كانت أيضاً تحمل بعض مفاتيح الأزمة الحكومية التي انفجرت في إيطاليا مساء أول من أمس (الخميس)، ودفعت دراغي إلى تقديم استقالته التي سارع رئيس الجمهورية، سرجيو ماتاريلا، إلى رفضها، طالباً منه المثول أمام البرلمان، الأربعاء المقبل، لطرح الثقة، آملاً في أن يتمكن خلال الأيام الفاصلة عن هذا الموعد من تأمين الدعم البرلماني الكافي لإقناعه بالعدول عن الاستقالة والعودة إلى مواصلة مهامه حتى نهاية الولاية التشريعية في ربيع العام المقبل.

لمع نجم دراغي في المشهد الأوروبي عندما نجح، بفضل التدابير السريعة والحاسمة التي اتخذها كحاكم للمصرف المركزي، في إنقاذ العملة الموحّدة خلال أحرج المراحل التي مرّت بها، بعد الانهيار المالي عام 2008. لكنه عجز هذه المرة عن كبح النزعة التدميرية التي تسكن الأحزاب السياسية الإيطالية، ومنع جنوحها الدفين نحو الأزمات، أو لعله أحجم عن ذلك لأهداف بعيدة ليست بعد واضحة.

السبب المباشر في الأزمة الراهنة التي قد تؤدي إلى حل البرلمان والدعوة لانتخابات عامة في الخريف المقبل، هي حركة «النجوم الخمس»، التي يجهد زعيمها ورئيس الوزراء السابق جيوزيبي كونتي لوقف انهيارها وتفككها بعد الهزائم الانتخابية المتلاحقة التي أصابتها، وانشقاق العشرات من برلمانييها بقيادة زعيمها السابق ووزير الخارجية الحالي لويجي دي مايو.

وكانت الحركة قد حاولت فصل عدم التصويت على مرسوم حزمة التدابير الحكومية عن طرح الثقة، لكن دراغي أصرّ على الربط بين الاثنين، واعتبر أن الانسحاب من جلسة التصويت على المرسوم يعادل فرض شروط سياسية عليه ليس مستعداً لقبولها، كما يرفض تشكيل حكومة ثانية بأغلبية برلمانية مختلفة، ما أعطى الأزمة بعداً شخصياً واضحاً إلى جانب البعد السياسي.

مَن يتابع السياسة الإيطالية عن كثب يعرف جيداً أن التهديدات ليست في مصلحة مَن يطلقها، خصوصاً إذا كان مستعداً لتنفيذها. والحاكم السابق للمصرف المركزي الأوروبي، الذي اعتاد على استراتيجيات مختلفة لبلوغ مقاصده، لم يرغب في التنازل أمام ابتزاز «النجوم الخمس»، لاعتباره أن مطالب الحركة كانت ثانوية ومجرد ذرائع انتخابية، وقرّر، خلافاً لما فعل لإنقاذ اليورو، عدم القيام بما يلزم لإنقاذ الحكومة التي قبل برئاستها، وعينه على رئاسة الجمهورية. ولا شك في أن قراره هذا زاد من هواجس ماتاريلا الذي يراقب بقلق شديد هشاشة الوضع الإيطالي، من تداعيات الحرب في أوكرانيا إلى ارتفاع التضخم وقطع إمدادات الغاز الروسي، والوفاء بالتعهدات الأوروبية والأطلسية.

رفض ماتاريلا قبول استقالة دراغي، وطلب منه أن يحمل الأزمة إلى البرلمان، الأربعاء المقبل، بعد عودته من الجزائر، حيث من المقرر أن يجري محادثات مهمة لتأمين إمدادات الغاز.

ولا شك في أن ماتاريلا، وهو آخر الرموز الديمقراطية المسيحية الباقية في المشهد السياسي الإيطالي، سيحاول الاستعانة بالشركاء الأوروبيين وبواشنطن للضغط على دراغي من أجل القبول بالبقاء حتى نهاية الولاية وإنجاز الإصلاحات المتفق عليها مع بروكسل.

لكن بالإضافة إلى التشدد الذي أظهره دراغي في مواقفه، برز عنصر آخر على خط هذه الأزمة الحكومية الثالثة التي تواجه إيطاليا منذ بداية الولاية التشريعية. إنه جيوزيبي كونتي، الذي تولّى رئاسة الحكومتين السابقتين ويتزعّم حالياً حركة «النجوم الخمس»، والذي تبدّى ضعفه وعدم قدرته على استيعاب ضغوط قواعده، وهو الذي قاد إيطاليا إبان الجائحة، وكان يستحضر باستمرار روح المسؤولية والمصلحة العليا لكبح الجنوح الشعبوي، ليتحوّل اليوم إلى سيّاف حكومة الوحدة الائتلافية.

في عام 2019، وقع كونتي ضحية ضربة مشابهة على يد زعيم «الرابطة»، ماتيو سالفيني، الذي قرر إسقاط الحكومة التي كان أبرز أعضائها ونائباً لرئيسها. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت شعبية سالفيني بالتراجع إلى أن خسر 15 في المائة من التأييد الشعبي في الانتخابات الأخيرة، ومعه زعامة التحالف اليميني الذي أصبح لواؤه معقوداً لمنافسته اللدود، جيورجيا ميلوني، زعيمة حزب الفاشيين الجدد؛ «إخوان إيطاليا». وليس مستبعداً أن تكون هذه الخطوة لكونتي رصاصة الرحمة لمستقبله السياسي.

خمسة أيام تفصل عن الموعد المقرر لحسم الأزمة الحكومية التي جمّدها رفض ماتاريلا استقالة دراغي، لكن خمسة أيام تكفي وتزيد لقلب المشهد السياسي الإيطالي مرة أخرى رأساً على عقب.


إيطاليا إيطاليا أخبار

اختيارات المحرر

فيديو