«استباحة» المال العام الليبي... «موجات فساد» متواصلة

النيابة العامة تحقق مع عشرات المتهمين

تعاون ليبي لمكافحة الفساد بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح والنائب العام الصديق الصور (مكتب النائب العام)
تعاون ليبي لمكافحة الفساد بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح والنائب العام الصديق الصور (مكتب النائب العام)
TT

«استباحة» المال العام الليبي... «موجات فساد» متواصلة

تعاون ليبي لمكافحة الفساد بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح والنائب العام الصديق الصور (مكتب النائب العام)
تعاون ليبي لمكافحة الفساد بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح والنائب العام الصديق الصور (مكتب النائب العام)

في نهايات الشهر الماضي، تمكن عدد من العاملين في مصرف الصحارى الليبي، من استغلال مناصبهم والدخول على حسابات العملاء والاستيلاء على ملايين الدينارات، في وقت تشير فيه التقارير الرسمية إلى تبديد واسع للمال العام في قطاعات الدولة الليبية المختلفة.
والواقعة، التي بدأت النيابة العامة الليبية التحقيق فيها، تعد واحدة من جرائم الاستيلاء على المال العام في البلاد، المتزايدة خلال العقد الماضي، وتبدأ من الفساد داخل مؤسسات الدولة، والتي تورط فيها عدد من الوزراء، وصولاً إلى السطو على الأراضي والبنايات العامة، بجانب سطو موظفين على ما تحت يديهم من عهده مالية.
ومنذ عام 2012 تراجع ترتيب ليبيا إلى الأسوأ، وصولاً إلى تصنيفها من بين الدول العشر الأكثر فساداً وفقاً لـ«مؤشر مدركات الفساد»، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية هذا العام، وهو ما دفع نجلاء المنقوش، وزيرة الخارجية والتعاون الدولي بحكومة «الوحدة» المؤقتة التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة، إلى القول بأن «الفساد يتفشى في بلادها بشكل كبير».
وكشف النيابة العامة عن واحدة من جرائم السطو على أموال المودعين، وقالت إن التحقيقات كشفت ملابسات تورط عدد من العاملين في مصرف الصحارى باختلاس مليونين وثلاثـمائة وثـمـانين ديناراً عبر النفاذ إلى منظومة الحسابات؛ باستخدام إجراءات احتيالية. وأشارت النيابة أنها أمرت بحبس جميع مرتكبي واقعة الفساد في المصرف لحين استكمال باقي القضية.

وعقب ثلاثة أيام كشفت النيابة عن واقعة استيلاء جديدة على الأموال العامة من خلال تورط تشكيل عصابي في تزوير الصكوك المصرفية؛ واستعمالها في سحب أموال حكومية من حسابات بعض الجهات الممولة من الميزانية العامة.
وقالت النيابة إن الجناة قدموا هذه الصكوك إلى المصرف وحصلوا على أكثر من 739 ألف دينار، من حسابات وزارة الزراعة والثروة الحيوانية؛ وإدارة الإنتاج بهيئة الإمداد والتموين العسكري؛ ومراقبة الخدمات المالية بمدينة الأصابعة.
واحتلت ليبيا في تقرير العام الماضي المرتبة 173، من أصل 180 لتراجعها 5 مراكز مقارنة مع عام 2019، الذي كانت تحتل فيه المرتبة 168. وتتنوع أشكال الفساد في ليبيا من التربح من المال العام، والحصول على عمولات، والازدواج الوظيفي، بشكل وصف بأنه «موجات عاتية تستهدف التربح بشكل غير مسبوق».
واللافت أن الجميع في ليبيا يتحدثون عن الفساد، بداية من رأس السلطة وانتهاء بالمواطنين والخبراء ورؤساء الأجهزة الرقابية في ليبيا، لكن مسؤولاً مقرباً من الدبيبة رأى أن حكومة «الوحدة» تكاد تكون الحكومة الوحيدة التي تجرأت على تقديم عدد من وزرائها للتحقيق في وقائع فساد انتهت بحبسهم على ذمة القضية، لافتاً إلى أن الدبيبة لم يتحرج عندما تحدث عن «استشراء الفساد في عدد من القطاعات الحكومية».
ويُعيّر خصوم الدبيبة بوجود حالات مسؤولين في حكومته تورطوا في قضايا فساد، لكن الأول أعلن «تبرؤ حكومته من المفسدين، وعدم التسامح معهم»، وقال إن الفساد «يكبّد الاقتصاد الوطني خسائر كبيرة».
ويرى المحلل السياسي عبد العظيم البشتي أن «الأموال التي يتقاضاها أعضاء السلطة التشريعية في البلاد، منذ سنوات، دون مقابل تدخل في باب الفساد»، وذهب إلى أن «أكثر شيء بات مُستهلكا للمال العام ولا يشكل إلا استنزافا له دون قيمة أو نتائج حقيقية أو فائدة يتمثل في المؤتمرات واللقاءات والاجتماعات التي يقيمها المسؤولون الليبيون في الكثير من بلدان العالم».
وعلى الرغم من أن هذه الاجتماعات عادة تتكفل نفقتها الدول المستضيفة، لكن هناك من يرى أن سفريات النواب والأعضاء في تكليفات رسمية من مجالسهم تكلف ليبيا ملايين في الانتقال والإقامة.
وتتعدد في ليبيا أبواب الفساد، نظراً لما يره مختصون «ضعف قبضة الدولة» وعدم تفعيل المحاسبة إلا ما يتكشف للنيابة العامة. وتحدث سليمان الشحومي الخبير الاقتصادي الليبي، عن ضرورة أن «تصب عوائد الشركات الحكومية مثل الاتصالات وشركات الاستثمار الحكومية الأخرى في الخزانة العامة للدولة كإيرادات».
وقال الشحومي في إدراج له عبر حسابه على «فيسبوك»: «لا يجوز أن يفرض رئيس الحكومة على هذه الشركات تغطية مصروفات يريدها؛ أو أن تُحيل له مبالغ لحساب مجلس الوزراء ليتصرف بها رئيس الحكومة، أو يُطلب منها تخصص مبالغ للإنفاق بناءً على تعليمات مهما كانت الدواعي والأسباب».
ورأى الشحومي أن هذه الإجراءات تخرج الشركة عن الإطار الذي حدده القانون ويجعلها أداة في يد الإدارة الحكومية ويخرج مجلس إدارتها وجمعيتها العمومية عن دورهما المرسوم»، وتابع: «هذا باب واسع للفساد حتى وإن كانت النوايا حسنة».
ودعا الشحومي ديوان المحاسبة بـ«التحرك قبل فوات الأوان، ولا يترك الأمر للعرض في تقريره السنوي، بعد أن يكون قد وقعت الواقعة ولم يعد لنا إلا التحسر على اللبن المسكوب في ردهات مجلس وزراء حكومة (الوحدة الوطنية)».
كما كشفت مخاطبات النائب العام الليبي الصديق الصور، لمحافظ المصرف المركزي الصديق الكبير، عن أن تحقيقات النيابة أثبتت وقائع تزوير بيانات الخدمات الطبية المقدمة للمرضى في الخارج، بقصد الحصول على 436 مليون دولار، فضلا عن تجاوزات مالية وإدارية أخرى.
ودعا الصور المصرف بإيقاف أي إجراءات إدارية أو مالية تفضي إلى سداد المبالغ المالية المترتبة عن تقديم الخدمات الطبية من المؤسسات العلاجية في الأردن، خلال السنوات الماضية حتى انتهاء الإجراءات القضائية.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.


«الأزمات الدولية»: تهريب الوقود الليبي يبقي على «السلام» لكنه «يستنزف خزينة الدولة»

شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)
شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)
TT

«الأزمات الدولية»: تهريب الوقود الليبي يبقي على «السلام» لكنه «يستنزف خزينة الدولة»

شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)
شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)

دخلت واشنطن مجدداً على خط سياسة الإنفاق المعمول بها في ليبيا، في ظل وجود حكومتين متنازعتين على السلطة، وتتبادلان الاتهامات بـ«الفساد»؛ في وقت قالت فيه «مجموعة الأزمات الدولية» إن «تهريب الوقود أصبح عنصراً أساسياً في ليبيا».

وأوضح تقرير دولي أن عمليات تهريب الوقود في ليبيا تدر ما بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، وقال إن «هذه الأموال غير الرسمية تُستخدم لتمويل الإدارات، ودفع الرواتب، وشراء الولاءات، وتعزيز نفوذ النخب في شرق البلاد وغربها».

ولم تعلّق السلطات في غرب ليبيا وشرقها على تقرير «مجموعة الأزمات الدولية»، الذي صدر مساء الأربعاء، لكن النائب العام، المستشار الصديق الصور، سبق أن كشف عن شبكات لتهريب الوقود خارج البلاد، فضلاً عن تقرير صادر عن «لجنة خبراء الأمم المتحدة»، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، تحدث عن تأسيس شركة لإدارة النفط خارج سياق الدولة تدعى «أركينو»، على صلة بصدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وتعمل على «تهريب الوقود».

وأوضحت «مجموعة الأزمات الدولية»، في تقرير «مراقبة الأزمات 2026»، أن «تهريب الوقود في ليبيا يسهم في الحفاظ على السلام بين النخب المتنافسة في البلاد مؤقتاً، لكنه يفرغ خزينة الدولة»، مبرزاً أن «السلام الذي ساد ليبيا بعد عام 2020 هشٌّ، لكنه قائم، ويعتمد استمراره بشكل كبير على استعداد الطرفين لتقاسم عائدات مبيعات النفط، والتغاضي عن مصادر الدخل غير الرسمية الأخرى التي يستغلها كلاهما».

ورأت «مجموعة الأزمات الدولية» أن «هذه المصادر تشمل تهريب الوقود المستورد، الذي تشتريه السلطات الليبية بالأسعار الدولية، وتبيعه بأسعار مدعومة بشكل كبير محلياً، ثم يُعاد بيعه في السوق السوداء بالخارج».

وتعتقد «مجموعة الأزمات الدولية» أنه «بينما تُعزز هذه الممارسات السلام في ليبيا، فإنها تُكبّد خزائن الدولة خسائر فادحة، وتُعيق النمو الاقتصادي، وتُرسّخ وجود النخبتين المتنافستين، وذلك بإزالة أي حافز لإعادة التوحيد»، مشيرةً إلى أن «عمليات تهريب الوقود تقوّض، إلى جانب مخططات الاختلاس الأخرى، بشكل غير مباشر، مبادرات الوساطة الدولية الرامية إلى إنهاء الانقسام طويل الأمد في البلاد».

كما أشار تقرير «مجموعة الأزمات الدولية» إلى أن بعض المحللين الليبيين والأجانب يرون أنه حقَّق ما بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، بين عامي 2022 و2024، بينما قدَّم النائب العام تقديراً أكثر تحفظاً بواقع 1.5 مليار دولار سنوياً. ورأت المجموعة أن هذه المبالغ الضخمة التي تُقدر بمليارات الدولارات «تشير إلى أن تهريب الوقود أصبح عنصراً أساسياً في الاتفاقيات بين السلطات الشرقية والغربية»، وزعمت أن «قادة ليبيا يتغاضون، بل يشجعون في بعض الأحيان هذه المخططات المالية غير المشروعة؛ لأنها وسيلة لتنمية شبكات المحسوبية، وتمويل النفقات غير المدرجة في الميزانية، لا سيما في الشرق»، وهو الأمر الذي لم تنفه سلطات بنغازي.

ودافعت مجموعة الأزمات عن دور الاتحاد الأوروبي، الذي قالت إنه لم يكن «متقاعساً»، وذكرت أنه، في مارس (آذار) 2025، وسّع نطاق مهمة السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة البحرية (إيريني)، لتشمل مكافحة الاتجار غير المشروع بالمواد الأخرى غير الأسلحة، بما في ذلك المراقبة والرصد، وجمع المعلومات المتعلقة بصادرات النفط ومشتقات الوقود المكرر غير القانونية من ليبيا.

في غضون ذلك، قال ديوان المحاسبة الليبي إن رئيسه، خالد شكشك، بحث مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا، جيريمي برنت، بمقر الديوان بالعاصمة طرابلس، مساء الأربعاء، أهمية «توحيد سياسات الإنفاق العام وترشيدها، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي ورفع كفاءة إدارة المال العام».

وتشهد ليبيا حالة من التجاذب الدائم بين حكومتي غرب البلاد وشرقها حيال اتهامات بـ«الإنفاق الموازي»، في ظل انقسام سياسي ودعوات للمسارعة إلى توحيد المؤسسات المنقسمة إنقاذاً للاقتصاد الليبي «من الانهيار».

وسبق أن أعلن «المصرف المركزي الليبي» أن حجم الإنفاق العام المزدوج خلال 2024 بلغ 224 مليار دينار، علماً بأن الدولار يساوي 6.38 دينار في السوق الرسمية، بينما يقارب 10 دنانير في السوق الموازية.

وتطرق شكشك في محادثاته مع القائم بالأعمال الأميركي إلى بحث آفاق تطوير التعاون الدولي في مجالات مكافحة الفساد وغسل الأموال، بما يعزز من فاعلية الجهود الرقابية ويواكب المعايير الدولية.

وأوضح ديوان المحاسبة أن الاجتماع انتهى إلى التشديد على «ضرورة تعزيز مستويات الشفافية في إدارة العقود، لا سيما المرتبطة بقطاع النفط وعمليات توريد المحروقات، مع التشديد على تكثيف الإجراءات الرامية إلى مكافحة تهريب الوقود والحد من آثاره السلبية على الاقتصاد الوطني».

وفي عدد من الفعاليات السياسية والاجتماعية حمّل الدبيبة حكومة أسامة حمّاد، التي وصفها بـ«الموازية»، مسؤولية «الإنفاق من دون الرجوع إلى مؤسسات الدولة؛ ما أدى إلى تداعيات على الاقتصاد الوطني، تمثلت في استنزاف الاحتياطي النقدي»، لكن الأخير اتهم حكومة طرابلس بـ«اتباع أسلوب التدليس في إعطاء المعلومات المغلوطة».

وفي فبراير (شباط) الماضي، بحث محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، مع الدبيبة، عدداً من الملفات التي وُصفت بأنها «ذات طابع سيادي»، من بينها «عطاءات بعض العقود في قطاع الطاقة»، والإجراءات التنظيمية المصاحبة لها، إضافة إلى «الخطوات الحكومية المتعلقة بإدارة الإنفاق العام وضبط السياسة المالية، ومتابعة ملف الإيرادات وتعزيز الشفافية في العقود العامة».

وأكد الجانبان حينها أهمية الالتزام بما تم الاتفاق عليه ضمن «البرنامج التنموي الموحد»، بشأن وقف أي مسارات لـ«الإنفاق الموازي»، أو الصرف خارج الأطر القانونية المعتمدة، وحصر الإنفاق عبر القنوات الرسمية، لما لذلك من أثر مباشر على استقرار المالية العامة.

وسبق أن وقَّع مجلسا النواب و«الأعلى للدولة» اتفاقاً بشأن «البرنامج التنموي الموحد»، في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وعدّه المنفي «خطوة مهمة نحو تعزيز مسار التوافق والاستقرار المالي، وترسيخ مبدأ الشراكة المؤسسية في إدارة شؤون الدولة»، لكن منذ ذلك الحين لم يتم تفعيله.


موريتانيا: «المأموريات الرئاسية» تفجر جدلاً في الحوار الوطني المرتقب

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: «المأموريات الرئاسية» تفجر جدلاً في الحوار الوطني المرتقب

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

احتدم الجدل في موريتانيا بعد أن كشفت صحيفة محلية عن دعوة أحزاب الأغلبية الرئاسية إلى إدراج نقاش قضية المأموريات الرئاسية ضمن جدول أعمال الحوار الوطني المرتقب، وهو ما عدّه معارضون نوعاً من التمهيد لترشح الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني لولاية رئاسية ثالثة، وهو ما يمنعه الدستور الحالي للبلاد.

وقالت صحيفة «مراسلون» في برقية، الأربعاء، إن الأغلبية الرئاسية أدرجت في مقترحاتها المتعلقة بالحوار مقترحاً يتعلق بضرورة «التفكير المعمق في موضوع المأموريات الرئاسية»، مضيفة أن الأغلبية دعت في مقترحاتها إلى «تفكير معمق في الإصلاحات المؤسسية، والانتخابات والمأموريات والاختصاصات».

وأثار الخبر جدلاً واسعاً في موريتانيا، خصوصاً مع قرب انعقاد اجتماع تحضيري يوم الاثنين المقبل لتحديد موعد انطلاق الحوار الوطني المرتقب، الذي تُجرى التحضيرات له منذ أكثر من عام.

إلا أن نواباً معارضين في البرلمان دعوا في بيان مشترك إلى تجميد المشاركة في الحوار، احتجاجاً على مقترح الأغلبية إدراج موضوع المأموريات الرئاسية ضمن جدول الأعمال. وعدّوا أن «إدراج هذا البند يُشكل محظوراً أساسياً لدى قوى المعارضة، التي سبق أن أعلنت استعدادها للمشاركة في الحوار».

وحذّر النواب المعارضون من أن «أي نقاش لقضية المأموريات الرئاسية قد تمس بالمكاسب الدستورية، خصوصاً تلك المتعلقة بآليات التناوب السلمي على السلطة»، وذلك في إشارة إلى أن الدستور الموريتاني يمنع منذ 2006 رئيس الجمهورية بمواد محصنة (لا يمكن تعديلها) من الترشح لأكثر من ولايتين رئاسيتين.

ودعا النواب أطياف المعارضة إلى تعليق مشاركتها في الحوار حتى يصدر موقف رسمي من السلطة التنفيذية يستبعد نقاش المأموريات، مؤكدين أن هذا الموقف سيكون «دليلاً على حُسن النية»، وضماناً لعدم توظيف الحوار في المساس بالمكتسبات الديمقراطية، وفق نص البيان.

وحذّر النواب من خطورة المساس بالمواد المحصنة من الدستور، التي تمنع الرئيس من الترشح لولاية رئاسية ثالثة، وقالوا إنهم يحملون أحزاب الأغلبية والحكومة «المسؤولية التاريخية» عن أي تداعيات قد تمس أمن واستقرار البلاد نتيجة هذا المقترح.

ووقع على البيان 4 نواب يصنفون من النواب الشباب المحسوبين على المعارضة الراديكالية، وهم محمد الأمين سيدي مولود، وخالي جالو، ويحيى اللود، ومحمد بوي الشيخ محمد فاضل.

ولم يصدر أي تعليق من المعارضة أو من منسق الحوار الوطني، ولا حتى من الحكومة، فيما يستمر التحضير للحوار؛ حيث تشير التوقعات إلى أنه من المرجح أن ينطلق خلال شهر أبريل (نيسان) المقبل، أو في مايو (أيار) على أقصى تقدير.

ووفق مصادر إعلامية، اقترح تحالف المعارضة الديمقراطية انطلاق جلسات الحوار في الفترة من 13 أبريل إلى 12 مايو، في حين اقترحت مؤسسة المعارضة الديمقراطية أن تُعقد هذه الجلسات من 1 مايو وحتى 30 مايو.

أما أحزاب الأغلبية الرئاسية فلم تقترح مدة محددة، مكتفية بالإشارة إلى ضرورة المرونة ومنح الوقت الكافي للتحضير بشكل جيد للحوار، حتى يكون توافقياً وشاملاً، ولا يقصي أحداً، ولا يتجاوز أي موضوع.