ليبي يحوّل سيارته لغرفة نوم بسبب انقطاع الكهرباء لفترات طويلة

محمود عقيل يجلس مع أطفاله في الجزء الخلفي من شاحنته المكيفة في منزله في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ف.ب)
محمود عقيل يجلس مع أطفاله في الجزء الخلفي من شاحنته المكيفة في منزله في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ف.ب)
TT

ليبي يحوّل سيارته لغرفة نوم بسبب انقطاع الكهرباء لفترات طويلة

محمود عقيل يجلس مع أطفاله في الجزء الخلفي من شاحنته المكيفة في منزله في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ف.ب)
محمود عقيل يجلس مع أطفاله في الجزء الخلفي من شاحنته المكيفة في منزله في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ف.ب)

رغم بلوغ مساحة منزله 250 متراً مربعاً، يُجبر محمود عقيل (48 عاماً) على اختيار النوم في مساحة ثلاثة أمتار مربّعة في سيارته المُكيّفة، بسبب انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة في ليبيا الغنية بالغاز والنفط.
يقول، وهو يسير نحو سيارته: «هذه غرفة نومي». ويضيف وهو يفتح صندوق السيارة: «في حال اشتد الحر، أنام مع ابنتَيَّ داخلها. أزلت المقاعد وحولتها إلى غرفة نوم لننعم بمكيف الهواء فيها»، بحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

يعمل عقيل في شركة لإزالة الألغام، ويسكن فيلا فارهة من طابق واحد في العاصمة الليبية طرابلس، إلا أن التيار الكهربائي يُقطع بين 12 و18 ساعة يومياً، فيما تقارب درجات الحرارة الأربعين درجة مئوية يصير معها النوم من دون وسائل تكييف للهواء شبه مستحيل.
تنام زوجته مع طفلتيهما «في الوسط»، وهو ينام على حافة المقعد.
ويتابع: «أشعر بأوجاع في ظهري حين أستيقظ... هذه حياتنا... فحتى عندما لا ينقطع التيار الكهربائي، يكون التيار ضعيفاً جداً، بالكاد يكفي لإضاءة المصابيح».
وعلى أحد الجدران الخارجية في منزله، تظهر ثقوب من آثار طلقات نارية من بقايا القتال الذي اندلع في الدولة الواقعة في شمال أفريقيا خلال العقد الماضي.
يعاني الليبيون من انقطاع التيار الكهربائي والغلاء وانعدام الأمن واهتراء البنى التحتية وانهيار الاقتصاد والخدمات منذ سقوط نظام معمّر القذافي في عام 2011، وعانى قطاع الطاقة الحيوي بسبب الحرب وهدر النفط وتضرر البنى التحتية وعدم صيانتها وإغلاق المنشآت.

ويضيف عقيل: «لا شيء بلا معاناة في ليبيا، سواء الصحة أو التعليم، كل شيء، الطرقات سيئة للغاية، وأسوأ ما نمر به في وقتنا هذا هو (انقطاع) الكهرباء لأننا نعتمد عليها في الكثير من الأمور الضرورية في حياتنا».
يلجأ بعض الليبيين إلى تأمين تغذية كهربائية غير تابعة لشبكة الكهرباء الوطنية من خلال استخدام مولدات كهربائية غالباً ما تكون ملوِّثة وغير آمنة، باستثناء المولّدات باهظة الثمن التي لا يقلّ سعرها عن خمسة آلاف يورو. ويقول، بسخرية: «شكراً للحكومة».
في مطلع يوليو (تموز)، اندلعت مظاهرات في ليبيا احتجاجاً على الظروف المعيشية والفوضى السياسية وأزمة انقطاع التيار الكهربائي.
وكرّست حكومة طرابلس، الاثنين، اجتماعها الأسبوعي للبحث في ملفّ الكهرباء، واعترفت بأنها أساءت تقدير مدى سوء الوضع. وأعلنت السلطات أنها ستُشغّل «هذا الشهر» ثلاث محطات جديدة لتوليد الكهرباء.
وبانتظار تحسّن الوضع الراهن، يعيش أحمد حجاج في بنغازي، على بُعد نحو ألف كيلومتر من العاصمة طرابلس، وقد نفد صبره من «غياب الدولة».
ويقول: «في الأمس، ذهبت إلى مصرف الجمهورية وانتظرت في الطابور منذ الصباح حتى الثالثة بعد الظهر وظل نظام المصرف معطلاً. انتظرت منذ الصباح ولكن لم أتمكن من سحب راتبي حتى أشتري مستلزمات المنزل.... أين الدولة؟ لا دولة».
ويجلس قرب طفله البالغ من العمر أربعة أعوام، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة ويحتاج إلى معدات طبية لا يمكن تشغيلها دون كهرباء. ويعتبر أحمد حجاج نفسه عاجزاً عن إيجاد حلّ بنفسه، مطالباً الدولة بـ«تأمين الكهرباء لنا».


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

روسيا تعزّز انخراطها بين أفرقاء ليبيا بالتوازي مع تنامي الدور الأميركي

الدبيبة ولافروف خلال محادثات على هامش «منتدى سياسي» بأنطاليا التركية السبت الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ولافروف خلال محادثات على هامش «منتدى سياسي» بأنطاليا التركية السبت الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

روسيا تعزّز انخراطها بين أفرقاء ليبيا بالتوازي مع تنامي الدور الأميركي

الدبيبة ولافروف خلال محادثات على هامش «منتدى سياسي» بأنطاليا التركية السبت الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ولافروف خلال محادثات على هامش «منتدى سياسي» بأنطاليا التركية السبت الماضي (مكتب الدبيبة)

عزّزت روسيا خلال الأسابيع الأخيرة انخراطها بين الأفرقاء الليبيين، عبر تكثيف تحركاتها الدبلوماسية وفتح قنوات تواصل مع الفاعلين السياسيين والعسكريين؛ تزامناً مع تنامي الدور الأميركي، الذي بات أكثر حضوراً في ملفات التسوية والأمن.

ويأتي هذا الحراك في سياق تنافس متجدد بين القوتين على النفوذ داخل ليبيا، في ظل بيئة داخلية مثقلة بانقسام سياسي منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، وتحولها ساحةً لتعدد المبادرات وتداخل المسارات، حسب مراقبين.

المنفي والسفير الروسي في لقاء بالعاصمة الليبية طرابلس الخميس الماضي (مكتب رئيس المجلس الرئاسي)

وطيلة أكثر من أسبوع، كثّفت موسكو انخراطها عبر قنوات دبلوماسية مباشرة مع أطراف من شرق ليبيا وغربها، كان أبرزها محادثات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف مع نظيره الليبي المكلف، الطاهر الباعور في موسكو.

نشاط روسي متسارع

تتابع الأوساط الليبية باهتمام النشاط الروسي المتسارع في ليبيا، في توقيت متزامن مع تحركات أميركية لافتة، تجسدت في تنظيم القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) مناورات «فلينتلوك» في مدينة سرت، منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها، في خطوة تعكس توجهاً لتعزيز التعاون العسكري بين الأطراف المتنافسة.

حفتر خلال استقبال السفير الروسي الاثنين الماضي (إعلام القيادة العامة للجيش الوطني الليبي)

وحتى الآن، لم تصدر موسكو موقفاً مباشراً إزاء تنامي الدور الأميركي، الذي شمل أيضاً انخراط واشنطن في رعاية اتفاق للإنفاق التنموي الموحد، بعد سنوات من الانقسام المالي، وسط جدل حول تقارير تتحدث عن مبادرة منسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، تستهدف توحيد السلطتين التنفيذيتين في البلاد.

وخلال محادثاته مع الباعور، اكتفى لافروف بالحديث عن استعادة الوحدة والوئام الوطني في ليبيا، مؤكداً أن الليبيين أنفسهم هم من يجب أن يتخذوا القرارات الأساسية بشأن مستقبل بلادهم، بعيداً عن أي تدخل خارجي، دون تقديم أي تفاصيل إضافية.

في هذا السياق، يرى الباحث الليبي، محمد الجارح، أن موسكو تتعامل مع هذه التحركات بحالة من الترقب الحذر، مشيراً إلى أنها لا تراهن على نجاح المبادرات الأميركية سياسياً، حتى وإن حققت تقدماً اقتصادياً أو عسكرياً.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

يقول الجارح لـ«الشرق الأوسط» إن روسيا «تدفع في المقابل نحو مسار حوار ليبي تقوده المؤسسات القائمة، وعلى رأسها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، بصفته مساراً موازياً للمبادرات الأميركية».

من جهته، يلفت المحلل السياسي الليبي، حازم الرايس، إلى أن موسكو تتحرك بحذر إزاء هذه التطورات؛ نظراً لما قد تمثله من تهديد لنفوذها، خاصة في شرق البلاد. ورأى في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الحذر ينعكس في إعادة تموضع مدروس، يجمع بين تثبيت الحضور العسكري، وتعزيز الانخراط الدبلوماسي، عبر توسيع قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الليبية.

وتجلى هذا الانخراط في سلسلة لقاءات قادها السفير الروسي، أيدار أغانين، شملت اجتماعه مع قائد «الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، ونجله رئيس الأركان، الفريق خالد في بنغازي، إضافة إلى لقاءات لافروف مع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، السبت الماضي، على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي». كما سلّم أغانين دعوة رسمية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، للمشاركة في قمة «روسيا -أفريقيا»، إلى جانب مشاورات مع السفير الصيني، ما شيو ليانغ حول تطورات الأزمة.

وتزامنت هذه التحركات مع طرح مبادرة منسوبة إلى بولس، تقضي بإعادة ترتيب السلطة التنفيذية، عبر تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل بقاء الدبيبة على رأس الحكومة، في محاولة لإعادة التوازن بين الشرق والغرب.

«سباق المبادرات»

حسب الجارح، فإن «ليبيا دخلت منذ خريف العام الماضي ما يشبه (سباق المبادرات) بدعم من موسكو وواشنطن»، موضحاً أن «التحركات بدأت بدعم روسي لمقترحات سياسية لم تحقق نتائج ملموسة، قبل أن ترد الولايات المتحدة بمبادرة بولس عقب اجتماعات دولية في روما وباريس».

زيارة سابقة لنائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف إلى بنغازي (الجيش الوطني)

أما الرايس، فإنه يعتقد أن «موسكو تتمسك بأن تبقى صياغة القواعد القانونية للانتخابات بيد المؤسسات القائمة، بصفتها الإطار الشرعي المنبثق عن الاتفاق السياسي الليبي». مبرزاً أن «روسيا لا تعارض التسوية، لكنها ترفض أن تأتي على حساب نفوذها، وتفضّل مساراً يستند إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة، مع تثبيت وقائع ميدانية تضمن استمرار حضورها».

عسكرياً، تتقاطع هذه التحركات مع حسابات النفوذ على الأرض، حيث يستمر الوجود الروسي في قواعد رئيسية، أبرزها الجفرة وبراك الشاطئ في الجنوب، مع انتشار عناصر مجموعة فاغنر منذ 2018، قبل أن تُعاد تسميتها بـ«الفيلق الأفريقي».

في هذا السياق، يوضح الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، أن الهدف الروسي يتمثل في الحفاظ على الوجود لا التوسع، عبر تثبيت قواعد استراتيجية في مناطق سيطرة «الجيش الوطني» بقيادة حفتر، مدعومة بترتيبات تضمن استدامة التمويل. ويقول حرشاوي لـ«الشرق الأوسط» إن موسكو تركز على ضمان البقاء أكثر من السيطرة، عادَّاً أن خسارة ليبيا قد تعني تراجع نفوذها في أفريقيا. مشيراً إلى أن روسيا تواجه مستوى أعلى من عدم اليقين مقارنة بالسنوات الماضية.

ويبقى النفط ورقة مركزية في هذا التنافس، في بلد يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا. وفي هذا الإطار، برز ملف الطاقة في محادثات الباعور بموسكو، بحضور وزير الطاقة سيرغي تسيفيليف.

ويرى محللون، بينهم الخبير الاقتصادي، يوسف يخلف مسعود، أن النفط يمثل محور اهتمام مشترك لواشنطن وموسكو، في ظل اتفاقيات كبرى مع شركات أميركية، مثل «كونوكو فيليبس» ومذكرات تفاهم مع «إكسون موبيل» لإجراء دراسات فنية قبالة الساحل الشمالي الغربي وحوض سرت.

المنفي والدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة خلال اجتماع في طرابلس الشهر الماضي (مكتب المنفي)

وفي المحصلة، تميل الأطراف الليبية، وفق الجارح، إلى تبني مقاربة توازن في علاقاتها مع موسكو وواشنطن، نتيجة تجارب سابقة أظهرت مخاطر الارتهان لطرف واحد، سواء في تراجع الدعم الروسي خلال حرب طرابلس، أو في تغير المواقف الإقليمية؛ ما يدفعها إلى إدارة التنافس الدولي، بما يخدم مصالحها ويقلل تكلفته السياسية.

ووسط هذا التنافس غير المعلن، تبقى ليبيا رهينة انقسام سياسي بين حكومتين، إحداهما في الغرب برئاسة الدبيبة، وأخرى يقودها أسامة حماد بتكليف من البرلمان، وتسيطر على الشرق، وأجزاء من الجنوب بدعم من «الجيش الوطني».


تداعيات «حرب إيران» تلقي بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة

مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (مجلس النواب)
مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (مجلس النواب)
TT

تداعيات «حرب إيران» تلقي بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة

مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (مجلس النواب)
مجلس النواب المصري يستمع إلى رؤية الحكومة بشأن الموازنة العامة للدولة (مجلس النواب)

ألقت تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية بظلالها على الموازنة المصرية الجديدة، والتي استعرضها وزير المالية أحمد كجوك أمام مجلس النواب المصري اليوم الأربعاء، قبل إحالتها إلى اللجان المتخصصة لمناقشتها، مع تأكيدات حكومية بإدخال تعديلات سريعة عليها «لتعزيز قدرتها على التعامل مع المخاطر الحالية، والمحتملة».

وجاء بيان كجوك بعد يوم من إلقاء رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بيان حكومته أمام مجلس النواب، حيث ركز على أضرار الحرب، وآليات التعامل مع تداعياتها، وأفصح عن تعامل الحكومة مع التصعيد الراهن في المنطقة «كأزمة ممتدة» يصعب الجزم بتوقيت انتهائها في ظل تعقيد وتشابك الأوضاع الإقليمية، والدولية. ورجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية حتى نهاية العام الحالي.

وكان من اللافت أثناء استعراض موازنة العام المالي 2026-2027 تخصيص 600 مليار جنيه (11.5 مليار دولار) لدعم الطاقة، بما يشمل دعم الكهرباء الذي شهد زيادة بلغت نسبتها 39 في المائة، وفقاً لوزير المالية، وكذلك تخصيص 832.3 مليار جنيه للحماية الاجتماعية بزيادة سنوية 12 في المائة لدعم الفئات الأكثر احتياجاً، إلى جانب رصد 90 مليار جنيه لبرامج مساندة النشاط الاقتصادي. (الدولار يساوي 52 جنيهاً تقريباً).

وأكد وزير المالية أن أولويات الإنفاق تتركز في قطاعات الصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية، ودعم الإنتاج، والتصدير، مع تبني سياسات تحوطية مرنة لمواجهة أي تحديات محتملة، وتحقيق توازن بين الانضباط المالي وتحفيز النشاط الاقتصادي، مشيراً إلى «حالة عدم يقين تشهدها الأسواق، واضطراب في حركة التجارة، وسلاسل الإمدادات» وصفها بأنها «تحديات وضغوط كبيرة على الاقتصاديات، خاصة الدول الناشئة».

وتطرقت بيانات عرضها وزير المالية أمام النواب إلى خفض استهلاك الوقود بنسبة 3 في المائة، وخفض استهلاك الكهرباء والإنارة بنسبة 15 في المائة تزامناً مع الأحداث. وعلى صعيد المشروعات القومية، قررت الحكومة إرجاء أو إبطاء تنفيذ المشروعات «بطيئة التنفيذ»، أو تلك كثيفة الاستهلاك للوقود بصفة استثنائية لمدة 3 أشهر قابلة للتجديد.

ووفقاً للوزير، قررت الحكومة «قصر الصرف خلال الربع الأخير من العام المالي الجاري على النفقات الحتمية فقط، والتي تشمل الأجور، والمرتبات، والمعاشات، وتوفير متطلبات قطاعات الصحة، والكهرباء، والبترول».

القطاعات الحيوية

وتتأثر الموازنة المصرية بارتفاع فاتورة توفير إمدادات الطاقة، وهو ما يدفع الحكومة لزيادة مخصصات الدعم في الموازنة الجديدة إلى جانب اعتمادها على ترشيد الاستهلاك، والتحوط من التطورات المستقبلية للحرب، بحسب الخبير الاقتصادي محيي الدين عبد السلام الذي أشار إلى أن مصر تضررت بشكل بالغ جراء زيادة أسعار النفط، والغاز.

وأظهرت البيانات التي عرضها وزير المالية أمام مجلس النواب تدبير الحكومة نحو 135.6 مليار جنيه منذ مطلع مارس (آذار) الماضي لضمان استقرار القطاعات الحيوية، توزعت بين 90.6 مليار جنيه لدعم قطاع الطاقة، و30 مليار جنيه لتوفير السلع الأساسية، والتموينية، والقمح، والسكر، إضافة إلى 15 مليار جنيه لدعم القطاع الصحي، وتوفير الأدوية.

ويلفت عبد السلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى عدم اتضاح الرؤية بشأن القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية في ظل مخاوف بعض المستثمرين من ضخ أموال جديدة في دول المنطقة نتيجة أخطار الحرب، فيما تنتظر مصر فرصاً إيجابية مع قدرتها على النأي بنفسها عن التوترات القائمة.

ويرى أن هذه الظروف قادت لاتخاذ سياسات مالية انكماشية تظهر في تثبيت سعر الفائدة بدلاً من خفضه، واتخاذ قرارات «الترشيد»، وتخفيض نفقات المؤسسات الحكومية، مضيفاً أن هذا ينعكس على الموازنة الجديدة «التي تولي اهتماماً بالقطاعات الحيوية، وتعزيز الدعم الاجتماعي، وخاصة مع تراجع عوائد قناة السويس، والسياحة، والتأثيرات المحتملة على تحويلات المصريين بالخارج».

الحكومة المصرية تستعرض الموازنة الجديدة بعد يوم من إلقاء بيان رئيس الوزراء داخل مجلس النواب (مجلس النواب)

وكان وزير المالية قد أكد في حلقة نقاشية مع أعضاء حزب «حماة الوطن» قبل أسبوعين تقريباً أنه «تم إدخال تعديلات سريعة في الموازنة الجديدة لتعزيز القدرة على التعامل مع المخاطر الحالية والمحتملة بزيادة الاحتياطيات»، مشيراً إلى أن هناك مخصصات إضافية لضمان توفر الطاقة، والسلع الأساسية، والأدوية في ظل التحديات الإقليمية الاستثنائية.

شراكة القطاع الخاص

أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، يمن الحماقي، قالت إن الحكومة «أمام تحديات وصعوبات عديدة مع تحديد أوجه مخصصات الموازنة العامة الجديدة في ظل الاضطرابات الإقليمية»، لكنها في الوقت ذاته شددت على وجود «فرص مهمة لتحسين النشاط الاقتصادي، والذي يعد أساس الموازنة من خلال التشجيع على زيادة الإنتاج بما تترتب عليه زيادة الحصيلة الضريبية، شريطة أن يكون ذلك مرتبطاً بأدوار كبيرة للقطاع الخاص».

واستطردت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن أدوار القطاع الخاص «ما زالت ضعيفة»، وطالبت باستراتيجية حكومية تحفيزية على غرار تشجيع «المشروعات الصغيرة» التي حققت نمواً إيجابياً في العائدات الضريبية.

وذكرت أن الحكومة ما زالت بحاجة إلى توظيف جيد للطاقات العاطلة في قطاع الأعمال العام، مشيرة إلى أن الشراكة مع القطاع الخاص لتطويره يمكن أن يحقق مردوداً إيجابياً.

وأوضح كجوك أمام الجلسة العامة لمجلس النواب، الأربعاء، أن أولويات الحكومة في الموازنة الجديدة تتمثل في تحقيق الشراكة مع القطاع الخاص، بتبسيط الإجراءات، وجذب عدد من الممولين، وزيادة الإيرادات الضريبية، وأن من بين المستهدفات العمل على الحفاظ على الانضباط المالي، موضحاً أن النمو الاقتصادي يساهم في تحقيق الضبط المالي.


وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

يزور وفد من منظمة أرباب العمل الفرنسية، الجزائر، الخميس، بقيادة رئيسها باتريك مارتن، وبمشاركة نحو أربعين من كبار رؤساء الشركات، في تحرك اقتصادي يهدف إلى ترميم العلاقات التجارية، التي عصفت بها التوترات السياسية على مدار العامين الماضيين.

رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائر (وسط) (إعلام أرباب العمل)

تأتي هذه المهمة، وفق مصادر من الشبكة الدبلوماسية الفرنسية المستقرة بالجزائر، لتتخطى الأبعاد الرسمية الضيقة، حيث تسعى إلى بعث روح جديدة في الحوار الاقتصادي المباشر بين الطرفين، ومحاولة استرجاع مكانة الشركات الفرنسية في السوق الجزائرية، بعد تراجع حصتها الملحوظ. كما تمثل الزيارة، في تقدير نفس المصادر، خطوة عملية لإعادة بناء جسور الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين، سعياً لتجاوز مرحلة الفتور وتنشيط التبادلات التجارية والاستثمارية من جديد.

وأفادت تقارير أوردتها صحيفة «الوطن» الجزائرية، الأربعاء، نقلاً عن «مصادر مقربة من مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري»، (أكبر تنظيم أرباب العمل في البلاد)، بأن «حركة مؤسسات فرنسا» المعروفة اختصاراً بـ«ميديف»، ستُجري زيارة للجزائر تدوم يومين ابتداءً من الخميس.

بناء شراكات مستدامة

تأتي هذه الزيارة بعد فترة طويلة من التوترات في العلاقات بين البلدين، التي أثرت سلباً على التبادلات الاقتصادية. وحسب مراقبين، لا تُعد هذه الخطوة مجرد زيارة بروتوكولية، بل هي محاولة لإعادة إطلاق الحوار بين أوساط الأعمال من الجانبين؛ حيث يتمثل الهدف الرئيسي في استئناف المحادثات في إطار «مجلس العلاقات الاقتصادية والصداقة الجزائرية - الفرنسية»، الذي يرأسه رجل الأعمال ورئيس «مجلس التجديد»، كمال مولى، في وقت شهد فيه الحضور الاقتصادي الفرنسي في الجزائر تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.

الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وأفادت مصادر من «مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري»، لـ«الشرق الأوسط»، بأن اللقاءات المرتقبة في الجزائر ستقتصر على اجتماعات ثنائية مخصصة لعدة قطاعات تحظى بالأولوية، لا سيما الأمن الغذائي والطاقة، من خلال مشاريع مرتبطة بالطاقة الشمسية، والهيدروجين الأخضر والصحة، والرقمنة وقطاع البناء.

وتمثل هذه المهمة للشركات الفرنسية فرصة لتأكيد حضورها، وطمأنة شركائها بشأن التزامها طويل الأمد، حسب ذات المصادر. كما تهدف أيضاً إلى مناقشة بعض العقبات، مثل طول الآجال الإدارية، التي تشير التقديرات إلى أنها تضاعفت ثلاث مرات منذ عام 2024.

ميشيل بيزاك رئيس غرفة التجارة والصناعة الجزائرية - الفرنسية (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ويرى مراقبون أن هذه الزيارة محطة جوهرية لقياس آفاق إنعاش العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وتجري زيارة منظمة أرباب العمل الفرنسية وسط أجواء توحي بانفراج سياسي تدريجي بين الجزائر وباريس، حيث مهدت الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، والتي حظي خلالها باستقبال من الرئيس عبد المجيد تبون في مقر رئاسة الجمهورية، الطريق لتهدئة محسوبة بين الطرفين، فيما عززت تصريحات الوزير الإيجابية عقب ذلك اللقاء من المؤشرات القوية نحو هذا المسار.

من جهتها، كانت الوزيرة السابقة سيغولين رويال، بصفتها رئيسة لجمعية «فرنسا - الجزائر»، قد أعلنت نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي خلال زيارتها الجزائر، أنها تعتزم التواصل مع رئيس «ميديف» لتنظيم هذه البعثة. وأوضحت حينها أن كمال مولى أبدى استعداده لاستقبال الوفد بهدف إعادة ربط الاتصالات المقطوعة منذ عامين.

الاقتصاد رافعة للسياسة

في تصريحات صحافية حديثة، دقّ ميشيل بيزاك، رئيس «غرفة التجارة والصناعة الجزائرية - الفرنسية»، ناقوس الخطر بشأن التداعيات المحتملة للأزمة السياسية بين الجزائر وفرنسا، والتي أججتها الأوساط السياسية والإعلامية المقربة من اليمين المتطرف. علماً بأن الأزمة اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

ميشيل بيزاك رئيس غرفة التجارة والصناعة الجزائرية - الفرنسية (الغرفة)

وصرح بيزاك قائلاً: «نحن في وضع حرج للغاية»، معرباً عن «أسفه لديناميكية التدهور، التي لا تهدد الروابط السياسية فحسب، بل تمتد لتشمل العلاقات الاقتصادية بين البلدين».

ووفقاً له، فإنه في حال قررت الجزائر تطبيق نفس الإجراءات التجارية على فرنسا، التي فرضتها سابقاً على إسبانيا، على أثر إعلان مدريد دعمها خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء في 2022، فإن «الفاتورة ستكون باهظة على الاقتصاد الفرنسي، حيث يمكن تسجيل خسائر تقترب من 4.8 مليار يورو».

ويعكس هذا الرقم قيمة الصادرات الفرنسية إلى الجزائر، التي تشكل ركيزة مهمة للتجارة الخارجية لعدة قطاعات صناعية. وذكّر بيزاك بأن هناك نحو 6 آلاف شركة فرنسية تعمل اليوم «لصالح الجزائر ومعها»، من خلال توفير السلع والخدمات أو الشراكات الصناعية.

اجتماع سابق لأطر «ميديف» الفرنسي ومجلس التجديد الاقتصادي الجزائري في مايو 2022 (منظمة أرباب العمل الجزائرية)

وحذر بيزاك قائلاً: «هذه الشركات ستجد نفسها في صعوبات جمة إذا تفاقم الوضع»، مشدداً على الهشاشة المتزايدة للتبادلات الاقتصادية الثنائية. وأضاف موضحاً: «إلى وقت قريب، كان لدي أمل كبير... لكنني اليوم أريد أن أشدد بوضوح على ضرورة تجنب التصعيد».

وبالنسبة إلى مسيِّري الشركات الفرنسية المستقرة في الجزائر، فإن الأمل في الانتعاش يبدو ملموساً؛ حيث أكدوا في فبراير (شباط) الماضي على هامش «مجلس الأعمال الفرنسي - الجزائري» الذي نظمته منظمة «ميديف إنترناشيونال» في باريس، أنهم «في المسار الصحيح لإعادة إطلاق العلاقات الاقتصادية بين بلدينا».

رئيس منظمة أرباب العمل الفرنسيين «ميديف» - الأول على اليمين (ميديف)

وفي حين يرى مراقبون أن الشق السياسي لا يزال يواجه صعوبة في الاستقرار، نتيجة التصريحات الحادة المتبادلة بين الطرفين، التي تعوق التقدم الدبلوماسي بانتظام، فإن الرافعة الاقتصادية تبدو اليوم المسار الواعد أكثر من غيره لإعطاء دفعة جديدة للتعاون الثنائي بين الجزائر وفرنسا. ومن ثم، قد تشكل زيارة منظمة أرباب العمل الفرنسية «نقطة الانطلاق»، التي لطالما انتظرها المتعاملون الاقتصاديون في كلا البلدين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended