وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

زيارة «منظمة أرباب العمل» تأتي وسط أجواء توحي بانفراج سياسي تدريجي بين البلدين

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

يزور وفد من منظمة أرباب العمل الفرنسية، الجزائر، الخميس، بقيادة رئيسها باتريك مارتن، وبمشاركة نحو أربعين من كبار رؤساء الشركات، في تحرك اقتصادي يهدف إلى ترميم العلاقات التجارية، التي عصفت بها التوترات السياسية على مدار العامين الماضيين.

رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائر (وسط) (إعلام أرباب العمل)

تأتي هذه المهمة، وفق مصادر من الشبكة الدبلوماسية الفرنسية المستقرة بالجزائر، لتتخطى الأبعاد الرسمية الضيقة، حيث تسعى إلى بعث روح جديدة في الحوار الاقتصادي المباشر بين الطرفين، ومحاولة استرجاع مكانة الشركات الفرنسية في السوق الجزائرية، بعد تراجع حصتها الملحوظ. كما تمثل الزيارة، في تقدير نفس المصادر، خطوة عملية لإعادة بناء جسور الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين، سعياً لتجاوز مرحلة الفتور وتنشيط التبادلات التجارية والاستثمارية من جديد.

وأفادت تقارير أوردتها صحيفة «الوطن» الجزائرية، الأربعاء، نقلاً عن «مصادر مقربة من مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري»، (أكبر تنظيم أرباب العمل في البلاد)، بأن «حركة مؤسسات فرنسا» المعروفة اختصاراً بـ«ميديف»، ستُجري زيارة للجزائر تدوم يومين ابتداءً من الخميس.

بناء شراكات مستدامة

تأتي هذه الزيارة بعد فترة طويلة من التوترات في العلاقات بين البلدين، التي أثرت سلباً على التبادلات الاقتصادية. وحسب مراقبين، لا تُعد هذه الخطوة مجرد زيارة بروتوكولية، بل هي محاولة لإعادة إطلاق الحوار بين أوساط الأعمال من الجانبين؛ حيث يتمثل الهدف الرئيسي في استئناف المحادثات في إطار «مجلس العلاقات الاقتصادية والصداقة الجزائرية - الفرنسية»، الذي يرأسه رجل الأعمال ورئيس «مجلس التجديد»، كمال مولى، في وقت شهد فيه الحضور الاقتصادي الفرنسي في الجزائر تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.

الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وأفادت مصادر من «مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري»، لـ«الشرق الأوسط»، بأن اللقاءات المرتقبة في الجزائر ستقتصر على اجتماعات ثنائية مخصصة لعدة قطاعات تحظى بالأولوية، لا سيما الأمن الغذائي والطاقة، من خلال مشاريع مرتبطة بالطاقة الشمسية، والهيدروجين الأخضر والصحة، والرقمنة وقطاع البناء.

وتمثل هذه المهمة للشركات الفرنسية فرصة لتأكيد حضورها، وطمأنة شركائها بشأن التزامها طويل الأمد، حسب ذات المصادر. كما تهدف أيضاً إلى مناقشة بعض العقبات، مثل طول الآجال الإدارية، التي تشير التقديرات إلى أنها تضاعفت ثلاث مرات منذ عام 2024.

ميشيل بيزاك رئيس غرفة التجارة والصناعة الجزائرية - الفرنسية (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ويرى مراقبون أن هذه الزيارة محطة جوهرية لقياس آفاق إنعاش العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وتجري زيارة منظمة أرباب العمل الفرنسية وسط أجواء توحي بانفراج سياسي تدريجي بين الجزائر وباريس، حيث مهدت الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، والتي حظي خلالها باستقبال من الرئيس عبد المجيد تبون في مقر رئاسة الجمهورية، الطريق لتهدئة محسوبة بين الطرفين، فيما عززت تصريحات الوزير الإيجابية عقب ذلك اللقاء من المؤشرات القوية نحو هذا المسار.

من جهتها، كانت الوزيرة السابقة سيغولين رويال، بصفتها رئيسة لجمعية «فرنسا - الجزائر»، قد أعلنت نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي خلال زيارتها الجزائر، أنها تعتزم التواصل مع رئيس «ميديف» لتنظيم هذه البعثة. وأوضحت حينها أن كمال مولى أبدى استعداده لاستقبال الوفد بهدف إعادة ربط الاتصالات المقطوعة منذ عامين.

الاقتصاد رافعة للسياسة

في تصريحات صحافية حديثة، دقّ ميشيل بيزاك، رئيس «غرفة التجارة والصناعة الجزائرية - الفرنسية»، ناقوس الخطر بشأن التداعيات المحتملة للأزمة السياسية بين الجزائر وفرنسا، والتي أججتها الأوساط السياسية والإعلامية المقربة من اليمين المتطرف. علماً بأن الأزمة اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

ميشيل بيزاك رئيس غرفة التجارة والصناعة الجزائرية - الفرنسية (الغرفة)

وصرح بيزاك قائلاً: «نحن في وضع حرج للغاية»، معرباً عن «أسفه لديناميكية التدهور، التي لا تهدد الروابط السياسية فحسب، بل تمتد لتشمل العلاقات الاقتصادية بين البلدين».

ووفقاً له، فإنه في حال قررت الجزائر تطبيق نفس الإجراءات التجارية على فرنسا، التي فرضتها سابقاً على إسبانيا، على أثر إعلان مدريد دعمها خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء في 2022، فإن «الفاتورة ستكون باهظة على الاقتصاد الفرنسي، حيث يمكن تسجيل خسائر تقترب من 4.8 مليار يورو».

ويعكس هذا الرقم قيمة الصادرات الفرنسية إلى الجزائر، التي تشكل ركيزة مهمة للتجارة الخارجية لعدة قطاعات صناعية. وذكّر بيزاك بأن هناك نحو 6 آلاف شركة فرنسية تعمل اليوم «لصالح الجزائر ومعها»، من خلال توفير السلع والخدمات أو الشراكات الصناعية.

اجتماع سابق لأطر «ميديف» الفرنسي ومجلس التجديد الاقتصادي الجزائري في مايو 2022 (منظمة أرباب العمل الجزائرية)

وحذر بيزاك قائلاً: «هذه الشركات ستجد نفسها في صعوبات جمة إذا تفاقم الوضع»، مشدداً على الهشاشة المتزايدة للتبادلات الاقتصادية الثنائية. وأضاف موضحاً: «إلى وقت قريب، كان لدي أمل كبير... لكنني اليوم أريد أن أشدد بوضوح على ضرورة تجنب التصعيد».

وبالنسبة إلى مسيِّري الشركات الفرنسية المستقرة في الجزائر، فإن الأمل في الانتعاش يبدو ملموساً؛ حيث أكدوا في فبراير (شباط) الماضي على هامش «مجلس الأعمال الفرنسي - الجزائري» الذي نظمته منظمة «ميديف إنترناشيونال» في باريس، أنهم «في المسار الصحيح لإعادة إطلاق العلاقات الاقتصادية بين بلدينا».

رئيس منظمة أرباب العمل الفرنسيين «ميديف» - الأول على اليمين (ميديف)

وفي حين يرى مراقبون أن الشق السياسي لا يزال يواجه صعوبة في الاستقرار، نتيجة التصريحات الحادة المتبادلة بين الطرفين، التي تعوق التقدم الدبلوماسي بانتظام، فإن الرافعة الاقتصادية تبدو اليوم المسار الواعد أكثر من غيره لإعطاء دفعة جديدة للتعاون الثنائي بين الجزائر وفرنسا. ومن ثم، قد تشكل زيارة منظمة أرباب العمل الفرنسية «نقطة الانطلاق»، التي لطالما انتظرها المتعاملون الاقتصاديون في كلا البلدين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

أكد الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الجزائري، أن التفوُّق العسكري الحقيقي لا يُقاس بنوعية السلاح فقط.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

قال وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، اليوم الثلاثاء، إنه «مطمئن جداً» إلى الطريقة التي يُعامل بها الصحافي كريستوف غليز في الجزائر حيث يُحتجز.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

أغلقت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر، أمس الاثنين، عند الساعة صفر، باب إيداع ملفات الترشح للانتخابات التشريعية، المقررة يوم 2 يوليو المقبل

شمال افريقيا الوفدان الوزاريان بمقر وزارة العدل الجزائرية (الوزارة الجزائرية)

وزير العدل الفرنسي في الجزائر لإنهاء الجمود وترميم الثقة... وملفات ثقيلة على الطاولة

باريس : زيارة دارمانان «مهمة للغاية، سنحاول من خلالها تجديد أواصر الثقة مع الجزائر، فأمن فرنسا يمر عبر الجزائر والعكس صحيح».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

قطار التطبيع يتسارع بين باريس والجزائر بملفات الأمن والقضاء

«أولئك الذين لا يسعون إلا لاستفزاز الجزائر لا يفكرون في مصالح فرنسا، بل في مصالحهم الانتخابية».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
TT

قائد الأركان الجزائري: التفوق العسكري لا يقاس بنوعية السلاح بل بالقدرة على الصمود

الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع خلال إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)

أكد الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الجزائري، اليوم (الثلاثاء)، أن «التفوُّق العسكري الحقيقي لا يُقاس بنوعية السلاح فقط، بل يكمن في القدرة على الصمود، وامتلاك البدائل التكتيكية، واكتساب الجاهزية العملياتية النوعية».

وشدَّد شنقريحة، في كلمة له خلال زيارة عمل وتفقد إلى الناحية العسكرية الخامسة شرق البلاد، أنَّ الجيش الجزائري «مصمم على مواصلة مسار بناء مقدراته العسكرية، والرفع من جاهزيته العملياتية، بما يمكِّنه من أداء مهامه الدستورية على أكمل وجه، وبما يسمح لنا بالتحكم في أدوات أمننا، والدفاع عن سيادتنا ومصالحنا العليا».

وأضاف شنقريحة أنه «لن يتأتَّى لنا ذلك إلا من خلال مواصلة تنفيذ برامج التحضير القتالي، بجدية وصرامة لبناء منظومة دفاعية قائمة على التحضير العالي والجاهزية العملياتية والصلابة الشاملة»، مبرزاً أن «الطريق الأقوم لبلوغ هذه الجاهزية يبدأ أولاً، وقبل كل شيء، من ميدان التدريب، ومن الإيمان الراسخ بأنَّ كل خطوة نخطوها باحترافية، وكل خطة تُنفَّذ بدقة ستسهم بفاعلية في بناء القدرة على الردع والحسم».

في سياق ذلك، حثَّ شنقريحة أفراد الجيش في المنطقة الحدودية الحساسة المتاخمة لتونس إلى «العمل بمثابرة أكثر من أجل اجتثاث آخر العناصر الإرهابية من أرض بلادنا الطاهرة، ودحر شبكات دعمهم وإسنادهم، للتفرغ نهائياً لمهام تحضير القوات وإعدادها الجيد، لتتوافق مع التزاماتنا الجمهورية، وتسمح لنا برفع تحديات السياقات الإقليمية والدولية الراهنة».

في هذا الصدد، هنَّأ شنقريحة عناصر الوحدات المقحمة في مكافحة الإرهاب والتخريب على «النتائج النوعية المُحقَّقة في هذا المجال، والتي سمحت بالقضاء على كثير من الإرهابيين والمجرمين، خونة الأمة، وإحباط مشروعاتهم الدنيئة التي تستهدف المساس بأمن الوطن والمواطن».


باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
TT

باريس «مطمئنة» لطريقة تعامل الجزائر مع صحافي فرنسي مسجون لديها

الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
الصحافي الفرنسي كريستوف غليز (من حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

قال وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، اليوم الثلاثاء، إنه «مطمئن جداً» إلى الطريقة التي يُعامل بها الصحافي كريستوف غليز في الجزائر حيث يُحتجز، وذلك غداة زيارة للجزائر العاصمة.

وأورد دارمانان خلال برنامج بثته إذاعة وقناة تلفزيون خاصتان: «ذكّرنا بأنه يجب إعادة كريستوف غليز، لا إلى فرنسا، بل إلى والدته»، مضيفاً أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «سيكون متفهماً لذلك، في أي حال (...) أنا أثق به في هذا الأمر»، مشيراً إلى أنه أجرى معه «محادثات معمقة جداً».

كان الصحافي الرياضي الفرنسي قد أوقف في مايو (أيار) 2024 في منطقة القبائل، شمال شرق الجزائر، حيث كان ينجز تحقيقاً صحافياً، وحُكم عليه في يونيو (حزيران) 2025 بالسجن سبع سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وكشفت عائلته أنه سحب في مارس (آذار) طعناً قضائياً في مسعى إلى إفساح المجال لعفو من الرئيس تبون.

واعتبر وزير العدل الفرنسي أن الرئيس الجزائري قادر على «القيام بهذه المبادرة من أجل هذه العائلة، وبالطبع من أجل علاقتنا الجيدة».

وأجرى دارمانان زيارة استمرت يومين للجزائر لبحث قضية غليز، إضافة إلى التعاون القضائي بين البلدين. وجسدت هذه الزيارة تهدئة بين البلدين بدأت في الأشهر الأخيرة، بعد أزمة حادة استمرت نحو عامين.


المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
TT

المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)
الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

قال ‌مدعون عامون لقضاة المحكمة الجنائية الدولية، الثلاثاء، إن الليبي خالد الهيشري، المتهم بالإشراف على أحد أسوأ السجون سمعة في ليبيا، كان معروفاً بأنه «يعذب من دون رحمة»، مما دفع المعتقلين لتلقيبه بـ«عزرائيل». ويمثل هذا الإجراء أول مثول فعلي لمتهم أمام المحكمة، يواجه اتهامات بجرائم ارتكبت داخل الأراضي الليبية منذ بدء تفويض المحكمة قبل نحو 15 عاماً. وذكر المدعون العامون أن الهيشري (47 عاماً) كان يشرف على جناح النساء في سجن معيتيقة، الذي يديره «جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة» في ليبيا. مضيفين حسب وكالة «رويترز» أن «آلاف الضحايا اعتقلوا واحتجزوا دون أساس قانوني في ظروف غير ‌إنسانية، وتعرضوا ‌للإساءة والتعذيب على نحو ممنهج».

الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

وقالت نزهة ‌شميم ⁠خان، نائبة المدعي ⁠العام، في بداية الجلسات التي تستمر ثلاثة أيام، والمقرر أن تحدد التهم التي ستوجه للمشتبه به: «كان الهيشري معروفاً على نطاق واسع بأنه (رجل) سيئ السمعة، يمارس التعذيب وهو من أكبر المسؤولين في سجن معيتيقة».

وأضافت، خلال الجلسة، أن قضية الهيشري تمثل «محطة مفصلية ومهمة في مسار العدالة الدولية لمحاسبة المشتبه بارتكابهم جرائم في ليبيا، بغض النظر عن نفوذهم أو سلطتهم»، مشددة على أن القضية تبعث برسالة واضحة مفادها أن «لا أحد فوق القانون».

وفي عرض الادعاء، نقلت نائبة المدعي العام عن أحد الشهود قوله إن الهيشري كان «من أسوأ المحرّضين على العنف»، فيما أشار شاهد آخر إلى أنه كان يُلقَّب بـ«ملاك الموت». لافتة إلى أن «إحدى طرق التعذيب المفضّلة لديه، حسب الشهادات، كانت إطلاق النار على الأشخاص خصوصاً في الساق والركبة». كما كان «يعلّق الأشخاص وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم ويضربهم بالمجارف»، وفق الادعاء. وتحدّثت عن ظروف «لا يمكن تصوّرها» داخل السجن، مشيرة إلى أن الهيشري، الذي كان مسؤولاً عن سجن النساء، استخدم الأمراض «سلاحاً» من خلال وضع المعتقلين في زنازين يحتمل أن يُصابوا فيها بعدوى. وبيّنت أن المتهم كان يرتكب بنفسه عمليات اغتصاب وقتل وتعذيب بحقّ السجناء. كما أوضح المدعون أن ⁠الهيشري اعتدى شخصياً على سجينات، وعذبهن واغتصبهن ‌في إطار نمط ‌من التعذيب الجنسي. وطلبوا من القضاة تأكيد 17 تهمة ضده، من بينها ارتكاب ‌جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، والاغتصاب والاضطهاد والاستعباد من فبراير «شباط» 2015 حتى أوائل 2020.

كما تشمل لائحة الاتهام الموجهة للمسؤول السابق في السجن، الذي احتجز فيه آلاف الأشخاص لفترات طويلة، ارتكاب أعمال تعذيب وقتل، والشروع في القتل، والاعتداء الصارخ على الكرامة الشخصية، والمعاملة القاسية وغير الإنسانية، بالإضافة إلى الاغتصاب وغير ذلك من أشكال العنف الجنسي ضد المحتجزين.

واجهة المحكمة الجنائية الدولية (أ.ب)

وأوضحت النيابة العامة للمحكمة أن هناك «أسساً قوية» تدعو للاعتقاد بأن الهيشري يتحمل مسؤولية جنائية فردية عن هذه الانتهاكات، مشيرة إلى أن المتهمين استغلوا حالة «الإفلات من العقاب»، والفراغ الأمني الذي أعقب سقوط نظام القذافي، واستمرار النزاع المسلح غير الحكومي لتمرير جرائمهم.

وكشفت وثائق المحكمة أن الهيشري، الذي اعتقل ⁠في ألمانيا في يوليو (تموز) 2025، لم يقدم رداً رسمياً بعد على التهم المذكورة، لكنّ محاميه طلبوا من ‌القضاة رفض التهم، وطعنوا على اختصاص المحكمة في نظر هذه القضية.

في هذا السياق فند محامي الدفاع عن الهيشري التهم الموجهة لموكله أمام المحكمة، مؤكداً أن الوقائع المنسوبة إليه صيغت «على خلاف الحقيقة»، ودفع بأن سجن «معيتيقة» هو مؤسسة تابعة رسمياً للنيابة العامة، وتخضع لرقابة وإشراف وزارة العدل الليبية، وليس لسيطرة «جهاز الردع».

ويعتقد الدفاع بأن «جهاز الردع» هو جهة «حكومية شرعية»، منشأة بموجب قرارات سيادية صادرة عن الدولة، وليس «جماعة أو ميليشيا مسلحة كما روجت له النيابة العامة للمحكمة».

وإذا أكد القضاة التهم، فقد تصبح قضية الهيشري أول محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية تركز على ليبيا. يشار إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تنظر في مزاعم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، منذ أن أحال مجلس الأمن الدولي القضية إلى المحكمة في 2011. وتهدف هذه الجلسات الإجرائية إلى تحديد ما إذا كانت هناك أدلة كافية لإثبات وجود «أسباب جوهرية» للاعتقاد بأن المتهم قد ارتكب هذه الجرائم؛ وفي حال اعتماد الدائرة التمهيدية تهمة واحدة أو أكثر، ستحال القضية رسمياً إلى الدائرة الابتدائية لبدء مرحلة المحاكمة الفعلية.

وبالتزامن مع بدء الجلسات، نظم عدد من الناشطين والحقوقيين وقفة تأييد أمام مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بينما ينظر مراقبون إلى هذه القضية باهتمام بالغ، كونها تفتح «الصندوق الأسود» لانتهاكات المجموعات المسلحة في طرابلس، خصوصاً وأن سجن معيتيقة خاضع لسيطرة واحدة من أقوى الفصائل الأمنية والعسكرية في الغرب الليبي، مما يضع ملف المحاسبة الدولية على طاولة الصراع الراهن بين سلطة الدولة وقوة السلاح.