«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة

علي حسن الفواز يكتب عن ضحايا «الزعيم الأبيض»

«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة
TT

«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة

«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة

الرواية الأخيرة للكاتب والناقد علي حسن الفواز «مسرات سود» تحليل وتشريح لشخصية بطلها المركزي «حسان المعروف» بوصفه أحد ضحايا استبداد «الزعيم الأبيض»؛ كناية عن الديكتاتور صدام حسين. وهذا التشريح يتم عبر سرد مبأر في الغالب، يتخلله أحياناً سرد «كلي العلم»، لكن السمة الغالبة تتمثل في صيغة «سرد ذاتي» (Autobiography) مهيمن، ترفده أحياناً مقاطع لسير أخرى (Biography) يرويها رواة ثانويون مشاركون أو مراقبون للحدث الروائي.
تضم الرواية في متنها الأساسي 6 فصول، أطلق على كل فصل منها اسم «مسرة» لتشكل في النهاية هذه المسرات الست الأساسية المتن الروائي، فضلاً عن مقطع استهلالي تحت عنوان: «أوهام» يمكن أن نعده «عتبة نصية» بمصطلحات الناقد الفرنسي جيرار جينيت.
وعنوان الرواية «مسرات سود» نفسه، بوصفه عتبة نصية أولى، ينطوي بدوره على تناقض ومفارقة؛ إذ يفترض بالمسرات أن تكون جميلة ومبهجة وربما بيضاء، لكنها هنا تبدو مكللة بالسواد؛ لأنها كما سنكتشف لاحقاً سببت لبطلها معاناة كبيرة وتحولت بذلك إلى مسرات سود، وهي تشير بوضوح إلى أفق توقع مثير تتحول فيه المسرات إلى مكابدات وخذلانات.
ومنح الروائي مسراته عنوانات فرعية، لكنها تفتقد الاتساق. فقد أطلق على المسرة الأولى عنواناً فرعياً هو: «مسرة الذاكرة» بينما اكتفى لاحقاً بكتابة الترقيم فقط باستعمال مصطلحي «المسرة الثانية» و«المسرة الثالثة»؛ كما عاد إلى توظيف العنوانات الفرعية للمسرات؛ الرابعة «مسرة السيرة»، والخامسة «مسرة الخذلان»، والسادسة «مسرة الاعتراف»، وكان يفترض بالمؤلف أن يعتمد نسقاً موحداً في تبويب الفصول وعنونتها.
وتكاد العتبة النصية الاستهلالية الموسومة بـ«أوهام» تمهد لجوهر الفعل الروائي وخطوطه العريضة، حيث يكشف بطل الرواية «حسان المعروف» عن معاناته المأساوية، بوصفه ضحية من ضحايا التعذيب والاضطهاد والسجن في ظل نظام «الزعيم الأبيض»؛ كناية عن نظام «حزب البعث» وجلاديه الذين جاءوا للسلطة في انقلاب دموي أسود في 8 فبراير (شباط) عام 1963 للمرة الأولى، وعادوا ثانية عبر انقلاب جديد في 17 يوليو (تموز) عام 1968.
ويبدو لي أن العتبة النصية تبدأ بالسرد من نهايته الزمنية التسلسلية، وتعود ثانية في المسرة الأخيرة «مسرة الاعتراف» لتربط النهاية بالبداية بما يجعل السرد يتخذ بنية دائرية؛ إذ يخبرنا البطل «حسان المعروف» بأنه يحاول أن يعتصر ذاكرته المعطوبة بتأثير التعذيب والسجن، ليكتب مذكراته في شكل روائي، مما يضع الرواية تحت لافتة «الرواية الميتا سردية» التي تبرز فيها النزعة القصدية في الكتابة، حيث نجد تعالقاً جدلياً بين السرد والذاكرة. فالذاكرة هي الخزين الذي يستمد منه الروائي مفردات سرده. وعندما تكون هذه الذاكرة معطوبة أو مثقوبة مثل كيس نايلون يستحيل على الراوي إنجاز سرده بالصورة المتوخاة، مما يجعله أمام متاهة، تشبه جسده، كل ما فيها منتهك:
«علاقتي بالسجن كانت أكثر مفارقات لعبة الذاكرة معي، فقد كانت وظيفة قطع الذاكرة فاجعة». (ص 5).
لكن الراوي يعلن بإصرار أنه سيلم شتات ذاكرته المعطوبة ويدون مسراته، بما يؤكد الصفة «الميتا سردية» للرواية:
«أحاول الآن أن أتذكر، وأن أكتب مسرتي التي أتوهمها، لكني أشعر بأني بلا شبهات، وأني لم أكن سياسياً، ولا خائناً، ولا حتى معطوباً، مثل يدي الثالثة». (ص7)
وهكذا يمكن أن نعدّ فصول المسرات الست بمثابة المتن الروائي الأساسي لرواية «مسرات سود».
دائرية السرد الروائي تتأكد من خلال عودة سرد البطل «حسان المعروف» في الفصل الأخير «مسرة الاعتراف»، حيث يكشف لنا عن أن السبب الأساسي لاعتقاله ليس سياسياً؛ وإنما «يده الثالثة» التي كانت تثير حنق السجان «مهاوي» المصاب بالعطب والعنة، فقد كان يعرضها إلى صنوف التعذيب بالكلاب الكهربائي، حتى حولها إلى خرقة لا قيمة لها، ولم يكن البطل يدرك سر العلاقة بين السياسة والجنس، ولكنه بدا متعاطفاً مع آراء الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، التي يمكن أن نعدّها بمثابة التأطير المرجعي والفلسفي لمحنة البطل والمجتمع العراقي معاً. وقد أشار البطل إلى رأي فوكو في علاقة الجنس بالسياسة، الذي يرى أن «السلطة والانضباط تتحولان إلى تقنية للسيطرة على الجسد الاجتماعي»... «فعبر السلطة الجنسية يمكن السيطرة على السلطة الاجتماعية والسياسية؛ لأن الجسد سيكون شاهداً، وتعذيبه سيفضحه وسيجعله مصدراً يسترعي الانتباه». (ص 151). وعند مقارنة البطل ووضعه الحالي بمقولة فوكو يصل الراوي إلى الاعتقاد بأنه بعد أن فقد حياة يده الثالثة، أصبح بلا واسطة يمكن بها أن تجعله معارضاً حقيقياً للسلطة؛ «فأنا من دون تلك اليد، لا سلطة لي، ولا قدرة، كي أمارس المعارضة والاحتجاج، وحتى التلصص على ممتلكات الدولة الوطنية كما كان يسميها (مهاوي)». (ص 151)
والمعروف أن فوكو قد أكد في دراساته عن الجنسانية «على أهمية الاعترافات الذاتية التي يقدمها الفرد عن أفعاله الجنسية وحتى الإجرامية عن الطقوس المكتسبة للاعتراف، مما يمنح السلطة الشرعية للرقابة والهيمنة على المجتمع» وهو ما حاولت الرواية أن تميط اللثام عنه؛ خصوصاً في فصل «مسرة الاعتراف»؛ إذ أشارت إلى مسؤولية السلطة السياسية التي يديرها الزعيم الأبيض؛ كناية عن صدام حسين كما ذكرنا، عن كل مستويات الخراب والتدمير والتشويه والتدجين التي يتعرض لها الفرد والمجتمع؛ ومنها مصادرة الحرية الجنسية.
ومن المهم أن نلمح هنا إلى إصرار فوكو في الربط بين السجن والجنسانية، فهو يرى أن كتابيه «المراقبة والمعاقبة: حول ولادة السجن»، و«إرادة المعرفة حول تاريخ الجنسانية» يدوران حول مسألة السلطة، وطرق ممارستها، وأن إجراءات فرض الانضباط هي التي تجمع بين الجنس والسلطة، كما أن تاريخ الجنون هو الآخر غير بعيد عن ثنائية الجنس والسجن، وهو ما وظفته الرواية في النهاية عندما أصيب البطل «حسان المعروف» بالجنون عندما خرج من بيته وهو يواصل ضحكه الهستيري، وهو يركض في الشارع العام، «كأنه يبحث عن حريته وخلاصه، بعيداً عن الذاكرة والكتب والمسرات وأشباحها».(ص 159).
لم تكن إصابة «حسان المعروف» بالجنون طارئة، بل ثمرة سنوات من القهر والقمع والتعذيب والسجن التي عاناها على أيدي جلادي الزعيم الأبيض، جعلته يفقد اليقين بكل شيء وتختلط لديه الحقيقة بالوهم. فهو يتساءل عمّا إذا كان ما مر به حقيقة أم اختلاقاً أملته ضرورات كتابة الرواية: «فهل كانت الحكاية خدعة كتبت لأغراض فضح السلطة، للتعرف إلى بعض جلاديها؟». وقد يكون ما عاشه وهماً، وكل ما قاله أو دوّنه لا وجود له، وأن ضرورات كتابة الرواية هي التي جعلته يلجأ إلى أكثر ما يثير الناس والقراء؛ «أي السلطة والتاريخ والجنس». (ص 156).
إنه الآن في مرحلة الشك واللايقين والوهم، وإن «الضحك والخواء هو ما يربكه الآن، بعد أن اكتشف خدعته، وخدعة الحكاية التي كان يفكر فيها، ويرويها على مسامعنا». (ص 157).
لقد راح يشعر، كما يقول، بأنه خارج اللعبة، وأنه قريب من الحافات، وهي حافات تشبه المتاهة... «لقد ظل خارج الزمن وخارج الوعي، مع أن صوت أمه كان هو المؤشر الوحيد على أنه في عالم واقعي بعيداً عن لعبته الغرائبية وأصوات أشباحه، لكن ذلك لم يشفع له. لذا فقد كان يقترب بسرعة من حافة الجنون المطبق، والتي جعلته في النهاية ينتهي هذه النهاية التراجيدية الفاجعة بتعرضه إلى حالة من فقدان الوعي والسقوط في متاهة اللاوجود واللامعنى، وكل ذلك كان نتيجة تراكمات ما تعرض له من امتهان وتدجين ومسخ وتعذيب وإخصاء على أيدي زبانية سلطة الزعيم الأبيض».
ومن الناحية الفنية السردية، لم يكن السرد خطياً، بل متقطعاً ولولبياً، كما أن الحبكة الرئيسة التي تدور حول سيرة بطل الرواية «حسان المعروف» لم تظل مهيمنة دائماً، بسبب صعود بعض الحبكات الفرعية، وبشكل خاص تلك التي تدور حول سيرة السجان «مهاوي»، والحبكة التي تتعلق بحياة والده «حاني»؛ إذ شغلتا جانباً مهماً وواسعاً من الأحداث الروائية. وربما ما دفع بالروائي إلى الاهتمام بهاتين الحبكتين فضح وتعرية آلة العنف الدموي التي يعتمدها نظام الزعيم الأبيض، وربما لإشباع رغبة القارئ حول أفق التوقع الذي طرحته الرواية حول غموض أصل السجان «مهاوي» ووضاعة أصله، فوالده جلاد وسجان وقاتل، وأمه «بلابل» راقصة في الملاهي تبيع جسدها في سوق الدعارة، وهي إشارة إلى لا أخلاقية نظام العنف والتعذيب الذي يمارسه النظام. والحقيقة أن هاتين الحبكتين قد سحبتا الحبكة السردية الأساسية المتعلقة بحياة «حسان المعروف» وسيرته، وشخصياً خشيت أن تبهت أهمية تلك الحبكة المركزية، لكن الروائي تدارك الأمر في الفصل السادس والأخير والموسوم «مسرة الاعتراف» عندما عاد مرة أخرى إلى سيرة بطله المركزي «حسان المعروف» لإعادة شد مفاصل الحبكة المركزية ودفعها إلى الأمام باستثمار الحبكات الثانوية الأخرى لتدعيم الحبكة الأساسية وشرعنتها، ولتأكيد دائرية السرد.
رواية «مسرات سود» إدانة قوية لأشكال القمع والعنف والمسخ والتعذيب التي يتعرض لها الإنسان في ظل نظام «الزعيم الأبيض»، وهي أيضاً، فنياً، إنجاز فني ناضج يضاف إلى رصيد الرواية العراقية الجديدة وكاتبها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
TT

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الحالي الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه، عبر اختيار قطع أثرية لمقتنيات نسائية وتماثيل النساء من العصور القديمة، ومنسوجات عليها رسوم تجسد المرأة، وصور ومتعلقات من مكاحل وأمشاط وغيرها.

وتحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتسلّط الضوء على نماذج مشرّفة لنساء أسهمن بعطائهن وإنجازاتهن في خدمة المجتمع، وتركْن بصمات خالدة في مجالات العمل الإنساني والثقافي والحضاري، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الجمعة.

ومن بين القطع الأثرية التي اختارتها بعض المتاحف لتكون قطعة شهر مارس، وفق تصويت إلكتروني لزوار المتاحف والجمهور، أبرز متحف مطار القاهرة الدولي تمثالاً صغيراً من البرونز للإلهة إيزيس وهي جالسة تُرضع طفلها حورس، ويعلو رأسها تاج يتكون من قرنين يتوسطهما قرص الشمس. وقد اتخذ المصريون القدماء من الإلهة إيزيس رمزاً للأمومة والحماية.

ويعرض متحف إيمحتب بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس في هيئة آدمية جالسة ترتدي تاج القرنين وقرص الشمس، وتحمل طفلاً صغيراً يمثل الإله حورس.

بينما يعرض متحف الإسماعيلية لوحة من الحجر الجيري تعود للدولة القديمة تمثل الثالوث المقدس في نقش بارز، حيث تظهر إيزيس على اليمين وحورس على اليسار، بينما يتوسطهما الملك ممثلاً للإله أوزيريس، في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها حورس.

الثالوث إيزيس وأوزيريس وحورس (وزارة السياحة والآثار)

كما يعرض متحف كفر الشيخ (دلتا مصر) رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، ابنة ماجاس حاكم قورينية والملكة أباما السورية، التي وُلدت عام 267 ق.م، وحكمت مصر في أثناء حرب الملك بطليموس الثالث ضد الملك سلوقس الثاني.

ويعرض متحف طنطا (دلتا مصر) تمثالاً من الحجر الجيري للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم، التي صُوّرت في هيئة أنثى فرس النهر.

كما يعرض متحف الإسكندرية القومي تمثالاً من البرونز للإلهة إيزيس من العصر البطلمي، ويصورها في وضع الجلوس وهي تُرضع الطفل حربوقراط (حورس).

ويعرض متحف الأقصر للفن المصري القديم مرآة من البرونز كانت من أهم أدوات الزينة والتجميل منذ أقدم العصور، ويعرض متحف النوبة بأسوان تمثالاً من الغرانيت للأميرة آمونرديس، ابنة الملك كاشتا وأخت الملك بعنخي، التي شغلت منصب الزوجة الإلهية للإله آمون.

من المعروضات المتحفية المختارة في شهر مارس (وزارة السياحة والآثار)

ومن العصور الوسطى والعصر الحديث يعرض متحف الفن الإسلامي مكحلة من العاج المطعّم بالصدف ترجع إلى العصر المملوكي، ويعرض المتحف القبطي قطعة من النسيج القبطي تصور المرأة بأشكال مختلفة، ومن بينها قطعة تحمل صورة نصفية لسيدة بكامل زينتها، تحيط بها جامات زخرفية تضم طيوراً متنوعة.

بينما يعرض متحف المركبات الملكية ببولاق صورة فوتوغرافية من فترة حكم الأسرة العلوية، وهي صورة للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، التي لُقبت بـ«أميرة الفقراء وراعية الأيتام» تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة. وقد اشتهرت بعطائها الإنساني، خاصة خلال شهر رمضان.

أما متحف ركن فاروق بحلوان (جنوب القاهرة) فيعرض صورة فوتوغرافية للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، حيث تولت رئاسة مبرة محمد علي لفترة طويلة، وأسهمت في تنفيذ العديد من البرامج الخيرية لخدمة الفقراء وإنشاء المستشفيات ومكافحة الأوبئة.

بينما يعرض متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي تعد من أبرز الداعمين للتعليم في مصر، حيث تبرعت بمجوهراتها والأرض التي أُقيمت عليها الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً).

من القطع الأثرية التي تحتفي بالمرأة (وزارة السياحة والآثار)

ويعرض متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب (وسط القاهرة) شكمجية من الخشب المطعّم بالصدف تتكون من درجين تعلوهما مرآة صغيرة بين قائمين، وترتكز على أربع أرجل تنتهي كل منها بشكل كروي ومذهّب.

ويعرض متحف الشرطة القومي بقلعة صلاح الدين مشطاً خشبياً مزيناً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعّماً بالصدف، وقد زُيّن أحد جانبيه بثلاث جامات دائرية تتوسطها جامة كُتب بداخلها: «إن الشيطان لكم عدو مبين».

ويأتي تقليد اختيار قطعة الشهر في متاحف الآثار المصرية ليؤكد على التفاعل بين الجمهور الذي يختار القطع الأثرية عبر تصويت على «فيسبوك»، والعرض المتحفي، وتفاعل المتاحف مع المناسبات المختلفة المحلية والعالمية.


طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».


حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية إطلاق حملة ترويجية للمقاصد السياحية في مصر، تتضمن تصوير مقاطع فيديو للسائحين يوثقون فيها تجاربهم، ويتحدثون عن انطباعهم حول المقصد السياحي المصري الذي زاروه.

وتتضمن الحملة مقاطع فيديو في أماكن متنوعة، من بينها مقاصد تاريخية مثل المعابد والأهرامات ومناطق السياحة الثقافية عموماً، وكذلك مقاطع فيديو في السواحل المصرية؛ حيث السياحة البيئية والشاطئية والعلاجية وسياحة المؤتمرات.

وتأتي هذه الحملة، التي تنفذها الهيئة العامة للتنشيط السياحي بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، في إطار توجيهات وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، بضرورة توثيق ونقل تجارب السائحين من مختلف الجنسيات بشكل يومي خلال زيارتهم الحالية لمصر، بما يعكس ما تنعم به البلاد من أمن وأمان واستقرار، ويبرز استمتاع الزائرين بتجاربهم السياحية، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وفق بيان للوزارة، الجمعة.

وتسعى الحملة الإعلامية المصوّرة، التي انطلقت الخميس، إلى إبراز الأجواء الإيجابية والحركة السياحية بالوجهات المصرية؛ حيث تعتمد على تصوير مقاطع فيديو قصيرة مع السائحين بشكل يومي في عدد من الوجهات السياحية المختلفة، يتم نشرها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة للوزارة والهيئة والاتحاد والغرف السياحية.

كما تهدف المقاطع إلى التعرف على ردود فعل السائحين وانطباعاتهم، بما يُسهم في رصد مؤشرات الحركة السياحية في ظل الأحداث الإقليمية الراهنة، ودعم الجهود المبذولة للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للزائرين، وتعزيز تجربة السائح بالمقصد السياحي المصري.

فيديو من الحملة الترويجية أمام الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

وأكد رئيس الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن المقاطع التي يتم تصويرها مع السائحين تؤكد أن الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري ما زالت تعكس شعورهم بالأمن والأمان خلال الزيارة، مشيراً إلى أن الهيئة تحرص على نقل تجارب أكبر عدد من السائحين في الوجهات السياحية المصرية المختلفة.

ولفتت سوزان مصطفى، رئيس الإدارة المركزية للتسويق السياحي بالهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، إلى أن هذه المقاطع تتيح نقل صورة حية ومباشرة للحركة السياحية في مصر، من خلال عرض التجارب الحقيقية للسائحين وانطباعاتهم خلال زيارتهم، وإبراز ما يتمتع به المقصد السياحي المصري من مقومات سياحية متنوعة وبيئة آمنة ومستقرة.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، هذه الحملة «من أهم أدوات الترويج حالياً، وهي خطوة توثق تجربة السائحين في المقصد السياحي المصري».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «السائح لم يعد يعتمد على الإعلانات التقليدية، ولكنه ينجذب أكثر للتجارب الحقيقية، فحين نقدم تجارب حية وواقعية تنتقل بسهولة للسائحين الآخرين، وكأن السائح بمنزلة سفير لمصر في الخارج؛ يتحدّث عنها ويبرز تجربته فيها، بما يجذب سائحين آخرين إليها».

الغردقة من المقاصد السياحية المصرية الجاذبة للأجانب (وزارة السياحة والآثار)

وعدّ كارم أن «الهدف الأساسي من هذه الحملة توجيه رسالة بأن مصر دولة آمنة مستقرة تتمتع بالتنوع السياحي من حضارة وتاريخ وطبيعة، ما يُسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية للمقصد السياحي، وهو ما أتوقع أن ينعكس على زيادة معدلات الزائرين ومعدلات الإشغالات والإقبال على المقصد السياحي المصري».

ويُمثل قطاع السياحة أحد مصادر الدخل القومي المهمة لمصر، ووصل عدد السائحين الذين زاروا مصر العام الماضي إلى نحو 19 مليون زائر، وهو رقم قياسي لم تحققه من قبل، وتطمح مصر لجذب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031، من خلال برامج ترويجية متنوعة، من بينها برنامج أطلق قبل فترة بعنوان «تنوع لا يضاهى» لتأكيد تنوع الأنماط السياحية التي تتمتع بها مصر، ومن بينها السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية والترفيهية وسياحة المؤتمرات والسفاري.