«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة

علي حسن الفواز يكتب عن ضحايا «الزعيم الأبيض»

«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة
TT

«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة

«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة

الرواية الأخيرة للكاتب والناقد علي حسن الفواز «مسرات سود» تحليل وتشريح لشخصية بطلها المركزي «حسان المعروف» بوصفه أحد ضحايا استبداد «الزعيم الأبيض»؛ كناية عن الديكتاتور صدام حسين. وهذا التشريح يتم عبر سرد مبأر في الغالب، يتخلله أحياناً سرد «كلي العلم»، لكن السمة الغالبة تتمثل في صيغة «سرد ذاتي» (Autobiography) مهيمن، ترفده أحياناً مقاطع لسير أخرى (Biography) يرويها رواة ثانويون مشاركون أو مراقبون للحدث الروائي.
تضم الرواية في متنها الأساسي 6 فصول، أطلق على كل فصل منها اسم «مسرة» لتشكل في النهاية هذه المسرات الست الأساسية المتن الروائي، فضلاً عن مقطع استهلالي تحت عنوان: «أوهام» يمكن أن نعده «عتبة نصية» بمصطلحات الناقد الفرنسي جيرار جينيت.
وعنوان الرواية «مسرات سود» نفسه، بوصفه عتبة نصية أولى، ينطوي بدوره على تناقض ومفارقة؛ إذ يفترض بالمسرات أن تكون جميلة ومبهجة وربما بيضاء، لكنها هنا تبدو مكللة بالسواد؛ لأنها كما سنكتشف لاحقاً سببت لبطلها معاناة كبيرة وتحولت بذلك إلى مسرات سود، وهي تشير بوضوح إلى أفق توقع مثير تتحول فيه المسرات إلى مكابدات وخذلانات.
ومنح الروائي مسراته عنوانات فرعية، لكنها تفتقد الاتساق. فقد أطلق على المسرة الأولى عنواناً فرعياً هو: «مسرة الذاكرة» بينما اكتفى لاحقاً بكتابة الترقيم فقط باستعمال مصطلحي «المسرة الثانية» و«المسرة الثالثة»؛ كما عاد إلى توظيف العنوانات الفرعية للمسرات؛ الرابعة «مسرة السيرة»، والخامسة «مسرة الخذلان»، والسادسة «مسرة الاعتراف»، وكان يفترض بالمؤلف أن يعتمد نسقاً موحداً في تبويب الفصول وعنونتها.
وتكاد العتبة النصية الاستهلالية الموسومة بـ«أوهام» تمهد لجوهر الفعل الروائي وخطوطه العريضة، حيث يكشف بطل الرواية «حسان المعروف» عن معاناته المأساوية، بوصفه ضحية من ضحايا التعذيب والاضطهاد والسجن في ظل نظام «الزعيم الأبيض»؛ كناية عن نظام «حزب البعث» وجلاديه الذين جاءوا للسلطة في انقلاب دموي أسود في 8 فبراير (شباط) عام 1963 للمرة الأولى، وعادوا ثانية عبر انقلاب جديد في 17 يوليو (تموز) عام 1968.
ويبدو لي أن العتبة النصية تبدأ بالسرد من نهايته الزمنية التسلسلية، وتعود ثانية في المسرة الأخيرة «مسرة الاعتراف» لتربط النهاية بالبداية بما يجعل السرد يتخذ بنية دائرية؛ إذ يخبرنا البطل «حسان المعروف» بأنه يحاول أن يعتصر ذاكرته المعطوبة بتأثير التعذيب والسجن، ليكتب مذكراته في شكل روائي، مما يضع الرواية تحت لافتة «الرواية الميتا سردية» التي تبرز فيها النزعة القصدية في الكتابة، حيث نجد تعالقاً جدلياً بين السرد والذاكرة. فالذاكرة هي الخزين الذي يستمد منه الروائي مفردات سرده. وعندما تكون هذه الذاكرة معطوبة أو مثقوبة مثل كيس نايلون يستحيل على الراوي إنجاز سرده بالصورة المتوخاة، مما يجعله أمام متاهة، تشبه جسده، كل ما فيها منتهك:
«علاقتي بالسجن كانت أكثر مفارقات لعبة الذاكرة معي، فقد كانت وظيفة قطع الذاكرة فاجعة». (ص 5).
لكن الراوي يعلن بإصرار أنه سيلم شتات ذاكرته المعطوبة ويدون مسراته، بما يؤكد الصفة «الميتا سردية» للرواية:
«أحاول الآن أن أتذكر، وأن أكتب مسرتي التي أتوهمها، لكني أشعر بأني بلا شبهات، وأني لم أكن سياسياً، ولا خائناً، ولا حتى معطوباً، مثل يدي الثالثة». (ص7)
وهكذا يمكن أن نعدّ فصول المسرات الست بمثابة المتن الروائي الأساسي لرواية «مسرات سود».
دائرية السرد الروائي تتأكد من خلال عودة سرد البطل «حسان المعروف» في الفصل الأخير «مسرة الاعتراف»، حيث يكشف لنا عن أن السبب الأساسي لاعتقاله ليس سياسياً؛ وإنما «يده الثالثة» التي كانت تثير حنق السجان «مهاوي» المصاب بالعطب والعنة، فقد كان يعرضها إلى صنوف التعذيب بالكلاب الكهربائي، حتى حولها إلى خرقة لا قيمة لها، ولم يكن البطل يدرك سر العلاقة بين السياسة والجنس، ولكنه بدا متعاطفاً مع آراء الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، التي يمكن أن نعدّها بمثابة التأطير المرجعي والفلسفي لمحنة البطل والمجتمع العراقي معاً. وقد أشار البطل إلى رأي فوكو في علاقة الجنس بالسياسة، الذي يرى أن «السلطة والانضباط تتحولان إلى تقنية للسيطرة على الجسد الاجتماعي»... «فعبر السلطة الجنسية يمكن السيطرة على السلطة الاجتماعية والسياسية؛ لأن الجسد سيكون شاهداً، وتعذيبه سيفضحه وسيجعله مصدراً يسترعي الانتباه». (ص 151). وعند مقارنة البطل ووضعه الحالي بمقولة فوكو يصل الراوي إلى الاعتقاد بأنه بعد أن فقد حياة يده الثالثة، أصبح بلا واسطة يمكن بها أن تجعله معارضاً حقيقياً للسلطة؛ «فأنا من دون تلك اليد، لا سلطة لي، ولا قدرة، كي أمارس المعارضة والاحتجاج، وحتى التلصص على ممتلكات الدولة الوطنية كما كان يسميها (مهاوي)». (ص 151)
والمعروف أن فوكو قد أكد في دراساته عن الجنسانية «على أهمية الاعترافات الذاتية التي يقدمها الفرد عن أفعاله الجنسية وحتى الإجرامية عن الطقوس المكتسبة للاعتراف، مما يمنح السلطة الشرعية للرقابة والهيمنة على المجتمع» وهو ما حاولت الرواية أن تميط اللثام عنه؛ خصوصاً في فصل «مسرة الاعتراف»؛ إذ أشارت إلى مسؤولية السلطة السياسية التي يديرها الزعيم الأبيض؛ كناية عن صدام حسين كما ذكرنا، عن كل مستويات الخراب والتدمير والتشويه والتدجين التي يتعرض لها الفرد والمجتمع؛ ومنها مصادرة الحرية الجنسية.
ومن المهم أن نلمح هنا إلى إصرار فوكو في الربط بين السجن والجنسانية، فهو يرى أن كتابيه «المراقبة والمعاقبة: حول ولادة السجن»، و«إرادة المعرفة حول تاريخ الجنسانية» يدوران حول مسألة السلطة، وطرق ممارستها، وأن إجراءات فرض الانضباط هي التي تجمع بين الجنس والسلطة، كما أن تاريخ الجنون هو الآخر غير بعيد عن ثنائية الجنس والسجن، وهو ما وظفته الرواية في النهاية عندما أصيب البطل «حسان المعروف» بالجنون عندما خرج من بيته وهو يواصل ضحكه الهستيري، وهو يركض في الشارع العام، «كأنه يبحث عن حريته وخلاصه، بعيداً عن الذاكرة والكتب والمسرات وأشباحها».(ص 159).
لم تكن إصابة «حسان المعروف» بالجنون طارئة، بل ثمرة سنوات من القهر والقمع والتعذيب والسجن التي عاناها على أيدي جلادي الزعيم الأبيض، جعلته يفقد اليقين بكل شيء وتختلط لديه الحقيقة بالوهم. فهو يتساءل عمّا إذا كان ما مر به حقيقة أم اختلاقاً أملته ضرورات كتابة الرواية: «فهل كانت الحكاية خدعة كتبت لأغراض فضح السلطة، للتعرف إلى بعض جلاديها؟». وقد يكون ما عاشه وهماً، وكل ما قاله أو دوّنه لا وجود له، وأن ضرورات كتابة الرواية هي التي جعلته يلجأ إلى أكثر ما يثير الناس والقراء؛ «أي السلطة والتاريخ والجنس». (ص 156).
إنه الآن في مرحلة الشك واللايقين والوهم، وإن «الضحك والخواء هو ما يربكه الآن، بعد أن اكتشف خدعته، وخدعة الحكاية التي كان يفكر فيها، ويرويها على مسامعنا». (ص 157).
لقد راح يشعر، كما يقول، بأنه خارج اللعبة، وأنه قريب من الحافات، وهي حافات تشبه المتاهة... «لقد ظل خارج الزمن وخارج الوعي، مع أن صوت أمه كان هو المؤشر الوحيد على أنه في عالم واقعي بعيداً عن لعبته الغرائبية وأصوات أشباحه، لكن ذلك لم يشفع له. لذا فقد كان يقترب بسرعة من حافة الجنون المطبق، والتي جعلته في النهاية ينتهي هذه النهاية التراجيدية الفاجعة بتعرضه إلى حالة من فقدان الوعي والسقوط في متاهة اللاوجود واللامعنى، وكل ذلك كان نتيجة تراكمات ما تعرض له من امتهان وتدجين ومسخ وتعذيب وإخصاء على أيدي زبانية سلطة الزعيم الأبيض».
ومن الناحية الفنية السردية، لم يكن السرد خطياً، بل متقطعاً ولولبياً، كما أن الحبكة الرئيسة التي تدور حول سيرة بطل الرواية «حسان المعروف» لم تظل مهيمنة دائماً، بسبب صعود بعض الحبكات الفرعية، وبشكل خاص تلك التي تدور حول سيرة السجان «مهاوي»، والحبكة التي تتعلق بحياة والده «حاني»؛ إذ شغلتا جانباً مهماً وواسعاً من الأحداث الروائية. وربما ما دفع بالروائي إلى الاهتمام بهاتين الحبكتين فضح وتعرية آلة العنف الدموي التي يعتمدها نظام الزعيم الأبيض، وربما لإشباع رغبة القارئ حول أفق التوقع الذي طرحته الرواية حول غموض أصل السجان «مهاوي» ووضاعة أصله، فوالده جلاد وسجان وقاتل، وأمه «بلابل» راقصة في الملاهي تبيع جسدها في سوق الدعارة، وهي إشارة إلى لا أخلاقية نظام العنف والتعذيب الذي يمارسه النظام. والحقيقة أن هاتين الحبكتين قد سحبتا الحبكة السردية الأساسية المتعلقة بحياة «حسان المعروف» وسيرته، وشخصياً خشيت أن تبهت أهمية تلك الحبكة المركزية، لكن الروائي تدارك الأمر في الفصل السادس والأخير والموسوم «مسرة الاعتراف» عندما عاد مرة أخرى إلى سيرة بطله المركزي «حسان المعروف» لإعادة شد مفاصل الحبكة المركزية ودفعها إلى الأمام باستثمار الحبكات الثانوية الأخرى لتدعيم الحبكة الأساسية وشرعنتها، ولتأكيد دائرية السرد.
رواية «مسرات سود» إدانة قوية لأشكال القمع والعنف والمسخ والتعذيب التي يتعرض لها الإنسان في ظل نظام «الزعيم الأبيض»، وهي أيضاً، فنياً، إنجاز فني ناضج يضاف إلى رصيد الرواية العراقية الجديدة وكاتبها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
TT

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

تشهد «مسارح الدولة» بمصر انتعاشة كبيرة خلال موسم عيد الفطر، إذ أعلنت وزارة الثقافة عرض 14 مسرحية جديدة وقديمة، تتنوَّع موضوعاتها وفق المراحل العمرية المختلفة، من بينها «سابع سما»، و«يمين في أول شمال»، و«كازينو»، و«بلاك»، و«سجن اختياري»، و«الملك لير».

ووفق «البيت الفني للمسرح»، جرى الاستعداد لافتتاح عرض «صفحة 45»، وتدور أحداثه في إطار يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمّلات الفلسفية، ضمن مبادرة «100 ليلة عرض»، ومن إنتاج فرقة «مسرح الإسكندرية»، على خشبة مسرح «ليسيه الحرية» بالإسكندرية.

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «سابع سما» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما يفتتح العرض الجديد «سابع سما»، من إنتاج فرقة «مسرح الشباب»، على مسرح «أوبرا ملك» في رمسيس، ويأتي العرض في إطار مشروع «أول ضوء»، وتدور أحداثه حول معالجة درامية مُستلهمة من أسطورة «سيزيف».

وتعرض فرقة «المسرح الحديث»، في ليلة واحدة، مسرحية «كازينو» على المسرح الكبير بـ«مسرح السلام»، و«يمين في أول شمال»، بقاعة «يوسف إدريس» بالمسرح نفسه، وتقدّم فرقة «مسرح الغد» عرض «أداجيو... اللحن الأخير»، والمأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، على خشبة «مسرح الغد».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

ووفق مدير فرقة «مسرح الغد»، الفنان سامح مجاهد، فإنّ العرض يمثّل أولى خطوات مشروع «مسرحية الرواية».

وتفتتح فرقة «مسرح الطليعة» العرضين الجديدين «سجن اختياري»، بقاعة «صلاح عبد الصبور»، ويناقش فكرة «السجن النفسي» الذي يصنعه الإنسان لنفسه، و«متولي وشفيقة»، بقاعة «زكي طليمات»، بـ«مسرح الطليعة» بحي العتبة وسط القاهرة، ويقدّم قراءة مُعاصرة للقصة الشعبية، ويركز على الصراع النفسي للإنسان مع ماضيه، وفق بيان «البيت الفني».

مسرحية «سجن اختياري» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأكّد الناقد الفني المصري عماد يسري على الانتعاشة المسرحية الكبيرة التي تشهدها «مسارح الدولة» في موسم عيد الفطر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العروض متنوّعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الاجتماعية».

وتابع: «مسرح (القطاع العام) وسيلة من وسائل الترفيه الشعبية المناسبة لجميع الفئات العمرية، مع التأكيد على أنه هادف وجاذب في محتواه ويُشبع رغبات الجمهور».

أبطال مسرحية «متولي وشفيقة» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأشار يسري إلى أنّ «وجود هذا العدد من العروض المتنوّعة ما بين غنائية واستعراضية وشبابية وعروض للأطفال، على مسارح العاصمة والأقاليم، بالمقارنة مع إنتاجات (القطاع الخاص)، يؤكد أهمية المسرح العام».

ويعرض «المسرح القومي للأطفال» مسرحية «لعب ولعب» على خشبة مسرح «متروبول» بوسط القاهرة، وتعيد فرقة «المسرح الكوميدي» العرض المسرحي الكوميدي «ابن الأصول» على خشبة مسرح «ميامي» بوسط البلد، كما تعود مسرحية «الملك لير» للفنان يحيى الفخراني مجدداً على خشبة «المسرح القومي» بالعتبة.

يحيى الفخراني في الملحق الدعائي لمسرحية «الملك لير» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وتقدّم فرقة «الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة» العرض المسرحي «بلاك» على مسرح «الحديقة الدولية» بمدينة نصر مجاناً، كما يعود العرض المسرحي «رحلة سنوحي» على خشبة «مسرح القاهرة للعرائس» بالعتبة.

وفي السياق، تفقدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الاستعدادات النهائية لـ«مسرح مصر» بشارع «عماد الدين»، قبل افتتاحه التجريبي، مؤكدةً، في بيان، أنّ «المسرح يمثّل إضافة نوعية للبنية الثقافية في مصر، في إطار رؤية الدولة لتعزيز دور الفنون المسرحية بوصفها أحد أدوات القوة الناعمة».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «لعب ولعب» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما أعلن «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» عرض مسرحية «مملكة السحر والأسرار» على خشبة قاعة «صلاح جاهين»، ومسرحية «قالك إيه... قالك أه» على خشبة «مسرح البالون».

وأشاد الناقد المسرحي المصري محمد الروبي بالانتعاشة المسرحية في مصر، موضحاً أن «إعادة عرض مسرحيات قديمة إلى جانب العروض الجديدة، وخصوصاً في موسم الأعياد والإجازات، أمر إيجابي لتظلّ حيَّة في الذاكرة».

وختم لـ«الشرق الأوسط»: «المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع».


جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.