«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة

علي حسن الفواز يكتب عن ضحايا «الزعيم الأبيض»

«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة
TT

«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة

«مسرات سود»... ذكريات القمع والسجن ترويها ذاكرة معطوبة

الرواية الأخيرة للكاتب والناقد علي حسن الفواز «مسرات سود» تحليل وتشريح لشخصية بطلها المركزي «حسان المعروف» بوصفه أحد ضحايا استبداد «الزعيم الأبيض»؛ كناية عن الديكتاتور صدام حسين. وهذا التشريح يتم عبر سرد مبأر في الغالب، يتخلله أحياناً سرد «كلي العلم»، لكن السمة الغالبة تتمثل في صيغة «سرد ذاتي» (Autobiography) مهيمن، ترفده أحياناً مقاطع لسير أخرى (Biography) يرويها رواة ثانويون مشاركون أو مراقبون للحدث الروائي.
تضم الرواية في متنها الأساسي 6 فصول، أطلق على كل فصل منها اسم «مسرة» لتشكل في النهاية هذه المسرات الست الأساسية المتن الروائي، فضلاً عن مقطع استهلالي تحت عنوان: «أوهام» يمكن أن نعده «عتبة نصية» بمصطلحات الناقد الفرنسي جيرار جينيت.
وعنوان الرواية «مسرات سود» نفسه، بوصفه عتبة نصية أولى، ينطوي بدوره على تناقض ومفارقة؛ إذ يفترض بالمسرات أن تكون جميلة ومبهجة وربما بيضاء، لكنها هنا تبدو مكللة بالسواد؛ لأنها كما سنكتشف لاحقاً سببت لبطلها معاناة كبيرة وتحولت بذلك إلى مسرات سود، وهي تشير بوضوح إلى أفق توقع مثير تتحول فيه المسرات إلى مكابدات وخذلانات.
ومنح الروائي مسراته عنوانات فرعية، لكنها تفتقد الاتساق. فقد أطلق على المسرة الأولى عنواناً فرعياً هو: «مسرة الذاكرة» بينما اكتفى لاحقاً بكتابة الترقيم فقط باستعمال مصطلحي «المسرة الثانية» و«المسرة الثالثة»؛ كما عاد إلى توظيف العنوانات الفرعية للمسرات؛ الرابعة «مسرة السيرة»، والخامسة «مسرة الخذلان»، والسادسة «مسرة الاعتراف»، وكان يفترض بالمؤلف أن يعتمد نسقاً موحداً في تبويب الفصول وعنونتها.
وتكاد العتبة النصية الاستهلالية الموسومة بـ«أوهام» تمهد لجوهر الفعل الروائي وخطوطه العريضة، حيث يكشف بطل الرواية «حسان المعروف» عن معاناته المأساوية، بوصفه ضحية من ضحايا التعذيب والاضطهاد والسجن في ظل نظام «الزعيم الأبيض»؛ كناية عن نظام «حزب البعث» وجلاديه الذين جاءوا للسلطة في انقلاب دموي أسود في 8 فبراير (شباط) عام 1963 للمرة الأولى، وعادوا ثانية عبر انقلاب جديد في 17 يوليو (تموز) عام 1968.
ويبدو لي أن العتبة النصية تبدأ بالسرد من نهايته الزمنية التسلسلية، وتعود ثانية في المسرة الأخيرة «مسرة الاعتراف» لتربط النهاية بالبداية بما يجعل السرد يتخذ بنية دائرية؛ إذ يخبرنا البطل «حسان المعروف» بأنه يحاول أن يعتصر ذاكرته المعطوبة بتأثير التعذيب والسجن، ليكتب مذكراته في شكل روائي، مما يضع الرواية تحت لافتة «الرواية الميتا سردية» التي تبرز فيها النزعة القصدية في الكتابة، حيث نجد تعالقاً جدلياً بين السرد والذاكرة. فالذاكرة هي الخزين الذي يستمد منه الروائي مفردات سرده. وعندما تكون هذه الذاكرة معطوبة أو مثقوبة مثل كيس نايلون يستحيل على الراوي إنجاز سرده بالصورة المتوخاة، مما يجعله أمام متاهة، تشبه جسده، كل ما فيها منتهك:
«علاقتي بالسجن كانت أكثر مفارقات لعبة الذاكرة معي، فقد كانت وظيفة قطع الذاكرة فاجعة». (ص 5).
لكن الراوي يعلن بإصرار أنه سيلم شتات ذاكرته المعطوبة ويدون مسراته، بما يؤكد الصفة «الميتا سردية» للرواية:
«أحاول الآن أن أتذكر، وأن أكتب مسرتي التي أتوهمها، لكني أشعر بأني بلا شبهات، وأني لم أكن سياسياً، ولا خائناً، ولا حتى معطوباً، مثل يدي الثالثة». (ص7)
وهكذا يمكن أن نعدّ فصول المسرات الست بمثابة المتن الروائي الأساسي لرواية «مسرات سود».
دائرية السرد الروائي تتأكد من خلال عودة سرد البطل «حسان المعروف» في الفصل الأخير «مسرة الاعتراف»، حيث يكشف لنا عن أن السبب الأساسي لاعتقاله ليس سياسياً؛ وإنما «يده الثالثة» التي كانت تثير حنق السجان «مهاوي» المصاب بالعطب والعنة، فقد كان يعرضها إلى صنوف التعذيب بالكلاب الكهربائي، حتى حولها إلى خرقة لا قيمة لها، ولم يكن البطل يدرك سر العلاقة بين السياسة والجنس، ولكنه بدا متعاطفاً مع آراء الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، التي يمكن أن نعدّها بمثابة التأطير المرجعي والفلسفي لمحنة البطل والمجتمع العراقي معاً. وقد أشار البطل إلى رأي فوكو في علاقة الجنس بالسياسة، الذي يرى أن «السلطة والانضباط تتحولان إلى تقنية للسيطرة على الجسد الاجتماعي»... «فعبر السلطة الجنسية يمكن السيطرة على السلطة الاجتماعية والسياسية؛ لأن الجسد سيكون شاهداً، وتعذيبه سيفضحه وسيجعله مصدراً يسترعي الانتباه». (ص 151). وعند مقارنة البطل ووضعه الحالي بمقولة فوكو يصل الراوي إلى الاعتقاد بأنه بعد أن فقد حياة يده الثالثة، أصبح بلا واسطة يمكن بها أن تجعله معارضاً حقيقياً للسلطة؛ «فأنا من دون تلك اليد، لا سلطة لي، ولا قدرة، كي أمارس المعارضة والاحتجاج، وحتى التلصص على ممتلكات الدولة الوطنية كما كان يسميها (مهاوي)». (ص 151)
والمعروف أن فوكو قد أكد في دراساته عن الجنسانية «على أهمية الاعترافات الذاتية التي يقدمها الفرد عن أفعاله الجنسية وحتى الإجرامية عن الطقوس المكتسبة للاعتراف، مما يمنح السلطة الشرعية للرقابة والهيمنة على المجتمع» وهو ما حاولت الرواية أن تميط اللثام عنه؛ خصوصاً في فصل «مسرة الاعتراف»؛ إذ أشارت إلى مسؤولية السلطة السياسية التي يديرها الزعيم الأبيض؛ كناية عن صدام حسين كما ذكرنا، عن كل مستويات الخراب والتدمير والتشويه والتدجين التي يتعرض لها الفرد والمجتمع؛ ومنها مصادرة الحرية الجنسية.
ومن المهم أن نلمح هنا إلى إصرار فوكو في الربط بين السجن والجنسانية، فهو يرى أن كتابيه «المراقبة والمعاقبة: حول ولادة السجن»، و«إرادة المعرفة حول تاريخ الجنسانية» يدوران حول مسألة السلطة، وطرق ممارستها، وأن إجراءات فرض الانضباط هي التي تجمع بين الجنس والسلطة، كما أن تاريخ الجنون هو الآخر غير بعيد عن ثنائية الجنس والسجن، وهو ما وظفته الرواية في النهاية عندما أصيب البطل «حسان المعروف» بالجنون عندما خرج من بيته وهو يواصل ضحكه الهستيري، وهو يركض في الشارع العام، «كأنه يبحث عن حريته وخلاصه، بعيداً عن الذاكرة والكتب والمسرات وأشباحها».(ص 159).
لم تكن إصابة «حسان المعروف» بالجنون طارئة، بل ثمرة سنوات من القهر والقمع والتعذيب والسجن التي عاناها على أيدي جلادي الزعيم الأبيض، جعلته يفقد اليقين بكل شيء وتختلط لديه الحقيقة بالوهم. فهو يتساءل عمّا إذا كان ما مر به حقيقة أم اختلاقاً أملته ضرورات كتابة الرواية: «فهل كانت الحكاية خدعة كتبت لأغراض فضح السلطة، للتعرف إلى بعض جلاديها؟». وقد يكون ما عاشه وهماً، وكل ما قاله أو دوّنه لا وجود له، وأن ضرورات كتابة الرواية هي التي جعلته يلجأ إلى أكثر ما يثير الناس والقراء؛ «أي السلطة والتاريخ والجنس». (ص 156).
إنه الآن في مرحلة الشك واللايقين والوهم، وإن «الضحك والخواء هو ما يربكه الآن، بعد أن اكتشف خدعته، وخدعة الحكاية التي كان يفكر فيها، ويرويها على مسامعنا». (ص 157).
لقد راح يشعر، كما يقول، بأنه خارج اللعبة، وأنه قريب من الحافات، وهي حافات تشبه المتاهة... «لقد ظل خارج الزمن وخارج الوعي، مع أن صوت أمه كان هو المؤشر الوحيد على أنه في عالم واقعي بعيداً عن لعبته الغرائبية وأصوات أشباحه، لكن ذلك لم يشفع له. لذا فقد كان يقترب بسرعة من حافة الجنون المطبق، والتي جعلته في النهاية ينتهي هذه النهاية التراجيدية الفاجعة بتعرضه إلى حالة من فقدان الوعي والسقوط في متاهة اللاوجود واللامعنى، وكل ذلك كان نتيجة تراكمات ما تعرض له من امتهان وتدجين ومسخ وتعذيب وإخصاء على أيدي زبانية سلطة الزعيم الأبيض».
ومن الناحية الفنية السردية، لم يكن السرد خطياً، بل متقطعاً ولولبياً، كما أن الحبكة الرئيسة التي تدور حول سيرة بطل الرواية «حسان المعروف» لم تظل مهيمنة دائماً، بسبب صعود بعض الحبكات الفرعية، وبشكل خاص تلك التي تدور حول سيرة السجان «مهاوي»، والحبكة التي تتعلق بحياة والده «حاني»؛ إذ شغلتا جانباً مهماً وواسعاً من الأحداث الروائية. وربما ما دفع بالروائي إلى الاهتمام بهاتين الحبكتين فضح وتعرية آلة العنف الدموي التي يعتمدها نظام الزعيم الأبيض، وربما لإشباع رغبة القارئ حول أفق التوقع الذي طرحته الرواية حول غموض أصل السجان «مهاوي» ووضاعة أصله، فوالده جلاد وسجان وقاتل، وأمه «بلابل» راقصة في الملاهي تبيع جسدها في سوق الدعارة، وهي إشارة إلى لا أخلاقية نظام العنف والتعذيب الذي يمارسه النظام. والحقيقة أن هاتين الحبكتين قد سحبتا الحبكة السردية الأساسية المتعلقة بحياة «حسان المعروف» وسيرته، وشخصياً خشيت أن تبهت أهمية تلك الحبكة المركزية، لكن الروائي تدارك الأمر في الفصل السادس والأخير والموسوم «مسرة الاعتراف» عندما عاد مرة أخرى إلى سيرة بطله المركزي «حسان المعروف» لإعادة شد مفاصل الحبكة المركزية ودفعها إلى الأمام باستثمار الحبكات الثانوية الأخرى لتدعيم الحبكة الأساسية وشرعنتها، ولتأكيد دائرية السرد.
رواية «مسرات سود» إدانة قوية لأشكال القمع والعنف والمسخ والتعذيب التي يتعرض لها الإنسان في ظل نظام «الزعيم الأبيض»، وهي أيضاً، فنياً، إنجاز فني ناضج يضاف إلى رصيد الرواية العراقية الجديدة وكاتبها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
TT

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

ظلّ القمر، على مدى عقود، يثير تساؤلاتٍ علمية بدت أحياناً أقرب إلى المفارقة: كيف لجسمٍ صغيرٍ نسبياً، كقمر الأرض، أن يحمل في تاريخه المبكر مجالاً مغناطيسياً قيل إنه يفوق في قوته نظيره الأرضي؟

استند طويلاً هذا التصوّر إلى تحليلات صخورٍ أعادتها بعثات «أبولو»، وأوحت نتائجها بأن القمر عرف، في مرحلة ما، نشاطاً مغناطيسياً شديداً. غير أن دراسة حديثة قدّمت قراءة مختلفة، تكاد تعيد رسم الصورة من أساسها، وتمنح هذا اللغز العلمي تفسيراً أكثر توازناً... وأكثر إنسانية في فهم حدود المعرفة نفسها. وفقاً لصحيفة «الغارديان».

الباحثة كلير نيكولز، وفريقها من جامعة أكسفورد، اتجهوا إلى تفصيلٍ بدا في السابق ثانوياً: محتوى التيتانيوم في صخور القمر.

وبالتحليل، تبيّن أن الصخور الغنية بهذا العنصر نشأت من مواد عميقة داخل القمر؛ حيث أسهمت عمليات الانصهار في توليد مجالاتٍ مغناطيسية قوية، ولكنها كانت موضعية ومؤقتة.

المفارقة أن بعثات «أبولو»، وبمحض الصدفة، جمعت عدداً أكبر من هذه الصخور تحديداً، نظراً لانتشارها في المناطق المستوية التي اختيرت مواقعَ للهبوط. وهو ما أفضى، دون قصد، إلى تحيّزٍ في العينات، ومن ثم إلى استنتاجٍ بدا وكأنه حقيقة عامة.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر غيوساينس»، إلى أن هذا «التحيّز العيّني» قدّم صورة مضخّمة عن قوة المجال المغناطيسي للقمر، مانحاً إيّاه ما يشبه «سمعة» علمية لا تعكس واقعه بدقة كاملة.

ويرى الباحثون أن الفترات التي شهد فيها القمر مجالاً مغناطيسياً قوياً كانت قصيرة ونادرة، ولم تدم إلا آلافاً قليلة من السنين، في مقابل تاريخٍ أطول ساد فيه مجالٌ ضعيف.

ومع اقتراب بعثات «أرتميس»، يأمل العلماء في اختبار هذه الفرضية بصورة أدق، عبر عيناتٍ أوسع وأكثر تنوّعاً ربما تعيد، مرة أخرى، صياغة فهمنا للقمر... ولكن هذه المرة، تعويضاً مناسباً لسنواتٍ من الاستنتاجات غير المكتملة.


بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر، التي شُخِّصت بمرض «ألزهايمر» عام 2011، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لما يقرب من 4 عقود على خشبة المسرح في «جزر فارو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن والدته كانت خلال تلك السنوات واحدة من أبرز الوجوه المسرحية في بلدها، وكانت تقدم عروضاً مسرحية بشكل مستمر، إذ اعتادت المشاركة في 4 أو 5 مسرحيات شهرياً، وكانت حياتها كلها مرتبطة بالمسرح والأداء.

وأوضح أن بداية المرض شكّلت صدمة للعائلة؛ خصوصاً بعدما بدأت والدته تفقد قدرتها على تذكر النصوص والتعليمات المسرحية، وهو ما أجبرها على التوقف عن العمل الذي أحبته طوال حياتها، مشيراً إلى أن شغفها بالمسرح لم يتراجع مع مرور الوقت، بل على العكس من ذلك، ازداد حنينها إلى الوقوف مجدداً على خشبة المسرح كلما تدهورت ذاكرتها.

وأكد أن هذه الرغبة دفعت العائلة إلى التفكير في إيجاد طريقة تعيدها إلى المسرح، حتى لو بشكل مختلف عن المعتاد، لتبدأ فكرة الفيلم عندما جلس مع والده لمناقشة إمكانية تصميم عرض مسرحي خاص يتناسب مع ظروفها الصحية، بحيث يمنحها مساحة للوجود على المسرح دون الحاجة إلى حفظ النصوص أو الالتزام بتفاصيل الإخراج التقليدية.

عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن» (الشركة المنتجة)

وأشار بوي دام إلى أنهما قررا في النهاية تنفيذ هذا المشروع عندما أدركا أن الوقت يمر سريعاً، وأن حالتها الصحية قد تتدهور أكثر، فاختارا المُضي قدماً في التجربة، لافتاً إلى أنه قرر تقديم فيلم وثائقي، لشعوره بأن التجربة تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية مهمة تستحق التوثيق.

وأضاف أن الفيلم بالنسبة له لم يكن فقط عن والدته أو عن مرض «ألزهايمر»، بل عن الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع مع الأشخاص الذين يفقدون بعض قدراتهم الإدراكية، وكيف يمكن إيجاد مساحة لهم داخل المجتمع بدلاً من عزلهم.

وأوضح أن المسرح في الفيلم يتحول إلى رمز للمجتمع نفسه، إذ إن منح شخص يعاني فقدان الذاكرة مكاناً على خشبة المسرح يُشبه منح مساحة مماثلة له داخل المجتمع، فوالدته كانت طوال حياتها مدافعة عن الأقليات والفئات المهمشة، ولذلك شعر بأن هذا المشروع يُمثل استمراراً لرسالتها الإنسانية، حتى في الوقت الذي فقدت فيه القدرة على التعبير بالكلمات.

وأشار المخرج إلى أن تصوير فيلم عن والدته في هذه المرحلة الحساسة من حياتها لم يكن أمراً سهلاً على الصعيد العاطفي، لكنه بالنسبة لعائلته يُعد امتداداً طبيعياً لأسلوب حياتهم الفني؛ فوالداه ممثلان ومخرجان، وقد نشأ في بيئة اعتادت تحويل التجارب الإنسانية الخاصة إلى مادة فنية تُقدَّم على المسرح، سواء أكانت مؤلمة أم سعيدة.

ويروي الفيلم الوثائقي «بيريتا» الذي عرض ضمن النسخة الحالية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» قصة عائلة من صناع المسرح في «جزر فارو» الدنماركية، تُحاول تنفيذ تجربة فنية غير تقليدية تتمثل في تقديم مسرحية «الملك لير» مع إسناد الدور الرئيسي إلى الممثلة المخضرمة بيريتا موهر رغم إصابتها بمرض «ألزهايمر».

وثق المخرج جانباً من دعم والده لوالدته خلال مرضها (الشركة المنتجة)

ويقود المشروع ابنها المخرج بوي دام، الذي يؤمن بأن شغف والدته بالمسرح لا يزال حياً رغم فقدانها القدرة على الكلام، في حين يحاول والدهما الموازنة بين رعاية زوجته ودعم هذا المشروع الفني، وخلال التحضيرات للعرض تُثير التجربة أسئلة أخلاقية حول حدود المشاركة الفنية للأشخاص الذين يعانون فقدان الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قوة حضور بيريتا الإنساني والفني، وتأثيرها العميق في كل من يشارك في هذه الرحلة.

وأوضح أن اختيار مسرحية «الملك لير» لويليام شكسبير لم يكن اختياراً عشوائياً، بل جاء لعدة أسباب، منها أنه يعدّها واحدة من أعظم المسرحيات التي كُتبت في تاريخ المسرح، وكان حلماً قديماً بالنسبة له أن يقدمها على المسرح، بالإضافة إلى موضوعها الذي يرتبط بشكل عميق بما عاشته عائلته.

وأضاف أن هذا التشابه بين موضوع المسرحية وتجربة عائلته جعل العمل يبدو كأنه مرآة لما كانوا يعيشونه في الواقع، خصوصاً أن والدته كانت قبل المرض شخصية قيادية داخل العائلة وفي الوسط المسرحي، وكانت بالنسبة لهم أشبه بملكة تقود الجميع، مشيراً إلى أن فقدان هذا الدور القيادي بسبب المرض أحدث تغيراً كبيراً في توازن العائلة، وهو ما يُشبه إلى حد كبير ما يحدث في مسرحية «الملك لير».

وأكد المخرج الدنماركي رغبته في تقديم عمل درامي قوي ومليء بالصراعات لوالدته، بدلاً من تقديم عمل بسيط أو عاطفي، فلم يشأ أن يعاملها بطريقة مفرطة في الحماية، بل أراد أن يمنحها فرصة للوجود داخل عالم مسرحي غني بالتوتر والدراما كما اعتادت طوال حياتها.

المخرج الدنماركي بوي دام (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم يسعى إلى تقديم صورة متوازنة للحياة مع المرض تجمع بين الحزن والفرح، وبين فقدان الذاكرة والقدرة على الاستمتاع بالحياة، لقناعته بأن كثيراً من الأفلام التي تتناول مرض «ألزهايمر» تميل إلى التركيز على الجانب المأساوي فقط، في حين أراد هو أن يظهر أيضاً الجانب الإنساني المليء بالحب والضحك واللحظات الجميلة.

ولفت دام إلى أن أكثر ما فاجأه خلال البروفات المسرحية هو التأثير القوي الذي تركه حضور والدته على الممثلين الآخرين، مؤكداً أن وجودها في غرفة البروفات جعل أداء الممثلين أكثر صدقاً وبساطة، لأنهم كانوا يشعرون بصدق اللحظة الإنسانية التي يعيشونها معها، فالممثلون كانوا يؤدون النصوص بطريقة أكثر طبيعية عندما تكون حاضرة، في حين يعودون إلى أسلوبهم المسرحي التقليدي عندما تغادر.

في الختام، أشار المخرج إلى أن هذه اللحظات كانت من الأكثر تأثيراً بالنسبة له؛ إذ أظهرت أن الفن يمكن أن يظل حاضراً حتى مع بدء تلاشي الذاكرة. وأكد أن الفن يعتمد بدرجة كبيرة على العاطفة والإحساس، لا على الذاكرة أو القدرات العقلية وحدها.


عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.