مشاعر الحجاج ما بين دموع البهجة والسعادة الغامرة بلوغاً للركن الأعظم بـ«سلام آمنين»

متطوعون يسهرون على استقبال وخدمة ضيوف الرحمن

الدموع تغلب أحد الحجاج لحظة وصوله إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة لتأدية طواف القدوم (واس)
الدموع تغلب أحد الحجاج لحظة وصوله إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة لتأدية طواف القدوم (واس)
TT

مشاعر الحجاج ما بين دموع البهجة والسعادة الغامرة بلوغاً للركن الأعظم بـ«سلام آمنين»

الدموع تغلب أحد الحجاج لحظة وصوله إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة لتأدية طواف القدوم (واس)
الدموع تغلب أحد الحجاج لحظة وصوله إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة لتأدية طواف القدوم (واس)

 
غلبت الدموع حجاج بيت الله القادمين إلى أطهر بقاع الأرض، لحظة وصولهم إلى السعودية عبر منافذها الجوية والبرية والبحرية بيسر وسهولة، في رحلة العمر لتأدية الركن الأعظم (الحج)، عندما تم استقبالهم بجمع من المتطوعين السعوديين الذين اعتادوا خدمة ضيوف الرحمن طيلة تأدية المناسك، مستقبلين ومودّعين وخادمين لهم لتسهيل احتياجاتهم كافة.
واستقبلهم جمع من المتطوعين كما هي العادة، مرتدين الزي التقليدي، وتصدح أصواتهم الجميلة بأناشيد ترحيبية، مقدمين لهم ماء زمزم إلى جانب العجوة (التمر)، والنعناع والورد المديني.

وحين تطأ قدم الحجاج صالة الاستقبال الرئيسية في مطار الأمير محمد بن عبد العزيز بالمدينة المنورة، أول ما تشاهد أعينهم لوحة مرحِّبة بلغات مختلفة تقول: «أهلاً بضيوف الرحمن»، وينثرون ورداً على القادمين، ويطيبونهم بالمسك والعود فرحين بمقدمهم، إلى جانب أصوات الأطفال المرحبين وهم ينشدون «طلع البدر علينا»، بأجمل فنون الاحتفال وأحرّ أنواع الاستقبال؛ فدموع الحجاج تسبق كلماتهم وردود أفعالهم على مرأى الورود المتناثرة حين سماعهم أناشيد الاستقبال تبدو واضحة أمام جمع تطوعوا للمهمة التي تنظّمها وزارة الحج والعمرة السعودية بشراكة مع وزارة التعليم.
https://twitter.com/HajMinistry/status/1540692887871975424?s=20&t=I_JIgHnB0hg-LnPVRGLH_g
ولا يُخفي الحجاج رغبتهم الصادقة في احتضان المرحّبين ومبادلتهم مشاعر الحب، والفرح، فكلماتهم تتلخص في الشكر الجزيل لهذا المنظر الذي يبعث على البهجة المضاعفة التي يكفي منها شعور السعادة لحظة وصولهم، وهم يضيفون إلى ذلك الحبور الذي يجدونه من أبناء مدينة رسول الله، الطاهرة بدفء الاستقبال وعمق الإخاء.
ويسارع أبناء المدينة المنورة ومكة المكرمة وجدة، إلى الحصول على مكانهم كل عام بين صفوف المستقبلين، ليحظوا بشرف تلك اللحظات التي توثقها كاميرات الحجاج أنفسهم، ويتم تداولها عبر الصور والفيديوهات في مواقع التواصل الاجتماعي كافة، وتحظى بكثير من الإعجابات من مختلف الجنسيات، فهي ليست محصورة على منطقة جغرافية معينة.
https://twitter.com/HajMinistry/status/1534137325361537026?s=20&t=Jmei9mGmstR4rFchtiaR3Q
وتأتي برامج الاستقبال انطلاقاً من استراتيجية وزارة الحج والعمرة، في تحسين استقبال ضيوف الرحمن والترحيب بهم، وتلمّس حاجاتهم منذ أن تطأ أقدامهم منافذ الدخول وحتى وصولهم إلى مساكنهم في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وخلق انطباعات إيجابية لدى الحاج تبقى إلى حين عودته لبلاده، ليعود إلى أهله وهو يحمل أجمل انطباع عن هذه البلاد -حكومة وشعباً- لحسن استقباله ومعاملته المعاملة التي تجسد القيم العربية والإسلامية الأصيلة في الضيافة، من اللحظة التي يصل فيها إلى أراضي المملكة وحتى مغادرته حاملاً معه أجمل الذكريات عن إنسان هذا البلد الطيب.

ويقدم المستقبلون نماذج من الموروث المديني الذي اشتهر به أهالي المدينة المنورة في حسن استقبال ضيوف الرحمن من زوار المسجد النبوي على مر التاريخ. فيما يبدأ البرنامج بالأهازيج المدينية التي كانت تُردَّد قديماً عند وصول الحجاج إلى المدينة المنورة.
https://twitter.com/HajMinistry/status/1542159589965266945?s=20&t=t-mnr4DXJTTOsKyGDlBapg
ويبدو المشهد جلياً بالابتسامات التي ارتسمت على محيّا الحجاج، للتعبير عن مدى الحب والحفاوة والترحاب بهم ضيوفاً للرحمن في أرض الحرمين الشريفين عموماً، وزواراً لمسجد المصطفى صلّى الله عليه وسلَّم خصوصاً.
https://twitter.com/HolyKaaba/status/1544377249511739395?s=20&t=SkSh9-Hhuo9lDirked3feQ
وتهدف برامج الترحيب والاستقبال بضيوف الرحمن، إضافةً إلى الترحيب بالحجاج والحفاوة بهم، إلى غرس قيمة خدمة حجاج البيت الحرام الإيجابية في نفوس الطلاب والنشء، وتعزيز ثقافة إكرام الحجاج، والترحيب بهم، ونيل شرف هذه الخدمة التي نشأ عليها الآباء والأجداد، وبيان أهميتها وفضلها، وبيان الوجه المشرق لأبناء السعودية، وتسخير طاقات الشباب، وإظهار معنى تقدير الحاج والمعتمر والزائر، وإبراز معاني الأخوة الإسلامية التي تطبقها السعودية منهجاً لضيوف الرحمن كافة من دون النظر لجنسياتهم أو انتماءاتهم.
ولا تزال العادات موروثة في أهالي المدينة المنورة ومكة المكرمة، بالتفاني في خدمة القادمين لتأدية النسك، بشكل حديث ومتطور يتجلى بصور مُعبرة كل عام، حيث يتسم موسم الحج بكونه موسماً مُبهجاً يرتبط بطقوس ضيافة وكرم وشهامة أهل المنطقتين، فجرت العادة القديمة كل عام على استقبال أهل مكة لحجاج بيت الله الحرام بماء زمزم، وتوزيع الحلويات المكيّة التقليدية كاللدو واللبنية، ورش أفواج القادمين بالورود، و«النُقل»، ابتهاجاً بقدومهم وترحيباً بخدمتهم.
https://twitter.com/HajMinistry/status/1542159589965266945?s=20&t=OkqkdRpCyfX_49THZWREnA
ويستقبل «المطوفون» وفود الحجاج من مختلف دول العالم، في بيوتهم المفتوحة لضيوف الرحمن على مدار العام وخصوصاً موسم الحج، ويشرف «المطوف» على إرشاد الحجاج ومرافقتهم في أثناء مناسك الحج.
وللزمازمة والسقيا (الأفراد الذين يقومون بسقيا الحجيج من ماء زمزم) نصيبهم من خدمة الحجاج، ومع التطور الهائل في خدمة ضيوف الرحمن وتسخير المملكة جميع جهودها لخدمتهم أصبحت هذه المهن تُمارس في نطاق أوسع وأكثر تطوراً من السابق.
وأطلقت شركة الزمازمة جهاز الخدمة الذاتية لتمكين ضيوف الرحمن من الحصول على عبوات ماء زمزم في مساكنهم مجاناً، من دون تدخل بشري من مقدمي الخدمة، حيث دُشن الجهاز الذي أطلقت عليه (بشرى زمزم) في 10 مواقع للخدمة في مساكن الحجاج بمكة المكرمة.
ويمكن للحجاج من خلال هذه الخدمة الحصول على 3 عبوات من ماء زمزم يومياً، من خلال بطاقة الحج الذكية عبر «باركود» مخصص.

ويحفظ جهاز (بشرى زمزم) العبوات في درجة برودة معتدلة، ويوفر كميات يومية تغطي جميع المساكن التي اختيرت للبدء في هذه التجربة، ويحتوي على شاشة للعرض بعدة لغات، فيما يقوم فريق من الشركة بقياس مدى فاعلية الجهاز للخروج بأفضل الممارسات الميدانية والتوسع في هذه التجربة في مواسم الحج القادمة.
وتزامناً مع بدء الموسم، أطلقت وزارة الحج والعمرة، حملة توعوية تحت شعار «الحج يبدأ منك» وذلك امتداداً للجهود المستمرة لتكثيف أنشطتها التوعويّة لموسم حج هذا العام 1443هـ.
ونشرت الوزارة بالتعاون مع الهيئة العامة للأوقاف، ضمن فعاليات الحملة مقطعاً مرئياً بـ7 لغات عبر منصّاتها على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف توضيح عدد من الإرشادات المتعلقة بالاستخدامات الشخصية والسلوكيات العامة للحاج خلال رحلته لأداء المناسك.
ويتضمن العمل، الذي يعد المنتج الرئيسي للحملة، عدداً من الرسائل لتصحيح السلوكيات الخاطئة في الحج، من بينها الآداب والسلوكيات المستحبة في المشاعر المقدسة.
https://twitter.com/HajMinistry/status/1544270185749745664?s=20&t=Tyiqnj3FZNroKQdi21m8uA
وتستهدف الحملة التوعوية التأكيد أن رحلة الحج الناجحة تبدأ من الحاج نفسه من خلال الحرص على الالتزام والاهتمام بالتعليمات الصحيحة والتوجيهات المهمة لتسهيل رحلة الحاج، وتأمين الراحة والطمأنينة له ولبقية الحجاج، والحرص على أداء الطرق الصحيحة في الحرم والمشاعر لأداء مناسك الحج بسهولة ويُسر.
يُذكر أن وزارة الحج والعمرة كانت قد أطلقت مؤخراً 13 دليلاً توعوياً تفصيلياً بـ14 لغة بالشراكة مع الهيئة العامة للأوقاف، لتسهيل رحلة الحاج، بأسلوب سهل ومُبسط يشمل جميع المراحل التي يمر بها الحاج في أثناء تأدية المناسك.

وتواصل الجهات الحكومية والخاصة في المملكة جهودها لخدمة ضيوف الرحمن في موسم حج هذا العام 1443 ه، من خلال كوادر بشرية ذات كفاءة عالية، إضافةً إلى المشروعات التي تمت تهيئتها للاستفادة منها؛ بهدف توفير أجواء آمنة ومطمئنة لقاصدي المشاعر المقدسة.
وتحرص حكومة المملكة على تقديم الخدمات للحجاج في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، للارتقاء بأداء الجهات بصورة متكاملة وتطوير أعمالها لتؤدي دورها المأمول منها من خلال تفعيل الخطط التشغيلية لدى الجهات للتيسير على الحجاج القادمين من مختلف دول العالم لضمان أداء نسكهم في طمأنينة بما يضمن النجاح المتميز لموسم الحج.
وتجند الجهات العاملة من مختلف الجهات العاملة في منظومة الحج من القطاعين الحكومي والخاص جهودها المتكاملة، بتوجيهات ودعم القيادة، التي تسهم في توفير جميع الإمكانات اللازمة، وتهيئة منظومة الخدمات الصحية والأمنية والتقنية لضيوف الرحمن لينعم حجاج بيت الله الحرام بأداء مناسكهم بأمن وأمان وسلامة.

 


مقالات ذات صلة

السعودية: غرامات تصل إلى 26 ألف دولار لمخالفي أنظمة الحج

الخليج وزارة الداخلية السعودية شدَّدت على أهمية الالتزام بأنظمة وتعليمات الحج (واس)

السعودية: غرامات تصل إلى 26 ألف دولار لمخالفي أنظمة الحج

أعلنت وزارة الداخلية السعودية العقوبات المقررة بحق مخالفي التعليمات التي تقضي بالحصول على تصريح لأداء الحج، حيث تتضمن غرامات مالية تصل إلى 26.6 ألف دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج إعادة المخالفين والمركبات عند مراكز الضبط الأمني المؤدية إلى العاصمة المقدسة (واس)

السعودية: منع دخول المقيمين مكة المكرمة من دون تصريح

بدأ الأمن العام السعودي تنفيذ الترتيبات والإجراءات المنظمة للحج، بمنع دخول المقيمين إلى مكة المكرمة، باستثناء حاملي هوية «مقيم» صادرة منها وتصريح «حج» أو «عمل».

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل لدى ترؤسه اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة الأربعاء (إمارة منطقة مكة المكرمة)

السعودية: استعدادات وجاهزية عالية لموسم الحج

استعرضت اللجنة الدائمة للحج والعمرة جاهزية خطط الجهات ومؤشرات الاستعدادات لحج هذا العام، وذلك خلال اجتماعها برئاسة الأمير سعود بن مشعل نائب أمير منطقة مكة.

«الشرق الأوسط» (جدة - المدينة المنورة)
الخليج إتاحة استعراض الباقات واختيار الأنسب منها لحجاج الداخل (تصوير: بشير صالح)

السعودية: بدء حجز الباقات لحجاج الداخل

أعلنت السعودية، الأربعاء، بدء مرحلة حجز باقات الحج للراغبين في أداء الفريضة من المواطنين والمقيمين ممن لديهم إقامة سارية، لموسم هذا العام، إلكترونياً.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج وزارة الحج والعمرة السعودية أكدت أن حقوق ضيوف الرحمن أولوية قصوى وأن جودة الخدمات المقدمة تمثل خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه (واس)

السعودية: إيقاف «شركتَي عمرة» لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية، السبت، إيقاف شركتَي عمرة، بعد رصد مخالفة تمثلت في عدم الالتزام بتوفير خدمات السكن للمعتمرين وفق البرامج التعاقدية المعتمدة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.


شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
TT

شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)

استكمالا لجولته المكوكية التي بدأت من السعودية، بحث محمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وذلك خلال اجتماع عقد في الدوحة يوم الخميس.

وجدد رئيس الوزراء الباكستاني إدانة بلاده للهجمات التي استهدفت قطر ودول المنطقة، مؤكداً تضامن باكستان الكامل، ودعمها لما تتخذه الدوحة من إجراءات لحماية سيادتها، وصون أمنها، واستقرارها.

وأعرب أمير قطر عن تقديره للدور الباكستاني في دعم المساعي لخفض التصعيد، وتعزيز الحوار الدبلوماسي بما يخدم الأمن والسلم الإقليميين.

بحث الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر ومحمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية (قنا)

ووفقا للمصادر الرسمية، أكد الجانبان ضرورة دعم مسار التهدئة، وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن المنطقة واستقرارها، لا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية.

كما جرى، خلال الاجتماع، استعراض علاقات التعاون والصداقة بين البلدين، وسبل تطويرها بما يعزز الشراكة بين البلدين، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثنائي.

وأكد الجانبان ضرورة مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين، في ظل الأحداث الجارية وتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني وصل إلى الدوحة يوم الخميس في زيارة عمل، وكان في استقباله والوفد المرافق، لدى وصوله لمطار الدوحة الدولي، سلطان المريخي وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية.