حسن عبد الله يعود إلى كنف «الدردارة»

الشاعر الذي حوّل برْكة ماء صغيرة إلى أسطورة

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

حسن عبد الله يعود إلى كنف «الدردارة»

حسن عبد الله
حسن عبد الله

ليس حسن عبد الله مجرد تفصيل عابر في الحياة الثقافية اللبنانية، لكي أستحضر للحديث عنه، ما تيسر العثور عليه من متوفر القول ومفردات الرثاء العادي، بل هو الشاعر الاستثنائي الذي أضاف إلى فرادة موهبته، فرادة مماثلة في التواضع والنزاهة والحضور المحبب. وأنا على يقين تام من أن الشطر القليل من العمر الذي تبقى لنا، نحن أصدقاءه وأترابه ومجايليه، بعد غيابه، لن يكون أبداً مماثلاً لما عشناه، في ظل حضوره الوارف وروحه المرحة ولغته الآسرة. صحيح أن رحلة حسن مع المرض كانت طويلة وشاقة، وقد اضطر إلى العيش بثلث رئتيه، بعد أن فتك السرطان بالثلثين الآخرين، وأن الحياة التي أحبها حتى الثمالة باتت عبئه الثقيل لا متعته الكبرى، ولكن من يعرفونه عن قرب، لم يكونوا ليتصوروا أبداً حياتهم من دونه، أو يركنوا إلى كرة أرضية خالية من مروره الخفيف على أديمها المثقل بالمتاعب.
أتذكر الآن وأنا أعود خمسين عاماً إلى الوراء، الطريقة الطريفة والمشوقة التي زفّ لنا الشاعر محمد العبد الله بواسطتها، نحن الشبان القادمين من قرى الجنوب ودساكره للالتحاق بكلية التربية، نبأ وصول قريبه وصديقه حسن إلى بيروت، لإحياء أمسيته الشعرية الأولى في أحد منتدياتها الثقافية. قال محمد يومها، إن قريبه ليس شاعراً متمكناً من أدواته فحسب، بل هو شخص لمّاح وبالغ الذكاء، ليضيف بابتسامة ماكرة بأن لديه سحره الفريد في علاقته مع النساء، وأننا محظوظون تماماً لأن قدومه إلى بيروت سيقتصر على أيام معدودة، يعود بعدها إلى صيدا، التي وفد إليها من بلدته الخيام، ليعمل مدرساً في ثانويتها الرسمية.
«أنّى رحلتَ فسوف تتبعك الخيام»، هتف حسن عبد الله بالطفل الذي كانه، في نهاية أمسيته الرائعة التي فاجأ بها الحضور، موهبة وطرافة وبراعة في الإلقاء. وكان علينا أن ننتظر بعدها سنوات عدة، لكي يُكمل حسن زحفه البطيء و«المدروس» باتجاه بيروت، التي لن يغادرها بعد ذلك إلا على متن سيارة الإسعاف التي أقلته في رحلة العودة الأخيرة إلى الخيام.
كان حسن يشِيع أينما حلّ عدوى حضوره المحبب في المكان، في حين تثير تعليقاته الطريفة واللماحة عاصفة لا تهدأ من قهقهات الدهشة والاستحسان. ورغم قِصر قامته، وخلو رأسه الكامل من الشَّعر وعدم إفراطه في التأنق، فقد كانت لديه نجوميته اللافتة التي لم تكن وليدة الاحتفاء النرجسي بالذات، كما هو حال الكثير من المثقفين، بل كان ما يحمله من خصال، هو النعمة الخاصة التي امتلكها بالفطرة، والتي كانت تبعده دائماً عن الغرور والأبهة الاستعراضية والثمل بالنفس.
والحديث عن حسن عبد الله لا يستقيم بأي حال دون الحديث عن عينيه الواسعتين على جحوظ قليل، وعن نظراته الثاقبة التي تُظهره بمظهر الصياد المتربص بطرائده وغنائمه المقبلة. ولعل تفرسه الطويل في الأشياء، هو الذي كان يُشعرنا أحياناً بأن شخصاً مثله، نفّاذاً وواسع الحيلة، يمكن اختزاله في عينيه، وحمْله بالتالي على محمل الصقور. فهو رغم كونه قصير القامة و«قليل الجسد»؛ فقد كان يمتلك، كما يحدث في الأحلام، قدرة التحليق الشاهق فوق العالم، الذي ينبسط له «كالوادي تحت الطائر»، وفق تعبيره الحرفي. وإذ انعكست قدراته البصرية تلك، في صوره الشعرية المباغتة، فقد تجلت في الآن ذاته
عبر رسوماته الموزعة بين الزيت والأكواريل، والتي كشفت لدى عرضها قبل سنوات في إحدى صالات بيروت، عن قدراته التشكيلية التي امتلكها بالفطرة، شأن العديد من مواهبه.
والحقيقة، أن مجموعة حسن الأولى «أذكر أنني أحببت» الصادرة عام 1978، لم تكن تشبه البواكير المتعثرة في شيء؛ لأنها حملت بصمته الخاصة على قماشة اللغة، وأظهرت براعته الفائقة في الدمج بين المهارة والبساطة، بقدر ما أفصحت عن امتلائه بأسئلة الوجود الكبرى، كالحب والصداقة والتراث والوطن والحياة والزمن والحرب والموت. ومن يقرأ قصيدته الطويلة «صيدا»، لا بد أن يشعر بالدهشة إزاء نفَسه الدرامي الملحمي، وقراءته الثاقبة لواقع المدينة الراهن، كما لأساطيرها وحضورها في التاريخ. ولم يكن له بالطبع أن يحصل على مبتغاه، لو لم يحشد لقصيدته تلك، كل ما يملكه من غنى المخيلة وتقنيات السرد والنفس الحكائي والمسرحي، وصولاً إلى التنقل الرشيق بين الضمائر والإيقاعات والصيغ التعبيرية. وهو ما عكسه بوضوح مطلع القصيدة اللافت:
حفروا في الأرضْ
وجدوا فخّاراً، أفكاراً
لحناً جوفياً منسرباً من أعماق البحرْ
حفروا في الأرضْ
وجدوا رجلاً يحفر في الأرضْ...
خطأً وجدوا سيارةْ
قصفتْ طائرةٌ مركبةَ الفرعونِ،
انفجرتْ موسيقى يوم الاثنينِ،
ابتدأتْ صيدا
وإذا كان عبد الله قد راهن في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، وككثر آخرين، على الطرف الذي اعتبره من زاويته، مجسداً فعلياً لقيم الحرية والعدالة والخروج من المأزق الطائفي، كما يظهر في قصيدته «من أين أدخل في الوطن» و«أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها»، اللتين غناهما مرسيل خليفة، فإن قلقه المتأصل وحدسه الاستشرافي الثاقب، كانا يدفعان بمواقفه السياسية والآيديولوجية إلى الوراء، ليحل محلهما شعور مرير بانسداد الأفق، ولا جدوى التذابح الأهلي. ففي قصيدته «سقوط المهرج» تبدو «المسافة بين الهزيمة والانتصار، لها صورة الموت والمهزلة». كما تتصادى قصيدته «الحصرم» مع «لعازر» خليل حاوي، في إعلانها الموجع عن استحالة الرهان على الانبعاث في أرض عاقر:
تعبي حامضٌ
أوُدِع الأرض كفّي
فتعصرها حصرماً في عيوني
هذه الأرضُ، هذي الفصولُ، الشموسُ،
السماوات،
تُخطئني دائماً وتصيب بعيداً
كأنْ لم تُسوّ يدي لالتقاط الثمار،
كأنّ يدي سوّيتْ لتكون أداة الخساره
وإذا كانت المجموعة، كما سائر أعمال الشاعر اللاحقة، قد اتسمت على مستوى الرؤية والمضمون، بانحيازه الحاسم إلى صورة الوطن الواحد، والمقاوم لكل أشكال الاحتلال والعسف والتفتيت، فإن ذلك لم يتم بلوغه عبر الشعارات المؤدلجة والأسلوب التقريري والخطابة الجوفاء، بل تنصهر جميعها في مرجل اللغة النابضة بالصدق، والخارجة من الشغاف والمترعة بالمفارقات. كما تُحسب لحسن دينامية أسلوبه البعيد عن النمذجة والتنميط، وبراعته في تطويع الأوزان، ومهارته في تقسيم الجمل، وطريقته الحاذقة في إنهاء البيت الشعري، وفي اختيار القافية ووضعها في مكانها الملائم، دون تعسف أو افتعال.
أما قصيدته «الدردارة»، التي أصدرها في كتاب مستقل، مستلهماً عنوانها من مجمع مائي صغير في بلدته الخيام، فقد عبّرت أفضل تعبير حنين الشاعر الجارف جارف إلى الماضي الذي يلمع بفراديسه الأصفى قبالة كهولته الموحشة. وفي حين تقدم المطولة، على المستوى الأفقي، صورة بانورامية زاخرة بالمرئيات والأصوات والألوان وعناصر الطبيعة وكائناتها، تتجه على المستوى العمودي إلى التوغل في إشكاليات العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين الذات كحاضر مستلب، والذات كمكان وزمان مفقودين. وكما لو أن الشاعر كان يدرك في أعماقه أن هذه القصيدة بالذات هي «يتيمته» وأيقونته ودرة أعماله؛ فقد حشد لها كل ما ادّخرته مخيلته من صور الطفولة وتمثلاتها وقصاصاتها الوردية، وكل ما اختزنه سمْعه من إيقاعات، وبصره من وجودات مرئية، وهو الذي حوّل البحر الكامل إلى سبيكة مدهشة من المجازات وتموجات النبر، مستعينا بالمفردات المحكية، والشجن الصوتي المتقلب بين السرعة والبطء، وبين العلو والخفوت. وهو يقول في مستهلها:
الماء يأتي راكباً تيناً وصفصافاً
يقيم دقيقتين على سفوح العين ،
ثم يعود في «سرفيس» بيروتَ – الخيامْ
سلّم على... سلّم على...
يا أيها الماء التحيةُ، أيها الماء الهديةُ
أيها الماء السلامْ
وعلى الذي في القبرِ
واسقِ القبرَ،
واجعل أيها الماء النهارَ مساحةً مزروعةً جزراً...
وطيرٌ راكضٌ تحت الشتاءْ
وإنني في الصيف من عشرين عامْ
أفعى على برّ الخيامْ
ولم يقلل اقتصار نتاج عبد الله الشعري على مجموعات أربع، وخامسة قيد الطبع، من خصوصية تجربته وتميزها، وهو الذي لطالما آثر النوع على الكم، والاختزال على الحشو والإطناب. ومع أنه احتفظ في مجموعته الثالثة «راعي الضباب»، التي تأخرت ثمانية عشر عاماً عن سابقتها، ببعض خصائص شعره الفنية السابقة، فقد اتجه بقصائده نحو المزيد من الحذف والإضمار والتخلص من الزوائد، مصوباً نحو جوهر المعنى، وممعناً في بساطته وطراوة أسلوبه وتقشفه اللغوي، إلى الحد الذي كادت تختفي معه المسافة بين الشعر والنثر. وهو ما أكدته مجموعته الرابعة «ظل الوردة» التي اتجه عبرها إلى نوع من الومضات النثرية التأملية والشبيهة بالتوقيعات، كما بدت محصلة طبيعية لعراكه مع الحذلقة الشكلية والزخرف اللغوي، والكلام الفائض.
وإذا كانت هذه المقالة لا تتسع للحديث عن تجربة حسن عبد الله الرائدة في مجال الكتابة الأطفال، فلن تفوتني الإشارة رغم ذلك، إلى أن ما أنتجه حسن في هذا المجال، وقد ناهز الكتب الستين، لا يقل براعة وإدهاشاً عن كتاباته الأخرى. لا بل ندر أن استطاع أحد من عشاق لغة الضاد والمشتغلين بها، أن يعبر عن جمالياتها وحكايا حروفها وكهربائها المختزنة، كما فعل حسن في مجموعته «أنا الألف»، المقررة في بعض مناهج الدراسة، والتي يحفظها الآلاف من الصغار، والكبار أيضاً، عن ظهر قلب.
على أن الشاعر لم يبرع إلى أبعد الحدود في الكتابة عن الطفولة، إلا لأنه احتفظ في داخله بكامل نقائه، وبكامل براءته الطفولية. وهو ولو انتقل جسداً إلى بيروت، فقد ظلت روحه مقيمة داخل ذلك الأرخبيل العجائبي المترع بالخضرة والماء، الذي يصل سهل الخيام بسهل مرجعيون. ولعل ما يسّر عليه وطأة الموت، رغم تعلقه المفرط بالحياة، هو حنينه الأبدي للعودة إلى كنف المياه الأم التي ظل يشحذ لغته على سندانها الصلب، ويرفد مخيلته بكل ما تحتاج إليه من تشابيه وصورٍ وتوريات. وحيث لم يكونوا كثرا أولئك الذين حملهم الوفاء لمبدعهم الأثير، إلى السير وراء نعشه، فإن المشهد على المقلب الآخر من الكائنات، كان مختلفاً تماماً، حيث خرجت الطيور والأشجار وفراشات الحقول والحشائش الصغيرة التي احتفت بها قصائده، لاستقبال الشاعر العائد بعد غربة مضنية، إلى مسقط رأسه ولغته وقلبه. أما الماء الذي تغلغل وادعاً وعذباً في شعر حسن عبد الله، فقد خرج بمفرده عن السرب لتحية الشاعر، وتنفيذاً لوصيته الاستشرافية التي اختتم بها قصيدة «الدردارة»:
قد لا أكون هناك في تموز ذاك العامْ
لكنْ ، أيها الماء الذي وثب الزمانَ
وجاء محروراً إليّْ
سلّم عليّْ
سلّم عليّْ


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
TT

واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

جددت واقعتا الكتابة على حائط بمنطقة آثار سقارة (غرب القاهرة) من قبل أحد المرشدين السياحيين، والتعدي على قلعة الجندي والحفر خلسة وتدمير حمام بخار بالكامل اكتُشف داخلها منذ ما يزيد على 5 سنوات... المطالب بضرورة التصدي لأي عمليات من شأنها تشويه الآثار المصرية، وتعريضها للخطر. وضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بمطالب لمتخصصين ومتابعين متنوعين بالحد من هذه السلوكيات.

وقال الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إن «المدهش في واقعة الكتابة بالطباشير أنها تأتي من مرشد سياحي، المفترض أنه على درجة كبيرة من الوعي بقيمة الأثر»، وطالب عبد البصير بـ«التصدي بحزم لمثل هذه التصرفات حتى يتم وأد حالات اللامبالاة والإهمال التي يمكن أن تنشأ لدى البعض، قبل أن تستفحل وتتفاقم ونجد صعوبة في السيطرة عليها».

وقال عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إن «تصرف المرشد السياحي وتبريره ما قام به، وعدم شعوره بالضرر الذي وقع على هرم سقارة، مسيء ومشين للآثار المصرية، ويعاقب عليه القانون، فضلاً عن أثره الحضاري السلبي الذي يمكن أن يصل للعالم من جراء تصرف عنصر يُفترض أن يتصدى لأي سلوك يشوّه الآثار لا أن يقوم هو به، كما أنه يجادل، وينفي علاقة الحجر الذي شوّهه بالأثر، والادعاء بأنه من الأحجار المضافة لهرم أوناس بسقارة».

مرشد سياحي يُشوّه هرم سقارة (يوتيوب)

وعدّ أن «التهاون مع مثل هذه التصرفات يعطي مردوداً سلبياً على الآثار المصرية، والتعامل معها، فضلاً عن نظرة العالم لنا حين نطالب باستعادة آثارنا المنهوبة»، وفق عبد البصير الذي دعا لوقفة قوية من نقابة المرشدين السياحيين بعد توقيف صاحب الواقعة.

في المقابل، كان هناك رصد لأعمال تعدٍّ على قلعة الجندي في سيناء، التي تقع على طريق الحج، وقد كشف عن هذه التعديات الخبير الأثري الدكتور عبد الرحيم ريحان في صفحته على «فيسبوك»، وقال إن «أعمال حفر نُفّذت خلسة أدت إلى تدمير حمام بخار بالكامل، كان قد اكتُشف في موسم حفائر 2020 - 2021 بواسطة بعثة آثار منطقة جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية، على الطريق الحربي لصلاح الدين في سيناء المعروف بطريق صدر».

جانب من أعمال التدمير التي رُصدت في الحمام الأثري (صفحة د.عبد الرحيم ريحان على «فيسبوك»)

ونشر ريحان صورة تظهر أرضية الحمام وقت اكتشافه، وتُوضح أن الأرضية كانت سليمة، وبعدد 6 بلاطات أثرية بحالة كاملة كما هو مثبت فى تقرير الحفائر، الذي يُشير إلى أنه ثالث حمام أيوبي متبقٍّ فى سيناء، وصورة أخرى تظهر أرضية الحمام بعد حدوث تعدٍّ عليه من قبل المحيطين بالمنطقة، و«القيام بأعمال حفائر خلسة داخل القلعة بحثاً عن الآثار، وهو ما أدى إلى تدمير أرضية الحمام، مما يمثل كارثة كبرى. والحمام مكون من 3 حجرات وموقد حجري ضخم أسفل الحمام تحت البلاطات التي دُمِّرت، وبه أحواض علوية وحوض توزيع ومغطس».

ووفق الدكتور فاروق شرف، خبير ترميم الآثار المصرية، فإن «ما جرى من تشويه داخل هرم أوناس بسقارة، وتدمير حمام كامل بقلعة الجندي بسيناء، يرجعان لوجود حالة تراخٍ من الأثريين أنفسهم في حماية الآثار»، وطالب في حديث لـ«الشرق الأوسط» بـ«ضرورة تكثيف المراقبة من جانب وزارة السياحة والآثار، فلا يجوز أن تُترك كنوزنا وهي موجودة في مساحات شاسعة عرضة للانتهاك دون حماية»، وأضاف شرف: «أقترح أن ينظم المجلس الأعلى للآثار محاضرات دورية للعاملين في مجال الآثار، إضافة إلى طلبة المدارس، توضح لهم أهمية الآثار وقضية حمايتها والحفاظ عليها وطرق ترميمها»، مؤكداً أن الاهتمام بالوعي الأثري هو حائط الصد الأول للحماية، وأن «وجود الأثر في منطقة بعيدة مثل قلعة الجندي لا يُبرر انتهاكه، ولا التعدي عليه».


محمد إمام: «الكينج» أفضل مسلسل قدمته في مسيرتي

يشارك في بطولة المسلسل عدد من النجمات (حساب محمد إمام على فيسبوك)
يشارك في بطولة المسلسل عدد من النجمات (حساب محمد إمام على فيسبوك)
TT

محمد إمام: «الكينج» أفضل مسلسل قدمته في مسيرتي

يشارك في بطولة المسلسل عدد من النجمات (حساب محمد إمام على فيسبوك)
يشارك في بطولة المسلسل عدد من النجمات (حساب محمد إمام على فيسبوك)

وصف الفنان المصري، محمد إمام، مسلسله الجديد «الكينج» بـ«محطة خاصة ومختلفة في مسيرتي»، وقال إنه يعدّه «أفضل عمل درامي» قدمه حتى الآن، لما يحمله من تنوع على مستوى الشكل والمضمون، وما يتضمنه من تحديات تمثيلية وبدنية.

وأضاف إمام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن أصعب المشاهد التي واجهها أثناء التصوير كانت مشاهد الأكشن، لما تتطلبه من مجهود بدني مضاعف وتركيز عالٍ، مع حرصه على أن يخرج بصورة دقيقة ومقنعة، وإعادة فريق العمل تصوير بعض اللقطات أكثر من مرة حتى يصل المشهد إلى المستوى الذي يرضي الجميع فنياً؛ مؤكداً أنه لا يكتفي بالحلول السهلة، بل يسعى دائماً إلى تقديم صورة مختلفة عما اعتاده الجمهور.

وأشار إلى أن من بين أكثر المشاهد إرهاقاً مشهد صُوِّر وسط عاصفة رملية، واصفاً إياه بأنه «تجربة جديدة على الدراما المصرية، خصوصاً أن تنفيذ هذا المشهد استغرق وقتاً وجهداً كبيرين، وحرصنا على أن يظهر بأعلى جودة ممكنة، لما يحمله من طابع بصري غير تقليدي».

محمد إمام في مشهد من المسلسل (حسابه على فيسبوك)

ولفت إمام إلى أن «المسلسل لا يعتمد على الأكشن فقط، بل يجمع بين الدراما والتشويق ولمسات الكوميديا، إلى جانب حضور مجموعة كبيرة من النجوم»، مشيراً إلى أنه استمتع بالعمل مع جميع المشاركين، لأن كل مشهد كان بمثابة «مباراة تمثيل» تدفعه إلى تقديم أفضل ما لديه.

وعن تعاونه مع الفنانة حنان مطاوع، قال إمام إنه يشعر بالفخر بالعمل معها، قائلاً: «هي ممثلة قديرة تضيف لأي مشروع تشارك فيه»، وتابع أن مشاهدها تمنح المسلسل ثقلاً درامياً واضحاً، ووجودها يرفع من مستوى الأداء العام.

كما تحدث عن تعاونه مع الفنان مصطفى خاطر، مشيراً إلى أن صداقتهما قديمة، رغم أن هذا التعاون هو الأول بينهما على مستوى الدراما بهذا الحجم، ورأى أن ظهوره شكّل مفاجأة للجمهور هذا العام، لكونه يقدم دوراً مختلفاً عما اعتاده المشاهدون منه، مع تميزه في تفاصيل الشخصية وإظهار جوانب جديدة في أدائه.

وعن التحضير لمشاهد الملاكمة، أوضح إمام أنه يمارس هذه الرياضة منذ سنوات، وسبق وتدرَّب عليها في أعمال سابقة، مما سهّل عليه تجسيد شخصية ملاكم في المسلسل، وأوضح أن «الملاكمة لها أسلوب خاص في الحركة والاشتباك، وحرصت على أن تبدو التفاصيل واقعية، سواء في طريقة الوقوف أو توجيه اللكمات أو الحركة داخل الحلبة».

وأكد أنه يفضّل تنفيذ الجزء الأكبر من مشاهد الأكشن بنفسه، رغم وجود فريق متخصص ودوبلير جاهز لأي لقطة خطرة، موضحاً أن أداء المشاهد بنفسه يمنحها مصداقية أكبر ويقربه من إحساس الشخصية، مؤكداً أن السلامة تبقى أولوية، وأن فريق الأكشن يلتزم بإجراءات دقيقة.

محمد إمام ومصطفى خاطر في مشهد من المسلسل (حسابه على فيسبوك)

وتطرق إمام إلى كواليس التصوير الخارجي، مشيراً إلى أن فريق العمل سافر إلى ماليزيا لتصوير عدد من المشاهد، في رحلة وصفها بـ«الشاقة بسبب طول ساعات السفر واختلاف الطقس حيث شكلت الرطوبة والحرارة تحدياً إضافياً، خصوصاً أن الفريق انتقل من أجواء باردة إلى مناخ مختلف تماماً»، لكنه أكد أن النتيجة البصرية كانت تستحق هذا العناء، متوقعاً أن يلاحظ الجمهور اختلاف الصورة والطابع العام للمشاهد المصورة هناك.

كما أشار إلى حادث الحريق الذي تعرض له موقع تصوير خاص بالمسلسل ووصفه بـ«الصعب والمؤلم» للجميع، لكنه كشف في الوقت نفسه عن روح التضامن داخل فريق العمل. وخص بالشكر المنتج عبد الله أبو الفتوح الذي أصرّ على استكمال التصوير سريعاً رغم الخسائر، حفاظاً على استمرارية المشروع واحتراماً للجدول الزمني.

محمد إمام مع حنان مطاوع في كواليس التصوير (حسابه على فيسبوك)

وفيما يتعلق بتجربته مع المخرجة شيرين عادل، قال إمام إن بينهما تاريخاً من النجاحات المشتركة، وإنها تمتلك رؤية إخراجية واضحة وتفاصيل دقيقة للمشهد، لافتاً إلى أن التفاهم بينهما بلغ درجة تجعلهما أحياناً يتفقان على الملاحظات نفسها قبل أن ينطقا بها، وهو ما يختصر الوقت ويعزّز جودة العمل.

أما عن المنافسة في الموسم الرمضاني، فقال إمام إنه ينظر إليها بإيجابية، معتبراً أن التنافس يصب في مصلحة الجمهور أولاً، مؤكداً أن جميع الفنانين والعاملين في الصناعة يبذلون جهداً استثنائياً لتقديم أعمال مميزة، خصوصاً في ظل ظروف إنتاجية وضغوط زمنية كبيرة، لتحقيق هدف مشترك وهو إمتاع المشاهد وتقديم محتوى يليق بثقته.

وختم إمام حديثه بالتعبير عن سعادته بردود الفعل الأولية على الحلقات الأولى من «الكينج»، مؤكداً أنه يلمس دعم الجمهور منذ اللحظة الأولى للعرض، وأن هذا الدعم يمثل الحافز الأكبر له للاستمرار في تقديم أعمال أكثر طموحاً في المستقبل.


السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)
الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)
TT

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)
الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

تسعى السعودية ومصر إلى تعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون، وفق ما تناوله لقاء جمع بين وزير الدولة للإعلام في مصر، ضياء رشوان، ومستشار الديوان الملكي في السعودية، ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، المستشار تركي آل الشيخ، خلال زيارته الحالية إلى القاهرة.

وأكد ضياء رشوان عمق العلاقات التاريخية بين مصر والسعودية، مشيراً إلى أن هذه العلاقات تُمثل نموذجاً راسخاً للتكامل العربي والشراكة الاستراتيجية، التي ترتكز على وحدة المصير وتطابق المصالح، وتمتلك تاريخاً طويلاً من التنسيق والتضامن في مواجهة التحديات التي تهدد الأمن القومي العربي.

وأضاف وزير الدولة للإعلام أن زيارة المستشار تركي آل الشيخ لمصر تأتي في إطار التواصل المستمر بين المسؤولين في البلدين، من أجل توسيع نطاق التعاون والعمل المشترك في مختلف المجالات، وتبادل الرؤى بشأن كل ما يعزّز العلاقات المصرية - السعودية، لافتاً إلى أن هذه الزيارة، بمضمونها وتوقيتها، تحمل رسالة ذات دلالات واضحة على أن العلاقات بين البلدين، على مختلف المستويات، بما فيها الجوانب الثقافية والإعلامية، أقوى وأكثر استقراراً ورسوخاً من أي محاولات يائسة للنيل منها أو تشويه حقيقتها، حسب وكالة الأنباء الرسمية في مصر.

وأكد حرص الجانبين على هذه العلاقات وتعزيزها، والسعي إلى تطويرها، والمواجهة المشتركة الحاسمة لكل من يسعى إلى تعكيرها أو تخريبها، على حد تعبيره.

فيما أكد المستشار تركي آل الشيخ أنه، إلى جانب البُعد السياسي لزيارته إلى القاهرة، من المقرر أن يجتمع مع عدد من المسؤولين عن شؤون الثقافة والإعلام والفنون، وكذلك مع كثير من الرموز المصرية في هذه المجالات، لبحث آفاق أوسع من التعاون، والارتقاء بالعمل المشترك المصري - السعودي إلى مستوى يتناسب مع ما يجمع البلدين والقيادتين من روابط تاريخية عميقة.

ورأى أن وجوده في مصر يدحض كل الادعاءات الفارغة التي يتعمد البعض ترويجها بين حين وآخر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أنه «علينا العمل معاً، ليس فقط لوأد هذه الشائعات، بل أيضاً للسعي إلى أن يكون الإعلام، بكل أدواته التقليدية والرقمية الحديثة، وسيلةً لمزيد من التقارب والمودة والأخوة بين الشعبين».

وأضاف رئيس هيئة الترفيه السعودية أن «هناك ثقافة عربية واحدة، بلغة عربية واحدة، أسهم فيها كل شعب عربي بطرق متنوعة، ولا شك أن التعاون المصري - السعودي اليوم يُمثّل أساساً في قيادة مشروع النهوض الثقافي العربي الشامل الذي نتطلع إليه».

جانب من اللقاء الذي جمع بين المستشار تركي آل الشيخ والدكتور ضياء رشوان (فيسبوك)

وكانت الهيئة العامة للترفيه في السعودية قد أعلنت في عام 2024 التعاون مع وزارة الثقافة المصرية في عدد من الفعاليات، ودعم صندوق «BIG TIME» لـ16 فيلماً سينمائياً في المرحلة الأولى من التعاون، بميزانية تُقدَّر بنحو 4 مليارات جنيه (يعادل الدولار نحو 47 جنيهاً مصرياً). وشهدت تلك الفترة شراكة ثلاثية بين وزارة الثقافة، وهيئة الترفيه، والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في مجالات المسرح والسينما والغناء.

وعدّت العميدة السابقة لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، تعزيز التعاون بين مصر والسعودية في الإعلام والفن والثقافة أمراً إيجابياً، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا التعاون ليس جديداً، فكثير من الإعلاميين والصحافيين المصريين يسافرون إلى الدول العربية، خصوصاً السعودية، كما يتم تبادل كثير من الإنتاجات في الدراما والمسرح والسينما، وكانت هناك فترات بث مشترك بين مصر وأكثر من دولة، من بينها السعودية».

وكانت الهيئة العامة للترفيه قد أعلنت قبل عامين عن بروتوكول للتعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في مصر، مع الإعلان عن الانتهاء من جميع التراخيص لصندوق «BIG TIME» للأفلام من هيئة سوق المال السعودية، برأسمال قدره 50 مليون دولار، وبشراكة بين جهات هي: «GEA» و«المتحدة للأفلام»، إلى جانب مستثمرين سعوديين.

كما اتُّفق على تنظيم حفلات عدّة في مدينة العلمين المصرية برعاية موسم الرياض، وإنتاج 4 مسرحيات كبرى برعاية الموسم نفسه، إضافة إلى إنتاج مسرحيتين كبيرتين تُعرضان في الرياض برعاية الشركة المتحدة.

ولفتت أستاذة الإعلام إلى أن «التعاون لا يمنع التنافس، فهو أمر طبيعي لتقديم الأفضل دائماً»، مطالبة بأن يمتد التعاون إلى مختلف المجالات، وأن يشمل جميع الدول العربية، بما يجعلنا أقوى.