واشنطن وحلفاؤها يرصدون الطموح الصيني وخطره على تايوان وحوض المحيط الهادئ

وسط القلق من استنساخ «السيناريو الأوكراني»... آسيوياً

لقطة لبعض المناورات البحرية الصينية في مضيق تايوان
لقطة لبعض المناورات البحرية الصينية في مضيق تايوان
TT

واشنطن وحلفاؤها يرصدون الطموح الصيني وخطره على تايوان وحوض المحيط الهادئ

لقطة لبعض المناورات البحرية الصينية في مضيق تايوان
لقطة لبعض المناورات البحرية الصينية في مضيق تايوان

تعتمد الصين مواقف سياسية وعسكرية متشددة داخل منطقة حوض المحيط الهادئ التي تتميّز بقدر كبير من الأهمية الاستراتيجية. ومن جنوب المحيط الهادئ إلى غربه، تعمل سلطات بكين على تعزيز نفوذها في المنطقة، ولقد شهدت الفترة الأخيرة عدداً من الأحداث التي كشفت بوضوح ملامح الاستراتيجية الصينية الرامية لجعل حوض المحيط الهادئ جزءاً من فنائها الخلفي. وفي إطار هذه الخطة، اختتم وزير الخارجية الصيني وانغ يي، مطلع يونيو (حزيران) المنقضي، جولة استغرقت 10 أيام زار خلالها سبع دول جُزرية في جنوب هذه المنطقة، بجانب تيمور الشرقية. ومن جهة ثانية، ساد قلق صفوف صانعي السياسات في الغرب بعد تسريب مسوّدة كشفت عن ممارسة بكين ضغوطاً لمعاونة دول جنوب المحيط الهادئ في جهود بناء قوات الشرطة والحوكمة الرقمية وأنظمة الأمن السيبراني. ومن شأن مثل هذه الخطوات تعزيز بشكل كبير نفوذ بكين في منطقة غدت ميداناً لحرب نفوذ جيوسياسية واستراتيجية بين الصين من جهة والولايات المتحدة وأستراليا من جهة أخرى خلال السنوات الأخيرة. ومعلوم أنه قبل ذلك بقليل، تحديداً في أبريل (نيسان) الماضي، وقعت بكين اتفاقاً أمنياً مع حكومة جزر سليمان (بجنوب غرب المحيط الهادئ قرب أستراليا) من شأنه السماح بنشر قوات من الشرطة الصينية والجيش وغيرهم من الأفراد المسلحين وفقاً لمسودة مسربة للاتفاقية. كذلك يقدّم الاتفاق رصيفاً للسفن الحربية الصينية في الجزر.
من الملاحظ أن الصين كثفت تدريباتها العسكرية وزادت حدة خطابها تجاه تايوان منذ غزو روسيا لأوكرانيا، ما زاد المخاوف العالمية من أن سلطات بكين قد تشعر بالجرأة لغزو الجزيرة، التي تدّعي السيطرة التاريخية عليها. ويرى خبراء أن جزر المحيط الهادئ تتسم بأهمية محورية لاستراتيجية الصين الدبلوماسية لضم تايوان، ذلك أنه يمكن استخدام قاعدة بحرية صينية المتفق عليها في جزر سليمان لاعتراض التعزيزات العسكرية لتايوان.
في الواقع، على مدار سنوات، حوّلت العديد من دول جزر المحيط الهادئ (بالذات جنوب غربه) دفة تحالفاتها الدبلوماسية إلى الصين، بدلاً من تايوان. ونجحت بكين في إقناع العديد من دول المحيط الهادئ بقطع علاقاتها مع حكومة تايبيه (الحاكمة في تايوان). واستهدفت بكين على وجه الخصوص جزر سليمان وكيريباتي (كيريباس) وساموا وفيجي وتونغا وفانواتو وبابوا غينيا الجديدة وجزر كوك ونيوي وميكرونيزيا، واستبعدت بشكل واضح جزر مارشال وناورو وبالاو وتوفالو، وجميعها تعترف بتايوان كدولة مستقلة. ولكن عام 2019، بدلت جزر سليمان وكيريباتي، اتجاه علاقاتهما الدبلوماسية إلى الصين، بدلاً من تايوان.
تُعرف هذه السياسة على نطاق واسع باسم «التحوّل»، وتعد واحدة من المؤشرات الرئيسة الأولى لتوسع النفوذ الصيني في المنطقة التي لطالما كانت حليفة للولايات المتحدة وأستراليا. وفي هذا الشأن، أعرب آر. راجغوبالان، أستاذ السياسة الدولية في جامعة جواهر لال نهرو بالعاصمة الهندية دلهي، عن اعتقاده بأن «النفوذ الصيني المتزايد في المحيط الهادئ يبدل ميزان القوى ويضع تايوان وحلفاءها في موقف صعب. إنه سيعطي السفن الصينية موطئ قدم استراتيجي في المحيط الهادئ، ومعه تبدو كل من أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة محاصرة بشكل خاص، لأن الاتفاق المُبرَم مع جزر سليمان قد يسمح للصين بإنشاء قاعدة عسكرية على بُعد 2000 كيلومتر فقط من ساحل أستراليا الشرقي، ذلك أن الاتفاقية تتيح للصين «زيارات للسفن وتنفيذ التجديد اللوجستي والتوقف والانتقال في جزر سليمان. مع تذكّر أنه على بُعد نحو 3200 كيلومتر شمال جزر سليمان تقع جزر غوام، معقل القوة الأميركية في حوض المحيط الهادئ».
في ضوء ما حدث، أرسلت واشنطن «القلقة» كورت كامبل، منسّقها في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ، إلى جزر سليمان لإثارة موضوع الاتفاق المُبرم مع بكين، بالإضافة إلى خطط لإعادة فتح السفارة الأميركية هناك. أما الصين، فأثارت التساؤلات حول دوافع الزيارة، مشيرة إلى أن السفارة الأميركية كانت مغلقة طوال 29 سنة، إلا أن واشنطن أبدت اهتماماً «مفاجئاً».
- نظرة تاريخية
تعد تايوان حقل ألغام جيوسياسياً، مع عزم الصين على إعادة ما تعتبرها منطقة منشقة إلى الوطن الأم. وتاريخياً، كانت جزيرة تايوان (أو فورموزا – وعاصمتها تايبيه) مقاطعة صينية لمدة 10 سنوات فقط، قبل التنازل عنها لليابان كمستعمرة عام 1895، ثم تسليمها لاحقاً إلى جمهورية الصين الوطنية بنهاية الحرب العالمية الثانية. غير تايوان انفصلت مجدداً عن البرّ الصيني عام 1949 عندما نقل رئيس الصين الوطنية (يومذاك) تشيانغ كاي شيك، حكومته إلى الجزيرة بعدما انتصر الشيوعيون بقيادة ماو تسي تونغ في الصراع على السلطة بالصين. ومنذ ذلك الحين أسست تايبيه صلات قوية مع الولايات المتحدة واليابان وحلفاء آخرين، وسعت إلى تعزيز قدرة قواتها المسلحة على مقاومة أي غزو صيني محتمل.
وفي حين، أقام الجانبان علاقات اقتصادية قوية فيما بينهما، تعثرت جهود المصالحة السياسية خلال السنوات الأخيرة، مع تشديد تايوان على هويتها الخاصة، وتأكيد سلطات بكين مطالبها بأن تقبل سلطات الجزيرة شروطها لإعادة توحيد الكيانين. إذ تؤكد بكين أن تايوان مجرّد جزء من أراضيها، وبالتالي، لا يحق لها العمل بشكل مستقل كدولة أو أن يكون لها تمثيل على المسرح العالمي.
ثم أنه، منذ تولت الرئيسة التايوانية تساي إنغ ون منصبها عام 2016، رفضت بكين إجراء أي اتصال مع حكومتها. وتعمد الصين حالياً إلى إرسال طائرات عسكرية داخل نطاق الدفاع الجوي التايواني بشكل منتظم. والملاحظ أن بكين تبنت لغة تهديدية بشكل متزايد، محذرة من أن تساي وحزبها التقدمي الديمقراطي الحاكم وآخرين «سيدفعون ثمناً باهظاً» لرفضهم المطالب الصينية، وأن تايوان ستتعرض لهجوم إذا ما أعلنت استقلالها رسمياً. وفي المقابل، أعلنت تساي أن تايوان ليست بحاجة إلى إصدار مثل هذا الإعلان، لأنها بالفعل مستقلة بحكم الأمر الواقع، ورفضت تلبية مطلب الصين الأساسي بالاعتراف بتايوان كجزء من الأمة الصينية.
- هل تُغزى تايوان؟
أثار الغزو الروسي لأوكرانيا المخاوف من غزو صيني وشيك لتايوان. وهذا ما حذّر منه قادة عسكريون أميركيون في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتبعاً لما يراه لسوشانت سينغ، أحد كبار الزملاء في «مركز أبحاث السياسة» في الهند، أكد تسجيل صوتي مُسرّب حديثاً وصورة جرى التقاطها سراً بواسطة أحد المنفيين نشرهما «لود ميديا»، أن الصين تعد لغزو تايوان. وتشير مزاعم إلى أن التسجيل عبارة عن مناقشة استراتيجية رفيعة المستوى بين بعض كبار الضباط والمسؤولين في البلاد حول خطط الغزو التي تشمل 140.000 جندي. وفي التسجيل المزعوم للاجتماع، ناقش المسؤولون المدنيون وكبار الضباط خططاً للتعبئة. وثمة أقاويل حول أنه من بين الحاضرين الجنرال زو، قائد منطقة غوانغدونغ العسكرية.
أيضاً، ناقش الاجتماع ما يوصف بالانتقال «الطبيعي إلى الحرب» واستخدام قوة هائلة لمواجهة تايوان. وأنه سيكون هناك أيضاً 953 سفينة من مختلف الأنواع، و1653 قطعة من المعدّات التي تعمل من دون قائد بشري. وتتضمّن الموارد الأخرى المتاحة 20 مطاراً ورصيفاً، ومساحات إصلاح وبناء السفن، و14 مركزاً للنقل في حالات الطوارئ. وذكر المشاركون في الاجتماع أن مستودعات الحبوب والمستشفيات ومحطات الدم ومستودعات النفط ومحطات الوقود يجب أن تكون على أساس الحرب. وقال أحد المتحدثين: «لن نتردد في بدء حرب وسحق استقلال تايوان ومخططات أعدائنا الأقوياء، والدفاع بحزم عن السيادة الوطنية وسلامة أراضينا».
وفي الوقت ذاته، كشفت صور من الأقمار الصناعية في صحراء تاكلاماكان في إقليم شينجيانغ (سنكيانغ)، بغرب الصين، أن الجيش الصيني يستخدم طائرة بوينغ «إي ـ 767»، مزودة بنظام الإنذار والتحكم المحمولة جواً (أواكس) التي تديرها قوات الدفاع الذاتي الجوية اليابانية كهدف وهمي. وتبدو محاطة بعدد من الطائرات المقاتلة الصينية الأصغر. وجدير بالذكر أن صحراء تاكلاماكان الصينية أرض اختبار صواريخ جيش التحرير الشعبي الصيني، ويجري استغلالها في اختبار دقة مختلف الصواريخ الجديدة وتطويرها.
- الخلاف الصيني الأميركي
في الآونة الأخيرة، يبدو أن التوترات تفاقمت بين الولايات المتحدة والصين. وفي تطور لافت، قدم عضوان في مجلس الشيوخ الأميركي أخيراً «مشروع قانون لتعزيز الدعم لتايوان لعام 2022» بشكل كبير، مع تقديم مليارات الدولارات في شكل مساعدات أمنية وإدخال تغييرات على القانون تدعم العلاقات غير الرسمية لواشنطن مع الجزيرة. ويهدد «القانون» لعام 2022 بفرض عقوبات شديدة على الصين عند شنها أي عدوان على تايوان، كما يخصص مبلغ 4.5 مليار دولار في شكل تمويل عسكري أجنبي على مدى السنوات الأربع المقبلة، بالإضافة إلى تصنيف تايوان «حليفاً رئيساً من خارج الناتو»، وفقاً للنص المقترح.
وذكر تقرير لوكالة «رويترز» نقلاً عن راعيي «مشروع القانون»، وهما السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، وزميله الجمهوري ليندسي غراهام، أن «مشروع القانون» سيكون بمثابة إعادة هيكلة شاملة للسياسة الأميركية تجاه الجزيرة منذ تمرير «قانون العلاقات مع تايوان لعام 1979». وفي بيان له، قال مينينديز: «بينما تواصل بكين سعيها لإكراه تايوان وعزلها، يجب ألا يكون هناك شك أو غموض بشأن عمق وقوة عزمنا على الوقوف مع شعب تايوان وديمقراطيته». وأردف أن «مشروع القانون» يبعث «رسالة واضحة مفادها أنه لا ينبغي للصين أن ترتكب الأخطاء التي ارتكبتها روسيا في غزوها لأوكرانيا».
من ناحيتها، تعمد بكين إلى اختبار دفاعات تايوان، وكذلك خطوط واشنطن الحمراء. وفي هذا الإطار، اخترق عدد قياسي من الطائرات الحربية الصينية، بما في ذلك مقاتلات «جيه ـ 16» و12 قاذفة «إتش ـ 6» ذات القدرات النووية، تكراراً منطقة الدفاع الجوي التايوانية. وأقدمت الصين في مايو (أيار) على ثاني أكبر توغل في منطقة الدفاع الجوي التايوانية هذا العام، مع إعلان تايبيه عن دخول 30 طائرة إلى المنطقة، بما في ذلك أكثر من 20 مقاتلة.
في هذه الأثناء، بينما أثار الرئيس الأميركي جو بايدن دهشة وغضب الصين الشهر الماضي بقوله إن بلاده ستتدخل عسكرياً إذا تعرّضت تايوان لهجوم، اتهم وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن بكين بـ«التهديد بتغيير الوضع الراهن في تايوان من خلال زيادة مطردة في النشاطات العسكرية الاستفزازية والمزعزعة للاستقرار» بالقرب من الجزيرة. وفي المقابل، هاجم وزير الدفاع الصيني وي فنغهي واشنطن واتهمها بـ«مواصلة اللعب بورقة تايوان ضد الصين». وأضاف وي أن «تايوان هي تايوان الصينية، واستخدام تايوان لاحتواء الصين لن يفلح أبداً... وإذا تجرأ أي شخص على فصل تايوان عن الصين، لن يتردد الجيش الصيني بالتأكيد في بدء حرب مهما كان الثمن».
- علاقات تايوان الأميركية
ما يستحق الإشارة أن 15 دولة فقط تحتفظ بعلاقات دبلوماسية رسمية مع تايبيه، وليس هناك أي حكومة تقيم علاقات رسمية مع كل من تايبيه وبكين. كذلك، تفتقر تايبيه إلى مقعد في الأمم المتحدة، إذ جرى إبعادها عن عدد من المؤسسات والشراكات الدولية، بناءً على طلب من بكين.
وكانت «حكومة» تايوان قد شغلت مقعد الصين في الأمم المتحدة حتى أكتوبر (تشرين الأول) 1971 قبل التصويت على «طردها» لصالح بكين. ولكن منذ ذلك الحين، سعت تايبيه بانتظام إلى زيادة مشاركتها في المنظمة الدولية والمؤسسات التابعة لها. وعلى الرغم من الافتقار إلى علاقات رسمية بينهما، حافظت واشنطن منذ فترة طويلة على علاقات جيدة مع تايبيه، وهي تتصدّر تاريخياً مزوّدي تايوان بالأسلحة. وأيضاً تنتهج واشنطن سياسة «الغموض الاستراتيجي» إزاء مدى ما يمكنها فعله للدفاع عن تايوان في مواجهة الغزو الصيني.
التوترات بين واشنطن وبكين كانت قد تزايدت منذ أن تبنّى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب سياسة حازمة لتعزيز العلاقات مع تايوان. واستمر ذلك في عهد الرئيس الحالي بايدن، مع إرسال واشنطن أسلحة ووحدات تدريب عسكرية خاصة ووفوداً من المسؤولين السابقين لدعم الرئيسة تساي إنغ وين، التي تعتبرها بكين مؤيدة للاستقلال على نحو خطير.
ثم، تصاعدت حدة التوتر لأعلى مستوياتها بعد غزو روسيا لأوكرانيا. وأرسلت واشنطن المدمّرة «يو إس إس رالف جونسون» في مسار عبر مضيق تايوان. وأعقب ذلك، إيفاد وفد من المسؤولين العسكريين السابقين في زيارة استغرقت يومين إلى تايبيه. ولاحقاً، وافقت واشنطن على بيع حزمة أسلحة بقيمة 95 مليون دولار إلى تايوان، ثاني صفقة من نوعها خلال سنة، تهدف إلى تحسين مستوى أنظمة الدفاع الجوي فيها. وهنا يعلّق المحلل الأمني المهندس هارش في. بانت قائلاً إن «تايوان تُعد اختباراً مهماً لكل من الولايات المتحدة والصين، وهو اختبار يتعلق بمصداقية واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ في أعقاب الانسحاب العسكري من أفغانستان. ويتعلق الأمر كذلك بطموح الصين القديم لإعادة التوحيد الوطني ومشروع شي جين بينغ لإعادة روح الشباب على المستوى الوطني. وفيما يخص تايبيه، يتعلق الأمر بالحفاظ على قيمها الديمقراطية وأسلوب حياتها». ويضيف: «تشكّل هذه التيارات المتقاطعة للتاريخ والاتجاهات الاستراتيجية المعاصرة... الإجراءات والإجراءات المضادة للفاعلين الرئيسيين في هذه الدراما التي تتكشف فصولها يوماً بعد آخر. ويمكن أن تأتي تداعيات هذا الوضع على درجة كبيرة من الخطورة، ليس فقط على المنطقة، وإنما كذلك على النظام العالمي الآخذ في التشكّل».
- غزو تايوان... وتداعياته على اقتصاد العالم
> من شأن أي هجوم عسكري صيني ضد تايوان ترك تأثير أكبر من تأثير حرب أوكرانيا... على تدفقات التجارة العالمية من الصناعات الرئيسة، خصوصاً رقائق أشباه الموصلات والبرمجيات التي من الممكن أن يحدث نقص شديد بها.
بداية، تايوان تُعَد المنتج الرائد على مستوى العالم لرقائق أشباه الموصلات، وقد يكون لأي غزو تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي الذي يعاني بالفعل من نقص في الرقائق. والمؤكد أن ثمة عواقب وخيمة لأي هجوم صيني ضد تايوان يفوق بكثير العواقب الإنسانية فحسب. ويذكر أن هذه الرقائق توجد في معظم الأجهزة الإلكترونية، بدءاً من الهواتف الذكية وصولاً إلى المركبات وأنظمة الأسلحة، كما أن شركات في تايوان مسؤولة عن أكثر من 60 في المائة من الإيرادات المرتبطة بصناعة أشباه الموصلات عام 2020، وتمثل ما يقرب من 90 في المائة من إنتاج الرقائق الصغيرة والمتقدمة.
وتبعاً لتحليل صادر عن مكتب القوات الجوية الأميركية للتحليل التجاري والاقتصادي، فإنه إذا ما غزت الصين تايوان، فإنها ستسيطر بذلك على ما يقرب من 80 في المائة من إنتاج أشباه الموصلات عالمياً (مع الأخذ في الاعتبار قدراتها المحلية الخاصة). ومن شأن هذا الأمر بدوره أن يضع شركات رائدة بمجال التكنولوجيا، مثل «مايكروسوفت» و«أبل»، جنباً إلى جنب مع مقاولي الدفاع العسكري، تحت رحمة بكين.
وفي هذا السياق، حث الرئيس الأميركي جو بايدن الكونغرس على تمرير تشريع من شأنه زيادة إنتاج أشباه الموصلات في الولايات المتحدة. ولكن حتى في حال تحقق أهداف هذا التشريع، فإن الوصول لمستوى الخبرة التايوانية سيبقى أمراً بعيد المنال، وفقاً لما خلصت إليه دراسة أجراها مركز الأمن الأميركي الجديد. بل، كشف التقرير أن الولايات المتحدة تعتمد اليوم على الرقائق الدقيقة الصينية أكثر مما كانت تعتمد على نفط الشرق الأوسط في العقود الماضية.

من قمة «كواد» الأخيرة في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

- «كواد» و«أوكوس» والتحالفات الأخرى
> عزّزت واشنطن، في الآونة الأخيرة، التحالفات غير الرسمية التي قد تُفعّل في حال إقدام الصين على غزو تايوان. وفي هذا السياق، أعادت إدارة بايدن تنشيط التكتل الذي يجمع بين الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، المعروف باسم «التكتل الرباعي» (كواد)، بهدف مواجهة نفوذ الصين وردع أي صراع محتمل في المنطقة.
وفي العام الماضي، أطلقت الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا شراكة «أوكوس» الأمنية، التي تركز بشكل أساسي على توفير غواصات تعمل بالطاقة النووية لأستراليا، ويرى محللون عسكريون أنها محاولة للاستفادة من الضعف النسبي للصين في مجال القتال تحت سطح البحر. وأيضاً، تشكل اليابان، التي تستضيف أكبر حضور عسكري أميركي خارج الولايات المتحدة، العمود الفقري لجهود واشنطن لعرض القوة في المحيط الهادئ. ومن المحتمل أن تكون اليابان من الدول المشاركة في أي دفاع محتمل عن تايوان في المستقبل. ومعلوم أنه في حال حصول الصين على موطئ قدم عسكري لها في الدول الجزرية بالمنطقة، ستحتاج الولايات المتحدة إلى مراقبة جنوب المحيط الهادئ عن كثب، ما قد يقوض الردع ضد بكين في بحر الصين الجنوبي والمياه بالقرب من تايوان واليابان.
وبالفعل، حذّر رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، في أثناء زيارته الأخيرة لسنغافورة، من أن «أوكرانيا اليوم قد تكون شرق آسيا غداً». وفي هجوم مبطّن على الصين، قال إن العدوان الروسي غيّر التصوّرات الأمنية لدى العديد من الدول حول العالم، خصوصاً في شرق آسيا.


مقالات ذات صلة

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم لندن تحذّر من عواقب مدمّرة لحرب في مضيق تايوان

لندن تحذّر من عواقب مدمّرة لحرب في مضيق تايوان

دافع وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي عن الوضع القائم في تايوان، محذرا من عواقب اقتصادية مدمرة لحرب، في خطاب تبنى فيه أيضًا نبرة أكثر تصالحا حيال بكين. وقال كليفرلي في خطاب ألقاه مساء الثلاثاء «لن تكون حرب عبر المضيق مأساة إنسانية فحسب بل ستدمر 2,6 تريليون دولار في التجارة العالمية حسب مؤشر نيكاي آسيا». وأضاف «لن تنجو أي دولة من التداعيات»، مشيرا إلى أن موقعها البعيد لا يؤمن أي حماية مما سيشكل ضربة «كارثية» للاقتصاد العالمي والصين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم الصين تحقق مع ناشر تايواني في جرائم متعلقة بالأمن القومي

الصين تحقق مع ناشر تايواني في جرائم متعلقة بالأمن القومي

أعلنت السلطات الصينية، الأربعاء، أن ناشراً تايوانياً، أُبلغ عن اختفائه، خلال زيارة قام بها إلى شنغهاي، يخضع لتحقيق في جرائم متعلقة بالأمن القومي. وقالت تشو فنغ ليان، المتحدثة باسم «المكتب الصيني للشؤون التايوانية»، إن لي يانهي، الذي يدير دار النشر «غوسا»، «يخضع للتحقيق من قِبل وكالات الأمن القومي، لشبهات الانخراط بأنشطة تعرِّض الأمن القومي للخطر». وأضافت: «الأطراف المعنية ستقوم بحماية حقوقه المشروعة ومصالحه، وفقاً للقانون». وكان ناشطون وصحافيون في تايوان قد أبلغوا عن اختفاء لي، الذي ذهب لزيارة عائلته في شنغهاي، الشهر الماضي. وكتب الشاعر الصيني المعارض باي لينغ، الأسبوع الماضي، عبر صفحته على «ف

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم رئيس غواتيمالا يبدأ زيارة لتايوان

رئيس غواتيمالا يبدأ زيارة لتايوان

وصل رئيس غواتيمالا أليخاندرو جاماتي الاثنين إلى تايوان في زيارة رسمية تهدف إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع هذه الجزيرة التي تعتبر بلاده من الدول القليلة التي تعترف بها دبلوماسياً. وسيلقي جاماتي كلمة أمام البرلمان التايواني خلال الزيارة التي تستمر أربعة أيام.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
العالم بكين تحتج لدى سيول إثر «تصريحات خاطئة» حول تايوان

بكين تحتج لدى سيول إثر «تصريحات خاطئة» حول تايوان

أعلنت الصين أمس (الأحد)، أنها قدمت شكوى لدى سيول على خلفية تصريحات «خاطئة» للرئيس يون سوك يول، حول تايوان، في وقت يشتدّ فيه الخلاف الدبلوماسي بين الجارين الآسيويين. وتبادلت بكين وسيول انتقادات في أعقاب مقابلة أجرتها وكالة «رويترز» مع يون في وقت سابق الشهر الحالي، اعتبر فيها التوتر بين الصين وتايوان «مسألة دولية» على غرار كوريا الشمالية، ملقياً مسؤولية التوتر المتصاعد على «محاولات تغيير الوضع القائم بالقوة».

«الشرق الأوسط» (بكين)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.