تونس أمام مشهد سياسي جديد

دستور «مثير للجدل» عشية استفتاء 25 يوليو

الرئيس قيس سعيد
الرئيس قيس سعيد
TT

تونس أمام مشهد سياسي جديد

الرئيس قيس سعيد
الرئيس قيس سعيد

نشرت الرئاسة التونسية في «المجلة الرسمية» النص الكامل لـ«مشروع دستور 2022» الذي سيعرض على استفتاء شعبي يوم 25 يوليو (تموز) الجاري تمهيدا لانتخابات برلمانية مقررة ليوم 17 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. ولقد أثار هذا «الدستور المقترح» ردود فعل متباينة بين المناصرين لمشروع الرئيس قيس سعيد عن «الحكم القاعدي ورفض التدخل الخارجي» ومعارضيه المتمسكين بدستور عام 2014. وأكد تفاعل الطبقة السياسية والنخب مع «مشروع الرئيس» تعمق تعقيدات المشهد السياسي وبروز مزيد من الانقسام والتشرذم داخل النقابات والأحزاب والمجتمع المدني. وهذا في مرحلة تؤكد عندها كل المعطيات المحلية والعالمية تراكم الصعوبات المالية للدولة، بما يوشك أن يؤدي إلى العجز عن ضمان الحاجيات العاجلة من غذاء ومحروقات... ناهيك من رواتب الموظفين والمتقاعدين ودعم المؤسسات العمومية المفلسة والطبقات الفقيرة والجهات المهمشة.
مقدمة الدستور التونسي المقترح حسمت بوضوح مع كل الطبقة السياسية التي حكمت تونس بين استقلالها عن فرنسا عام 1956 إلى إعلان «الإجراءات الاستثنائية» قبل سنة. وهو ما يشمل الأحزاب والأطراف الليبرالية واليسارية والنقابات التي دعمت قرارات 25 يوليو الماضي، وتوجهات الرئيس قيس سعيد لإقصاء حزب «حركة النهضة» وشركائها في حكومات العشرية الماضية.
إذ قطعت وثيقة «مشروع الدستور الجديد» مع دساتير وسياسات عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، ثم مع «دستور 2014» وساسة «ما بعد 2011» الذين اتهمهم بالفشل والفساد. وهو ما يفتح باب التساؤل عن اتجاه البلاد بعد الكشف عن هذا المشروع الرئاسي لـ«دستور 2022»، وطبيعة تطور المشهد السياسي بعد «الخطاب الثوري» ومواقف «التمرد على القديم» التي وردت فيه، بما في ذلك الفصل الأول من دستوري 1959 و2014 فيما يتعلق بالهوية الإسلامية للدولة.
وحقاً، أمام صناع القرار والنخب وغالبية الشعب الآن خيار تقبل العودة إلى نظام «رئاسوي» تتمركز جل السلطات فيه بيد رئيس الجمهورية ويكون أقرب إلى «النظام الجماهيري».
- المدافعون عن الخطوة
تصدر المدافعين عن وثيقة الدستور الجديد مالك الزاهي، وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة نجلاء بودن، الذي يقدم في بعض الأوسط باعتباره من «أقرب المقربين من الرئيس سعيد» فكرياً وسياسياً، وجرى الترويج لاسمه مراراً، مع وزير الداخلية توفيق شرف الدين، من بين المرشحين لتولي رئاسة الحكومة المقبلة.
الزاهي رحب بوثيقة الدستور المقترح على الاستفتاء الشعبي قائلا «تعود للكلمات معانيها ولسلطة الشعب هيبتها... يتلاشى الخطاب الأجوف وتصبح الفصول الدستورية فصول الحصاد والأغنيات... نعم كان الليل طويلا على شعب جبار لا يهزم». وأضاف الوزير مشيراً إلى السياسيين الذين «تحكموا» بالمشهد السياسي قبل 25 يوليو الماضي «حاولوا سرقة أحلام الشعب وطمس حقه، ونسوا أن الأحلام تنبت كلما دفنوها وتزهر أملا يسبق النصر... وأن الأحلام كالعطر لا يمكن مواراته». وتابع «سخروا من إرادة شعب، واليوم نقرأ بكل فخر في الدستور الضامن لكرامة الشعب: نحن الشعب التونسي صاحب السلطة».
ثم وصف الوزير الزاهي الدستور الجديد بـ«دستور شهداء الثورة» واستعرض أسماء عدد من المتظاهرين الذين قتلوا موفى 2010 في محافظة سيدي بوزيد، ومنهم اسم فاضل ساسي، الذي قتل أواخر عهد الحبيب بورقيبة في «ثورة الخبز في يناير 1984». واعتبر أن ما تسميه المعارضة وأوساط من النخبة التونسية «دستور قيس سعيد» هو «دستور فاضل ساسي الشهيد الذي سقط برصاص النظام وإرهاب الدولة لمواطنيها» (أي نظام الحكم في عهد بورقيبة).
وفي الوقت نفسه، انطلقت المواقع الاجتماعية والإعلامية التابعة المساندة للرئيس سعيد لتحث التونسيين على المشاركة في استفتاء 25 يوليو حتى يكون «مبايعةً سياسية» شعبية للرئيس كي يمضي قدماً في ضرب «حركة النهضة» وحلفائها في الحكم والمعارضة خلال العشرية الماضية، وكل الأطراف السياسية المسؤولة عن «الفساد المالي والسياسي» منذ 1956 إبان عهدي بورقيبة وبن علي.
... وانتقادات مقابلة
لكن مما يلفت النظر أيضاً أن وثيقة الدستور الذي تقرر عرضه على «الاستفتاء الشعبي» بعد 3 أسابيع تعرضت بسرعة إلى انتقادات لاذعة. وجاءت هذه الانتقادات من نقابيين وخبراء أكاديميين وسياسيين من تيارات ليبيرالية ويسارية، إلى جانب قيادات الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية، بزعامة حمة الهمامي زعيم حزب العمال الشيوعي، وجبهة الخلاص الوطني بزعامة المحامي والوزير السابق أحمد نجيب الشابي، وقيادات من أحزاب الائتلاف البرلماني والحكومي السابق بينها «حركة النهضة» و«قلب تونس» وائتلاف «الكرامة».
وفي هذا السياق، أورد عادل كعنيش المحامي، المقرب سابقاً من الرئيس بن علي و«رئيس جمعية البرلمانيين» - التي ينتمي إليها البرلمانيون التونسيون منذ 65 سنة، أن مقدمة مشروع الدستور الجديد «تبنت محطات تاريخية ليست محل اتفاق» و«نهجاً ثورياً بأسلوب مبالغ فيه وغير مألوف في الدساتير الحديثة».
وندد كعنيش بـ«الشروط التعجيزية التي وقع التنصيص عليها في مشروع الدستور بالنسبة للمترشحين لعضوية البرلمان القادم»، من بينها منعهم من «القيام بأي عمل بمقابل أو بدون مقابل»... وهو ما يعني أنه لن يكون بإمكان الأطباء والمحامين والمهندسين والخبراء المحاسبين ورجال الأعمال الانتماء إلى المجالس النيابية إلا أن يتخلوا نهائيا عن مهنهم وشركاتهم، وإن كانت توفر لهم مداخيل تفوق بكثير «المنحة» التي تسند إلى عضو البرلمان.

سميرة الشواشي

كذلك سجل الإعلامي إبراهيم الوسلاتي، المسؤول السابق في قطاعات الصحافة والشباب والتعليم في عهد بن علي، أن «مقدمة دستور قيس سعيد نوهت بكل الدساتير التي عرفتها تونس منذ عهد قرطاج قبل أكثر من ألفي سنة ثم خلال القرنين الـ17 والـ...19 لكنه تجاهل «دستور 1959» الذي صاغه الوطنيون بزعامة الحبيب بورقيبة والتعديلات التي أدخلت عليه في عهد بن علي، كما تجاهلت (دستور 2014)...».
إلا أن الانتقادات الأكثر حدة كانت تلك التي صدرت عن زعيمة الحزب الدستوري الحر عبير موسي ورفاقها، الذين دخلوا منذ مدة في تحركات تطالب في آن معاً بـ«محاكمة قيادات الإخوان بزعامة راشد الغنوشي» وإسقاط حكم قيس سعيد ومشروعه السياسي «القاعدي»، مع اتهامه بـ«التحالف مع الإخوان» وارتكاب سلسلة من الغلطات أدت إلى «تبييض قيادات النهضة» بعدما رفع شعار ضربها وإبعادها عن المشهد السياسي. واعتبرت موسي أن حزبها، الذي يصنف الأول في استطلاعات الرأي من حيث الشعبية، من أكبر ضحايا مشروع دستور قيس سعيد.
- تهميش دور البرلمان و«سحب الوكالة»
في السياق ذاته، انتقدت سميرة الشواشي، نائبة رئيس حزب «قلب تونس» والنائبة الأولى لرئيس البرلمان السابق، بحدة مشروع الدستور المعروض للاستفتاء «شكلاً ومضموناً». وحملت مع عدد من البرلمانيين السابقين والخبراء الدستوريين، مثل أحمد إدريس وشاكر الحوكي وجوهر بن مبارك، على ما وصفوه بـ«مركزة كل السلطات بيد رئيس الجمهورية»، وإعداد فصول لتهميش دور مجلس النواب عبر إجراءات كثيرة من بينها: الحد من دوره الرقابي للسلطة التنفيذية وإعطاء الرئيس حق حله، وإحداث مجلس موازٍ لتعطيل مقرراته، وعرقلة محاسبة الحكومة والرئيس.
من جهة أخرى، تسبب تجنب الكشف عن طريقة انتخاب النواب و«الغرفة الثانية» للبرلمان في توجيه عدة أطراف سياسية ونقابية وحقوقية مجددا انتقادات لـ«مشروع الديمقراطية القاعدية والتصعيدية والجماهيرية» التي سبق للرئيس سعيد ومقربين منه أن دافعوا عنه خلال السنوات والأشهر الماضية ردا على «الديمقراطية المزيفة» التي اعتمدت منذ مطلع 2011 ثم بعد «دستور 2014».
وكان سعيد قد لخص مراراً، وبأسلوب كاريكاتيري، معضلة تضارب النفوذ قبل «الحركة التصحيحية» التي قادها في 25 يوليو الماضي، قائلاً «النظام السياسي في تونس يقوم على قاعدة «أنت لا تحكم وأنا لا أحكم وهو لا يحكم» بما يؤدي إلى «تقسيم السلطات وتبادل الترضيات» بين ما يسمونه بـ«الرئاسات الثلاثة»، بينما توجد في الدولة رئاسة واحدة ورئيس واحد».
لكن خصوم الرئيس من رموز منظومات الحكم القديمة والجديدة يعترضون على «الصبغة الثورية المبالغ فيها» و«المواقف الثورجية والشعبوية» لبعض فصول الدستور. ومن ذلك أنه سمح بـ«سحب الوكالة من النواب»، وهو توجه لم تألفه الدساتير السابقة، بل هو «شبيه بما عرف بالتصعيد والعزل في بعض البلدان التي تبنت أنظمة سياسية غير ديمقراطية وأنماط حكم «جماهيرية» على غرار ما وقع في ليبيا إبان عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
- ألفة يوسف والنخب العلمانية
أما على صعيد المفارقات، فبينها أن «الفصول الخاصة بالهوية الإسلامية والعربية» للدولة أثارت على السواء غضب «الإسلاميين والعلمانيين» و«المحافظين والليبراليين واليساريين التحديثيين». إذ احتج المحافظون على إلغاء الفصل الأول من «دستوري 1959 و2014» حول الصبغة الإسلامية والعربية للدولة. وفي المقابل، انتقدت ناشطات نسويات جامعيات، بينهن المستشارة السابقة للرئيس الباجي قائد السبسي سعيد قراج والكاتبة النسوية المثيرة للجدل ألفة يوسف ومديرة معهد الصحافة سابقا سلوى الشرفي، ما وصفنه بـ«إلغاء الفصول الخاصة بمدنية الدولة والمساواة بين المرأة والرجل في حق الترشح في الانتخابات الرئاسية»، وهي فصول سبق أن وافق عليها محافظو «حركة النهضة» في موفى 2013 وأدرجت في «دستور 2014». وهو ما قد يفقد الرئيس قيس سعيد وأنصاره دعماً نسائياً مهماً في معاركهم السياسية المقبلة.
كذلك هناك علامات استفهام تتعلق بدعم معارضيه بقيادات «التيارات العلمانية والمدنية» التي رحبت بـ«الإجراءات الاستثنائية» الصادرة عن قصر قرطاج قبل سنة، عندما توقعت أن يدخل سعيد معها في «حوار تشاركي، ثم في تحالف معهم بعد إبعاد الأحزاب البرلمانية الحاكمة الثلاثة (النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة) وزعمائها راشد الغنوشي ونبيل القروي وسيف الدين مخلوف.
والواقع أن ثمة مؤشرات عديدة تؤكد هذا المعطى. بل وتؤكدها أيضاً تصريحات الرئيس قيس سعيد، المتعاقبة منذ مدة، التي انتقد فيها معارضيه من النقابيين والسياسيين الذين قدموا مبادرة «التيار الثالث»... أي التيار المعارض في آن معاً لكل من «حركة النهضة» وما اعتبروه «القرارات الفردية للرئيس». ولقد تهكم الرئيس مراراً على هؤلاء، معلناً أنه لا يحتاج دعم «التيار الثالث ولا التيار الرابع أو التيار الخامس».

نور الدين الطبوبي

- تحفظ من الاتحاد العام التونسي للشغل والحقوقيين
> في حين قدر خبراء حكوميون ونقابيون ومسؤولون من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي حاجيات الدولة التونسية المالية الفورية بما لا يقل عن 8 مليارات دولار أميركي، توشك تعقيدات المشهد السياسي أن تتعمق بسبب تطورات الخلافات بين الحكومة وقيادات الاتحاد العام التونسي للشغل وبقية النقابات ومنظمات المجتمع المدني وتنسيقيات «حراك 25 يوليو/ تموز» المساندة للرئيس. ومعلوم أن كل هذه الجهات تتنافس في تبني مطالب الفقراء والعاطلين عن العمل وأبناء الجهات والمحافظات المهمشة...
في هذا الإطار عادت المركزية النقابية العمالية إلى التهديد بتنظيم إضراب عام عمالي وطني وانتقدت «الإجراءات السياسية الأحادية الجانب» التي تصدر عن قصر قرطاج (أي رئيس الجمهورية) من دون حوار مع النقابات والأطراف السياسية الوطنية.
وبالفعل، تبنت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل بزعامة نور الدين الطبوبي مبادرة لتعديل «دستور 2014» أعدتها مجموعة من خبراء القانون الدستوري برئاسة الأكاديمي أحمد إدريس. إلا أن الرئيس قيس سعيد تجاهل تلك المبادرة، مثلما تجاهل وفريق حكومته الإضراب العام الذي نظم يوم 16 يونيو (حزيران) الماضي في 160 مؤسسة عمومية تونسية بينها شركات الطيران والنقل الحديدي والبري والموانئ.

عبير موسي

- هل يتغير جوهر المشهد السياسي في الانتخابات المقبلة؟
> ثمة من يتساءل في تونس الآن عن إمكانية أن يؤدي توسع «جبهة معارضي استفتاء 25 يوليو» ومسار «الانقلاب على دستور 2014» إلى تغييرات جوهرية في المشهد السياسي والانتخابي المقبل.
إقبال اللومي، مدير إحدى كبرى مؤسسات استطلاعات الرأي في تونس، أورد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «شعبية الرئيس قيس سعيد تراجعت من حوالي 87 في المائة في موفى يوليو (تموز) الماضي إلى حوالي 50 في المائة حالياً... لكنها لا تزال قوية».
ومن ثم، توقع اللومي أن يحصل الرئيس وأنصاره على مساندة غالبية «الغاضبين من أداء كل السياسيين منذ 2011، وبينهم قادة «النهضة» ورموز الحكم في عهد بن علي (1987 - 2011).
من جهته، فسر الأكاديمي والحقوقي حمادي الرديسي، مؤلف كتاب «الشعبوية في تونس» في لقاء مع «الشرق الأوسط» هذا السلوك السياسي من قبل قطاع من الجمهور التونسي بـ«وجود استعداد لدى نسبة كبيرة من المهمشين والشباب والفقراء والأميين إلى انتخاب الشعبويين شماتةً في النخب». واعتبر الرديسي أن «التصويت العقابي» هذا أدى في انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011 إلى انتخاب معارضي بن علي السابقين والقوائم الانتخابية التي تنتسب إلى «شعبويين» مثل المنصف المرزوقي وراشد الغنوشي ومصطفى بن جعفر.
وهذا السلوك السياسي «الانتقامي» نفسه أدى في انتخابات 2014 إلى إضعاف حزب «حركة النهضة» وانتخاب خصومها «الشعبويين» من أقصى اليسار من «الجبهة الشعبية» من جهة ومن الجهة المقابلة رموز لحكم عهدي بورقيبة وبن علي بزعامة الباجي قائد السبسي وحلفائه.
وأيضاً في 2019 أدى التصويت العقابي إلى انتخاب «شعبويين» جدد بينهم عبير موسي زعيمة حزب الدستوري الحر، وسيف الدين مخلوف زعيم حزب ائتلاف «الكرامة» الإسلامي الراديكالي، بل وقيس سعيد – بالذات - الذي أطلق في ذلك الوقت خطاباً اجتماعياً سياسياً «ثورياً»... كما تبنى مواقف دينية وثقافية «شعبوية» على يمين «النهضة» بينها منع المساواة في الإرث والحريات الجنسية وحقوق المثليين.
لكن الرديسي يتوقع أيضاً أن تفضي «غلطات» سعيد وفريقه في قصر قرطاج إلى إرباك المشهد السياسي وتوسيع دائرة معارضيه سواءً اتفقوا أو ظلوا مشتتين.
- فرضية نجاح الاستفتاء والانتخابات
> يتساءل البعض في تونس اليوم عن التداعيات المحتملة لنجاح الاستفتاء المقرر ليوم 25 يوليو الجاري ثم انتخابات ديسمبر (كانون الأول) المقبل؟
هذه الفرضية واردة جداً - وفق المتابعين - إذا ما نجحت مؤسسات الرئاسة والحكومة في التحكم بمضاعفات الأزمة الاقتصادية المالية الاجتماعية السياسية التي تحذر تقارير عديدة من أن تتسبب في انفجار اضطرابات اجتماعية وعمالية خطيرة.
ولعل من بين ما سيفيد سعيد وأنصاره كثيرا نجاحه في «تهميش» كبرى النقابات والأحزاب وبينها «حركة النهضة» وتحالف «جبهة الخلاص الوطني» ولكن من دون الدخول في مواجهة شاملة مباشرة معها ومع كل قياداتها.
وفي الوقت نفسه تراهن السلطة على جدية استطلاعات الرأي التي ما تزال تضع الرئيس سعيد في المرتبة الأولى «من حيث الشعبية»... ويتوقع أركانها أن يستفيدوا من انقسامات المعارضين للاستفتاء والخلافات بين قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل من جهة وحراك «مواطنون ضد الانقلاب» و«جبهة الخلاص» و«النهضة» من جهة ثانية.
ويراهن آخرون، منهم الإعلامية سميحة البوغانمي، على نجاح الخطة الاتصالية لقيس سعيد وأنصاره التي أبرزت «الجوانب الإيجابية والشعبية» في الدستور المقترح مثل: منع الترشح للرئاسة بالنسبة لحاملي الجنسيات الأجنبية، ومنع الإضرابات في قطاعات القضاء والأمن والجيش، ومنع السياحة الحزبية في البرلمان المقبل، وإجبارية التعليم المجاني إلى سن الـ16، ورفض الولاء للخارج والتبعية للمحاور الأجنبية.
كذلك قد ينجح الاستفتاء لأن قيادات اتحاد الشغل وعدة نقابات قد تقرر على الأرجح أن تترك لمنخرطيها وأنصارها حرية الاختيار، بينما يشارك مئات الآلاف في الاقتراع تحت تأثير الحملات «الانتخابية التوعوية» التي يقودها الرئيس سعيد والمقربون منه، والتي تركز خصوصاً على «إبراز عيوب الخصوم الذين حكموا البلاد طوال 65 سنة»، والذين تحملهم مسؤولية تراكم ديون الدولة التونسية وارتفاع حدة معضلات الفقر والبطالة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

مصر: وافدون مخالفون يستنفرون لتقنين أوضاعهم أو العودة بعد مطاردات أمنية

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: وافدون مخالفون يستنفرون لتقنين أوضاعهم أو العودة بعد مطاردات أمنية

سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)
سودانيون عائدون إلى وطنهم يستقلون القطار من محطة رمسيس بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

بثت الصحافية المصرية إيمان عادل، قبل أيام، مقطعاً عبر صفحتها بـ«فيسبوك» تناشد فيه الجهات الأمنية النظر إلى وضع والد نجلها، وهو سوري الجنسية، وقد حاول تجديد إقامته كما كان يفعل كل عام، لكنه صُدم بـ«الرفض الأمني»، بالتزامن مع حملات لترحيل الوافدين المخالفين، لافتة إلى أن ترحيله سيعني قطيعة بين طفل مصري وأبيه.

استغاثة الصحافية التي نتج عنها العديد من ردود الفعل المتعاطفة معها، هي جزء من محاولات آلاف الوافدين وعائلاتهم ممن يرغبون في البقاء بمصر، ويبحثون عن طريقة لتقنين أوضاعهم تجنباً للترحيل، بينما قرر آخرون العودة قبل توقيفهم، في ظل حملات أمنية لتدقيق أوراق المقيمين.

ومنذ حلول شهر رمضان، تشهد الحملات الأمنية هدوءاً نسبياً، أرجعه البعض إلى «تفاهمات» لمنح الوافدين فرصة لتقنين أوضاعهم أو الانخراط في مبادرات العودة الطوعية.

حملات موسعة

السيسي المصري يلتقي رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في القاهرة (الرئاسة المصرية)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي أكمنة الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة. وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وكان مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد الأحمد، أشار في منشور عبر موقع «إكس»، في 8 فبراير (شباط) الماضي، إلى أنه منذ مطلع عام 2026 يجرون لقاءات مكثفة مع الجانب المصري لتنسيق الجهود وتذليل العقبات التي تواجه السوريين في مصر، مضيفاً: «تقدمنا للجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين».

وخلال زيارته الأخيرة إلى مصر، في 26 فبراير (شباط) الماضي، تطرق رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، إلى ملف ترحيل الوافدين، مؤكداً خلال لقائه وفد الجالية السودانية بمصر، أنه «لا يوجد عودة قسرية للسودانيين، وأن الإقامات السياحية ما زالت متاحة لهم كما كان في السابق».

ورصدت «الشرق الأوسط» عبر جروبات الجاليات السودانية والسورية في مصر، تراجع منشورات الشكوى من توقيف الوافدين، مقابل زيادة في أخرى يستفسر أصحابها عن التأشيرات السياحية، أو الاستثمارية، أو المدى الزمني الذي يستغرقه غلق ملفاتهم بصفتهم لاجئين أو طالبي لجوء داخل «مفوضية شؤون اللاجئين في مصر» تمهيداً لعودتهم طوعياً، وكذلك أفضل الشركات التي تُسيّر رحلات للعودة.

«العودة الطوعية»

لقاء رئيس الوزراء السوداني بالجالية السودانية في القاهرة (متداولة)

ودفعت الحملات الأمنية خلال الفترة الماضية العديد من السودانيين من غير القادرين على تقنين أوضاعهم إلى اتخاذ قرار «العودة الطوعية» منتظرين استئناف رحلاتها، حسب أمين الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان إبراهيم عز الدين، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ملاحظته هدوء الحملات منذ بداية رمضان.

وأضاف عز الدين، وقد كان واحداً ممن حضروا لقاء رئيس الوزراء السوداني، أن مجموعة من رجال الأعمال السودانيين أعلنوا خلال اللقاء تكفلهم بتكلفة العودة للسودانيين الموقوفين في القاهرة، على متن 7 طائرات وقد تزيد إلى 10، بالإضافة إلى وعود من الحكومة السودانية باستئناف رحلات العودة الطوعية البرية في أقرب وقت.

الأمر نفسه أكده القنصل السوداني في أسوان عبد القادر عبد الله، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن رحلات العودة الطوعية البرية من المتوقع أن تُستأنف عقب شهر رمضان، بينما هناك استعدادات تجري حالياً في القاهرة لتسيير 7 رحلات جوية للعودة الطوعية بتمويل من رجال أعمال سودانيين.

وكان مشروع «العودة الطوعية» الذي تقوم عليه منظومة الدفاعات السودانية أسهم في زيادة أعداد العائدين بشكل لافت خلال الفترة الماضية، وقُدرت أعدادهم في الفترة بين مطلع 2024 وحتى نهاية العام الماضي بأكثر من 400 ألف شخص.

وأضاف القنصل السوداني: «حملات تدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين شهدت هدوءاً ملحوظاً في محافظات جنوب الصعيد منذ بداية رمضان».

من جانبه، قال مصدر أمني مصري، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهدوء النسبي حالياً في حملات تدقيق مخالفي الإقامة مقارنة بالشهرين الماضيين لا يعني التراجع عنها، مضيفاً: «تخفيفها يرجع إلى وجود أولويات أمنية أكثر إلحاحاً الفترة الحالية، خصوصاً مع الأوضاع الإقليمية في المنطقة».


الصومال يعتمد دستوراً دائماً... فرصة للاستقرار أم خلافات جديدة مع المعارضة؟

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال يعتمد دستوراً دائماً... فرصة للاستقرار أم خلافات جديدة مع المعارضة؟

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

استكمل الصومال دستوره المؤقت بعد 14 عاماً ليعتمد دستوراً دائماً، والذي يعد أحد أبرز بنود الخلاف بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة، خاصة ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي وصلاحيات الولايات.

ودعا الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، المعارضة عقب اعتماد الدستور بالبرلمان، لاحترام نتائج التصويت النيابي.

تلك الخطوة يراها خبير في الشؤون الصومالية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنها لن تنهي الخلافات بين الحكومة والمعارضين، ولكنها قد تفتح باباً للحوار، مع عدم استبعاد أن تحدث تعديلات مستقبلية حال استمرت الأزمة السياسية.

وكان استكمال الدستور المؤقت الذي أقر في 1 أغسطس (آب) 2012، أحد مطالب المعارضة منذ اندلاع أزمة سياسية في البلاد في 2025، وذلك ضمن خلافات أخرى تضمنت رفض الانتخابات المباشرة المرتقبة هذا العام.

دعوة رئاسية للمعارضة

وصادق أعضاء مجلسي الشعب والشيوخ للبرلمان الفيدرالي، الأربعاء، بـ«أغلبية ساحقة على استكمال صياغة دستور البلاد، وصوت لصالح المصادقة على دستور البلاد 222 من أعضاء مجلسي البرلمان الفيدرالي»، وفق وكالة الأنباء الصومالية.

وحضر أعمال الجلسة المشتركة التي ترأسها رئيس مجلس الشعب شيخ آدم محمد نور، 186 من نواب مجلس الشعب، و36 من أعضاء مجلس الشيوخ.

والخميس، قال الرئيس حسن شيخ محمود، إن الصومال تجاوز رسمياً مرحلة الدستور المؤقت، بعد إتمام اعتماد دستور البلاد بشكل كامل بشفافية، في البرلمان. بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية (صونا).

ووصف شيخ محمود دستور 2012 بأنه كان حجر زاوية في إعادة بناء الدولة، لكنه أثّر على السياسة والاقتصاد وأداء مؤسسات الدولة، حيث شهدت البلاد خلافات حول توزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، وصعوبات في تطوير منظومة القضاء والمالية العامة.

أعضاء من مجلسي الشعب والشيوخ للبرلمان الفيدرالي بالصومال خلال جلسة استكمال صياغة دستور البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن «اعتماد دستور الصومال يفتح نقاشاً واسعاً حول ما إذا كان خطوة نحو الاستقرار السياسي أم سبباً لمزيد من الخلاف مع المعارضة، خاصة أن الخلافات حول الدستور في الصومال ليست جديدة، لكنها تعكس صراعاً سياسياً حول شكل الدولة وتقاسم السلطة بين الحكومة الفيدرالية والولايات».

ويعول بري على أهمية أن «يتم إدارة هذه الخلافات عبر الحوار والتوافق، وإلا فقد تتحول إلى أزمات سياسية حادة بين الحكومة والمعارضة، أو حتى بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات»، مستدركاً: «لكن في المقابل، وجود دستور واضح يمكن أن يكون آلية لتنظيم الخلافات بدلاً من أن تتحول إلى صراعات مفتوحة».

وخاطب الرئيس الصومالي، في كلمته، السياسيين المعارضين الذين أعربوا عن مخاوفهم من آلية مراجعة الدستور، داعياً إياهم إلى احترام النتائج والحفاظ على الدستور الجديد، مؤكداً أن أي تعديلات مستقبلية ستتم من خلال الإجراءات الدستورية المعتمدة.

وشدد حسن شيخ محمود على أن أي نزاعات سياسية مستقبلية سيتم حلها وفقاً للأطر الدستورية، بدلاً من اللجوء إلى اتفاقات سياسية خارج الدستور، مؤكداً أن الدستور هو اتفاق اجتماعي يحدد صلاحيات السياسيين ويضع قواعد إدارة الدولة.

وتجدر الإشارة إلى أن ولايتي غوبالاند وبونتلاند الإقليميتين وقيادات سياسية بارزة عارضت التعديلات الدستورية التي قالت إنها لم تتم بطريقة قانونية، معلنة مقاطعتها للدستور المعدل الذي صادق عليه البرلمان الفيدرالي، بحسب ما نقله موقع «الصومال الجديد».

مرجعية لحل الخلافات السياسية

ويرى المحلل في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن الرئيس الصومالي عندما يؤكد أن أي نزاعات سياسية سيتم حلها وفق الأطر الدستورية، فهو يبعث بعدة رسائل سياسية، منها تأكيد أن الدستور هو المرجعية العليا لحل الخلافات السياسية، والدعوة إلى العمل داخل المؤسسات بدل اللجوء إلى التصعيد السياسي أو الإعلامي، ومحاولة إظهار أن الحكومة تسعى إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون.

لكن المعارضة قد ترى أن بعض التعديلات أو خطوات اعتماد الدستور تمت دون توافق كافٍ، خاصة في بندي نظام الحكم وصلاحيات الولايات، وهو ما يثير الجدل، وفق تقدير بري.

ويعتقد بري «أنه من الطبيعي أن يستمر النقاش حوله، ومستقبل الدستور يعتمد على عدة عوامل، منها مدى تحقيق توافق وطني بين الحكومة والمعارضة والولايات، وقدرة الطبقة السياسية على إدارة الخلافات عبر الحوار».

لذلك من الممكن أن يشهد الدستور تعديلات جديدة في المستقبل، خاصة إذا استمرت المعارضة في الاعتراض على بعض مواده أو طريقة اعتماده، وفق بري.

ومر الصومال الذي شهد حروباً أهلية عديدة، بعدة دساتير؛ أولها في 1960 وأقر شعبياً في 1961، بجانب وثيقة دستورية في 1979، قبل أن تنهار الدولة في سنة 1991، وتدخل في صراعات أهلية، أدت لظهور الميثاق الانتقالي عام 2000 والذي كان بمثابة لبنة لجمهورية ثالثة تلت الحكومات المدنية (بين 1960 و1969)، والعسكرية (بين 1969 و1991)، ووضع ميثاق انتقالي ثان في 2004 عقب مؤتمر مصالحة في كينيا، ووضع دستور مؤقت عام 2012.


مصر تبحث آليات دعم إعادة إعمار السودان

محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)
محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تبحث آليات دعم إعادة إعمار السودان

محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)
محادثات وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري مع سفير السودان في القاهرة الخميس (مجلس الوزراء المصري)

في إطار تعزيز التعاون في المجالات التنموية، تبحث مصر آليات دعم إعادة إعمار السودان. وأكد وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري، أحمد رستم «استعداد الحكومة لتسخير جميع إمكاناتها لدعم بناء القدرات البشرية في السودان، لا سيما في مجالات التخطيط التنموي».

جاء ذلك خلال محادثات مع سفير السودان في القاهرة، عماد الدين مصطفى عدوي، الخميس، تناولت سبل نقل الخبرات المصرية في التخطيط والإصلاح الاقتصادي للسودان، «تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعم جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار في السودان الشقيق».

وتم التوافق على «إعداد دراسة متكاملة لإعادة إعمار السودان لتكون وثيقة مرجعية تُطرح للنقاش مع مؤسسات التمويل الدولية».

وأكدت مصر والسودان في نهاية فبراير (شباط) الماضي «التزامهما بتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، ودعم جهود إعادة الإعمار في السودان، بوصفها أولويةً وطنيةً، واستحقاقاً عاجلاً لتحقيق الاستقرار المستدام»، حسب بيان الحكومة المصرية.

وقال السيسي خلال زيارة رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس للقاهرة، الشهر الماضي، إن «مصر تبذل جهوداً على المستويين الإقليمي والدولي بهدف إنهاء الحرب، ورفع المعاناة الإنسانية عن السودانيين».

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، الخميس، أشار الوزير رستم إلى الدور الذي يضطلع به «معهد التخطيط القومي» في تقديم الدعم الفني، وإعداد برامج التدريب المتخصصة، فضلاً عن إسهامات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في تطوير المنظومات الإحصائية، وبناء قواعد بيانات حديثة ودقيقة، إلى جانب دور «المعهد القومي للحوكمة» في ترسيخ مبادئ الشفافية، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، بما يعزز من فاعلية السياسات العامة وجودة تنفيذها.

واستعرض تجربة المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» بوصفها نموذجاً متكاملاً للتنمية الريفية المستدامة، يقوم على رؤية شاملة تربط بين تطوير البنية الأساسية، وتحسين مستوى الخدمات، وتعزيز التمكين الاقتصادي والاجتماعي للأسر الأكثر احتياجاً، وأشار إلى «استعداد وزارة التخطيط لنقل هذه الخبرة إلى الجانب السوداني من خلال توفير دليل عمل شامل يتناول المراحل المختلفة لتطوير وتنفيذ المبادرة، بدءاً من آليات التخطيط التشاركي، مروراً بالتنفيذ، وصولاً إلى المتابعة والتقييم الميداني».

الاستفادة من الخبرات المصرية

السيسي خلال استقباله رئيس وزراء السودان كامل إدريس في القاهرة (الرئاسة المصرية)

من جانبه، أكد السفير السوداني تطلع بلاده للاستفادة من الخبرات المصرية في التخطيط الاقتصادي والتنمية الاجتماعية بصفتهما ركيزتين للاستقرار، والتعرف على تجربة إنشاء العاصمة الجديدة ومراحل تخطيطها، في ضوء توجه الحكومة السودانية لإنشاء مركز إداري جديد.

وطلب السودان الاستعانة بالخبرة المصرية في إقامة «عاصمة إدارية جديدة» له، وقال رئيس الوزراء السوداني عقب زيارته للقاهرة نهاية الشهر الماضي، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إنه «ناقش مع الرئيس السيسي تحسين أوضاع السودانيين المقيمين في مصر، وإنشاء مدينة إدارية جديدة في السودان».

ودشّنت الحكومة المصرية «العاصمة الجديدة» (شرق القاهرة)، التي أعلنت عنها في مؤتمر اقتصادي عُقد في مارس (آذار) 2015، لتكون مقراً سياسياً وإدارياً للدولة، ونقلت الوزارات والمؤسسات الحكومية مقارها إلى المدينة الجديدة، كما تضم المدينة «حياً دبلوماسياً» لنقل مقار السفارات الأجنبية.

صياغة السياسات التخطيطية

رئيسا وزراء مصر والسودان خلال محادثات بالقاهرة في نهاية الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وتحدث السفير عدوي، الخميس، عن رغبة السودان في الاستفادة من التجربة المصرية في مجال صياغة السياسات التخطيطية والتنموية، وتعزيز منظومة العمل الإحصائي، وإجراء المسوحات والتعدادات، بصفتها إحدى الأدوات الأساسية في بناء خطط تنموية دقيقة تستند إلى بيانات موثوقة، إضافة إلى التعاون في مجالات التدريب وبناء القدرات للكوادر السودانية العاملة في قطاعات التخطيط.

وأصدرت الرئاسة المصرية، في منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بياناً حذرت فيه من «تجاوز خطوطٍ حمراء في السودان بوصفها تمس مباشرة الأمن القومي المصري»، وتضمنت تلك الخطوط «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم السماح بانفصال أي جزء منه».

وحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» اتفق رستم وعدوي على «تكثيف التنسيق الفني خلال الأسابيع المقبلة، عبر عقد ورش عمل مشتركة لمراجعة مؤشرات أداء الإطار القائم للتعاون، وتقييم ما تحقق من نتائج على أرض الواقع، تمهيداً لوضع الأسس التنفيذية للمرحلة الجديدة من الشراكة مع الأمم المتحدة، بما يضمن تحويل التطلعات الاستراتيجية إلى مشروعات ذات أثر اجتماعي واقتصادي واسع النطاق».