تونس أمام مشهد سياسي جديد

دستور «مثير للجدل» عشية استفتاء 25 يوليو

الرئيس قيس سعيد
الرئيس قيس سعيد
TT

تونس أمام مشهد سياسي جديد

الرئيس قيس سعيد
الرئيس قيس سعيد

نشرت الرئاسة التونسية في «المجلة الرسمية» النص الكامل لـ«مشروع دستور 2022» الذي سيعرض على استفتاء شعبي يوم 25 يوليو (تموز) الجاري تمهيدا لانتخابات برلمانية مقررة ليوم 17 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. ولقد أثار هذا «الدستور المقترح» ردود فعل متباينة بين المناصرين لمشروع الرئيس قيس سعيد عن «الحكم القاعدي ورفض التدخل الخارجي» ومعارضيه المتمسكين بدستور عام 2014. وأكد تفاعل الطبقة السياسية والنخب مع «مشروع الرئيس» تعمق تعقيدات المشهد السياسي وبروز مزيد من الانقسام والتشرذم داخل النقابات والأحزاب والمجتمع المدني. وهذا في مرحلة تؤكد عندها كل المعطيات المحلية والعالمية تراكم الصعوبات المالية للدولة، بما يوشك أن يؤدي إلى العجز عن ضمان الحاجيات العاجلة من غذاء ومحروقات... ناهيك من رواتب الموظفين والمتقاعدين ودعم المؤسسات العمومية المفلسة والطبقات الفقيرة والجهات المهمشة.
مقدمة الدستور التونسي المقترح حسمت بوضوح مع كل الطبقة السياسية التي حكمت تونس بين استقلالها عن فرنسا عام 1956 إلى إعلان «الإجراءات الاستثنائية» قبل سنة. وهو ما يشمل الأحزاب والأطراف الليبرالية واليسارية والنقابات التي دعمت قرارات 25 يوليو الماضي، وتوجهات الرئيس قيس سعيد لإقصاء حزب «حركة النهضة» وشركائها في حكومات العشرية الماضية.
إذ قطعت وثيقة «مشروع الدستور الجديد» مع دساتير وسياسات عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، ثم مع «دستور 2014» وساسة «ما بعد 2011» الذين اتهمهم بالفشل والفساد. وهو ما يفتح باب التساؤل عن اتجاه البلاد بعد الكشف عن هذا المشروع الرئاسي لـ«دستور 2022»، وطبيعة تطور المشهد السياسي بعد «الخطاب الثوري» ومواقف «التمرد على القديم» التي وردت فيه، بما في ذلك الفصل الأول من دستوري 1959 و2014 فيما يتعلق بالهوية الإسلامية للدولة.
وحقاً، أمام صناع القرار والنخب وغالبية الشعب الآن خيار تقبل العودة إلى نظام «رئاسوي» تتمركز جل السلطات فيه بيد رئيس الجمهورية ويكون أقرب إلى «النظام الجماهيري».
- المدافعون عن الخطوة
تصدر المدافعين عن وثيقة الدستور الجديد مالك الزاهي، وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة نجلاء بودن، الذي يقدم في بعض الأوسط باعتباره من «أقرب المقربين من الرئيس سعيد» فكرياً وسياسياً، وجرى الترويج لاسمه مراراً، مع وزير الداخلية توفيق شرف الدين، من بين المرشحين لتولي رئاسة الحكومة المقبلة.
الزاهي رحب بوثيقة الدستور المقترح على الاستفتاء الشعبي قائلا «تعود للكلمات معانيها ولسلطة الشعب هيبتها... يتلاشى الخطاب الأجوف وتصبح الفصول الدستورية فصول الحصاد والأغنيات... نعم كان الليل طويلا على شعب جبار لا يهزم». وأضاف الوزير مشيراً إلى السياسيين الذين «تحكموا» بالمشهد السياسي قبل 25 يوليو الماضي «حاولوا سرقة أحلام الشعب وطمس حقه، ونسوا أن الأحلام تنبت كلما دفنوها وتزهر أملا يسبق النصر... وأن الأحلام كالعطر لا يمكن مواراته». وتابع «سخروا من إرادة شعب، واليوم نقرأ بكل فخر في الدستور الضامن لكرامة الشعب: نحن الشعب التونسي صاحب السلطة».
ثم وصف الوزير الزاهي الدستور الجديد بـ«دستور شهداء الثورة» واستعرض أسماء عدد من المتظاهرين الذين قتلوا موفى 2010 في محافظة سيدي بوزيد، ومنهم اسم فاضل ساسي، الذي قتل أواخر عهد الحبيب بورقيبة في «ثورة الخبز في يناير 1984». واعتبر أن ما تسميه المعارضة وأوساط من النخبة التونسية «دستور قيس سعيد» هو «دستور فاضل ساسي الشهيد الذي سقط برصاص النظام وإرهاب الدولة لمواطنيها» (أي نظام الحكم في عهد بورقيبة).
وفي الوقت نفسه، انطلقت المواقع الاجتماعية والإعلامية التابعة المساندة للرئيس سعيد لتحث التونسيين على المشاركة في استفتاء 25 يوليو حتى يكون «مبايعةً سياسية» شعبية للرئيس كي يمضي قدماً في ضرب «حركة النهضة» وحلفائها في الحكم والمعارضة خلال العشرية الماضية، وكل الأطراف السياسية المسؤولة عن «الفساد المالي والسياسي» منذ 1956 إبان عهدي بورقيبة وبن علي.
... وانتقادات مقابلة
لكن مما يلفت النظر أيضاً أن وثيقة الدستور الذي تقرر عرضه على «الاستفتاء الشعبي» بعد 3 أسابيع تعرضت بسرعة إلى انتقادات لاذعة. وجاءت هذه الانتقادات من نقابيين وخبراء أكاديميين وسياسيين من تيارات ليبيرالية ويسارية، إلى جانب قيادات الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية، بزعامة حمة الهمامي زعيم حزب العمال الشيوعي، وجبهة الخلاص الوطني بزعامة المحامي والوزير السابق أحمد نجيب الشابي، وقيادات من أحزاب الائتلاف البرلماني والحكومي السابق بينها «حركة النهضة» و«قلب تونس» وائتلاف «الكرامة».
وفي هذا السياق، أورد عادل كعنيش المحامي، المقرب سابقاً من الرئيس بن علي و«رئيس جمعية البرلمانيين» - التي ينتمي إليها البرلمانيون التونسيون منذ 65 سنة، أن مقدمة مشروع الدستور الجديد «تبنت محطات تاريخية ليست محل اتفاق» و«نهجاً ثورياً بأسلوب مبالغ فيه وغير مألوف في الدساتير الحديثة».
وندد كعنيش بـ«الشروط التعجيزية التي وقع التنصيص عليها في مشروع الدستور بالنسبة للمترشحين لعضوية البرلمان القادم»، من بينها منعهم من «القيام بأي عمل بمقابل أو بدون مقابل»... وهو ما يعني أنه لن يكون بإمكان الأطباء والمحامين والمهندسين والخبراء المحاسبين ورجال الأعمال الانتماء إلى المجالس النيابية إلا أن يتخلوا نهائيا عن مهنهم وشركاتهم، وإن كانت توفر لهم مداخيل تفوق بكثير «المنحة» التي تسند إلى عضو البرلمان.

سميرة الشواشي

كذلك سجل الإعلامي إبراهيم الوسلاتي، المسؤول السابق في قطاعات الصحافة والشباب والتعليم في عهد بن علي، أن «مقدمة دستور قيس سعيد نوهت بكل الدساتير التي عرفتها تونس منذ عهد قرطاج قبل أكثر من ألفي سنة ثم خلال القرنين الـ17 والـ...19 لكنه تجاهل «دستور 1959» الذي صاغه الوطنيون بزعامة الحبيب بورقيبة والتعديلات التي أدخلت عليه في عهد بن علي، كما تجاهلت (دستور 2014)...».
إلا أن الانتقادات الأكثر حدة كانت تلك التي صدرت عن زعيمة الحزب الدستوري الحر عبير موسي ورفاقها، الذين دخلوا منذ مدة في تحركات تطالب في آن معاً بـ«محاكمة قيادات الإخوان بزعامة راشد الغنوشي» وإسقاط حكم قيس سعيد ومشروعه السياسي «القاعدي»، مع اتهامه بـ«التحالف مع الإخوان» وارتكاب سلسلة من الغلطات أدت إلى «تبييض قيادات النهضة» بعدما رفع شعار ضربها وإبعادها عن المشهد السياسي. واعتبرت موسي أن حزبها، الذي يصنف الأول في استطلاعات الرأي من حيث الشعبية، من أكبر ضحايا مشروع دستور قيس سعيد.
- تهميش دور البرلمان و«سحب الوكالة»
في السياق ذاته، انتقدت سميرة الشواشي، نائبة رئيس حزب «قلب تونس» والنائبة الأولى لرئيس البرلمان السابق، بحدة مشروع الدستور المعروض للاستفتاء «شكلاً ومضموناً». وحملت مع عدد من البرلمانيين السابقين والخبراء الدستوريين، مثل أحمد إدريس وشاكر الحوكي وجوهر بن مبارك، على ما وصفوه بـ«مركزة كل السلطات بيد رئيس الجمهورية»، وإعداد فصول لتهميش دور مجلس النواب عبر إجراءات كثيرة من بينها: الحد من دوره الرقابي للسلطة التنفيذية وإعطاء الرئيس حق حله، وإحداث مجلس موازٍ لتعطيل مقرراته، وعرقلة محاسبة الحكومة والرئيس.
من جهة أخرى، تسبب تجنب الكشف عن طريقة انتخاب النواب و«الغرفة الثانية» للبرلمان في توجيه عدة أطراف سياسية ونقابية وحقوقية مجددا انتقادات لـ«مشروع الديمقراطية القاعدية والتصعيدية والجماهيرية» التي سبق للرئيس سعيد ومقربين منه أن دافعوا عنه خلال السنوات والأشهر الماضية ردا على «الديمقراطية المزيفة» التي اعتمدت منذ مطلع 2011 ثم بعد «دستور 2014».
وكان سعيد قد لخص مراراً، وبأسلوب كاريكاتيري، معضلة تضارب النفوذ قبل «الحركة التصحيحية» التي قادها في 25 يوليو الماضي، قائلاً «النظام السياسي في تونس يقوم على قاعدة «أنت لا تحكم وأنا لا أحكم وهو لا يحكم» بما يؤدي إلى «تقسيم السلطات وتبادل الترضيات» بين ما يسمونه بـ«الرئاسات الثلاثة»، بينما توجد في الدولة رئاسة واحدة ورئيس واحد».
لكن خصوم الرئيس من رموز منظومات الحكم القديمة والجديدة يعترضون على «الصبغة الثورية المبالغ فيها» و«المواقف الثورجية والشعبوية» لبعض فصول الدستور. ومن ذلك أنه سمح بـ«سحب الوكالة من النواب»، وهو توجه لم تألفه الدساتير السابقة، بل هو «شبيه بما عرف بالتصعيد والعزل في بعض البلدان التي تبنت أنظمة سياسية غير ديمقراطية وأنماط حكم «جماهيرية» على غرار ما وقع في ليبيا إبان عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
- ألفة يوسف والنخب العلمانية
أما على صعيد المفارقات، فبينها أن «الفصول الخاصة بالهوية الإسلامية والعربية» للدولة أثارت على السواء غضب «الإسلاميين والعلمانيين» و«المحافظين والليبراليين واليساريين التحديثيين». إذ احتج المحافظون على إلغاء الفصل الأول من «دستوري 1959 و2014» حول الصبغة الإسلامية والعربية للدولة. وفي المقابل، انتقدت ناشطات نسويات جامعيات، بينهن المستشارة السابقة للرئيس الباجي قائد السبسي سعيد قراج والكاتبة النسوية المثيرة للجدل ألفة يوسف ومديرة معهد الصحافة سابقا سلوى الشرفي، ما وصفنه بـ«إلغاء الفصول الخاصة بمدنية الدولة والمساواة بين المرأة والرجل في حق الترشح في الانتخابات الرئاسية»، وهي فصول سبق أن وافق عليها محافظو «حركة النهضة» في موفى 2013 وأدرجت في «دستور 2014». وهو ما قد يفقد الرئيس قيس سعيد وأنصاره دعماً نسائياً مهماً في معاركهم السياسية المقبلة.
كذلك هناك علامات استفهام تتعلق بدعم معارضيه بقيادات «التيارات العلمانية والمدنية» التي رحبت بـ«الإجراءات الاستثنائية» الصادرة عن قصر قرطاج قبل سنة، عندما توقعت أن يدخل سعيد معها في «حوار تشاركي، ثم في تحالف معهم بعد إبعاد الأحزاب البرلمانية الحاكمة الثلاثة (النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة) وزعمائها راشد الغنوشي ونبيل القروي وسيف الدين مخلوف.
والواقع أن ثمة مؤشرات عديدة تؤكد هذا المعطى. بل وتؤكدها أيضاً تصريحات الرئيس قيس سعيد، المتعاقبة منذ مدة، التي انتقد فيها معارضيه من النقابيين والسياسيين الذين قدموا مبادرة «التيار الثالث»... أي التيار المعارض في آن معاً لكل من «حركة النهضة» وما اعتبروه «القرارات الفردية للرئيس». ولقد تهكم الرئيس مراراً على هؤلاء، معلناً أنه لا يحتاج دعم «التيار الثالث ولا التيار الرابع أو التيار الخامس».

نور الدين الطبوبي

- تحفظ من الاتحاد العام التونسي للشغل والحقوقيين
> في حين قدر خبراء حكوميون ونقابيون ومسؤولون من البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي حاجيات الدولة التونسية المالية الفورية بما لا يقل عن 8 مليارات دولار أميركي، توشك تعقيدات المشهد السياسي أن تتعمق بسبب تطورات الخلافات بين الحكومة وقيادات الاتحاد العام التونسي للشغل وبقية النقابات ومنظمات المجتمع المدني وتنسيقيات «حراك 25 يوليو/ تموز» المساندة للرئيس. ومعلوم أن كل هذه الجهات تتنافس في تبني مطالب الفقراء والعاطلين عن العمل وأبناء الجهات والمحافظات المهمشة...
في هذا الإطار عادت المركزية النقابية العمالية إلى التهديد بتنظيم إضراب عام عمالي وطني وانتقدت «الإجراءات السياسية الأحادية الجانب» التي تصدر عن قصر قرطاج (أي رئيس الجمهورية) من دون حوار مع النقابات والأطراف السياسية الوطنية.
وبالفعل، تبنت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل بزعامة نور الدين الطبوبي مبادرة لتعديل «دستور 2014» أعدتها مجموعة من خبراء القانون الدستوري برئاسة الأكاديمي أحمد إدريس. إلا أن الرئيس قيس سعيد تجاهل تلك المبادرة، مثلما تجاهل وفريق حكومته الإضراب العام الذي نظم يوم 16 يونيو (حزيران) الماضي في 160 مؤسسة عمومية تونسية بينها شركات الطيران والنقل الحديدي والبري والموانئ.

عبير موسي

- هل يتغير جوهر المشهد السياسي في الانتخابات المقبلة؟
> ثمة من يتساءل في تونس الآن عن إمكانية أن يؤدي توسع «جبهة معارضي استفتاء 25 يوليو» ومسار «الانقلاب على دستور 2014» إلى تغييرات جوهرية في المشهد السياسي والانتخابي المقبل.
إقبال اللومي، مدير إحدى كبرى مؤسسات استطلاعات الرأي في تونس، أورد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «شعبية الرئيس قيس سعيد تراجعت من حوالي 87 في المائة في موفى يوليو (تموز) الماضي إلى حوالي 50 في المائة حالياً... لكنها لا تزال قوية».
ومن ثم، توقع اللومي أن يحصل الرئيس وأنصاره على مساندة غالبية «الغاضبين من أداء كل السياسيين منذ 2011، وبينهم قادة «النهضة» ورموز الحكم في عهد بن علي (1987 - 2011).
من جهته، فسر الأكاديمي والحقوقي حمادي الرديسي، مؤلف كتاب «الشعبوية في تونس» في لقاء مع «الشرق الأوسط» هذا السلوك السياسي من قبل قطاع من الجمهور التونسي بـ«وجود استعداد لدى نسبة كبيرة من المهمشين والشباب والفقراء والأميين إلى انتخاب الشعبويين شماتةً في النخب». واعتبر الرديسي أن «التصويت العقابي» هذا أدى في انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011 إلى انتخاب معارضي بن علي السابقين والقوائم الانتخابية التي تنتسب إلى «شعبويين» مثل المنصف المرزوقي وراشد الغنوشي ومصطفى بن جعفر.
وهذا السلوك السياسي «الانتقامي» نفسه أدى في انتخابات 2014 إلى إضعاف حزب «حركة النهضة» وانتخاب خصومها «الشعبويين» من أقصى اليسار من «الجبهة الشعبية» من جهة ومن الجهة المقابلة رموز لحكم عهدي بورقيبة وبن علي بزعامة الباجي قائد السبسي وحلفائه.
وأيضاً في 2019 أدى التصويت العقابي إلى انتخاب «شعبويين» جدد بينهم عبير موسي زعيمة حزب الدستوري الحر، وسيف الدين مخلوف زعيم حزب ائتلاف «الكرامة» الإسلامي الراديكالي، بل وقيس سعيد – بالذات - الذي أطلق في ذلك الوقت خطاباً اجتماعياً سياسياً «ثورياً»... كما تبنى مواقف دينية وثقافية «شعبوية» على يمين «النهضة» بينها منع المساواة في الإرث والحريات الجنسية وحقوق المثليين.
لكن الرديسي يتوقع أيضاً أن تفضي «غلطات» سعيد وفريقه في قصر قرطاج إلى إرباك المشهد السياسي وتوسيع دائرة معارضيه سواءً اتفقوا أو ظلوا مشتتين.
- فرضية نجاح الاستفتاء والانتخابات
> يتساءل البعض في تونس اليوم عن التداعيات المحتملة لنجاح الاستفتاء المقرر ليوم 25 يوليو الجاري ثم انتخابات ديسمبر (كانون الأول) المقبل؟
هذه الفرضية واردة جداً - وفق المتابعين - إذا ما نجحت مؤسسات الرئاسة والحكومة في التحكم بمضاعفات الأزمة الاقتصادية المالية الاجتماعية السياسية التي تحذر تقارير عديدة من أن تتسبب في انفجار اضطرابات اجتماعية وعمالية خطيرة.
ولعل من بين ما سيفيد سعيد وأنصاره كثيرا نجاحه في «تهميش» كبرى النقابات والأحزاب وبينها «حركة النهضة» وتحالف «جبهة الخلاص الوطني» ولكن من دون الدخول في مواجهة شاملة مباشرة معها ومع كل قياداتها.
وفي الوقت نفسه تراهن السلطة على جدية استطلاعات الرأي التي ما تزال تضع الرئيس سعيد في المرتبة الأولى «من حيث الشعبية»... ويتوقع أركانها أن يستفيدوا من انقسامات المعارضين للاستفتاء والخلافات بين قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل من جهة وحراك «مواطنون ضد الانقلاب» و«جبهة الخلاص» و«النهضة» من جهة ثانية.
ويراهن آخرون، منهم الإعلامية سميحة البوغانمي، على نجاح الخطة الاتصالية لقيس سعيد وأنصاره التي أبرزت «الجوانب الإيجابية والشعبية» في الدستور المقترح مثل: منع الترشح للرئاسة بالنسبة لحاملي الجنسيات الأجنبية، ومنع الإضرابات في قطاعات القضاء والأمن والجيش، ومنع السياحة الحزبية في البرلمان المقبل، وإجبارية التعليم المجاني إلى سن الـ16، ورفض الولاء للخارج والتبعية للمحاور الأجنبية.
كذلك قد ينجح الاستفتاء لأن قيادات اتحاد الشغل وعدة نقابات قد تقرر على الأرجح أن تترك لمنخرطيها وأنصارها حرية الاختيار، بينما يشارك مئات الآلاف في الاقتراع تحت تأثير الحملات «الانتخابية التوعوية» التي يقودها الرئيس سعيد والمقربون منه، والتي تركز خصوصاً على «إبراز عيوب الخصوم الذين حكموا البلاد طوال 65 سنة»، والذين تحملهم مسؤولية تراكم ديون الدولة التونسية وارتفاع حدة معضلات الفقر والبطالة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

«النواب» المصري أمام مهمة تنقيح قوانين «جدلية» سابقة

جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (المجلس)
جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (المجلس)
TT

«النواب» المصري أمام مهمة تنقيح قوانين «جدلية» سابقة

جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (المجلس)
جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (المجلس)

يبدو أن مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان) أمام مهمة لتنقيح قوانين أثارت «جدلاً» محلياً عند إقرارها أو تنفيذها؛ إذ شهدت الفترة الأخيرة مطالبات داخل أروقة المجلس بإعادة فتح النقاش بشأن قوانين مثل «الإيجار القديم»، و«التصالح في مخالفات البناء» و«المحال العامة»، بعد دراسة الأثر التشريعي على المواطنين.

وأكدت عضو «لجنة الإدارة المحلية» بمجلس النواب، سناء السعيد، لـ«الشرق الأوسط»، عزمها «تقديم مقترح لتعديل قانون (الإيجار القديم)»، وقالت إنها انتهت من «إعداد الصياغة النهائية للتعديلات المقترحة»، وإنها تعتزم «جمع التوقيعات اللازمة لتقديم المقترح مع عودة المجلس للانعقاد في الأول من مارس (آذار) المقبل».

وتزامن ذلك مع تصريحات صحافية لعضو مجلس النواب المصري، ضياء الدين داود، دعا خلالها لإعادة مناقشة قانون «الإيجار القديم» من بين عدد من القضايا التشريعية التي «تنتظر حسم البرلمان»، على حد تعبيره.

وتركز التعديلات التي تقترحها السعيد على المادة الثانية التي تتحدث عن الإخلاء، وقالت إن «التعديلات المقترحة تستند على حكم (الدستورية العليا) الذي تحدث عن تحرير القيمة الإيجارية وليس طرد المستأجرين»، مشيرة إلى أن «المقترح يتضمن أيضاً النص على مراعاة العدالة الاجتماعية عند زيادة القيم الإيجارية».

ونص القانون الذي يتكون من عشر مواد على إنهاء عقود «الإيجار القديم» بعد سبع سنوات للشقق السكنية، وخمس سنوات لغير السكنية، ما لم يتم الاتفاق على الإنهاء المبكر بين المالك والمستأجر، مع تشكيل لجان حصر في كل محافظة لتقسيم المناطق إلى متميزة ومتوسطة واقتصادية، وفق معايير تشمل الموقع الجغرافي، ونوعية البناء والمرافق والخدمات.

وحدد القانون، الذي بدأ تنفيذه مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، قيمة الزيادة في الإيجار، ليرتفع إلى 20 ضعفاً في المناطق المتميزة، بحد أدنى ألف جنيه (نحو 20 دولاراً)، و10 أضعاف في المناطق المتوسطة والاقتصادية، بحد أدنى 400 جنيه و250 جنيهاً على التوالي، كما يتيح القانون توفير سكن لقاطني الإيجار القديم ممن ليست لديهم وحدات بديلة، وأكثر الفئات احتياجاً.

ومنذ بدء أعمال مجلس النواب بحلّته الجديدة، في يناير (كانون الثاني) الماضي، أعيد فتح النقاش بشأن تعديل قانون «الإيجار القديم»، الذي أثار إقراره في يوليو (تموز) الماضي موجة من الجدل والاعتراضات لم تنتهِ حتى الآن. وسبق أن تحدث وكيل «لجنة الإسكان» بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أكمل فاروق، الشهر الماضي، عن مقترح بشأن «استثناء المستأجر الأصلي وزوجته من شرط الإخلاء بعد مرور سبع سنوات».

ولا يقتصر الأمر على مناقشة تعديلات قانون «الإيجار القديم»؛ إذ أكدت السعيد وجود مساعِ لتقديم مقترحات لتعديل قانون «التصالح في مخالفات البناء» الذي «أحدث مشكلات عدة عند التطبيق على الأرض»، على حد قولها.

مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي خلال اجتماع له بعد التعديلات الوزارية الأخيرة (مجلس الوزراء)

ويعد قانون «التصالح في مخالفات البناء» رقم 187 لسنة 2023، أحد الملفات التي تتطلب تدخلاً من البرلمان والحكومة، بحسب داود، إضافة إلى قانون «المحال العامة» الذي يفرض رسوم ترخيص «لا تتناسب مع الدخل الحقيقي للمحال، خاصة في الريف».

وبداية الشهر الحالي تقدم عضو مجلس النواب أمير أحمد الجزار، بطلب إحاطة إلى المستشار هشام بدوي رئيس المجلس، موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التنمية المحلية بشأن «المعوقات العملية لتطبيق قانون (المحال العامة) رقم 154 لسنة 2019، وأثرها المباشر على استقرار المشروعات الصغيرة والمتوسطة وحق المواطنين في تقنين أوضاع أنشطتهم الاقتصادية».

وفي اجتماع حكومي الأسبوع الماضي، قالت وزيرة الإسكان المصرية، راندة المنشاوي، إن عدد طلبات التصالح في مخالفات البناء بالمدن الجديدة خلال الفترة من مايو (أيار) 2024 حتى نهاية يناير 2026، بلغ 36181 طلباً، في 31 مدينة، وعدد القرارات الصادرة في هذا الصدد وصل إلى 12533 قراراً.

عضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك محاولات داخل البرلمان لإعادة مناقشة عدد من القوانين، من بينها قانونا (الإيجار القديم) و(التصالح في مخالفات البناء)»، مشيراً إلى أن «تقديم مقترح تعديل القانون يشترط الحصول على موافقة 60 عضواً بالبرلمان، يحال بعدها المقترح إلى اللجان المختصة».

وأضاف بكري أن «قانون (الإيجار القديم) يعد واحداً من أخطر القوانين التي تتطلب التدخل لتعديلها، لا سيما مع ما رافق التطبيق من إشكاليات»، مؤكداً أن «البرلمان سيتصدى خلال الفترة المقبلة لتعديل وإقرار عدد من القوانين المهمة».

ويعوّل كثير من المستأجرين على إمكانية تعديل قانون «الإيجار القديم». وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تلقَّت المحكمة الدستورية العليا أول دعوى دستورية تطعن بشكل مباشر على بعض مواد قانون تنظيم أوضاع «الإيجار القديم» رقم 164 لسنة 2025.

ومنتصف الشهر الحالي، قال رئيس مجلس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، إن عدد المتقدمين للحصول على وحدات «سكن بديل» للإيجار القديم بلغ 70 ألف متقدم، وهو رقم وصفه بأنه «أقل من المتوقع». وتستمر الحكومة في تلقي الطلبات حتى 14 أبريل (نيسان) المقبل بعد تمديد فترة التقديم، التي كان مقرراً لها أن تنتهي في 13 يناير الماضي.


الدبيبة يقلب الطاولة ويطالب بوقف التمويل «على الجميع»

الدبيبة خلال افتتاح الفندق البلدي بمصراتة نهاية الأسبوع (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال افتتاح الفندق البلدي بمصراتة نهاية الأسبوع (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة يقلب الطاولة ويطالب بوقف التمويل «على الجميع»

الدبيبة خلال افتتاح الفندق البلدي بمصراتة نهاية الأسبوع (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال افتتاح الفندق البلدي بمصراتة نهاية الأسبوع (مكتب الدبيبة)

صعّد عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، مستوى الخلاف مع خصومه في شرق ليبيا إلى مستويات غير مسبوقة، بعدما طالب المصرف المركزي بوقف تمويل المشروعات للعام المالي 2026 «على الجميع دون استثناء».

وتأتي هذه الخطوة على خلفية كلمة وجهها أسامة حماد، رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، للشعب مساء الأربعاء، اتهم فيها الدبيبة بـ«تضليل الرأي العام، وابتزاز المؤسسات». وقال إن إجمالي ما صرفته حكومة «الوحدة» خلال 5 سنوات، بلغ نحو 826 مليار دينار، ونحو 227 مليار دينار صُرفت على مبادلة الوقود (الدولار يساوي 6.32 دينار في السوق الرسمية).

حماد يلقي كلمة لليبيين نهاية الأسبوع الماضي (من كلمة متلفزة بثتها حكومته)

ووجه الدبيبة خطاباً رسمياً، مساء الخميس، إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، طالبه فيه بـ«إيقاف الصرف على (الباب الثالث) فيما يخص تمويل المشروعات للعام المالي 2026 على الجميع دون استثناء، إلى حين الالتزام الكامل بأحكام البرنامج التنموي الموحد».

وحذر الدبيبة من آثار «الإنفاق الموازي»، الذي قال إنه «تجاوز 70 مليار دينار من ارتفاع في الدين العام، وما نتج عنه من تضخم وتراجع في قيمة الدينار»، مؤكداً أن التنمية حق لكل الليبيين في الشرق والغرب والجنوب بمشاركة جميع الجهات المختصة، «شريطة الالتزام بالسقوف والضوابط المالية، حفاظاً على الاستقرار الاقتصادي».

وسبق لممثلين عن مجلسي النواب و«الدولة» التوقيع في نوفمبر (تشرين الثاني)، على اتفاق «برنامج تنموي موحد»، رحب به في حينه «مصرف ليبيا المركزي»، بوصفه خطوة لـ«توحيد قنوات الإنفاق وموازنة موحدة للبلاد»، وعدّه البعض «فرصة لإحياء مشاريع إعادة الإعمار المتوقفة».

ناجي عيسى (متداولة على صفحات التواصل الاجتماعي)

وقال الدبيبة إنه «طلب رسمياً من محافظ مصرف ليبيا المركزي، وقف الصرف على باب التنمية، في حال عدم التزام الأطراف الأخرى ببنود الاتفاق، تفادياً لتأثير ذلك على حياة المواطنين»، وأعرب عن أمله في أن يسهم «البرنامج الموحد في إخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية».

ويكرر الدبيبة اتهاماته لخصمه حمّاد بالتوسع في «الإنفاق الموازي»، وخلال كلمة متلفزة منتصف الأسبوع الماضي، بمناسبة «ثورة 17 فبراير»، قال إن حجم «الإنفاق الموازي» تجاوز خلال السنوات الثلاث الماضية، 300 مليار دينار.

وبات هذا النوع من الإنفاق، الذي تصاعد الحديث عنه منذ بدايات العام الماضي، محور صراع بين الحكومتين المتنازعتين على السلطة، حيث يدير كل طرف منظومته المالية الخاصة في ظل الانقسام المؤسسي.

ويرى الدبيبة أن «الإنفاق الموازي تسبب في تصاعد معدلات التضخم، وتراجع قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية، وخلق أعباء مباشرة على معيشة المواطنين»، ولفت إلى أن المؤشرات النقدية تشير إلى أن «التوسع في الصرف خارج السقوف المعتمدة، ولّد طلباً إضافياً على النقد الأجنبي، ونشّط السوق الموازية، وضغط على سعر الصرف».

وانتقد محمد قشوط، المحلل السياسي الليبي، الخطوة التي اتخذها الدبيبة، لتأثيرها على إعادة الإعمار في البلاد، وقال إن «الإعمار نهض بعدد من المدن وأعاد لها الحياة، ومن الأفضل أن تُصرف المليارات في هذا المجال، بدلاً من أن تذهب إلى جيوب مافيات الاعتمادات والتهريب، أو تُقدَّم هدايا لشراء دعم دول في المحافل الدولية».

ويعتقد قشوط أن هذا الإجراء من الدبيبة يمكن تفسيره في 3 اتجاهات: الأول «إعلان الحرب على كل المواطنين في شرق ليبيا وجنوبها»؛ والثاني «الضغط من أجل الدخول معه في صفقة»؛ أما الثالث فهو السير بمبدأ «عليّ وعلى أعدائي».

بلقاسم حفتر مسؤول ملف إعادة الإعمار في مدن عدة بشرق وجنوب ووسط ليبيا (أ.ف.ب)

ويقود بلقاسم حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر، ملف إعادة الإعمار في مدن عدة بشرق وجنوب ووسط ليبيا، عبر «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا» الذي يترأسه.

وكان حمّاد، بعد أن زاد في اتهاماته للدبيبة، قد دعاه إلى الانسحاب من المشهد معه، قائلاً: «إذا كانت هذه الأخطاء التي ينسبها كل طرف للآخر، وإذا كان وجودنا جميعاً عائقاً في سبيل استقرار وتوحيد ليبيا، فلماذا لا نخرج جميعاً من المشهد ونترك المجال لغيرنا لتوحيد المؤسسات وجمع الكلمة؟».

ولم يُعرف بعد على وجه اليقين كيف سيتعامل «المصرف المركزي» مع توجيه الدبيبة، لا سيما أن رئيسه عيسى يأتمر بأوامر مجلس النواب في شرق ليبيا. وينظر إلى غياب ميزانية موحدة في ظل الانقسام، على أنه يزيد من تأزم الوضع المالي، ويعيد التوتر إلى «المركزي»، الذي ظل يعاني من الانقسام لفترة طويلة.

عدّلت ليبيا سعر الدينار وأضافت رسوماً ضريبية لشرائه مما فاقم من الوضع المعيشي والقدرة الشرائية للمواطنين (أ.ف.ب)

كما أدت أزمة الإنفاق من دون ميزانية موحدة إلى تفاقم التضخم وانخفاض قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية؛ إذ وصل سعره في السوق الموازية إلى 9.60، وعدّلت ليبيا سعر الدينار مقابل الدولار الأميركي، مع إضافة رسوم ضريبية لشرائه، مما فاقم من الوضع المعيشي والقدرة الشرائية لدى المواطنين.

وكان محافظ المصرف المركزي قد طالب وزارة الداخلية في طرابلس، باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإيقاف السوق الموازية، ومعاقبة الذين يتداولون العملات الأجنبية خارج الإطار الرسمي.


هل تفتح واشنطن «نافذة الحل» في ليبيا؟

بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)
بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)
TT

هل تفتح واشنطن «نافذة الحل» في ليبيا؟

بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)
بولس متحدثاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأربعاء (لقطة من تسجيل مصور)

عاد الملف الليبي إلى واجهة الاهتمام الدولي مع تصاعد الحضور الأميركي في مسارات الأزمة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

وجاءت مداخلة كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن الدولي، لتكرّس انطباعاً متنامياً لدى أطراف ليبية بأن واشنطن انتقلت من موقع المتابعة إلى موقع الفاعل المباشر في جهود التسوية، وسط رهانات داخلية على إمكانية إحداث اختراق في حالة الجمود المستمرة منذ سنوات.

وينظر سياسيون ومحللون إلى الحضور الأميركي اللافت عبر منصة مجلس الأمن الدولي، باعتباره «نافذة محتملة» لحل الأزمة الليبية، مع بقاء هذا التفاؤل محاطاً بالحذر. وحسب مراقبين، فرغم تقديرهم للدور الأميركي، تظل الثقة رهناً بقدرة واشنطن على تحقيق اختراقات ملموسة في ملفات عدة.

اهتمام أميركي متزايد بحل الأزمة الليبية

تعهّد بولس، الأربعاء، بأن تكون بلاده «في طليعة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الوحدة والسلام الدائم في ليبيا»، مع التشديد على دفع مسارات التكامل العسكري والاقتصادي بين شرق البلاد وغربها.

وعزّز ظهور بولس على منصة مجلس الأمن، في سابقة دبلوماسية، الانطباع لدى قطاعات من النخب الليبية بأن ملف أزمة بلادهم بات يحظى باهتمام مباشر من البيت الأبيض. وهي وجهة نظر تلاقت فيها أطياف ليبية مختلفة، عبّر عنها الكاتب مصطفى الفيتوري.

الدبيبة في لقاء مع نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)

ومنذ العام الماضي، تصاعد الحراك الأميركي في الملف الليبي، عبر الانخراط في رعاية لقاءات بين الأفرقاء الليبيين، وتحديداً بين نائب قائد «الجيش الوطني» صدام حفتر، ومستشار رئيس حكومة «الوحدة» إبراهيم الدبيبة. من بينها اجتماعات احتضنتها روما في سبتمبر (أيلول) 2025، وباريس في يناير (كانون الثاني) 2025، في محاولة لتحريك العملية السياسية، مع التركيز على توحيد المؤسسات، وسط تسريبات عن مقترحات لدمج الحكومتين.

ويرى محمد بويصير، المستشار السياسي السابق للمشير خليفة حفتر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة دوراً أميركياً يقترب من «مشروع منسّق»، معتبراً أن حضور بولس جلسة مجلس الأمن يمثّل «تكريساً لدوره السياسي في الملف الليبي». مشيراً إلى أن التحركات الأميركية تأتي، حسب تقديره، في إطار قانون «دعم الاستقرار في ليبيا»، الذي أقرّه الكونغرس الأميركي قبل سنوات، والرامي إلى تعزيز انخراط واشنطن في تسوية النزاع، ودعم الحكم الديمقراطي، والمساعدة الإنسانية، واستعادة الأصول الليبية.

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول الأزمة السياسية الليبية (المجلس)

بدوره، رأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي، محمد حسن مخلوف، أن «الدور الأميركي قد يفتح نافذة محتملة لحل الأزمة الليبية، لكنه يظل تحت الاختبار، ومشروطاً بوجود ضغط حقيقي من الإدارة الأميركية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن فرص النجاح «تعتمد على مدى التفاهم بين الأطراف المحلية والدولية، وعلى قدرة واشنطن على خلق توازن بين القوى المؤثرة».

في المقابل، يرى رئيس الائتلاف «الليبي- الأميركي» فيصل الفيتوري أن «مقاربات التعامل الأميركي مع الملف قد تتجه بعيداً عن القنوات الدبلوماسية التقليدية، نحو منطق الصفقات والمقاربات المصلحية الآنية»، محذّراً من «انعكاسات ذلك على مستقبل الاستقرار»، حسب إدراج له عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وعلى الصعيد العسكري، يتزايد الرهان على مناورة «فلينتلوك 26» المرتقبة في مدينة سرت الليبية في أبريل (نيسان) المقبل، التي تنظمها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، بمشاركة قوات ليبية من شرق البلاد وغربها، في بلد يعاني انقساماً مؤسساتياً وأمنياً. وقد عدّها بولس في جلسة مجلس الأمن الأخيرة، «علامة فارقة نحو التنسيق العسكري».

وفي هذا السياق، لا يستبعد بويصير أن تشكل المناورة «نقطة بداية لتنسيق أمني وعسكري أوسع»، لافتاً إلى تداول مقترحات تستند إلى تصورات بشأن إعادة هيكلة القيادة العسكرية، من بينها فكرة رئاسات أركان تمثّل أقاليم ليبيا الثلاثة.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

غير أن الخبير العسكري عادل عبد الكافي أبدى مقداراً أكبر من التشكيك، معتبراً في منشور عبر حسابه على «فيسبوك» أن تحركات «أفريكوم»، وتعديل آليات حظر السلاح «خطوات شكلية ما لم تُعالج جذور الأزمة»، ورأى أن أي تقدم يتطلب «وقف تدفق الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة والمرتزقة»، ومعالجة بيئة الصراع والتدخلات الخارجية.

ضرورة حل ملف الميليشيات

من جهته، عدَّ رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية-الليبية، هاني شنيب، أن «أي مسار سياسي وتنفيذي فعّال يظل مشروطاً بمعالجة ملف الميليشيات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك يستدعي «برنامجاً تمهيدياً يسبق مسار نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج»، بما يسمح للسلطة التنفيذية بالعمل دون تهديد. مضيفاً أن المؤشرات على المديين القصير والمتوسط «تبدو إيجابية»، فيما يبقى الأفق الأطول «رهناً بالتوازنات الإقليمية والدولية».

اقتصادياً، عكس خطاب بولس اهتماماً بدعم اتفاق «برنامج التنمية الموحد» الموقّع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع إبراز دور المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي الليبي، والدعوة إلى التنفيذ الكامل للاتفاق، واعتماد ميزانية سنوية موحّدة، باعتبارها «خطوة مفصلية في مسار الاستقرار الاقتصادي».

كما حضر الملف الاقتصادي بقوة في التحركات الأميركية، مع إشارات إلى زيارات ولقاءات شهدت توقيع تفاهمات واتفاقات في قطاع الطاقة، بينما يرى محللون أن المقاربة الاقتصادية تمثل وجهاً براغماتياً بارزاً في السياسة الأميركية تجاه ليبيا.

وفي ظل هذا الحضور الأميركي، يتجدد النقاش حول دور بعثة الأمم المتحدة، خصوصاً مع استمرار التعثر في ملفات التوافق على الأطر الانتخابية والقوانين المنظمة لها.

واجهة البنك المركزي في طرابلس (رويترز)

ويرى مخلوف أن المشهد يفتح على سيناريوهين: «إما تقلّص دور البعثة في حال انخراط أميركي مباشر، وإما تكامل الدورين إذا تحقق تفاهم واضح»، معتبراً أن البعثة «لم تحقق تقدماً حاسماً»، وحذّر من تداعيات الانقسام السياسي على مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة القضائية.

أما شنيب فيؤكد أنه «لا بديل أمام البعثة سوى التناغم مع التحركات الأميركية»، دعماً لمسارات توحيد المؤسسة العسكرية، والتوافق على حكومة تكنوقراط موحّدة، بالتوازي مع إصلاحات مصرفية وترتيبات اقتصادية تعزز الاستقرار وتكافؤ الفرص.

ويخلص مراقبون إلى أن تعثر جهود التسوية خلال خمسة عشر عاماً يعود إلى تشابك الصراعات الداخلية، والتوازنات الإقليمية والدولية، فيما يبقى الرهان على دور أميركي أكثر حسماً موضع اختبار في المرحلة المقبلة.