توظيف إيران اللغة في استراتيجيتها الإعلامية.. داخليًا وخارجيًا

استغلال مصلحي مدروس للهوية الفارسية والفئوية الإسلامية

توظيف إيران اللغة في استراتيجيتها الإعلامية.. داخليًا وخارجيًا
TT

توظيف إيران اللغة في استراتيجيتها الإعلامية.. داخليًا وخارجيًا

توظيف إيران اللغة في استراتيجيتها الإعلامية.. داخليًا وخارجيًا

الإعلام أحد الركائز المهمة التي تعتمد عليها الدول في تنفيذ سياساتها. وشهد العالم في نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي تطوّرات سياسية كبيرة؛ مما دفع الحكومات للجوء إلى مختلف الوسائل الإعلامية من أجل تحقيق غاياتها والترويج لآيديولوجيتها، تزامنًا مع نقلات نوعية في التكنولوجيا سهلت من توسيع النشاط الإعلامي. وتأسيسًا على ذلك، تنطلق استراتيجية دولة ما من وضع خطط يلعب الإعلام دورًا ملموسًا فيها، لما للإعلام من دور حاسم في تكوين المعرفة، إلا أن خطورته تتمثل في إمكانية توظيف المعرفة لخدمة سلطة ما، وتبليغ هذه المعرفة عن طريق التأثير والإغراء لـ«قولبة» رأي المتلقي و«برمجة» سلوكه. وفي ما يلي عرض تحليلي لاستراتيجية الإعلام السياسي في إيران.
يلاحظ متابع وسائل الإعلام في إيران توظيف النظام الإيراني استراتيجية دعائية مدروسة لنقل رسالته على الساحتين الداخلية والخارجية، تتميّز بتوظيف اللغة وانتقاء مصطلحات وعبارات معينة تخدم هذه الاستراتيجية. وكما أسلفنا، يلعب الإعلام دورًا بالغ الأهمية في سياسات الدول واستراتيجياتها. وحين تكون هذه السلطة ذات طابع آيديولوجي، فإنها تسعى إلى تعزيز هذا الأمر سواء أكان داخليًا أم خارجيًا.
هذا ما عرفه العالم مع الأنظمة الشيوعية حيث غُلفت الاعتبارات المصلحية بالنواحي الآيديولوجية، وظهر هذا على السياسة الخارجية، كما غدا من مقوّمات الدعاية الداخلية خلق «عملية توفيقية» جمعت الأبعاد الآيديولوجية والنواحي القومية. ومن ثم غدا «تسويق» هذه الآيديولوجية والتبشير بها مرتكزًا لدى السلطة القائم فكرها ومنطلقها عليها، بيد أن هذا الأمر لا يتحقق بصورة آنية، بل يحتاج إلى خطة تستمر إلى فترة من الزمن يُحقق التكرار فيها الهدف المنشود. وعليه، عند الحديث عن الدعاية يصبح تكرار الرسالة الموجهة وتكثيفها أمرًا مهمًا جدًا، فمع تكرار مرتكزات المنطق الدعائي، تتسرّب الرسالة الإقناعية حتى وإن كانت مضلِّلة.
الدعاية، إذًا، هي أداة للإقناع السياسي والآيديولوجي، يتجلّى خطرها في تشويه اللغة الإعلامية القولية وفرض رأي معين على المتلقي تحت غطاء الأخبار، فتتحوّل بذلك وسائل الإعلام من مؤسسات إخبار مساعدة على تكوين الرأي العام إلى مؤسسات دعائية. ويأتي الإعلام السياسي - ومن ورائه الخطاب السياسي - ليكون الأداة الفاعلة في تلك الدعاية التي تسوق بدورها لتلك الآيديولوجية والرسائل المراد توصيلها.
الشخصية السياسية الإيرانية.. إرثًا وممارسة
تنطلق الشخصية السياسية الإيرانية في نظرتها إلى المنطقة والعالم من موروثها التاريخي والثقافي وكذلك المذهبي. وتتناوب هذه المرتكزات لدى تلك الشخصية في طرحها، بل ويأتي المرتكز ذاته ليُطرح بشكل ومضمون قد يكونا مغايرين في بعض الأحيان عن ذلك الطرح تبعًا للسياق الزمني والمكاني. مثلاً يطرح الحديث الحضارة الفارسية ويوجه للمنطقة، وتحديدًا دول الخليج، بوصفها «الحضارة المسيطرة» المؤثرة، كما تجلى عبر تصريحات الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، في حين جاءت الحضارة الفارسية فيما يُعرف بـ«حوار الحضارات» ضمن طرح الرئيس الأسبق محمد خاتمي بوصفها إحدى الحضارات الكفيلة بتحقيق ذلك الحوار، إلى جانب الحضارتين الرومانية والفرعونية.
الحقيقة، إن متابع الشأن الإيراني يلاحظ وجود قواسم مشتركة للشخصية الإيرانية على اختلاف تباينها الفكري وميولها السياسية. فمسألة العمق التاريخي والتأثير الإيراني ونفوذه في المنطقة، أمرٌ متأصل في هذه الشخصية، يبقى الفرق في مسألة نقل هذا الأمر إلى حيّزه العملي ونوعية الأدوات المتاحة لتنفيذ ذلك.
هذا الأمر كان له تأثيره على الإعلام والخطاب السياسي في إيران، فبينما ارتبطت الدولة البهلوية (1925 - 1979) بعلاقات دبلوماسية قوية مع الولايات المتحدة ولاحقًا إسرائيل، تغيّر الأمر تمامًا بعد سقوطه وظهور نظام «الجمهورية الإسلامية». وتحول تلك العلاقات من الود إلى المواجهة، انعكس بوضوح في الإعلام والخطاب السياسي، فظهرت عبارات من قبيل «الشيطان الأكبر» (شيطان بزرگ) في وصف الولايات المتحدة وتوجّهاتها حيال إيران.
ولما كان للآيديولوجيا أثرها في تحليل الخطاب السياسي، يلاحَظ تأثير آيديولوجية التيار الديني الحاكم في إيران على الخطاب السياسي والإعلام. ومن ثم، جاء التوجّه الديني المرتكِز على المذهب الشيعي الإثني عشري آيديولوجية مضافة إلى الخطاب السياسي، وسار توظيف اللغة في الاستراتيجية الإعلامية نابعًا من «جمع» الموروث الثقافي والتاريخي إلى الآيديولوجية الدينية.
وفيما يلي نماذج للاستراتيجية الإعلامية الإيرانية وتوظيفها اللغة من خلال المحاور التالية:
أولاً، داخليًا: كانت التيارات الدينية والليبرالية واليسارية القوى الرئيسية التي أسهمت في نجاح ثورة عام 1979 ضد الشاه. ولكن لما كان التيار الديني بزعامة آية الله الخميني هو التيار الأقوى، فإنه أراد السير قُدمًا نحو تحقيق الهيمنة عبر فرض آيديولوجيته على النظام الجديد بإزاحة التيارين الآخرين وآيديولوجيتيهما. وهنا تجلّى استخدام مصطلح «إسلامي» في مختلف النواحي سعيًا إلى تأصيل الآيديولوجيا التي يستند عليها هذا التيار، وبدأ تسويق الثورة باعتبارها «ثورة إسلامية» (انقلاب إسلامي). يقول في ذلك آية الله الخميني: «لقد فجّرنا الثورة من أجل الإسلام لا من أجل القومية أو الديمقراطية، وراح شهداؤنا فداءً للإسلام ولا لشيء غيره».
إن المتمعّن بمسمى «الجمهورية الإسلامية الإيرانية» (جمهوري إسلامي إيران) للنظام البديل للشاه يدرك أن إضفاء صفة «إسلامي» على شكل النظام الجمهوري، يأتي من منطلق سعي التيار الديني لمنع صعود التيارين؛ الليبرالي واليساري، وتغييبهما. وما أن أعلن النظام البديل حتى بدأ مصطلح «إسلامي» ينتشر ليشمل كثيرًا من المؤسسات بعد تأصيل نظام «الجمهورية الإسلامية» في الدستور. فبعدما كان يطلق على البرلمان الإيراني مسمى «المجلس الوطني» (مجلس ملي) بات يعرف بـ«مجلس الشورى الإسلامي» (مجلس شوراي إسلامي). وانتقل هذا الأمر ليلامس الجانب الثقافي أيضًا؛ إذ بعدما استتب الأمر للتيار الديني وأحكم سيطرته على مؤسسات الدولة، واجه معاقل التيارين؛ الليبرالي واليساري، في الجامعات. فوظّف الثورة ضد الشاه ليستخدم مصطلح «الثورة» (انقلاب) كذلك في الجامعات، انطلاقًا من أن ما يدور في الجامعات الإيرانية عبارة عن تغريب (غرب زدگی) بمعنى الميل للأفكار الغربية التي تأتي بالتالي مناهضة لـ«الجمهورية الإسلامية». لذا أطلق النظام الجديد ما عُرف بـ«الثورة الثقافية» (انقلاب فرﻫﻨﮕﻰ) بعدما رأى الخميني وجوب أن «تكون الثورة الإسلامية في سائر الجامعات الإيرانية، لتصفية الأساتذة ذوي الميول الشرقية (الفكر اليساري) والميول الغربية (الفكر الليبرالي)، وتكون الجامعة بيئة سليمة لتدريس العلوم الإسلامية». ثم بعد الاضطرابات التي صاحبت نتائج انتخابات الرئاسة العاشرة التي أُعيد فيها انتخاب أحمدي نجاد، أمر المرشد آية الله علي خامنئي بإعادة النظر في مناهج التدريس في كليات العلوم الإنسانية مطالبًا بأن تتماشى والتوجهات الإسلامية، وهو ما عُرف اصطلاحًا بـ«الثورة الثقافية الثالثة» (انقلاب فرﻫﻨﮕﻰ سوم).
أهمية الإعلام ودوره تجلّيا أيضًا عبر ربط هيئة الإذاعة والتلفزيون مباشرةً بالمرشد وصلاحياته؛ إذ حدّدت المادة 110 حول وظائف المرشد وصلاحياته بأن من صلاحياته تعيين رئيس الهيئة وعزله وقبول استقالته. أضف إلى ذلك ظهور كثير من وسائل الإعلام التابعة للنظام، فبالإضافة إلى «وكالة الأنباء الإيرانية» (إرنا) ظهر كثير من الصحف - مثل صحيفة «جمهوري إسلامي» - ووكالات أنباء ومواقع إلكترونية كلها تُعد لسان حال النظام ومؤسّساته.
وبين الأمثلة التي سوقتها وسائل الإعلام التابعة للنظام الإيراني ولا تزال، مصطلح «المنافقين» و«المفسدين في الأرض». فما أن أطلق الخميني على «منظمة مجاهدي خلق» (سازمان مجاهدين خلق) مصطلح «زمرة المنافقين» متّهمًا إياهم بأنهم يَدّعُون بأنهم مسلمون لكنهم في حقيقة الأمر يعملون ضد الإسلام حتى بدأ مسؤولو النظام ترديد هذا المصطلح واستخدامه في وسائل الإعلام. وهو ما أتاح تصفية عناصر هذه المنظمة وإلغاءهم من الساحة السياسية باعتبارهم «مفسدين في الأرض». واستمر استخدام هذا المصطلح، إلا أنه لا يقتصر اليوم على «مجاهدي خلق»، بل تعدّاها ليصل حتى إلى من كانوا من وجوه النظام وتقلدوا مناصب مهمة فيه. فبعد الأحداث التي صاحبت إعادة انتخاب أحمدي نجاد لدورة رئاسية ثانية، اندلعت موجة احتجاجات رافضة النتائج بقيادة المرشحَين الآخرين: مير حسين موسوي الذي كان رئيسًا للوزراء فترة الثمانينات، ومهدي كروبي الذي شغل منصب رئيس البرلمان في دورته السادسة. فردّت السلطات أمنيًا للقضاء على الاحتجاجات، وصاحبها وصف ما حدث بـ«فتنة»، واعتبار موسوي وكروبي «رؤوس الفتنة»، وبالتالي نزع مشروعية الاحتجاجات التي وصفت بأنها «تآمر لقلب النظام». وهكذا، عاد مصطلح «المنافقين» وتزامن معه مصطلحات من قبيل «فتنة 88» أي الفتنة التي وقعت أحداثها عام 1388 هجري شمسي (الموافق 2013) بعد إعادة انتخاب أحمدي نجاد وصار يُطلق على من شارك في تلك الاحتجاجات «أصحاب الفتنة» (فتنه ﮔران) واعتبارهم خارج دائرة النظام.
أيضًا، يمكن الإشارة إلى بعض المصطلحات ذات البعد الديني مثل «الجهاد»؛ إذ أطلق على وزارة الزراعة مسمى «وزارة الجهاد الزراعي» (وزارت جهاد كشاورزي) ووزارة التعمير «وزارة جهاد التعمير/ أو البناء» (وزارت جهاد سازندگى). كما بات مصطلح «الاقتصاد المقاوم» (اقتصاد مقاومتي) أحد المصطلحات المهمة في الاستراتيجية الإعلامية الإيرانية. وبعد فرض العقوبات تلو الأخرى على النظام الإيراني نتيجة برنامجه النووي وملف حقوق الإنسان وبرنامجه الصاروخي وغيره، طرح النظام مصطلح «الاقتصاد المقاوم» بوصفه الأداة القوية في مواجهة تلك العقوبات، الذي قال عنه عباس قائد رحمت، عضو اللجنة الاجتماعية في البرلمان، إنه «الطريق للخروج من العقوبات الظالمة».
ثانيًا: الإقليمي: تتضح التوجهات الطائفية والقومية لنظام طهران بصورة أوضح على مستوى الاستراتيجية الإعلامية الإقليمية. ولقراءة الخطاب السياسي وتوظيف اللغة في هذا المحور، ينبغي بدايةً قراءة المنظور الإيراني للمنطقة الذي ينطلق من أن إيران هي «القوة الإقليمية الكبرى في المنطقة»، وهو ما يجعل النظام يطرح على الدوام فكرة الأمن الجماعي الذي يجب أن يكون رهنًا بالدول المطلة على الخليج.
هناك كثير من التصريحات سواءً العسكرية أو السياسية التي تشير إلى أن إيران هي «القوة الكبرى في منطقة الخليج»، وبالتالي ضرورة مشاركتها، بل وقيادتها، في أي ترتيبات أمنية للمنطقة. هذه النظرة لا تخلو من الاستعلاء واستحضار تاريخ الإمبراطورية الفارسية، وما كان تصريح يحيى رحيم صفوي، مستشار المرشد للشؤون العسكرية وقائد الحرس الثوري السابق، حين قال إن «نفوذ إيران قد تجاوز العراق وسوريا لتصل حدود إيران إلى البحر المتوسط وهذه هي المرة الثالثة التي نصل له»، إلا تأكيدًا لهذا الأمر.
ولدى استعراض بعض الأمثلة لتوظيف اللغة، فأول ما يلفت هو الإصرار على إطلاق مسمى «الخليج الفارسي» (خليج فارس) على الخليج العربي لما له من اعتبارات مهمة جدًا عند الشخصية الإيرانية. ولا يتوقف الأمر عند هذا المسمى، بل يأتي في إطار رؤية منطقة الخليج بأسرها؛ إذ صرّح الرئيس السابق أحمدي نجاد خلال زيارته لسواحل جنوب إيران، بأنه من الطبيعي أن يكون لـ«الحضارة المسيطرة – يقصد بها الحضارة الإيرانية – تأثير حتى على الأسماء التي تطلق على الأماكن، وأن هذا التأثير لم تقتصر حدوده على المنطقة فحسب، بل وصل حتى شبه القارة الهندية». هذا الأمر يجعل الإعلام الإيراني يتصدّى بقوة لأي محاولة يعتبرها من منظوره تحريفًا لاسم الخليج، وبلغ حد منع طهران شركات طيران العمل معها في حال استخدمت مسمى غير مسمى «الخليج الفارسي». ومما قاله حبيب الله سياري، قائد القوات البحرية التابعة للجيش النظامي: «الخليج فارسي على الدوام وسيظل كذلك للأبد»، وهو ما أكد عليه أيضًا حجة الإسلام محمود علوي، وزير المخابرات، بقوله إن «الخليج الفارسي للجميع وسيظل فارسي إلى الأبد. وسيكون رد شعبنا على المتخرّصين ساحقًا». وهكذا، فمسمى «الخليج الفارسي»، بالتالي، أبعد من مجرد تسمية، بل تمسّ الحضور والنفوذ الإيراني في المنطقة.
الإعلام الإيراني الرسمي دأب أيضًا على استخدام لفظ «أعراب» بدلاً من «عرب» في وصفه لدول الخليج العربي في كثير من المناسبات، وهو ملحوظ، خصوصًا مع تزايد الضغوط على النظام الإيراني. فلقد جاء الموقع الإلكتروني «إيران دبلوماسي» بالعنوان التالي: «أعراب الخليج الفارسي يرحبون بالاتفاق الأميركي الإيراني». إن دلالة لفظ «أعراب» تأتي من مُنطَلقين سلبيين متّصلين بالنظرة الاستعلائية للشخصية الإيرانية (بما فيها استدعاء التاريخ الإمبراطوري الفارسي): الأول، اعتبار شعوب هذه الدول سكان بادية غير متحضّرين، والثاني من الآية القرآنية «الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا».
وفي العنوان التالي استعاضت «وكالة أنباء مهر» الإيرانية عن مسمى «دول الخليج العربي» بـ«أعراب الخليج الفارسي» في خبر «الصين ترفع مستوى العلاقات الاقتصادية مع أعراب الخليج الفارسي وإسرائيل». وفي عنوان آخر لـ«إرنا» أوردت: «الاتحاد الأوروبي يطالب تشكيل ائتلاف ضد الإرهاب مع الأعراب» ويلاحظ أن السياق الزمني والظرفي المتمثل في الإحجام عن دعوة إيران للمشاركة في التحالف الدولي، وخشية طهران النتيجة النهائية لهذا التحالف الذي من شأنه التأثير على الحليف الاستراتيجي لها في المنطقة (أي النظام السوري الحالي) لها تأثيرها وإسقاطاتها على ذلك العنوان باعتبار أن دول الخليج من المنظور الإيراني هي من عارضت مشاركة إيران في هذا التحالف.
ومن المصطلحات الأخرى التي تؤكد مواصلة النظام الإيراني وإعلامه توجهاتهما السلبية، مسمى «المشيخة» (شيخ نشين) وهو مصطلح كان يُطلق قبل استقلال دول الخليج وظهورها كدول مُعترف بها دوليًا. غير أن الإعلام الإيراني يواصل استحضار مثل هذه المصطلحات للتقليل من شأن هذه الدول وأنظمتها التي تصفها طهران أحيانًا بـ«الأنظمة الرجعية». كما تظهر مصطلحات أخرى كـ«النظام الخليفي» (نظام خليفي) نسبة لعائلة «آل خليفة» الحاكمة في مملكة البحرين التي يزعم إعلام طهران أن حكمها لا يمثل الشعب بل العائلة فقط. ويواصل هذا الإعلام «لغويًا: محاولاته نزع الشرعية عن الحكم البحريني، فعوضًا عن تسمية «قوات الأمن والشرطة لمملكة البحرين» يستخدم «ضباط أمن آل خليفة» (افسران امنيتي آل خليفه). وتعنون «مهر» أيضًا «آخر خطوات كيان آل خليفة ضد العلماء والزعماء الدينيين البحرينيين» (جديد ترين اقدامات رژیم آل خلیفة علیه علماء ورهبران ديني بحرين)، وكذلك «قوات الكيان البحريني» (نيروهاي رژیم بحرين) (قوى الكيان البحريني). ونلاحظ هنا استخدامه مصطلح «كيان» (رژیم) بدلاً من نظام، وهو مصطلح ما فتئ النظام الإيراني يستخدمه للدلالة على رفضه الاعتراف بالنظام القائم مثل «الكيان الإسرائيلي» (رژیم صهیونیستی)، وكذلك «الكيان الحاكم على مصر» (رژیم حاكم بر مصر)، وكذلك «كيان مبارك» (رژیم مبارك). ولعل في الموقف الإيراني من مملكة البحرين واستمرار تدخلات طهران في شؤونها، وادعاءات علي ناطق نوري، مدير التفتيش في مكتب المرشد الإيراني ورئيس البرلمان الأسبق، أن البحرين هي «المحافظة الرابعة عشر لإيران»، مما يوضح سبب إصرار إعلام طهران على استخدام هذا المسمى.
ما سبق دفع وسائل الإعلام والمسؤولين في إيران إلى وصف وجود قوات «درع الجزيرة» في البحرين «احتلالاً» (اشغال).
ويتجلّى على المستوى الإقليمي، كذلك، مصطلح «الصحوة الإسلامية» (پیداری إسلامی) وهو المسمى البديل لما يُعرف بـ«ثورات الربيع العربي» لدى نظام طهران الذي ربط تلك الثورات بالثورة الإيرانية عام 1979، واعتباره أنها استلهمت فكرها من الخميني. وفي هذا المجال، يقول وزير الخارجية السابق علي أكبر صالحي «طريق الإمام الخميني نموذج للصحوة الإسلامية». هذا الواقع حمل نظام طهران على السير قدمًا نحو تعزيز علاقاته مع الدول التي قامت فيها تلك الثورات. ومن ثم، عقد النظام كثيرًا من المؤتمرات حول ما يطلق عليه بـ«الصحوة الإسلامية»، وأسّس في إيران «مجمع الصحوة الإسلامية» وتولّى علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد في الشؤون السياسية والدولية ورئيس مركز البحوث الاستراتيجية التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام، منصب الأمين العام. ويصار خلال مؤتمرات «المجمع» تناول تأثير الثورة الإيرانية على تلك «الصحوات»، مما دفع بالنظام لأن يختار العنوان التالي لأحد تلك المؤتمرات «مؤتمر نظرية الصحوة الإسلامية في الفكر السياسي لآية الله الخميني وآية الله خامنئي».
ويأتي دور الإعلام الإيراني هنا لنقل بعض مقتطفات من الأوراق المقدمة في هذا المؤتمر والتصريحات المرافقة له التي تُبرز دور الثورة الخمينية و«تأثيرها على الصحوات الإسلامية» كما يصفها. ولقد جاء في «وكالة أنباء فارس» العنوان التالي: الشيخ (الفلسطيني محمد نمر أحمد) الزغموت: «الصحوة الإسلامية نتاج للحركة التاريخية للإمام الخميني». ثم نأتي لتسويق الإعلام الإيراني ما يُعرف بـ«محور المقاومة» (محور مقاومت) الذي يضم، بالإضافة إلى إيران واعتبارها مركز هذا المحور، كلاً من نظام سوريا وحزب الله وبعض التنظيمات الفلسطينية كحركة حماس والجهاد الإسلامي. وكمثال جاء العنوان التالي في الموقع التابع لقوات التعبئة «إيران محور الصحوة الإسلامية ومحور حركت المقاومة في العالم».
ومن المصطلحات الأخرى الدارجة في الخطاب السياسي الإيراني مصطلح «الإسلام المحمدي الخالص» (إسلام ناب محمدي) في مقابل «الإسلام الأميركي» (إسلام أميركايي)، وكذلك «التشيع الإنجليزي» (تشيع انگلیسد) و«التسنن الأميركي» (تسنن أميركايى)؛ إذ قال أحد نواب البرلمان الإيراني: «إن التشيع الإنجليزي والتسنن الأميركي يؤديان إلى تفريق الأمة الإسلامية».
ثم ما أن بدأت عملية «عاصفة الحزم» في اليمن ضد التمرد الحوثي وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح حتى بدأ النظام الإيراني تحريك سلاحه الإعلامي ضد العملية في محاولة لإنقاذ الحوثيين. وهنا ساهم تمادي الحوثيين ومحاولتهم السيطرة على كامل اليمن، وكذلك التصريحات الإيرانية المتتالية دعمًا لهم، في فضح مدى ما استثمره وما حققه النظام الإيراني من نفوذ في المنطقة. فبعد قول رحيم صفوي إن «حدود إيران تصل إلى بحر المتوسط»، جاء تصريح عضو البرلمان محمد رضا زاكاني بـ«أن إيران باتت مسيطرة على أربع عواصم عربية» متزامنًا مع احتلال التمرد الحوثي للعاصمة اليمنية صنعاء. كذلك زعم بعض المسؤولين الإيرانيين أن ما يحدث في اليمن ما هو إلا نتاج لـ«الثورة الإسلامية» وامتدادها.
عملية «عاصفة الحزم» كشفت ببلاغة توظيف اللغة من جديد في استراتيجية طهران الإعلامية، فبدلاً من إطلاق مسمى «التحالف العربي» على «عاصفة الحزم» بدأ الإعلام الإيراني في تأطير تلك العملية على أنها «هجوم سعودي» ومحاولة إعطائها صبغة مذهبية موجهة ضد الحوثيين. ولم يكتفِ بذلك، بل اعتبر أن «عاصفة الحزم» في اليمن «جاءت تنفيذًا لأجندة الولايات المتحدة في المنطقة وخدمة لمصالح الكيان الإسرائيلي»؛ فقد أوردت «قناة العالم الإيرانية» عبارة لعضو مجلس الخبراء آية الله شاهرودي هي «جرائم» التحالف التي «قد تغير أوضاع المنطقة». كما جاء عنوان في قناة العالم كالتالي: «تكريم الطيار الإيراني الذي واجه قرصنة الطيران السعودي» في حادثة محاولة الطيار الإيراني الهبوط في مطار صنعاء عنوةً وعدم الامتثال والتقيد بالإجراءات المتبعة. ولا يزال توظيف اللغة في هذا الحيّز مستمرًا في محاولة لممارسة مزيد من الضغوط على التحالف العربي ضد التمرّد الحوثي.



القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني