حديث «الجنائية الدولية» عن عدم وجود «شهادة وفاة» لسيف الإسلام يفجِّر جدلاً حاداً في ليبيا

أنصار النظام السابق رأوا في الأمر إحياءً لحالة الغموض التي رافقت مقتله

جانب من جنازة سيف الإسلام القذافي في مدينة بني وليد غرب ليبيا (متداولة)
جانب من جنازة سيف الإسلام القذافي في مدينة بني وليد غرب ليبيا (متداولة)
TT

حديث «الجنائية الدولية» عن عدم وجود «شهادة وفاة» لسيف الإسلام يفجِّر جدلاً حاداً في ليبيا

جانب من جنازة سيف الإسلام القذافي في مدينة بني وليد غرب ليبيا (متداولة)
جانب من جنازة سيف الإسلام القذافي في مدينة بني وليد غرب ليبيا (متداولة)

بعد أكثر من 110 أيام على مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، عاد اسمه ليتصدر المشهد الليبي مجدداً، ولكن هذه المرة من بوابة المحكمة الجنائية الدولية، التي فجَّرت جدلاً واسعاً بإعلانها أن «ملف ملاحقته القضائية لم يُغلق بعد، وذلك لعدم تسلُّمها شهادة وفاة رسمية تنهي الإجراءات القانونية بحقه».

واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي الليبية، السبت، من قِبَل أنصار النظام السابق الذين رأوا في الأمر إحياءً لحالة الغموض التي رافقت مقتله في فبراير (شباط) الماضي بمدينة الزنتان (غرب)، قبل أن يدفن في مدينة بني وليد (170 كيلومتراً جنوب طرابلس) في جنازة حاشدة.

وبينما اعتبر البعض على «السوشيال ميديا» أن المحكمة تتمسك بإجراءات قانونية بحتة، ذهب آخرون إلى اعتبار أن القضية تجاوزت الجانب القضائي، لتتحول إلى معركة رمزية وسياسية مفتوحة.

سيف الإسلام القذافي (أ.ب)

وقال آمر قوة الإسناد السابق بعملية «بركان الغضب»، ناصر عمار، إن سيف الإسلام «لا يزال أحد أكثر الملفات سخونة وحساسية»، مضيفاً أن المحكمة «أرسلت إشارات واضحة بأن الستار لم يُسدل بعد».

أما المدوِّنة الليبية، مرام الترهوني المزوغي، فطرحت تساؤلات حادة بشأن غياب الوثائق الرسمية، قائلة إن عدم تقديم شهادة وفاة للمحكمة «يثير الشكوك ويعزز الغموض». وأضافت أن شخصية بحجم سيف الإسلام «لا يمكن إعلان وفاتها دون مستندات قانونية واضحة وشفافة».

وفي خضم الجدل، التزمت شقيقته عائشة القذافي الصمت تجاه التصريحات المتداولة، مكتفية بإعادة نشر كلمات قالها سيف الإسلام خلال إحدى جلسات محاكمته: «محاميَّ الله»، وعلَّقت عليها بالقول إن «الحق إذا حمله الله لا يضيع»، في رسالة فسَّرها مناصرون للعائلة بأنها تمسُّك برواية «المظلوم المغدور».

في المقابل، صعَّد ما يُعرف بتجمع «أوفياء الشهيد سيف الإسلام القذافي» من لهجته تجاه المحكمة الجنائية الدولية، معتبراً أن الاكتفاء بانتظار شهادة وفاة رسمية لإغلاق الملف «موقف قاصر»، لا يجيب عن السؤال الأهم المتعلق بملابسات الاغتيال والجهات التي تقف خلفه. وطالب التجمع المحكمة بدعم التحقيقات المحلية، والمساعدة في ملاحقة المتورطين وكشف الحقيقة كاملة.

وسط هذا الجدل، قال الناشط السياسي المقرب من النظام السابق، الدكتور خالد الحجازي، إن الجدل الذي أثير عقب تصريحات نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية «لا يغيِّر من حقيقة مؤكدة لدى المقربين من العائلة وأنصاره، وهي أن سيف الإسلام تُوفي بالفعل».

وأضاف الحجازي لـ«الشرق الأوسط» أن «كل ما أثير حول المسألة لا يتجاوز كونه إجراءات إدارية أو قانونية، مرتبطة بملف المحكمة، ولا ينبغي تضخيمه أو البناء عليه سياسياً أو إعلامياً».

كما أرجع ما وصفه بـ«التأخير في استكمال بعض الإجراءات المتعلقة بالملف» إلى «الانشغال العام بمتابعة قضية مقتل سيف الإسلام، وتداعياتها السياسية والقانونية»، عاداً أن «إعادة فتح هذا الجدل لن تكون سوى مادة لتغذية الخيال الشعبي العربي، بشأن بقاء بعض القادة الراحلين على قيد الحياة، كما حدث في تجارب مشابهة بالمنطقة العربية».

ويتزامن هذا التطور مع تصاعد الضغوط القانونية والشعبية داخل ليبيا؛ خصوصاً من أنصار النظام السابق، لدفع السلطات إلى كشف نتائج التحقيقات الجارية.

العجمي العتيري الآمر السابق لـ«كتيبة أبو بكر الصديق» أمام قبر سيف الإسلام القذافي (صفحة العتيري على فيسبوك)

وكان النائب العام الليبي، الصديق الصور، قد أعلن في مارس (آذار) الماضي تحديد هوية 3 متهمين بالتورط في اغتيال سيف الإسلام، من دون الكشف عن أسمائهم، وهو ما زاد من حدة الانتقادات والتشكيك في مسار القضية. وهنا رأى الحجازي أن «الأولوية بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية يجب ألا تنصرف إلى مسائل شكلية مرتبطة بإثبات الوفاة؛ بل إلى التحقيق في ملابسات مقتل سيف الإسلام القذافي، والكشف عن المسؤولين عن ذلك»، على حد تعبيره، مشيراً إلى أن «هناك قصوراً واضحاً في أدوات القضاء المحلي الليبي، وهو ما يجعل من الصعب الوصول إلى الجناة ومحاسبتهم داخلياً»، ومبرزاً أن «العدالة الحقيقية تقتضي البحث عن القتلة، وليس الاكتفاء بإثارة تساؤلات إجرائية لا تمس جوهر القضية».

يأتي هذا الجدل بالتزامن مع استمرار ردود الفعل حول تطورات قضائية أخرى، أعادت اسم سيف الإسلام إلى واجهة الأحداث، بعدما قضت محكمة استئناف طرابلس ببراءة عبد الله السنوسي، وعدد من رموز النظام السابق، بينهم منصور ضو وسيف الإسلام القذافي، من تهمة قمع متظاهري «ثورة 17 فبراير»، مع إسقاط الدعوى عن الأخير بعد إعلان وفاته.


مقالات ذات صلة

بالقاسم حفتر يستعين بالخبرات المصرية لإنهاء أزمة الكهرباء في ليبيا

شمال افريقيا مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا» بالقاسم حفتر ووزير الكهرباء المصري محمود عصمت يتوسطان العاملين في مشروعات ليبية 23 سبتمبر (الصندوق)

بالقاسم حفتر يستعين بالخبرات المصرية لإنهاء أزمة الكهرباء في ليبيا

بحث بالقاسم حفتر، مدير «صندوق التنمية وإعادة الإعمار» في ليبيا، مع وزير الكهرباء المصري محمود عصمت، وضع «خطة عاجلة» لإنهاء أزمة الكهرباء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصنع قوارب للهجرة غير الشرعية عقب مداهمته في ليبيا (إدارة المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية بغرب ليبيا)

«قوارب الموت»... صناعة سرية تزدهر على طرق الهجرة من ليبيا

تحولت القوارب المستخدمة في نقل المهاجرين غير النظاميين من ليبيا إلى أوروبا لجزء من سوق سرية تنمو بالتوازي مع نشاط تهريب البشر

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد عبد السلام القريو خلال اجتماع مع مراقبي التربية والتعليم يوم الأحد الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)

زيادة رواتب حرس المنشآت النفطية الليبية تغضب قطاعات مدنية

تصاعدت في ليبيا، الأربعاء، انتقادات معلمين وأطباء لقرار حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، زيادة مرتبات منتسبي جهاز حرس المنشآت النفطية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مناصرو الهيشري من مشايخ وأهالي سوق الجمعة بالعاصمة الليبية يوم الأحد (من مقطع فيديو بثه المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة)

محاكمة ليبيّ أمام «الجنائية الدولية» تُسعِّر الغضب ضد الدبيبة

تتصاعد احتجاجات مناصري الليبي خالد الهيشري، المسؤول الأمني السابق الماثل أمام «الجنائية الدولية»، ضد حكومة «الوحدة»، وسط اتهامات لها بـ«التواطؤ في تسليمه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)

«النواب» الليبي يبقي الملف البحري «قيد الدراسة» بسبب الانقسام السياسي

أبقى مجلس النواب الليبي ملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط «قيد الدراسة»، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي والمرحلة الانتقالية الممتدة منذ عام 2011.

علاء حموده (القاهرة)

الجزائر: أرصدة شقيق بوتفليقة تعيد جدل «الأموال المنهوبة» للواجهة

سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)
سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)
TT

الجزائر: أرصدة شقيق بوتفليقة تعيد جدل «الأموال المنهوبة» للواجهة

سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)
سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة (الشرق الأوسط)

بينما يبدي كبار المسؤولين الجزائريين تفاؤلاً متزايداً إزاء التعاون السويسري في مسعى استعادة أصول مهرّبة إلى بنوكها، نقلت مجلة «لوبوان» الفرنسية عن مسؤول سويسري رفيع المستوى قوله إن القضاء في بلاده لا يزال بصدد التحقق مما إذا كانت هذه الأصول ناتجة عن عائدات فساد.

واستقبل رئيس «مجلس الأمة» الجزائري (الرجل الثاني في الدولة وفق الدستور)، عزوز ناصري، سفيرة سويسرا لدى الجزائر، ماريون ويشلت كروبسكي، في 21 سبتمبر (أيلول) الحالي. وخلال اللقاء الذي تطرق لعلاقات الصداقة والتعاون القضائي المشترك، أعلن ناصري عن «استعادة أكثر من 110 ملايين دولار من الأموال المنهوبة والمجمّدة في سويسرا». ومع غياب التفاصيل، قوبل الإعلان باحتفاء محلي باعتباره ترجمة لوعود الرئيس عبد المجيد تبون باستعادة أموال حقبة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

وزير العدل والشرطة السويسري خلال لقائه بنظيره الجزائري في 30 يونيو 2025 (وزارة العدل الجزائرية)

لم يكن عزوز ناصري أول مسؤول جزائري يتحدث عن إعادة سويسرا لهذه الثروة المخفية في حسابات مصرفية. ففي أبريل (نيسان) الماضي، أعلن تبون ووزير الخارجية أحمد عطاف أن الجزائر ستستعيد أكثر من 110 ملايين دولار من الأموال المختلسة والمجمّدة لدى الاتحاد السويسري. وتأتي عملية الإعادة هذه نتيجة اتفاقية التعاون القضائي التي تربط البلدين، والتي سمحت للقضاة الجزائريين بتوجيه 33 إنابة قضائية إلى نظرائهم السويسريين. وكان عطاف قد أوضح آنذاك أن 20 ملفاً تمت دراستها وقبولها، وأن أربعة ملفات أخرى تمت معالجتها بصورة نهائية.

لغز الملايين المعلّقة

وأكدت مجلة «لوبوان» الصادرة الخميس أنها تواصلت مع وزارة العدل السويسرية، فقدمت لها رواية للوقائع لا تتطابق مع رواية السلطات الجزائرية. ونقلت عن ليليان مارتان من المكتب الفيدرالي للعدل أن «سويسرا تدعم الجزائر في جهودها لمكافحة الفساد، وستعيد الأصول في أقرب وقت ممكن بمجرد إثبات مصدرها غير المشروع». وبحسب المسؤولة السويسرية، فإن المكتب لا يستطيع الإدلاء بمزيد من المعلومات بشأن الموضوع ما دامت «الإجراءات لا تزال جارية».

ووفق النشرة الدورية الفرنسية، يُفهم تصريح المسؤولة السويسرية بأن «الأمر لم يصل بعد إلى مرحلة تسلّم الأموال فعلياً». وتساءلت عن «الإجراءات القضائية التي باشرتها الجزائر في سويسرا، ومن هم الأشخاص الذين حُددت أسماؤهم في هذه الملفات التي كانت موضوع إنابات قضائية»،

وكتب مقال «لوبوان» الصحافي المحقق الجزائري فريد عليلات، المقيم بفرنسا، والممنوع من دخول الجزائر منذ عامين، بسبب مقالاته التي تعدّها السلطات «مناوئة». وجاء في المقال أن أبرز المستهدفين بهذه العمليات الرامية إلى استعادة الأموال، سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق ومستشاره، الذي يقضي حكماً بالسجن لمدة 12 عاماً بتهمة الفساد في سجن بأطراف الصحراء الشاسعة، على بعد 630 كيلومتراً من الجزائر العاصمة.

فندق في برشلونة استعادته الجزائر بعد أن كان مملوكاً لرجل أعمال متهم بالفساد (صحف جزائرية)

وأفادت «لوبوان» بأن القضاء السويسري نقل في صيف 2023 إلى الجزائر، عبر القنوات الدبلوماسية، وثائق تتعلق بحساب لسعيد بوتفليقة في جنيف، تتضمن معلومات عن عدة تحويلات مالية تلقاها هذا الحساب، ولا سيما من منطقة الخليج وآسيا، بقيمة إجمالية تتجاوز 30 مليون دولار. ولم تنفِ الجزائر ولا سويسرا هذه المعلومات، حسب المجلة، في حين ظل المعنيّ بالأمر ينفي امتلاكه أصولاً في الخارج.

وأشارت المجلة الفرنسية إلى أن «إرسال وثائق مصرفية تخص أحد الأوليغارشيين شيء، وإعادة الأموال الموجودة في تلك الحسابات شيء آخر تماماً». وتابعت: «لكي توافق سويسرا على إعادة ملايين سعيد بوتفليقة يتعين على القضاة الجزائريين إثبات، من دون أدنى شك، أن مصدر هذه الأموال غير مشروع، أو أنها ناتجة عن غسل أموال، أو عن وقائع اختلاس وفساد مثبتة».

تحديات استرداد الأصول المنهوبة

وأشارت المجلة إلى أن ذلك ينطبق على الوزير السابق للصناعة عبد السلام بوشوارب، الذي يملك أموالاً في سويسرا يُشتبه في أن مصدرها غير مشروع، من بينها 1.7 مليون يورو جُمّدت في حسابه بناءً على طلب الجزائر، وتُربط بعقد لبناء سد مع شركة تركية يُعتقد أنه تضمن رشى بقيمة 11.5 مليون يورو. وقد رفض المكتب الفيدرالي السويسري للعدل في يوليو (تموز) 2023 طعن محاميه في قرار التجميد، في حين لا يزال غير واضح ما إذا كان المبلغ يدخل ضمن الـ110 ملايين دولار التي أعلنت الجزائر استعادتها، حسب «لوبوان».

وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

ومنذ الإطاحة بحكم عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل 2019، على خلفية الحراك الشعبي الذي انطلق في فبراير (شباط) من العام نفسه، أطلقت السلطات الجزائرية حملة قضائية واسعة ضد الفساد طالت مسؤولين ورجال أعمال بارزين. وكان استرجاع الأموال والأصول المنهوبة في الخارج من أبرز وعود الرئيس عبد المجيد تبون، الذي أعلن في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 استعادة أصول وأموال بقيمة 30 مليار دولار. كما أُعيد إدماج عدد من الممتلكات المسترجعة، بينها شركات ومصانع، في الاقتصاد الوطني تحت إدارة مؤسسات عمومية.

كما كثفت الجزائر مساعيها القضائية لدى دول يُعتقد أن أموالاً مهربة إليها، سواء عبر إيداعها في حسابات مصرفية أو استثمارها في العقارات. وتبرز سويسرا، إلى جانب إسبانيا، ضمن أبرز الدول التي أعلنت الجزائر استعادة أموال أو أصول منها، في حين سبق لمدريد أن سلمتها فندقاً فاخراً في برشلونة كان مملوكاً لرجل الأعمال علي حداد الذي أُدين في قضايا فساد. ولا يزال الحجم الإجمالي للأموال التي يُعتقد أنها هُرّبت خلال عهد بوتفليقة غير معروف رسمياً.


المطالبات المصرية بـ«الانتقال سريعاً» إلى التعافي المبكر في غزة تواجه تحديات

وزير الخارجية المصري يستضيف مائدة مستديرة حول التعافي المبكر في غزة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري يستضيف مائدة مستديرة حول التعافي المبكر في غزة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

المطالبات المصرية بـ«الانتقال سريعاً» إلى التعافي المبكر في غزة تواجه تحديات

وزير الخارجية المصري يستضيف مائدة مستديرة حول التعافي المبكر في غزة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري يستضيف مائدة مستديرة حول التعافي المبكر في غزة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مطالبات مصرية ببدء مسار التعافي المبكر والإعمار في القطاع تزداد وتيرتها مع النقص الكبير في الغذاء والدواء في قطاع غزة مع استمرار العدوان الإسرائيلي، رغم اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

تلك المطالب التي رفعتها مصر في اجتماع دولي في نيويورك برئاسة مشتركة بين مصر وألمانيا وفرنسا والمفوضية الأوروبية، تهدف إلى جعل التعافي المبكر جزءاً من عملية تنفيذ خطة السلام وليس مرحلة مؤجلة إلى ما بعد الانتهاء من جميع الملفات السياسية والأمنية، حسب دبلوماسي مصري سابق لـ«الشرق الأوسط».

ويرى مسؤول طبي فلسطيني في قطاع غزة تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك المطالب تأتي استمراراً لجهود مصرية مقدَّرة لكنها تواجه على أرض الواقع تحديات عديدة بسبب تعنت إسرائيل، داعياً المجتمع الدولي للضغط على تل أبيب لوقف تلك الانتهاكات.

وأفادت وزارة الخارجية المصرية، في بيان الخميس، بأن بعثة بلادها الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، استضافت المائدة المستديرة رفيعة المستوى حول التعافي المبكر في قطاع غزة تحت عنوان «من شرم الشيخ إلى المرحلة الثانية: ترسيخ السلام والتعافي المبكر»، مشيرةً إلى أنها عُقدت برئاسة مشتركة بين مصر وألمانيا وفرنسا والمفوضية الأوروبية.

وشهد اللقاء «التباحث حول الأوضاع المأساوية في قطاع غزة وسبل ضمان نفاذ المساعدات الإنسانية والإغاثية بصورة آمنة ومستدامة ودون عوائق، فضلاً عن ضرورة الإسراع في إطلاق جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وبما يوفر سبل العيش الكريم للشعب الفلسطيني».

ميدانياً، قال نائب مدير عام الرعاية الأولية للصحة العامة في وزارة الصحة بقطاع غزة الدكتور رامي العبادلة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التعافي المبكر يواجه عديداً من التحديات؛ أبرزها النقص الحاد في المساعدات الإنسانية؛ وتشمل الغذاء، والدواء، والمأوى الصالح للسكن، بخلاف عدم إعادة إعمار البنية التحتية من شبكات مياه وصرف صحي وكهرباء وطرق واتصالات، وعدم إنشاء تجمعات سكانية من كرفانات أو بيوت متنقلة متوفر بها بنية تحتية، فضلاً عن عدم إعادة إعمار المستشفيات والمراكز الصحية من خلال ترميم المستشفيات التي يمكن إعادة تشغيلها، وبناء بديل المدمَّر، وعدم إعادة بناء وترميم المدارس والجامعات».

شاب يشرب الماء من وعاء خلال تجميع الأنقاض من مبنى دُمِّر خلال حرب إسرائيل على غزة (أ.ف.ب)

وأشار العبادلة إلى أنه في ظل منع الاحتلال دخول الخيام أو البيوت المتنقلة أو مواد البناء أو قطع غيار للأجهزة أو معدات ثقيلة لفتح الطرق لرفع الركام، ستستمر المعاناة، مؤكداً أن الاحتلال هدفه الرئيسي ألا تكون في غزة حياة ضمن مخطط للتهجير القسري، ولكن عبر أسلوب منع أساسيات احتياجات الإنسان سواء من الغذاء والسكن والتعليم والصحة.

ودعا المجتمع الدولي للضغط على الاحتلال لإدخال مقومات الحياة الأساسية لتمكّن السكان من العيش، وعدم التعامل مع القوانين الدولية بازدواجية في المعايير، مؤكداً أن القانون الدولي واحد وليس فيه تأويل، وأن ضرب الاحتلال بكل القوانين عرض الحائط يحوِّل العالم إلى غابة، وأن الجميع سيعاني مستقبلاً.

وعن الجهود المصرية، أوضح المسؤول الطبي الفلسطيني أن «مصر مشكورة على الجهود التي تبذلها على الصعد كافة، لكن المشكلة في استمرار الاحتلال الشبيه بالسرطان في تخطيه كل الخطوط الحمراء».

وخلال المائدة المستديرة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، «أهمية الانتقال سريعاً من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار، كون ذلك التزاماً لا يمكن تأخيره»، موضحاً أن «الأولوية تتمثل في ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ورفع العراقيل الإسرائيلية ذات الصلة».

وشارك في الاجتماع الدولي، وزيرة التنمية الألمانية ريم العبالي-رادوفان، ووزيرة خارجية فرنسا إيلينور كاروا، ودوبرافكا شويتسا المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، بمشاركة رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، عبر الوسائل الافتراضية، بخلاف وزير خارجية النرويج إسبن إيدي، ونظيره في إندونيسيا سوجيونو، ووزراء التعاون الدولي لبريطانيا وقطر والإمارات، ومسؤولين أمميين بينهم ألكسندر دي كرو مدير برنامج الأمم المتحدة الانمائي، وتوم فليتشر وكيل السكرتير العام للشؤون الإنسانية، وراميز الأكباروف نائب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط.

جانب من المائدة المستديرة حول التعافي المبكر في غزة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

كما ضم الاجتماع ممثلي مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وعدداً من كبار المسؤولين من باكستان وتركيا واليابان، وإيطاليا، وإسبانيا، وعدداً من الدول الأوروبية، حسب بيان للخارجية، الخميس.

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق محمد حجازي، أن أهمية التحرك المصري تكمن في طرح التعافي المبكر بوصفه جزءاً من عملية تنفيذ خطة السلام وليس مرحلة مؤجلة إلى ما بعد الانتهاء من جميع الملفات السياسية والأمنية، موضحاً أن توفير الغذاء والدواء والمياه والكهرباء والمأوى والخدمات الأساسية للفلسطينيين يمثل شرطاً ضرورياً لترسيخ وقف إطلاق النار وتهيئة البيئة اللازمة للانتقال إلى إعادة الإعمار.

صبي يحمل قطعة من الخرسانة خلال تجميع الأنقاض من مبنى مدمَّر في غزة (أ.ف.ب)

وأضاف حجازي أن مصر تمتلك، بحكم موقعها الجغرافي ودورها في الاتصالات مع مختلف الأطراف، قدرة مهمة على الربط بين الأمم المتحدة والدول المانحة والمؤسسات الدولية والأطراف الفلسطينية والإسرائيلية، بما يسمح بتحويل التوافق الدولي حول ضرورة استمرار المساعدات إلى آليات عملية ومستدامة تضمن وصولها إلى سكان القطاع دون عوائق، مشيراً إلى أن نجاح هذا المسار يتطلب التزام جميع الأطراف، وبصفة خاصة إزالة القيود التي تعوِّق النفاذ الإنساني.

وأشار إلى أن المائدة المستديرة اكتسبت أهمية إضافية من اتساع المشاركة الدولية فيها، بما شمل ألمانيا وفرنسا والمفوضية الأوروبية ودولاً عربية وأوروبية وآسيوية، إلى جانب الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، معتبراً أن هذا الحشد يمكن أن يشكل قاعدة دولية لحشد التمويل والخبرات وتنسيق جهود إعادة الإعمار، شريطة وجود آلية واضحة للتمويل والتنفيذ والرقابة.

ورغم تلك الجهود المصرية الأوروبية الغربية، يؤكد حجازي أن «نجاح المرحلة المقبلة سيتوقف على قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة عملية التعافي والسلام رغم عراقيل إسرائيل».


بالقاسم حفتر يستعين بالخبرات المصرية لإنهاء أزمة الكهرباء في ليبيا

مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا» بالقاسم حفتر ووزير الكهرباء المصري محمود عصمت يتوسطان العاملين في مشروعات ليبية 23 سبتمبر (الصندوق)
مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا» بالقاسم حفتر ووزير الكهرباء المصري محمود عصمت يتوسطان العاملين في مشروعات ليبية 23 سبتمبر (الصندوق)
TT

بالقاسم حفتر يستعين بالخبرات المصرية لإنهاء أزمة الكهرباء في ليبيا

مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا» بالقاسم حفتر ووزير الكهرباء المصري محمود عصمت يتوسطان العاملين في مشروعات ليبية 23 سبتمبر (الصندوق)
مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا» بالقاسم حفتر ووزير الكهرباء المصري محمود عصمت يتوسطان العاملين في مشروعات ليبية 23 سبتمبر (الصندوق)

عززت مصر حضورها في مشروعات تنموية يضطلع بها «صندوق التنمية وإعادة الإعمار» في ليبيا، برئاسة بالقاسم حفتر، الذي أكد ضرورة الاستفادة من الخبرات المصرية للإسهام في معالجة أزمة الكهرباء التي عانت منها البلاد طوال فصل الصيف.

وقال الصندوق إن بالقاسم حفتر بحث مع وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري محمود عصمت، سُبل الاستعانة بالخبرات المصرية لتطوير قطاع الكهرباء في ليبيا، ووضع «خطة عاجلة» للحد من انقطاعات التيار وتحسين مستوى الخدمة.

مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا» بالقاسم حفتر ووزير الكهرباء المصري محمود عصمت في بنغازي 23 سبتمبر (الصندوق)

وأوضح الصندوق أن بالقاسم حفتر ناقش مع الوزير المصري، الذي وصل إلى بنغازي الأربعاء، «آليات تطوير شبكة الكهرباء ورفع كفاءة التشغيل، إلى جانب تدريب الكوادر الليبية، بما يُسهم في تحسين الخدمة للمواطنين».

وأكد بالقاسم حفتر «أهمية أن يُترجم التعاون بين الجانبين إلى إجراءات تنفيذية واضحة، وجداول زمنية محددة»، داعياً إلى وضع خطة عاجلة للحد من انقطاعات الكهرباء، وتطوير الشبكة ورفع كفاءة تشغيلها، وتدريب الكوادر، بما يجعل تحسين الخدمة للمواطنين محوراً للعمل المشترك.

وتطرّق الاجتماع -حسب مكتب بالقاسم- إلى تعزيز التعاون في تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة، بما يواكب التوسع العمراني والمشروعات الجاري تنفيذها في عدد من المدن الليبية، ويُعزز قدرة الشبكة على تلبية الاحتياجات المتزايدة من الطاقة.

وتعاني ليبيا منذ بداية الصيف أزمة حادة في قطاع الكهرباء، تسببت في انقطاعات واسعة للتيار وإظلام تام في غالبية مدن البلاد أكثر من مرة، ما دفع مواطنين إلى التظاهر وإغلاق طرق رئيسية في طرابلس، فضلاً عن التهديد بإغلاق منشآت نفطية، وسط وعود سابقة من حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة بمعالجة الأزمة.

وفي ختام زيارة وزير الكهرباء المصري، وقّع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون والشراكة والتكامل الفني في مجالي الكهرباء والطاقة المتجددة، بما يُعزز التنسيق بين البلدين، ويفتح المجال أمام توسيع نطاق العمل المشترك خلال المرحلة المقبلة.

وسبق أن زار بالقاسم حفتر القاهرة، وأجرى محادثات منفصلة مع رئيس جهاز الاستخبارات العامة اللواء حسن رشاد، ورئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي.

كما تناول في لقاء مع وزيرة الإسكان المصرية، راندة المنشاوي، سبل الاستعانة بالخبرات والشركات المصرية في تنفيذ مشروعات الإسكان والطرق والمرافق داخل المدن الليبية، إلى جانب تعزيز التعاون في التخطيط العمراني وتطوير المدن.

وزيرة الإسكان المصرية راندة المنشاوي خلال اجتماع مع رئيس «صندوق إعادة إعمار ليبيا» بالقاسم حفتر 10 مايو الماضي (الصندوق)

وكانت الوزيرة المصرية قد أكدت خلال الاجتماع، الذي عُقد بمقر الوزارة في العاصمة الإدارية الجديدة بالقاهرة، استعداد بلادها «لدعم جهود التنمية والإعمار في ليبيا، ونقل الخبرات المصرية في تنفيذ المدن الجديدة والمشروعات القومية الكبرى».

وجرى خلال اللقاء استعراض عدد من المشروعات الجاري تنفيذها في 5 مدن ليبية، تشمل مشروعات البنية الأساسية وغيرها، وتسهم فيها الشركات المصرية.

ويعمل ائتلاف من شركات المقاولات المصرية في غرب ليبيا وفي شرقها، عبر مشروعات كبيرة، من بينها مشروع الطريق الدائري الثالث بطرابلس. ويضم الائتلاف المنفذ لهذه المشروعات المتنوعة في البنية التحتية والطرق «أوراسكوم للإنشاءات»، و«حسن علام للإنشاءات»، و«رواد الهندسة الحديثة»، و«نيوم».