حسين حبش: تعلمت الكتابة بلغتي الأم في منفاي الأوروبي

الشاعر الكردي السوري يرى أن الإبداع الحقيقي لا يزدهر إلا في ظل الحرية

حسين حبش
حسين حبش
TT

حسين حبش: تعلمت الكتابة بلغتي الأم في منفاي الأوروبي

حسين حبش
حسين حبش

قبل عشرين عاماً، سافر حسين حبش، الشاعر السوري الكردي، إلى مدينة بون بألمانيا، بحثاً عن وطن بديل، و«فضاء يساعده على الإبداع». وخلال هذه المدة، أصدر مجموعات شعرية مثل «غرق في الورد»، «هاربون عبر نهر إفروس»، «الموتى يتجادلون في الردهات».
في هذا الحوار، يتحدث حبش، الحاصل على جائزة مهرجان «أيام سراييفو الشعرية» عن تجربته الأدبية، وعن «فكرة الحرية» التي يرى أن الإبداع الحقيقي لا يمكن أن ينمو إلا في ظلها، وكذلك كتابته بالعربية التي كانت نتيجة طبيعية لمنع تداول اللغة الكردية في أزمنة سابقة.

> جاء في حيثيات منحك جائزة «بوسناكي ستيجاك» من قبل اتحاد كتاب البوسنة والهرسك خلال مهرجان «أيام سراييفو الشعرية» أنك «تكتب قصائد تمجد الحرية والإنسانية». كيف تجلت هاتان القضيتان الجوهريتان في تجربتك الإبداعية؟
- أنا ابن شعب عانى وما زال يعاني من كل صنوف الظلم والقمع والقهر والاضطهاد، وكذلك من كل أنواع القيود المفروضة على كيانه ووجوده، وعلى لغته وانتمائه وكل تفاصيل حياته. كان لا بد أن ينصب تفكيري ووعي وخيالي على فكرة الحرية وتساؤلاتها الجوهرية، وكذلك الانشغال بإنسانية الإنسان وكيفية حفظ وصون كرامته على هذه الأرض، التي لم تعد مكاناً آمناً للعيش، دون توجس وخوف وقلق.
ذهبت بعض كتاباتي منذ البداية في هذا المنحى بمعرفة ووعي تامين، منغمسة في تفاصيله وطارحة أسئلة كثيرة بخصوصه. وبالتالي لم يغب هذا السؤال الوجودي عن بالي أبداً: ما معنى وجود الإنسان إذا جُرد من إنسانيته وحريته؟ ربما سيكون مجرد كومة لحم وعظم ولا شيء آخر! إن الكتابة الحقيقية لا تكون ولا تنمو إلا في ظل الحرية أو اجتراح حريتها الخاصة بها في حال ضُيق الخناق عليها! لم تغب عن بالي فكرتها ومقامها وتجلياتها العظيمة لحظة واحدة، سواء في سياق الكتابة أو خارجها مهما كانت الظروف والأحوال. و«إذا كان الموت هنا، فهو يأتي ثانياً، الحرية دوماً تأتي أولاً» صدق ريتسوس.
> جاء أيضاً في حيثيات الجائزة أنك تكتب عن «الوطن الكردي المدمر»، كيف ترى الاحتفاء الأوروبي بالمبدعين الأكراد؟
- نعم، أكتب عن الوطن الكردي المدمر والممزق والجريح، الذي لم يتوقف نزيفه لحظة واحدة بسبب وحشية وشراسة الذين يغتصبونه وينتهكون حرمته طولاً وعرضاً دون أي رادع يردعهم أو قانون يوقفهم. أحاول من خلال الكتابة والخيال وكذلك على أرض الواقع لم أشلائه المتناثرة هنا وهناك ومداواة جراحه العميقة. أما بخصوص الاحتفاء الأوروبي بالمبدعين الكرد، فلا يوجد هذا الاحتفاء إلا نادراً جداً، ويكاد يكون معدوماً للأسف. كما أن هناك فروقاً أوروبية واضحة في التعامل مع قضايا الشعوب وحقوق الإنسان، كذلك هناك فروق واضحة في التعامل مع آدابها وفنونها أيضاً، وهذا الأمر مدعاة للحزن حقاً!
> رغم خلفيتك الكردية فأنت تكتب بالعربية... ما أسباب ذلك؟

- أسباب كتابتي بالعربية معروفة للجميع، فاللغة الكردية كانت وما زالت ممنوعة ومحظورة في سوريا، كان ممنوعاً التحدث بها إلا في نطاق ضيق، أي نطاق البيت والعائلة. الثقافة الكردية كانت ممنوعة ومقموعة ومضطهدة حتى أن مجرد حمل كتاب أو مجلة كردية كان يمكن أن يعرض صاحبها للمساءلة والتحقيق والسجن؛ كما أنه لا مدارس، لا معاهد ولا جامعات تدرجها في محاضراتها ومناهجها الدراسية. لذلك كان الخيار الوحيد الممكن أمامي حينها هو إتقان اللغة العربية والتدرج بها دراسة وقراءة وثقافة وكتابة... لكنني أود أن أضيف في هذا السياق، بأنني تعلمت الكتابة بلغتي الأم في منفاي هنا في أوروبا، وأكتب بها، منذ زمن بعيد، قصائدي ونصوصي وهواجسي التي حرمت من الكتابة بها سابقاً في وطن لم يكن لي قط! وحالياً أكتب باللغة الكردية فقط، ونادراً ما أكتب بالعربية، منتقماً من كل الحيف الذي لحق بلغتي الأم وقائمة القمع والممنوعات التي طالتها من كل حدب وصوب!
> هل يؤرقك سؤال الهوية ككردي يحمل الجنسية الألمانية؟
- أنا حسمت أمري في هذا الخصوص منذ زمن بعيد، ففي كل مكان أوجد فيه أو أدعى إليه، أعتبر نفسي شاعراً كردياً من كردستان وأفرض هذا الأمر شرطاً لقبول وجودي بينهم ومعهم، وبخلاف ذلك لا أحضر ولا أشارك في أي ملتقى أو أمسية أو مهرجان، حتى أنني رفضت المشاركة في بعض المهرجانات العربية المهمة لأنهم لم يحترموا هذه الخصوصية! أما بالنسبة إلى الجنسية الألمانية، فهي قد منحت الاستقرار الحياتي والنفسي لي ولعائلتي الصغيرة، وكذلك منحتني جواز سفر بقوة ألف حصان، أجوب به العالم، كل العالم دون سين ولا جيم على الحدود أو في المطارات. لذلك أنا ممتن لهذا البلد الذي أوجد فيه الآن، وكذلك لمدينتي الجميلة بون، إلى الأبد.
> تقول في قصيدة «وهم الوصول»: «تركوا أوطانهم وحملوا أوهامهم الكثيرة/ وأداروا وجوههم نحو بلاد لن يصلوها أبداً». ما هي ظروف كتابة هذه القصيدة؟ وماذا يفعل من ضاقت عليهم بلدانهم في الشرق الأوسط؟
- هذه القصيدة كتبت في سياق معين ومحدد، ففي رحلة الهروب المحفوفة بالمخاطر، تاه البعض في الغابات الكثيفة ومات دون أن يُدل على الطريق أبداً. ومنهم من اخترقت أجسادهم رصاصات عسكر حدود بعض الدول الشرسة، وهم لم يعبروها بعد أو عبروها لبضعة أمتار فقط! ومنهم من غرق في عرض البحار دون أن يكحلوا أعينهم برؤية اليابسة مرة أخرى. ومنهم من قصف البرد والزمهرير والثلوج والأمطار أجسادهم دون رحمة وتحولوا إلى تماثيل من ألم وعذاب وموت! القصيدة تتحدث عن هؤلاء بالتحديد. أما ماذا يفعل من ضاقت عليهم بلدانهم في الشرق الأوسط؟ بتُ على يقين تام، أن رحلة الهروب المحفوفة بالمخاطر أصبحت عندي أهون من تحمل العذاب والقمع والسجن والمعتقلات والديكتاتوريات والحروب القذرة التي أنهكت كل شيء بدون استثناء، وحولت تلك البلدان إلى ركام وخراب وبيمارستانات كبيرة لتعذيب الإنسان وانتهاك كرامته.
> يبدو أن المرأة تحظى بحضور خاص في دواوينك، لكن البعض يعتبر أن هذا الحضور يختزلها في خانة الحسي «الإيروتيكي» فقط، كيف ترى الأمر؟
- هذا الكلام ليس دقيقاً، ربما اطلع هذا البعض على ديواني «أعلى من الشهوة وألذ من خاصرة غزال» فقط، وبنى رأيه عليه. كتبت كثيراً عن المرأة الأم والأخت والزوجة والبنت والصديقة والرفيقة والزميلة. ما زلت، كما كنت، أعتبر المرأة نور العالم وجوهره العظيم، هي الحضن الذي نرتاح فيه والصدر الذي نتوسده والقلب الذي يضمنا إليه ويمنحنا بسخاء الأمل والجمال والشوق والحنان... هي الأمومة والخصوبة التي تجنب حياتنا الجدب والعطش والجفاف والتصحر. إنها تحررها من ربقة الذكورة. هذا لا يعني أنني أتنصل من كتاباتي الحسية، وهي ربما أجمل ما كتبت. وسأكتب عن الإيروتيك كلما كان هناك ضرورة فنية لذلك.

> ترجمت مختارات من أشعارك إلى لغات عدة مثل الإنجليزية والألمانية والإسبانية، كيف ترى أهمية الترجمة وواقعها؟
- الترجمة هي جسر العبور إلى الآخر والاحتكاك به ثقافياً وحضارياً. وهي تلعب دوراً كبيراً ومحورياً في تعزيز وتمتين الروابط الثقافية الإنسانية بين الأمم والشعوب وتقربها من بعضها بعضاً معرفياً وجمالياً وإنسانياً. لولا الترجمة، وأخص بالذكر هنا الترجمة الشعرية، لما اكتشفنا كل هذا الجمال الموجود في العالم وكل هذه القصائد العظيمة التي دونت بلغات أخرى لا نتقنها، وما كنا قد تعرفنا عليها عن قرب من دونها. الترجمة أوصلتني وأوصلت قصيدتي إلى أماكن ما كنت أحلم بالوصول إليها لولاها. إذا شكراً لكل من ضحى بوقته الثمين وجعل قصائدي تعبر بحب وجمال وسلاسة إلى لغات أخرى.
> يحمل عنوان ديوانك الرابع «ضلالات إلى سليم بركات» فما الذي يمثله لك؟
- كتاب «ضلالات إلى سليم بركات» هو قصيدة واحدة وطويلة مهداة إلى سليم بركات كما هو مبين في العنوان. أردت من خلال وضع الإهداء كعنوان للكتاب أن أغير قاعدة الإهداءات الخجولة التي تكون غالباً في الصفحة الأولى أو الثانية الداخلية للكتب والدواوين. هذا الكتاب هو بمثانة تحية لقامة شعرية وروائية فذة وعظيمة، وبمثابة رد للدين الذي تركه في رقبة كتاباتي حين كتب مقدمة ديواني الأول «غرق في الورد». سليم بركات، كان وسيبقى بالنسبة لي «عراب المتاهات وخيال الهاوية».
> بعد مرور ما يقرب من عشرين عاماً على وجودك في بلاد المهجر الأوروبي، ما الذي تغير شعرياً وإنسانياً لديك؟
- أولاً تعلمت لغة عظيمة هي اللغة الألمانية، اللغة التي قرأت من خلالها مباشرة غوته، شيلر، ريلكه، هولدرلين، نفاليس، نيتشه، حنة آرنت، والقائمة تطول، دون وسيط لغة أخرى. وهذه القراءات أضافت الكثير إلى ثقافتي ووعي وتجربتي، وعمقت خبراتي الحياتية والكتابية. وكذلك غيرت اتجاه قصائدي وأخذتها إلى مناطق نائية ومختلفة. منحني وجودي هنا أيضاً حرية الإبداع والتفكير والحركة دون قيود أو «تابوهات» تذكر، وفتح أمامي آفاقاً واسعة ومساحات شاسعة للتأمل والتمرد والإبداع والجنون. وجعلني على تماس مباشر مع بشر من مختلف الأثنيات والأعراق والثقافات والحضارات واللغات، أيضاً ساعد هذا على إغناء تجربتي الحياتية والإنسانية والكتابية... هذا المناخ هذب روحي وصاغها صياغة جديدة ومختلفة. علمني أن أكون متسامحاً أكثر مع الآخر وأحترم خصوصياته مهما كانت، وأن أعرف كذلك حقوقي وواجباتي وأفكر بروية.
> اتجاه الشعراء إلى كتابة الرواية أصبح ظاهرة عامة بحثاً عن الانتشار، لكنك تعارض مثل هذا التوجه... لماذا؟
- لن أكتب الرواية ولن أتلصص عليها كما يفعل بعض الشعراء الآن، رغم تشابك خيوط النثر في رأسي وتزاحم شياطينها في خيالي. وما زلت عند رأيي بأن سطراً شعرياً حقيقياً واحداً يفوق عندي مئات الصفحات من السرد، طبعاً دون تبخيس لقيمة الرواية وأهميتها. لن أندم أبداً، وأحب عنادي كما يحب كردي عناده!


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«هاري بوتر» عائد بوجهٍ جديد... أضخم إنتاج تلفزيوني على الإطلاق

«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
TT

«هاري بوتر» عائد بوجهٍ جديد... أضخم إنتاج تلفزيوني على الإطلاق

«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)

لكل زمنٍ وجيل «هاري بوتر» خاصتُه. وإذا كان الساحر الصغير قد انطبع في ذاكرة جيل الألفيّة على هيئة الممثل دانييل رادكليف، فإنّ الجيلَين «زد» و«ألفا» سيتعرّفان عليه مع نجمٍ جديد هو دومينيك ماكلوغلين. ففي عصر منصات البث، كان لا بدّ من ولادة ثالثة لواحد من أكثر الشخصيات شهرةً وجماهيريةً في عالم الأدب والسينما والترفيه.

يعود بطل روايات جي كي رولينغ وسلسلة أفلام «هاري بوتر»، من خلال مسلسل يُعرض على منصة «HBO»، ويستغرق إنتاجه 10 أعوام في 7 مواسم قابلة للتجديد.

ماذا نعرف عن الموسم 1 من «هاري بوتر»؟

قبل يومين، نشرت منصة «HBO» الإعلان الترويجي الأول للموسم الافتتاحي بعنوان «هاري بوتر وحجر الفيلسوف». ووفق المقتطفات المصوّرة، فإنّ الجزء الأول وفيّ لكتاب المؤلّفة جي كي رولينغ.

ويركّز الفيديو على الشخصيات الرئيسية الثلاث؛ أي هاري وصديقَيه «رون ويزلي» و«هيرميون غرانجر». يُظهرهم الفيلم وهم يتعارفون على متن القطار المتّجه بهم إلى «مدرسة هوجورتس للسحر والشعوذة». الأطفال الثلاثة في الـ11 من عمرهم، ويستعدّون لخوض عامهم الدراسي الأول في تلك المدرسة، حيث سيواجهون معاً عودة «لورد فولدمورت»، قاتل والدَي هاري عندما كان الأخير رضيعاً.

كما يعطي الإعلان الترويجي لمحة عن الحياة التعيسة التي كان يعيشها هاري اليتيم، تحت وصاية عمّه «فيرنون» وعمّته «بيتونيا». من بين اللقطات اللافتة كذلك، اللقاء الأول بين الساحر الصغير و«هاغريد» العملاق (الممثل نيك فروست).

الممثل البريطاني نيك فروست بشخصية «هاغريد» العملاق (HBO)

متى وأين يُعرَض المسلسل؟

ينطلق عرض مسلسل «هاري بوتر» عالمياً، في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2026، على كلٍ من «HBO» و«HBO Max». ومن الواضح أنّ اختيار هذا التاريخ لم يأتِ عبثاً، إذ إنّ فترة أعياد الميلاد ورأس السنة تشهد ارتفاعاً في نسبة المشاهدة على منصات البثّ، نظراً لإجازات نهاية العام.

يتألّف الموسم الأول من 8 حلقات تدور معظم أحداثها في مدرسة هوجورتس للسحر، على أن يكون المشاهدون على موعدٍ مع مزيد من المواسم، بما أنّ العمل التلفزيوني المنتظَر مخلصٌ لروايات رولينغ وعددُها 7. ووفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، فإنّه من المرتقب أن يغوص المسلسل في تفاصيل أكثر من الأفلام.

يدور معظم أحداث الموسم الأول في مدرسة هوجورتس للسحر (HBO)

فريق «هاري بوتر» أو «التريو الذهبي»

استغرق البحث عن الأبطال الثلاثة الصغار؛ «هاري بوتر» و«رون ويزلي» و«هيرميون غرانجر»، 8 أشهر. ففي سبتمبر (أيلول) 2024، أُطلقت دعوة عامة للمشاركة في تجارب أداء لأطفال تتراوح أعمارهم ما بين 9 و11 عاماً. تقدّم 32 ألف طفل ليقع الاختيار في مايو (أيار) 2025، على كلٍ من دومينيك ماكلوكلين، وألاستير ستاوت، وأرابيلا ستانتون.

ينضمّ إلى الأطفال الثلاثة، الذين سمّتهم منصة «HBO»: «التريو الذهبي»، فريق كبير من الممثلين المخضرمين والجدد.

أما التصوير فقد انطلق وسط تكتّم شديد بلندن في يوليو (تموز) الماضي، وقد وقّع الممثلون جميعهم عقوداً تُلزمهم الارتباط بالمشروع لفترة 10 أعوام، وهي المدة التي سيستغرقها تصوير 7 مواسم على الأقل من المسلسل.

أطلقت منصة «HBO» على أبطال المسلسل «التريو الذهبي» (منصة «HBO»)

من هو «هاري بوتر» الجديد؟

من بين آلاف الأطفال، اختير الممثل الاسكوتلندي دومينيك ماكلوكلين، ليكون الوجه الجديد لهاري بوتر. وقبل خوضه هذه التجربة، ظهر ماكلوكلين في فيلم «Grow» البريطاني عام 2025. وبسبب اختياره لأداء شخصية الساحر الصغير، اضطرّ الممثل الطفل إلى مغادرة مدرسته والتسجيل في مدرسة أخرى تؤمّن له التدريس في أوقات الفراغ من التصوير.

في حوار مع شبكة «بي بي سي» البريطانية، سُئل ماكلوكلين عن شعوره بعد التحوّل إلى «هاري بوتر»، فأجاب أنّ الأمر أشبَه بالحلم. «أنا من أشدّ المعجبين بسلسلة (هاري بوتر) وسعيد للغاية بأداء هذا الدور»، قال النجم الصاعد.

دومينيك ماكلوكلين البطل الجديد لسلسلة «هاري بوتر» (HBO)

ما رأي «هاري بوتر» القديم؟

رغم تحوّله إلى نجمٍ سنة 2001 مع انطلاق مجموعة أفلام «هاري بوتر»، فإن الممثل دانييل رادكليف لم يكن يوماً راضياً عن أدائه في تلك الشخصية. وانطلاقاً من هذا الموقف الذي لم يتردّد في التعبير عنه مراراً عبر الإعلام، أعلن رادكليف أن ماكلوكلين سيكون أكثر ملاءمةً للدور ممّا كان هو عليه. وأضاف الممثل البريطاني: «أنا متأكّد من أنّ دومينيك سيكون أفضل منّي». وقد ذهب رادكليف إلى حدّ كتابة رسالة إلى خلَفِه، متمنياً له أن يقضي وقتاً رائعاً في المغامرة التي يخوض.

الممثل دانييل رادكليف عام 2000 خلال تصوير فيلم «هاري بوتر» (رويترز)

أين جي كي رولينغ من المشروع؟

الأمّ الروحيّة لـ«هاري بوتر» وصانعة الشخصية، الكاتبة البريطانية جي كي رولينغ، منخرطة في مشروع المسلسل بوصفها أحد المنتجين المنفّذين. أما كتابةً، فهي تركت مهمّة السيناريو والإشراف العام لفرنشيسكا غاردينر، وقد أبدت رولينغ رضاها عن نص المسلسل. وينضمّ إلى غاردينر المخرج مارك مايلود، وهما سبق أن تعاونا في مسلسل «Succession»، أحد أبرز الإنتاجات في تاريخ التلفزيون.

الكاتبة البريطانية جي كي رولينغ مبتكرة سلسلة روايات «هاري بوتر» (رويترز)

كم ستبلغ ميزانية مسلسل «هاري بوتر»؟

بوصفه مشروعاً أدبيّاً وسينمائياً، كان «هاري بوتر» بمثابة دجاجة تبيضُ ذهباً، وهو أحد أكثر المشاريع ربحاً في تاريخ صناعة الترفيه. لم يقتصر الأمر على الروايات التي تُرجمت إلى أكثر من 80 لغة، ولا على الأفلام، وهي رابع أعلى سلسلة سينمائية تحقيقاً للإيرادات على الإطلاق؛ بل تحوّل الساحر الصغير إلى ظاهرةٍ اقتصادية من خلال المتاجر والملاهي الخاصة به حول العالم.

لذلك، فإنه من غير المنطقي أن تبخل «HBO» وشريكتُها «وارنر» على مشروع المسلسل. ووفق بيان صادر عن الشركة، يشكّل المسلسل متعدد المواسم «أضخم حدث بثّ في تاريخ (HBO Max) وربما في تاريخ منصات البث بشكلٍ عام».

مسلسل «هاري بوتر»... أغلى إنتاج تلفزيوني على الإطلاق (إنستغرام)

وفق شبكة «سي إن إن»، فإنّ ميزانية الحلقة الواحدة من مسلسل «هاري بوتر» تبلغ 100 مليون دولار. وإذا صحّ ذلك، فسيتجاوز هذا المبلغ بأشواط تكلفة سلسلة الأفلام الأصلية بأكملها، والتي أنفقت عليها شركة «وارنر» ما يُقدّر بـ1.2 مليار دولار، ليتحوّل المسلسل بذلك إلى أغلى إنتاج تلفزيوني على الإطلاق.


في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».