بعد «مرحلة محورية»... مسؤولون أميركيون يتوقعون مسار الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يقصفون مواقع تابعة للجيش الروسي في منطقة دونباس (أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون يقصفون مواقع تابعة للجيش الروسي في منطقة دونباس (أ.ف.ب)
TT

بعد «مرحلة محورية»... مسؤولون أميركيون يتوقعون مسار الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يقصفون مواقع تابعة للجيش الروسي في منطقة دونباس (أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون يقصفون مواقع تابعة للجيش الروسي في منطقة دونباس (أ.ف.ب)

عندما غيرت روسيا حملتها العسكرية للتركيز على شرق أوكرانيا هذا الربيع، قال مسؤولون كبار في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إن الأسابيع الأربعة إلى الستة المقبلة من القتال ستحدد المسار النهائي للحرب.
لقد مر ذلك الوقت، ويؤكد المسؤولون أن الصورة أصبحت واضحة بشكل متزايد، إذ أشاروا إلى إنه من المرجح أن ينتهي الأمر بروسيا بمزيد من الأراضي، لكن لن يسيطر أي من الجانبين بشكل كامل على المنطقة حيث يواجه الجيش الروسي خصماً مسلحاً بأدوات متطورة بشكل متزايد، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».
بينما استولت روسيا على أراض في منطقة لوغانسك الواقعة في أقصى شرق البلاد، كان تقدمها يتباطأ. وفي الوقت نفسه، فإن وصول أنظمة المدفعية بعيدة المدى الأميركية، وتدريب الأوكرانيين على كيفية استخدامها، يجب أن يساعد أوكرانيا في المعارك القادمة، حسبما قال الجنرال مارك أ. ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة.
وقال الجنرال ميلي للصحافيين العائدين معه إلى الولايات المتحدة هذا الشهر بعد زيارة أوروبا: «إذا استخدموها بشكل صحيح، عملياً، فسيكون لها تأثيرات جيدة جداً على ساحة المعركة».
وأوضح مسؤولو البنتاغون أن هذا يعني أن روسيا قد لا تكون قادرة على تحقيق مكاسب مماثلة في دونيتسك المجاورة، والتي تشكل مع لوغانسك منطقة دونباس الغنية بالمعادن. تقاتل القوات الأوكرانية الانفصاليين المدعومين من روسيا في دونباس منذ 2014، عندما ضمت موسكو شبه جزيرة القرم من أوكرانيا.
بعد أسابيع من المعارك الدموية في الشرق - حيث قتل ما يصل إلى 200 جندي أوكراني يومياً، وفقاً لتقديرات الحكومة الخاصة، وخسائر مماثلة أو أعلى في صفوف القوات الروسية، وفقاً للتقديرات الغربية - تحتفظ روسيا بنفس المساحة تقريباً من الأراضي في دونيتسك كما سيطر الانفصاليون في فبراير (شباط) قبل الغزو.

*خسائر منطقة لوغانسك
يقول المسؤولون الأميركيون إنهم يتوقعون أن تستولي روسيا قريباً على منطقة لوغانسك بأكملها. قال مسؤول دفاعي إنه يتوقع سقوط مدينتي سيفيرودونتسك وليسيتشانسك في غضون أيام، حيث قصفت القوات الروسية المنطقة بالمدفعية الثقيلة و«القنابل الغبية» - ذخائر غير موجهة تسبب خسائر كبيرة في الأرواح.
وفقاً للتقارير الصادرة في نهاية الأسبوع، اخترقت القوات الروسية خط المواجهة الأوكراني في توشكيفكا، وهي بلدة تقع خارج سيفيرودونتسك وليسيتشانسك. الاستيلاء على توشكيفكا من شأنه أن يجعل الروس أقرب إلى القدرة على تهديد خطوط الإمداد الأوكرانية للمدينتين، آخر المراكز السكانية الرئيسية في لوغانسك التي لم تسقط في يد روسيا. وحتى يوم الاثنين، لم يتضح أي جانب سيطر على توشكيفكا.
أوضح مسؤولون أميركيون أن القوات البرية الروسية تقدمت ببطء، وفي بعض الحالات استغرقت أسابيع لتتحرك ميلا أو ميلين. قد يشير ذلك إلى نقص في جنود المشاة أو الحذر الإضافي من قبل موسكو بعد أن عانت من مشاكل في خطوط الإمداد في الأسابيع الأولى الكارثية من الحرب.

* «ذروة فعالية» موسكو
يقول العديد من المحللين العسكريين إن روسيا في ذروة فعاليتها القتالية في الشرق، حيث إن أنظمة المدفعية بعيدة المدى التي وعدت دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) بتقديمها لأوكرانيا لا تزال تتدفق. ويقولون إن أوكرانيا متفوقة بشكل كبير، لكنها تطالب بإمدادات عاجلة، بحسب ما أكده الرئيس فولوديمير زيلينسكي الأسبوع الماضي.
قال في خطاب ليلي: «ثمن هذه المعركة بالنسبة لنا باهظ للغاية... إنه أمر مخيف فقط. ونلفت انتباه شركائنا على أساس يومي إلى حقيقة أن عدداً كافياً فقط من المدفعية الحديثة لأوكرانيا سيضمن مصلحتنا وأخيراً وضع حد للتعذيب الروسي لدونباس الأوكرانية».
وحث وزير الدفاع الأميركي لويد جيه أوستن الحلفاء الغربيين الأسبوع الماضي على مضاعفة مساعداتهم العسكرية لأوكرانيا، محذرا من أن البلاد «تواجه مرحلة محورية في ساحة المعركة» في قتالها الذي دام قرابة أربعة أشهر مع روسيا. التقى أوستن والجنرال ميلي مع حلفاء الولايات المتحدة في بروكسل لمناقشة كيفية تقديم المزيد من المساعدة لأوكرانيا.
يتوقع مسؤولو البنتاغون أن وصول المزيد من أنظمة المدفعية بعيدة المدى سيغير ساحة المعركة في دونيتسك، إن لم يكن في لوغانسك.
قال فريدريك ب. هودجز، القائد الأعلى السابق للجيش الأميركي في أوروبا والذي يعمل الآن مع مركز تحليل السياسة الأوروبية، إن الحرب قد تستمر لعدة أشهر أخرى. لكنه توقع أن القوات الأوكرانية - مدعومة بالمدفعية الثقيلة من الغرب - ستبطئ تقدم روسيا وتبدأ في التراجع عن مكاسبها بحلول أواخر الصيف.
قال الجنرال هودجز: «الحرب هي اختبار للإرادة، والأوكرانيون لديهم إرادة متفوقة... أرى الوضع اللوجيستي الأوكراني يتحسن كل أسبوع بينما الوضع اللوجيستي الروسي يتدهور ببطء. ليس لديهم حلفاء أو أصدقاء».

*«فترة حرجة» للطرفين؟
أشار محللون عسكريون إلى أن الجيش الروسي مصمم لحملات قصيرة وعالية الكثافة يحددها الاستخدام المكثف للمدفعية - وهو ليس مستعداً لاحتلال مستدام، أو نوع من حرب الاستنزاف الطاحنة الجارية في شرق أوكرانيا.
قال مايكل كوفمان، مدير الدراسات الروسية في «سي إن إيه»، وهو معهد أبحاث في أرلينغتون بولاية فرجينيا: «هذه فترة حرجة لكلا الجانبين. ربما في الشهرين المقبلين، ستنفد كلتا القوتين. أوكرانيا لديها عجز في المعدات والذخيرة. لقد فقدت روسيا بالفعل الكثير من قوتها القتالية، وجيشها ليس مناسبا تماماً لحرب برية مستمرة بهذا الحجم والمدة».
وأفاد محللون أن روسيا ستحاول مواصلة تحقيق مكاسب إقليمية ميلا بعد ميل، ومن ثم ستقوي خطوطها الأمامية بالألغام وغيرها من الدفاعات ضد هجوم مضاد أوكراني، وهو أمر متوقع بعد وصول أنظمة المدفعية بعيدة المدى إلى ساحة المعركة.
في الأيام الأخيرة، لم تتمكن أي من القوتين من تحقيق اختراق كبير في الخطوط الأمامية لخصمها.
من جهته، أوضح كريستوفر إم دوجيرتي، المحلل الدفاعي في مركز الأمن الأميركي الجديد، في تغريدة على «تويتر» هذا الشهر، أنه رغم أن التضاريس يمكن أن تتغير، «لا يمتلك أي من الجانبين القدرة على استغلال المكاسب الطفيفة... من المحتمل الآن أن تصبح الحرب اختباراً للقدرة على التحمل».

*«سباق حاسم»
ونتيجة لذلك، قال العديد من المحللين العسكريين، إن موسكو وكييف ستسرعان في إرسال تعزيزات إلى الخطوط الأمامية.
كتب العقيد جون ب. بارانكو من سلاح مشاة البحرية، والعقيد بنجامين ج.جونسون من الجيش واللفتنانت كولونيل تايسون ويتزل من سلاح الجو في تحليل أجراه المجلس الأطلسي: «السباق لإعادة الإمداد سيكون حاسماً لكلا الجانبين».
وقال الضباط: «لتعويض خسائر الكرملين، قد يحتاج إلى اللجوء إلى إرسال آلاف المجندين الآخرين»، مضيفين أن أوكرانيا ستحتاج إلى الحفاظ على خطوطها اللوجيستية والمضي قدماً بالأسلحة الأرضية، بما في ذلك المدفعية بعيدة المدى والطائرات بدون طيار.
قدم المحللون والقادة الأميركيون السابقون توقعات متباينة حول الكيفية التي قد تتغير بها الحرب.
بدأت نقاط الضعف في موقف الجيش الأوكراني في الظهور - وهي تثير القلق. في حين توقع بعض المحللين المستقلين أن التقدم الروسي سيتوقف في سيفيرودونتسك، فإن خبراء الحكومة الأميركية ليسوا متأكدين من ذلك. يقول البعض إنهم يعتقدون أن التقدم الروسي الطاحن قد يستمر وأن الروس يمكن أن يحرزوا المزيد من التقدم قريباً في المناطق التي نجحت فيها الهجمات المضادة الأوكرانية.


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء في مجموعة متطرفة بالتحريض على هجوم الكونغرس الأميركي

أصدرت محكمة فيدرالية أميركية، الخميس، حكماً يدين 4 أعضاء من جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، أبرزهم زعيم التنظيم السابق إنريكي تاريو، بتهمة إثارة الفتنة والتآمر لمنع الرئيس الأميركي جو بايدن من تسلم منصبه بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام دونالد ترمب. وقالت المحكمة إن الجماعة؛ التي قادت حشداً عنيفاً، هاجمت مبنى «الكابيتول» في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، لكنها فشلت في التوصل إلى قرار بشأن تهمة التحريض على الفتنة لأحد المتهمين، ويدعى دومينيك بيزولا، رغم إدانته بجرائم خطيرة أخرى.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

إدانة 4 أعضاء بجماعة «براود بويز» في قضية اقتحام الكونغرس الأميركي

أدانت محكمة أميركية، الخميس، 4 أعضاء في جماعة «براود بويز» اليمينية المتطرفة، بالتآمر لإثارة الفتنة؛ للدور الذي اضطلعوا به، خلال اقتحام مناصرين للرئيس السابق دونالد ترمب، مقر الكونغرس، في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. وفي محاكمة أُجريت في العاصمة واشنطن، أُدين إنريكي تاريو، الذي سبق أن تولَّى رئاسة مجلس إدارة المنظمة، ومعه 3 أعضاء، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية. وكانت قد وُجّهت اتهامات لتاريو و4 من كبار معاونيه؛ وهم: جوزف بيغز، وإيثان نورديان، وزاكاري ريل، ودومينيك بيتسولا، بمحاولة وقف عملية المصادقة في الكونغرس على فوز الديمقراطي جو بايدن على خصمه الجمهوري دونالد ترمب، وفقاً لما نق

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

ترمب ينتقد قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز

وجّه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، الأربعاء، انتقادات لقرار الرئيس جو بايدن، عدم حضور مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث، وذلك خلال جولة يجريها الملياردير الجمهوري في اسكتلندا وإيرلندا. ويسعى ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل، ووصف قرار بايدن عدم حضور مراسم تتويج ملك بريطانيا بأنه «ينم عن عدم احترام». وسيكون الرئيس الأميركي ممثلاً بزوجته السيدة الأولى جيل بايدن، وقد أشار مسؤولون بريطانيون وأميركيون إلى أن عدم حضور سيّد البيت الأبيض التتويج يتماشى مع التقليد المتّبع بما أن أي رئيس أميركي لم يحضر أي مراسم تتويج ملكية في بريطانيا. وتعود آخر مراسم تتويج في بري

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

لا تقل خطورة عن الإدمان... الوحدة أشد قتلاً من التدخين والسمنة

هناك شعور مرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية والاكتئاب والسكري والوفاة المبكرة والجريمة أيضاً في الولايات المتحدة، وهو الشعور بالوحدة أو العزلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بعد التأجيل بسبب حرب إيران... ترمب يزور الصين منتصف مايو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

بعد التأجيل بسبب حرب إيران... ترمب يزور الصين منتصف مايو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن البيت الأبيض، اليوم (الأربعاء)، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيزور الصين في زيارة دولة يومي 14 و15 مايو (أيار)، حيث سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ، على أن يقوم الأخير بزيارة متبادلة إلى واشنطن في موعد لاحق، وفق ما أفادت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت للصحافيين يوم الأربعاء.

وكان من المقرر أن تُجرى الزيارة الأسبوع المقبل، لكنها تأجلت في ظل الحرب المستمرة التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.


استطلاعات الرأي الأميركية تكشف انقساماً حاداً حول حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

استطلاعات الرأي الأميركية تكشف انقساماً حاداً حول حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

في الوقت الذي دخل فيه الصراع الأميركي - الإسرائيلي مع إيران أسبوعه الرابع، أظهرت استطلاعات جديدة للرأي العام الأميركي صورة واضحة لانقسام سياسي واجتماعي عميق داخل الولايات المتحدة. وكشفت عن واقع معقّد: فالأميركيون يريدون منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنهم يرفضون الانخراط في حرب طويلة ترفع أسعار البنزين وتُعرّض قواتهم للخطر.

وتُظهر النتائج أن الرئيس ترمب لا يزال يحظى بدعم مستقر داخل قاعدته من حركة «ماغا»، لكن الغالبية ترى أن التصعيد العسكري ضد إيران مفرط، وتدعو إلى إشراك الحلفاء أو العودة إلى المسار الدبلوماسي. ويرى محللو الاستطلاعات أن مهلة الأيام الخمسة التي أعلنها ترمب للمحادثات قد تكون حاسمة: إما أن تُحوّل القلق الشعبي إلى دعم لتسوية، وإما تُعيد التصعيد وتُفاقم الاستياء الذي بدأ يتحوّل إلى «عبء سياسي» حقيقي على الإدارة الجمهورية قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ويشير استطلاع «إيكونوميست - يوغوف» الذي أُجري هذا الأسبوع، واستطلاع «أسوشييتد برس - نورك» الذي أُجري بين 19 و23 مارس (آذار) 2026، إلى توافق في النتائج؛ إذ يربط معظم الأميركيين الحرب مباشرة بارتفاع أسعار البنزين، ويعدون التصعيد العسكري «مفرطاً»، فيما يظل الرئيس دونالد ترمب يحظى بدعم محدود لكنه مستقر نسبياً.

ويُظهر استطلاع «إيكونوميست - يوغوف» أن 55 في المائة من الأميركيين يرفضون تعامل ترمب مع الصراع مع إيران (مقابل دعم 36 في المائة)، وهي نسبة قريبة جداً من نتائج الأسبوع الماضي التي بلغت 56 في المائة. أما النتيجة الأبرز فهي أن «تقريباً جميع الأميركيين» يرون أن الصراع يرفع أسعار البنزين: 69 في المائة يعتقدون بوجود ارتفاع «كبير جداً»، و20 في المائة يرون ارتفاعاً «قليلاً»، فيما لا يتوقع أحد تقريباً انخفاض الأسعار.

هل يتراجع ترمب عن أهدافه؟

في الاستطلاع نفسه، يتوقع 49 في المائة من الأميركيين أن ترمب «لن يتراجع مبكراً» عن تحقيق أهداف الولايات المتحدة، مقابل 21 في المائة فقط يتوقعون تراجعه. ويظهر الانقسام الحزبي بوضوح: 71 في المائة من الجمهوريين يعتقدون أنه لن يتراجع، بينما ينقسم الديمقراطيون (36 في المائة مقابل 31 في المائة).

أما استطلاع «أسوشييتد برس - نورك» فيؤكد هذه الصورة ويُعمّقها، مشيراً إلى أن 59 في المائة من الأميركيين يقولون إن «التصعيد العسكري الأميركي ضد إيران قد تجاوز الحد». كما ارتفع القلق بشأن قدرة الأسر الأميركية على شراء البنزين إلى 45 في المائة (مقابل 30 في المائة باستطلاع سابق بعد فوز ترمب).

ومع ذلك، يحظى هدف «منع إيران من الحصول على سلاح نووي» بتأييد واسع، إذ يرى ثلثا الأميركيين أنه هدف «مهم جداً» أو «مهم». لكن الهدف المقابل، وهو الحفاظ على انخفاض أسعار النفط والغاز، يحظى بتأييد مماثل، ما يضع البيت الأبيض أمام معادلة صعبة، وفقاً للمحللين.

الحلفاء ومضيق هرمز

ويبرز الاستطلاعان أيضاً موقفاً واضحاً تجاه حلفاء الولايات المتحدة؛ ففي استطلاع «إيكونوميست - يوغوف»، يقول 56 في المائة من الأميركيين إن الولايات المتحدة «تحتاج إلى مساعدة الحلفاء» (60 في المائة من الديمقراطيين و57 في المائة من الجمهوريين)، وأنه لا ينبغي لها التحرك بمفردها في ملف إيران. كما يرى كثيرون أن على الدول الأخرى تحمّل مسؤولية المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، إذ يعتقد 40 في المائة أن «الدول الأخرى مسؤولة عن مساعدة الولايات المتحدة في منع إيران من إغلاق المضيق»، مقابل 15 في المائة فقط يرون أن المسؤولية تقع على واشنطن وحدها.

لكن عند السؤال عمّا إذا كان ينبغي للحلفاء الاستجابة لطلب أميركي، ينخفض التأييد إلى 47 في المائة، ويرتفع الرفض إلى 26 في المائة، خصوصاً بين الديمقراطيين (44 في المائة) والمستقلين (30 في المائة).

ويُظهر الاستطلاع أيضاً انقساماً لافتاً داخل الجمهوريين؛ إذ يؤيد نحو 90 في المائة من أنصار «ماغا» مطالبة الحلفاء بالمساعدة، مقابل 62 في المائة فقط من الجمهوريين غير المنتمين للحركة. وفي المقابل، يؤيد 61 في المائة من الأميركيين أن «تساعد الولايات المتحدة حلفاءها إذا طلبوا»، وترتفع هذه النسبة بين الجمهوريين (76 في المائة) وتصل إلى 81 في المائة بين مؤيدي «ماغا».

من يستفيد من الحرب؟

أما بشأن من «يستفيد» من الحرب، فيُظهر استطلاع «إيكونوميست - يوغوف» أن غالبية الأميركيين (55 في المائة) يرون أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر، بينما يعتقد 48 في المائة أن ترمب سيستغلّ الوضع لصالحه. في المقابل، يرى 59 في المائة أن الولايات المتحدة «ستتضرّر» من الحرب، و66 في المائة أن «الشعب الإيراني سيتضرّر»، و80 في المائة أن إيران ستتضرر. كما يؤكد 81 في المائة من الأميركيين أن «الشعب الإيراني يجب أن يقرر من يحكمه».

وتنقسم الآراء حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستجني نفعاً أم ستتضرر من الحرب بشكل حاد وفق الانتماء الحزبي؛ إذ يرى غالبية الديمقراطيين (83 في المائة) ومن المستقلين (64 في المائة) أن الولايات المتحدة ستتضرر، مقابل 29 في المائة فقط من الجمهوريين. وعلى الجانب الآخر، يرى نحو نصف الجمهوريين (52 في المائة) أن الولايات المتحدة ستجني نفعاً من الحرب، بينهم 65 في المائة من مؤيدي «ماغا»، مقابل 27 في المائة فقط من الجمهوريين غير المؤيدين للحركة.


بعد «هدنة الانشغال» بإيران... روسيا تُصعّد في أوكرانيا

أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

بعد «هدنة الانشغال» بإيران... روسيا تُصعّد في أوكرانيا

أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)

بعد نحو 3 أسابيع بدت فيها الحرب الأوكرانية كأنها تراجعت إلى المرتبة الثانية في سُلّم الاهتمام الأميركي والدولي بسبب حرب إيران، عادت الجبهة لتفرض نفسها مجدداً، ولكن في ظروف معقّدة بالنسبة إلى كييف.

فروسيا لم تتعامل مع انشغال واشنطن بوصفه فراغاً عابراً فقط، بل على أنه نافذة لزيادة الضغط العسكري وتثبيت منطق تفاوضي أكبر تشدداً: تصعيد واسع بالطائرات المسيّرة والصواريخ، ومحاولة انتزاع مكاسب ميدانية في دونيتسك وزابوريجيا، مع الإيحاء في الوقت نفسه بأنها ما زالت «منفتحة» على التفاوض مع الولايات المتحدة، ولكن وفق شروطها.

هذا التزامن بين التصعيد العسكري والمرونة الدبلوماسية الشكلية هو ما يفسر دعوات الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، مواطنيه إلى الاستعداد لحرب قد تمتد سنوات أخرى، في وقت تخشى فيه كييف أن تتحول حرب الاستنزاف إلى واقع ثابت لا مجرد احتمال نظري. وفي هذا السياق، يكتسب حديث جون هاردي، الباحث بالشأن الروسي في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، لـ«الشرق الأوسط»، أهمية خاصة؛ إذ يقول إن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، «أظهر باستمرار عدم استعداده لتسوية ذات مغزى، ومع انتقال اهتمام الولايات المتحدة ومواردها الآن إلى الشرق الأوسط، ومع جني روسيا مزيداً من الأموال من مبيعات النفط، فقد يصبح بوتين أشد تصلباً».

موسكو تستثمر انشغال واشنطن

المؤشرات الميدانية خلال الأيام الأخيرة توحي بأن موسكو قرّرت استئناف المبادرة بعد فترة جمود نسبي. فالتقارير الغربية تتحدث عن هجوم روسي ربيعي جديد يركز على ما يسمى «حزام القلاع» في شرق دونيتسك، مع ضغط قرب سلوفيانسك وبوكروفسك وكوستيانتينيفكا، فيما بدا أن الكرملين يستثمر تباطؤ الدبلوماسية الأميركية وانشغال واشنطن بحرب إيران. ويرى خبراء أن موسكو جمّدت مسار التفاوض حتى تعود الولايات المتحدة إلى التركيز على الملف الأوكراني، لا من أجل تقديم تنازلات، بل من أجل استئناف التفاوض من موقع قوة أكبر.

عناصر إنقاذ يعملون على إخماد حرائق جراء هجوم روسي على مدينة خاركيف الأوكرانية يوم 25 مارس 2026 (أ.ب)

والأهم أن الكرملين لم يبدل مطالبه الأساسية، فما زالت موسكو تتمسك بمنع انضمام أوكرانيا إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وبانسحاب كييف من 4 مناطق تسيطر عليها قوات موالية لموسكو، وهما شرطان ضمن شروط تراها أوكرانيا أقرب إلى إملاءات استسلام منها إلى صيغة تسوية. وحتى حين يُكرّر المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، أن بلاده ما زالت على اتصال بالولايات المتحدة بشأن التسوية، فإن ذلك لا يقترن بأي خفض للسقف السياسي أو العسكري. لذلك؛ يبدو أن «الانفتاح» الروسي على التفاوض ليس بديلاً للتصعيد، بل امتداد له بوسائل أخرى.

ومن هنا، يمكن فهم القلق الأوكراني من أن تكون حرب إيران قد منحت موسكو امتيازات سياسية ومالية وعسكرية معاً. فارتفاع عائدات النفط، وتباطؤ تدفق بعض الأسلحة، وتراجع التركيز الغربي على الجبهة الأوكرانية... كلها عوامل تصب في مصلحة روسيا. وهذا ما التقطه جون هاردي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، حين ربط بين انشغال الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط، وازدياد تصلب بوتين، بما يوحي بأن الكرملين يرى في اللحظة الحالية فرصة لتشديد الشروط لا تليينها.

المسيّرات في قلب المعركة

الحدث الأبرز في عودة الحرب إلى الواجهة كان الهجوم الروسي الكثيف هذا الأسبوع. فقد شنّت روسيا إحدى أضخم موجات الهجمات بالطائرات المسيّرة منذ بدء الحرب، مُستخدمة مئات المسيّرات خلال أقل من 24 ساعة، في رسالة تتجاوز البُعد العسكري البحت إلى الضغط النفسي والسياسي. فاستهداف المدن والمستشفيات والمباني السكنية ومواقع ثقافية، وفق كييف، يهدف أيضاً إلى تكريس فكرة أنه لا تهدئة مجانية، وأن لا موقع آمناً إطلاقاً داخل أوكرانيا.

فني من شركة أوكرانية مختصة بإنتاج المسيرات خلال عرضها داخل موقع غير محدد في أوكرانيا يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وهنا تظهر وظيفة المُسيّرات في الحرب الحالية بوصفها أكثر من مجرد أداة مساندة. فروسيا تستخدمها على مستويين متوازيين: استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية، وفرض ضغط يومي على المجتمع والاقتصاد والبنية التحتية. وحتى إذا تمكّنت كييف من اعتراض نسبة كبيرة منها، فإن مجرد إطلاق هذا الكم يخلق معركة استنزاف في الذخائر والاعتراض والجاهزية. بهذا المعنى، تحولت المسيّرات إلى أداة منخفضة التكلفة نسبياً وعالية التأثير في حرب طويلة النفس.

في المقابل، تسرّع أوكرانيا من إجراءات إنتاج وتوظيف المسيرات. وفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد طورت ما تشبه «سوقاً إلكترونية» عسكرية تسمح للوحدات باختيار المسيّرات التي تحتاجها مباشرة، في خروج واضح على البيروقراطية التقليدية المركزية في التسليح. غير أن هذا الابتكار، على أهميته، لا يلغي المشكلة الأعمق: نقص المال، والذخائر، والدفاعات الجوية، والمقاتلين. أي إن أوكرانيا تحاول تعويض الاختلال في الموارد بالمرونة والتكيّف، لكن قدرتها على فعل ذلك تبقى مرتبطة باستمرار الدعم الغربي.

لا سلام قريباً

في التعليقات السياسية والإعلامية، تتشكّل صورة تكاد تكون شبه جامعة: لا أحد يرى اختراقاً قريباً. زيلينسكي شدد على أن الحرب في إيران تشجع روسيا، وأن حجم القصف الروسي يؤكد غياب أي نية حقيقية لإنهاء الحرب. هذا الخطاب لا يعكس مجرد تعبئة معنوية داخلية، بل قناعة متصاعدة في كييف بأن الدبلوماسية من دون ضغطٍ عسكري ودعم غربي فعليٍ قد تتحول مظلة تتيح لموسكو إعادة التموضع فقط.

أقارب وأصدقاء جنود أوكرانيين خلال وقفة احتجاجية في كييف يوم 25 مارس 2026 (رويترز)

ومن الجانب الأميركي، فقد نقلت «رويترز» عن مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، قولها أمام المشرعين إن روسيا تملك اليد العليا حالياً، وإن حرب الاستنزاف تبقى استراتيجيتها المرجحة ما لم يُتوصل إلى اتفاق. لكن المشكلة أن أي اتفاق يبدو بعيداً في ضوء الشروط الروسية الحالية، وفي ضوء اقتناع بوتين بأنه يستطيع الصمود أطول والاستفادة من عامل الوقت.

وهنا يرى جون هاردي أن بوتين غير مستعد لتسوية جدية، «بل يربط تشدده الإضافي بتحول الأولويات الأميركية وارتفاع مداخيل روسيا النفطية». وهذا يعني أن المسار الأرجح الآن ليس سلاماً وشيكاً، بل جولة أشد قسوة من الحرب الطويلة: مفاوضات متقطعة، وشروط روسية قاسية، ومسيّرات تملأ السماء، فيما يراهن كل طرف على إنهاك الآخر قبل أن يقتنع بتقديم التنازل.