كيف يمكن لأميركا تطهير مضيق هرمز من الألغام؟

سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)
سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)
TT

كيف يمكن لأميركا تطهير مضيق هرمز من الألغام؟

سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)
سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)

مع بدء الولايات المتحدة مهمة إزالة الألغام من مضيق هرمز، قد تلجأ إلى ترسانة من المسيّرات والروبوتات الملغومة والطائرات الهليكوبتر للحدّ من المخاطر، إلا أن فرق إزالة الألغام ربما تظل عرضة للهجمات الإيرانية، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وتحاول الولايات المتحدة تطهير المضيق من الألغام، في إطار جهود وضع حدّ لعرقلة إيران حركة الملاحة في الممر المائي، التي أدّت إلى تعطل إمدادات الطاقة العالمية بشدة منذ بدء حرب أميركا وإسرائيل مع إيران في نهاية فبراير (شباط).

لكن مع استعانة الولايات المتحدة بالتكنولوجيا الحديثة للبحث عن الألغام وإزالتها عن بُعد، يرى ضباط سابقون في البحرية ومتخصصون في هذا المجال أن تطهير ممر مائي استراتيجي مثل مضيق هرمز من الألغام سيظل عملية بطيئة ومتعددة الخطوات.

وأعلن الجيش الأميركي مطلع هذا الأسبوع بدء عملية إزالة الألغام، حيث أرسل سفينتين حربيتين عبر المضيق، لكنه لم يقدّم سوى القليل من التفاصيل بشأن المعدات المستخدمة. وقال يوم السبت إن قوات إضافية، بما في ذلك مسيّرات تعمل تحت الماء، ستنضم إلى هذه الجهود في الأيام المقبلة.

وكانت «رويترز» نقلت الشهر الماضي عن مصادر مطلعة قولها، إن إيران نشرت مؤخراً نحو 12 لغماً في مضيق هرمز. ومن غير المعروف بشكل علني موقع تلك الألغام.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مطلع هذا الأسبوع، إن جميع سفن إيران التي تزرع الألغام تم إغراقها، لكن بعض المتخصصين يقولون إن هناك خطراً من أن تكون طهران نشرت معدات إضافية.

وقال الأميرال السابق بالبحرية البريطانية، جون بنتريث، الذي تقاعد ويعمل حالياً مستشاراً، إن حرب الألغام فعّالة لأن الأدوات رخيصة، وإزالتها مكلفة، «حتى مجرد التهديد بوجود حقل ألغام يكفي لإيقاف السفن، خاصة السفن التجارية».

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 12 أبريل 2026 (رويترز)

تطور عمليات إزالة الألغام

تقليدياً، كانت البحرية الأميركية تعتمد على سفن إزالة الألغام المأهولة التي تدخل حقول الألغام فعلياً، مستخدمة أجهزة السونار لتحديد مواقع الألغام ومعدات ميكانيكية تُسحب خلف السفينة لإزالة المتفجرات، مدعومة أحياناً بغواصين بشريين. ومعظم هذه النوعية خرجت من الخدمة.

وجرى استبدالها بسفن أخفّ وزناً تُعرف باسم سفن القتال الساحلية، التي تحمل معدات حديثة لكشف الألغام مثل المسيّرات التي تعمل بشكل شبه ذاتي فوق الماء وتحته، بالإضافة إلى الروبوتات التي يتم التحكم فيها عن بُعد، والتي تتيح للطواقم الابتعاد عن حقل الألغام. ولدى البحرية الأميركية 3 سفن من هذا النوع قيد الانتشار.

وأفاد مسؤول أميركي رفيع المستوى لوكالة «رويترز» في أواخر مارس (آذار)، بأن اثنتين من هذه السفن تخضعان للصيانة في سنغافورة. وأضاف المسؤول أنه في ذلك الوقت كانت قدرات الولايات المتحدة على إزالة الألغام في الشرق الأوسط تشمل مركبات غير مأهولة تحت الماء، و4 سفن تقليدية من فئة «أفنجر»، وطائرات هليكوبتر، وغواصين.

ويرى مسؤولون سابقون في البحرية ومتخصصون آخرون أن طهران لديها عدة أنواع من الألغام البحرية. تشمل الألغام القاعية التي تستقر على قاع البحر، وتنفجر عندما تمر السفن فوقها، والألغام المربوطة التي يتم تثبيتها، لكنها تطفو بالقرب من السطح، والألغام العائمة التي تتحرك بحرية على الماء، والألغام اللاصقة التي تلتصق مباشرة ببدن السفينة.

ومن المرجح أن تتضمن العملية الأميركية البحث عن الألغام باستخدام مركبات سطحية وتحت مائية غير مأهولة مزودة بأجهزة استشعار. وبمجرد اكتشاف جسم يشبه اللغم، يتم عادة نقل البيانات إلى الطواقم العاملة خارج حقل الألغام، التي تتعرف على الجهاز. ثم تحدد كيفية تحييده.

وتشمل قدرات البحث لدى البحرية الآن مركبات سطحية وتحت مائية غير مأهولة مزودة بأجهزة سونار، بالإضافة إلى طائرات هليكوبتر تُستخدم لاكتشاف الألغام القريبة من السطح، وفقاً لما ذكره مسؤولون سابقون في البحرية.

وذكرت شركة «بي إيه إي سيستمز»، المتخصصة في مجال الصناعات الدفاعية، أنه من أجل نجاح البحرية في تدمير الألغام سيتعيّن عليها نشر أنظمة مثل «أرشرفيش» طوربيديّ الشكل، المعتمد على جهاز يتم تشغيله عن بُعد يبلغ طوله نحو مترين، ويحمل شحنة متفجرة، ويرسل مقاطع فيديو إلى المشغلين عبر كابل. وتبلغ تكلفته عشرات الآلاف من الدولارات، وهو معدّ للاستخدام مرة واحدة.

وقال بريان كلارك، ضابط البحرية الأميركية المتقاعد والحاصل على درجة الزمالة من «معهد هدسون»، إن الولايات المتحدة يمكنها أيضاً استخدام قوارب مسيّرة تسحب زلاجات لإزالة الألغام تعمل على تفجيرها أو جمعها. ويقول المتخصصون إنه يتم أحياناً استخدام غواصين بشريين، بما في ذلك لجمع المعلومات الاستخباراتية.

عملية بطيئة

وقال كلارك إن تطهير المضيق من الألغام قد يستغرق أسبوعين أو 3 أسابيع، وقد تؤدي هجمات إيرانية على طواقم إزالة الألغام إلى إبطاء العملية وزيادة المخاطر. ونتيجة لذلك، قال إن الجيش الأميركي قد يتخذ تدابير دفاعية، منها نشر الزوارق والطائرات المسيّرة لحماية الطواقم والمعدات.

وقال الأميرال الأميركي داريل كاودل، رئيس العمليات البحرية، في مارس، إن «العثور على الألغام وتدميرها يستغرق وقتاً طويلاً». وأضاف أن ذلك يجعل القدرة على إزالة الألغام «ضعيفة».

ويقول متخصصون إن هناك تقنيات جديدة قيد التطوير لتسريع عملية إزالة الألغام، خصوصاً من خلال التطورات في أجهزة الاستشعار المستخدمة في الرصد.

وتقول مجموعة تاليس الفرنسية للتكنولوجيا والدفاع إن أحدث أجهزة السونار الخاصة بها يمكنها فحص ما يشتبه أنها ألغام من 3 زوايا مختلفة في مسح واحد، وهي عملية تتطلب عادة عدة مسحات.

كما تتيح التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي إجراء مزيد من تحليلات البيانات على متن السفن غير المأهولة.

وعلى المدى الطويل، يصل سقف الطموح إلى نشر مجموعات من الأنظمة غير المأهولة التي يمكنها البحث عن الألغام وتحديدها وتدميرها، بدلاً من أن تكون عملية متعددة الخطوات.


مقالات ذات صلة

واشنطن تتحدّث عن فقدان إيران السيطرة على «هرمز»

شؤون إقليمية قارب يمر بجانب ناقلة نفط في مضيق هرمز قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 وفي الإطار نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ف.ب - أ.ب)

واشنطن تتحدّث عن فقدان إيران السيطرة على «هرمز»

بينما تقول واشنطن إن إيران «فقدت السيطرة الكاملة» على المضيق، تتمسك طهران بموقفها القائل إن استعادة الملاحة الطبيعية مرتبطة بتنفيذ شروط إيرانية وضمانات أميركية.

الولايات المتحدة​ كريستا بايك في ولاية تينيسي 12 يناير 2023 (أ.ف.ب)

في واقعة غير مسبوقة... أميركية تستعيد وعيها بعد فشل تنفيذ حكم الإعدام عليها

قال محامو كريستا بايك التي نجت من محاولتيْ إعدام بالحقنة القاتلة في سجن بتينيسي، إنها «استعادت وعيها وبإمكانها التحدث»، بعد ستة أيام من فشل عملية إعدامها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية نائب الرئيس جيه دي فانس يخطب أمام المناصرين الجمهوريين (أ.ب)

فانس: على إيران خفض قدرات تخصيب اليورانيوم «جوهرياً» لإنهاء الحرب

قال جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في مقابلة حصرية مع «رويترز»، إن على إيران أن تُجري خفضاً «جوهرياً» لقدراتها في تخصيب ​اليورانيوم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) يصافح نظيره الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

روسيا: منفتحون على محادثات بين بوتين وترمب وشي على هامش قمة «أبك»

كشف مستشار ​السياسة الخارجية في الكرملين إن روسيا مهتمة بعقد اجتماع ثلاثي محتمل بين ‌الرئيس فلاديمير ‌بوتين ​ونظيريه الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​والصيني شي جينبينغ.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك يوم 6 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

روبيو يؤكد أهمية آيسلندا لأمن أميركا والحلفاء

شدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أهمية آيسلندا لأمن الولايات المتحدة والحلفاء مع سعي واشنطن إلى تعزيز نفوذها في المنطقة القطبية الشمالية.

«الشرق الأوسط» (ريكيافيك)

في واقعة غير مسبوقة... أميركية تستعيد وعيها بعد فشل تنفيذ حكم الإعدام عليها

كريستا بايك في ولاية تينيسي 12 يناير 2023 (أ.ف.ب)
كريستا بايك في ولاية تينيسي 12 يناير 2023 (أ.ف.ب)
TT

في واقعة غير مسبوقة... أميركية تستعيد وعيها بعد فشل تنفيذ حكم الإعدام عليها

كريستا بايك في ولاية تينيسي 12 يناير 2023 (أ.ف.ب)
كريستا بايك في ولاية تينيسي 12 يناير 2023 (أ.ف.ب)

قال محامو كريستا بايك، التي نجت من محاولتيْ إعدام بالحقنة القاتلة في سجن بتينيسي، الثلاثاء، إنها «استعادت وعيها وبإمكانها التحدث»، بعد ستة أيام من فشل عملية إعدامها، في واقعة غير مسبوقة.

وأكد محاموها، في بيان: «خلافاً لكل التوقعات، كريستا بايك واعية، وبإمكانها التحدث، وتُواصل تلقي رعاية طبية حيوية».

ونجت كريستا بايك (50 عاماً)، التي كان من المفترض أن تكون أول امرأة تُنفّذ في حقّها العقوبة القصوى منذ أكثر من مائتي عام في ولاية تينيسي الجنوبية، مساء الأربعاء، من عملية حقن بجرعتين قاتلتين من عقّار بنتوباربيتال؛ وهو مادة قوية من فئة الباربيتوراتن، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت منذ ذلك الحين في حالة حرِجة وموصَّلة بجهاز للتنفس الاصطناعي، وفقاً للمعلومات المقتضَبة التي قدّمها محاموها، الذين لم يُسمَح لهم بزيارتها في المستشفى.

صورة التُقطت في 4 ديسمبر 2007 تُظهر كريستا بايك المحكوم عليها بالإعدام وهي تدخل المحكمة الجنائية في مقاطعة نوكس بمدينة نوكسفيل بولاية تينيسي الأميركية (رويترز)

وأضاف محاموها، في البيان: «نواصل مطالبة حاكم ولاية تينيسي بتخفيف عقوبتها إلى السجن مدى الحياة دون إمكان الإفراج عنها»، مذكّرين بأشكال العنف المروّعة، ولا سيما العنف الجنسي، التي تعرضت لها كريستا بايك منذ الصغر، وبتمضيتها «نحو 30 عاماً في الحبس الانفرادي» في «عنبر المحكوم عليهم بالإعدام».

«واقعة غير مسبوقة»

من جانبها، قالت ديبورا دينو، وهي خبيرة في علم الجريمة وأستاذة في كلية الحقوق بجامعة فوردهام، إنها تشعر بـ«ذهول تام»، لكون بايك واعية وقادرة على الكلام.

وأوضحت دينو، لشبكة «بي بي سي» البريطانية، أنه كانت هناك سبع حالات أخرى نجا فيها سُجناء من عمليات إعدام، لكن في تلك الحالات، لم يتمكن القائمون على الإعدام من حقن أي شيء في أوردة السجناء. وأكدت أن بايك «هي الشخص الوحيد الذي حُقن، بالفعل، بنوع من السموم».

وأضافت دينو: «لقد فعلوا كل ما كان ينبغي عليهم فعله كجزء من عملية الإعدام، لكن الأمر ببساطة لم ينجح. لم يحدث هذا من قبل قط».

وفي حديثه لبرنامج «توداي» (Today) على إذاعة «راديو 4»، قال صحافي محلي شهد محاولة الإعدام إنه هو الآخر لا يعرف بوجود «سابقة مماثلة تماماً».

وأكد ستيفن هيل، الصحافي بصحيفة «ناشفيل بانر»، أن القضية تثير تساؤلات عدة؛ منها: «كيف يكون شعور عائلة الضحية التي قِيل لها طوال 30 عاماً: (سنحقق لكم العدالة)، وأن العدالة تتمثل في إعدامنا كريستا بايك؟».

والدة ضحية جريمة القتل كولين سليمير تغادر «مؤسسة ريفر بند» (Riverbend) شديدة الحراسة في أعقاب قرار بوقف تنفيذ حكم الإعدام الذي كان مقرراً بحق كريستا بايك (أ.ب)

ما الخطوة التالية؟

لم تعلن السلطات بعدُ ما إذا كانت ستحاول إعدام بايك مرة أخرى، كما لم يقدموا تفسيراً لما حدث من خلل بعد حقنها مرتين بمادة «البنتوباربيتال» الكيميائية.

وقد علّق حاكم ولاية تينيسي، بيل لي، جميع عمليات الإعدام لِما تبقى من العام، في حين صرح رئيس مصلحة السجون بالولاية، خلال عطلة نهاية الأسبوع، بأنه يعتزم الاستقالة.

صورة التُقطت في 30 مارس 1996 تُظهر كريستا بايك أثناء اقتيادها خارج المحكمة الجنائية لمقاطعة نوكس في نوكسفيل بولاية تينيسي الأميركية عقب الحكم عليها بالإعدام بتهمة قتل كولين سليمير (رويترز)

وكانت «بايك» تبلغ من العمر 18 عاماً عندما قامت هي وصديقها آنذاك، «تاداريل شيب»، بضرب وتعذيب وقتل «كولين سليمير» (19 عاماً)، التي كانا قد التقيا بها في معسكر للتدريب المهني مخصص للمراهقين الذين يواجهون مشكلات سلوكية.

أما «شيب» فكان يبلغ من العمر 17 عاماً آنذاك، مما يعني أنه نجا من عقوبة الإعدام لدوره في الهجوم؛ لكونه لم يكن قد بلغ السن القانونية للرشد في ذلك الوقت؛ ولا يزال يقضي عقوبته في السجن.


أميركا تكثّف الضغط على روسيا بشأن وفاة في مختبر للطاعون بسيبيريا

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال مشاركته في الجلسة الافتتاحية للحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واليونان في وزارة الخارجية بأثينا (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال مشاركته في الجلسة الافتتاحية للحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واليونان في وزارة الخارجية بأثينا (أ.ب)
TT

أميركا تكثّف الضغط على روسيا بشأن وفاة في مختبر للطاعون بسيبيريا

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال مشاركته في الجلسة الافتتاحية للحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واليونان في وزارة الخارجية بأثينا (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال مشاركته في الجلسة الافتتاحية للحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واليونان في وزارة الخارجية بأثينا (أ.ب)

حذّرت الولايات المتحدة موسكو من أن امتناعها عن الكشف عن تفاصيل وفاة عامل مختبر في مركز أبحاث الطاعون في سيبيريا يتعارض مع التزاماتها الصحية الدولية، وفقاً لما أفاد به مسؤولون أميركيون.

ويقول مسؤولون أميركيون إن روسيا لم تُقدّم إلى الولايات المتحدة سوى معلومات قليلة حول هذه الحادثة الغامضة، التي أثارت مخاوف من احتمال انتشار مرض معدٍ داخل روسيا وخارج حدودها. ويُعدّ هذا مصدراً آخر للتوتر بين روسيا والولايات المتحدة، في الوقت الذي يسعى فيه ترمب إلى تحسين العلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإحراز تقدم في الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفقاً لما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال».

معلومات محدودة للغاية

وصرح الرئيس ترمب للصحافيين في البيت الأبيض بأنه سيُجري اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «قريباً». وعندما سُئل عما تُخبره به وكالات الاستخبارات الأميركية بشأن الحادثة، قال الرئيس إنه سيتمكن من مشاركة المزيد اليوم (الأربعاء).

وصرّح وزير الخارجية ماركو روبيو، أمس (الثلاثاء)، بأن المعلومات التي شاركتها موسكو «لا تزال محدودة للغاية». وأضاف روبيو، الذي كان في آيسلندا لمناقشة التعاون الأمني ​​في القطب الشمالي: «نشجع روسيا على الشفافية ومشاركة المزيد من المعلومات مع العالم، حتى نتمكن جميعاً من الاستجابة بالشكل المناسب. ربما لا يوجد شيء هناك. ربما يكون الأمر أكبر مما كنا نتصور. لا نعلم».

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن الوزارة طلبت رسمياً معلومات إضافية من الحكومة الروسية، وهي على اتصال رسمي مع دول أخرى حول العالم لتبادل المعلومات. بعد أربعة أيام من وفاة المرأة، التي ورد اسمها في تقارير إعلامية محلية باسم داريا شيبيلوفا، لم تكشف السلطات الروسية بعد عن السبب الدقيق لوفاتها، واكتفت بالقول إنها تُوفيت بسبب الالتهاب الرئوي. وقد أثار هذا الغموض تكهنات بأن عملها المخبري أدى إلى تعرضها لمسبب مرض قاتل، وأثار تساؤلات حول ما إذا كانت روسيا قد بذلت ما يكفي لاحتواء ما وصفته السلطات بمرض معدٍ.

وبموجب اتفاقية الصحة العالمية لعام 2005، والمعروفة باسم اللوائح الصحية الدولية، تُلزم الدول بإخطار منظمة الصحة العالمية في غضون 24 ساعة من أي حدث قد يتحول إلى حالة طوارئ صحية عامة دولية. ينص الاتفاق أيضاً على إلزام الدول الموقعة بتقديم تحديثات مفصلة، ​​تشمل نتائج التحاليل المخبرية والإجراءات المتخذة لاحتواء التهديد.

وفي حين قدمت موسكو بعض المعلومات لمنظمة الصحة العالمية، فإنها لم تجب بعد عن أسئلة أساسية حول الحالة، بما في ذلك أنواع الفحوصات التي أُجريت.

وصرح حاكم إيركوتسك، إيغور كوبزيف، في وقت سابق من هذا الأسبوع، بأن المختصين أجروا تحليلات مخبرية شاملة على جثة المرأة، ولم يجدوا أي «كائنات دقيقة مرتبطة بنشاطها المهني».

وأكد إيغور كوبزيف أن تحليلات جثة المرأة لم تجد أي كائنات دقيقة مرتبطة بعملها. وقالت منظمة الصحة العالمية إن حالة الطاعون الرئوي المحتملة في روسيا تشكل خطراً «منخفضاً جداً» خارج البلاد.

وكانت إدارة ترمب قد سحبت الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية في وقت سابق من هذا العام، ويعود ذلك جزئياً إلى تعامل المنظمة مع جائحة «كوفيد-19».

الشفافية وتهدئة المخاوف!

يقول الخبراء إنه ينبغي على روسيا مشاركة المعلومات حول الحادثة المميتة، حتى لو أصرت موسكو على عدم وجود خطر حدوث حالة طوارئ أوسع نطاقاً تستدعي الإبلاغ.

وقالت هايلي سيفرانس، مستشارة السياسات السابقة في وزارة الدفاع الأميركية، خبيرة السياسة البيولوجية العالمية في مبادرة التهديد النووي، وهي منظمة أمنية غير ربحية: «إنّ توفير أكبر قدر ممكن من الشفافية سيساعد في تهدئة المخاوف من انتشار دولي أوسع».

وقد صرّحت هيئة حماية المستهلك الروسية، التي تُشرف على المختبر الذي كانت تعمل فيه، بأنّ سبب وفاتها هو الالتهاب الرئوي «غير المعروف». ومنذ إصابتها، وُضع المخالطون لها تحت المراقبة الطبية. والثلاثاء، أعلنت السلطات عن وجود أدلة على إصابة بعض المخالطين لها بفيروسي «كوفيد-19» ونزلة البرد.

برنامج الأسلحة الجرثومية

وتقول وزارة الخارجية الأميركية إن روسيا لا تزال تمتلك برنامجاً للأسلحة الجرثومية ينتهك اتفاقية الأسلحة البيولوجية.

وذكرت وزارة الخارجية الأميركية، في تقرير صدر عام 2025، أن «روسيا ورثت برنامجاً هجومياً سابقاً للبحث والتطوير البيولوجي من الاتحاد السوفياتي». وأضافت: «ترى الولايات المتحدة أن البرنامج السوفياتي قد تم استيعابه، لا تفكيكه، من قِبل الاتحاد الروسي، وأن البرنامج استمر وتطور».

في عام 1979، أدى حادث في منشأة سوفياتية إلى تفشي مرض الجمرة الخبيثة في سفيردلوفسك بروسيا، المعروفة الآن باسم يكاترينبورغ. وصرح مسؤولون سوفيات في البداية بأن المرض ناجم عن لحوم ملوثة. لاحقاً، صرح بوريس يلتسين، الذي شغل منصب أول رئيس لروسيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، لصحيفة روسية بأن «تطوراً عسكرياً» هو ما أدى إلى تفشي المرض.

وقد أدى انعدام الثقة بمؤسسات الصحة العامة الروسية إلى مخاوف من تفشي وباء محتمل بين السكان في منطقة إيركوتسك السيبيرية، بالقرب من الحدود مع منغوليا. وبالمثل، عزّزت دول آسيا الوسطى المجاورة تدابير السلامة الصحية عند الحدود والمطارات.

تشابه بين الصين وروسيا

أدلت بكين بأول تعليق رسمي لها بشأن الحالة المشتبه في إصابتها بالطاعون الرئوي في سيبيريا، قائلة إنها تتعاون مع روسيا، مع تصاعد المخاوف الصحية في مختلف أنحاء العالم. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية جوو جياكون، أمس (الثلاثاء)، رداً على سؤال حول ما إذا كانت موسكو أبلغت بكين بشأن الحادث: «تحافظ الصين وروسيا على إجراء اتصال وثيق والتعاون لمنع الأمراض المعدية والسيطرة عليها، بما في ذلك الطاعون الرئوي»، حسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء اليوم (الأربعاء).

يُشار إلى أنه قبل ما يزيد قليلا على شهر، اختتم المعهد الواقع في إيركوتسك تجربة للاستجابة للطوارئ مع الصين، حول التعامل مع تفشي الأمراض المعدية. وناقش مشاركون روس وصينيون أيضاً كيفية مراقبة انتشار الأمراض والسيطرة عليها في المناطق الحدودية بين البلدين. وتقع مقاطعة إيركوتسك شمال منغوليا ولا تشترك في حدود مباشرة مع الصين، إلا أن عاصمتها المحلية هي مركز رئيسي تربطه بمدن صينية رحلات جوية متعاقبة وخطوط سكك حديدية.

وبينما توجد أوجه تشابه بين تردد روسيا في مشاركة المعلومات حول الحادثة في سيبيريا وافتقار الصين إلى الشفافية بشأن تفشي «كوفيد-19»، يقول مسؤولون إنه لا يوجد ما يشير إلى أن الحالة الروسية قد تؤدي إلى تفشٍّ وبائي بمستوى عدوى جائحة «كوفيد» نفسه.

وصرح الرئيس ترمب، يوم الاثنين، بأن الولايات المتحدة يمكن أن تساعد في التعامل مع هذا الوضع. وفي رد يحمل تلميحاً انتقادياً إلى الولايات المتحدة، قالت هيئة الرقابة الاستهلاكية الروسية إنها مستعدة لمساعدة الولايات المتحدة في مواجهة تفشي مرض الحصبة لديها.

وتم رصد بكتيريا «يرسينيا بيستيس» (Yersinia pestis) -المسببة للطاعون الرئوي والدبلي- من حين إلى آخر في سيبيريا، وارتبط وجودها بالتعرض للقوارض والحيوانات الضارة. ويذكر الموقع الإلكتروني للمعهد الروسي لمكافحة الطاعون في إيركوتسك أنه أُسس عام 1934 في عهد الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين للسيطرة على حالات الطاعون. ومنذ ذلك الحين، عمل المعهد على رصد وبحث وتطوير علاجات لأمراض معدية خطيرة أخرى، بما في ذلك الكوليرا والجمرة الخبيثة وداء البروسيلات.

كما شارك المعهد في تدريب مشترك مع الصين في وقت سابق من هذا العام لمواجهة احتمالية تفشي مرض معدٍ. وقال روبيو: «نحن نراقب الوضع من كثب، ساعة بساعة. هناك وكالات متعددة، ليس في الولايات المتحدة فحسب بل على الصعيد الدولي أيضاً، تتابع هذا الأمر».


ترمب يتراجع عن تمويل إعلاناته بأموال الضرائب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في تجمع انتخابي بنبراسكا (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في تجمع انتخابي بنبراسكا (أ.ف.ب)
TT

ترمب يتراجع عن تمويل إعلاناته بأموال الضرائب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في تجمع انتخابي بنبراسكا (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في تجمع انتخابي بنبراسكا (أ.ف.ب)

تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن قراره استخدام أموال دافعي الضرائب لتمويل إعلانات ترويجية له ولسياساته، محاولاً بذلك كبح ردود الفعل الغاضبة من المشرعين، وبعضهم جمهوري، حيال خططه السابقة في هذا الشأن. فيما يشكو الديمقراطيون من محدودية مواردهم المالية على رغم فرصهم لانتزاع السيطرة على الغالبية في مجلسي النواب والشيوخ.

وكان ترمب أصر في البداية على مواصلة بث هذه الإعلانات، مبرراً ذلك بأنه ليس مرشحاً في الانتخابات.

وقبيل وصوله إلى نبراسكا لحضور تجمع انتخابي قبل أربعة أسابيع من الانتخابات النصفية للكونغرس في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، كتب ترمب على مواقع التواصل الاجتماعي أن «اليسار الراديكالي مستاء من قيامي ببث إعلانات، أنا أعتبرها ترويجاً إيجابياً لأميركا العظيمة، وتمويلها بأموال أميركية».

وبرر هذه الإعلانات التلفزيونية - التي تضمن أحدها ما يشبه إلى حد كبير إعلاناً لحملته الرئاسية لعام 2024، وآخر يظهر فيه مع وزير الحرب بيت هيغسيث يؤيدان الحرب على إيران - بأنها «أمر معتاد». لكنه أضاف أنه «قرر بث إعلانات وطنية، بين إعلانات أخرى، وتمويلها بنفسه، وبأموال جمعتها لصالح مؤسسة (ماغا)».

وفي حين أفاد أن التزام ترمب يشمل الإعلانات المستقبلية، دافع مسؤول في البيت الأبيض عن مشروعية الإعلانات التي بثت بالفعل، ولم يوضح ما إذا كان ترمب سيرد الأموال للحكومة.

مموّل من الحكومة

ويحظر القانون الفيدرالي على الوكالات الفيدرالية استخدام أموال دافعي الضرائب لأغراض «الدعاية أو الترويج» غير المصرح بها. ويفيد مكتب محاسبة الحكومة أن الحظر يشمل الاتصالات ذات الطابع الحزبي الصرف، ولكنه أقر بأن الإدارات قد تستخدم الأموال العامة لشرح سياساتها والدفاع عنها.

السيناتور المستقل بيرني ساندرز يقدم الفنان كيلر مايك في لوس أنجليس (رويترز)

وتضمنت إعلانات أخرى شعارات حملات انتخابية ولقطات لجبل ريشمور، الذي نحتت في صخوره تماثيل لوجوه رؤساء أميركيين. وحمل كل إعلان منها عبارة «مُموَّل من حكومة الولايات المتحدة». وحتى الآن، مُوِّلت الإعلانات من المخصصات التي حددها الكونغرس لتعزيز أمن الحدود، ومكافحة تهريب المخدرات، وإقامة نصب تذكارية للضباط الذين توفوا أثناء تأدية واجبهم، وفقاً لما نشرته صحيفة «واشنطن بوست».

وقبل أيام من بدء بث الإعلانات، أضاف مكتب الإدارة والميزانية التابع للبيت الأبيض في 19 سبتمبر (أيلول) الماضي مبلغ 20 مليون دولار إلى بند في ميزانية وزارة الأمن الداخلي مخصص لـ«النشاطات التذكارية».

وأوردت صحيفة «نيويورك تايمز» خلال عطلة نهاية الأسبوع أن ترمب أصدر تعليمات شخصية لمدير ميزانيته باستخدام أموال دافعي الضرائب في الإعلانات التلفزيونية. وحسب خدمة «أد إمباكت» لتتبع الإعلانات، جرى بث إعلانات ممولة من دافعي الضرائب بقيمة تزيد على عشرة ملايين دولار منذ سبتمبر الماضي. وأضافت أن «ماغا» دخلت سبتمبر برصيد يبلغ نحو 415 مليون دولار. ومنذ ذلك الحين، خصصت «ماغا» ولجنتان سياسيتان تابعتان لها نحو 194 مليون دولار للإعلانات استعداداً للانتخابات المقبلة.

وانتقد الديمقراطيون - وبعض الجمهوريين - هذه الإعلانات، معتبرين أنها تشكل انتهاكاً محتملاً للقوانين الفيدرالية لاستخدامها أموال دافعي الضرائب «لأغراض دعائية».

ودعا النائب الديمقراطي جيمي راسكين إلى إجراء تحقيقات فيما وصفه بأنه إساءة استخدام المال العام.

وخلال ظهوره على شبكة «سي بي إس نيوز»، أكد السيناتور الجمهوري جون كينيدي أنه لا ينبغي للسياسيين إنفاق أموال دافعي الضرائب على الإعلانات الترويجية.

أموال الديمقراطيين

وفي خضم زوبعة تمويل إعلانات ترمب، يشكو الديمقراطيون من محدودية مواردهم المالية على رغم الفرص الموجودة لانتزاع السيطرة على الغالبية في مجلسي النواب والشيوخ.

ويدرس الاستراتيجيون الديمقراطيون بعناية كيفية استثمار أموالهم خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة الحاسمة من الحملة الانتخابية.

المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ شيرود براون وزوجته كوني شولتز يتحدثان مع عضوة مجلس انتخابات مقاطعة فرانكلين في أوهايو (أ.ف.ب)

وتسود بينهم تساؤلات حول كيفية تحقيق أقصى استفادة من أموالهم، بين السعي إلى زيادة عدد مقاعدهم عبر تمويل سباقات انتخابية أقل تكلفة، أو الفوز بمقاعد شاغرة في مناطق ذات أكثرية جمهورية، أو حتى إنفاق المزيد سعياً إلى إزاحة عدد من الجمهوريين المتجذرين في مناطق ذات غالبية ديمقراطية.

وعلى الرغم من التفاؤل الكبير الذي يبديه الحزب الديمقراطي حالياً، فإنه لا يملك أي مقعد في الدوائر التي فاز بها ترمب بفارق كبير في انتخابات 2024.

وقالت رئيسة لجنة الحملات الانتخابية الديمقراطية في الكونغرس، النائبة سوزان ديلبين: «من الواضح أننا نسعى لتحقيق أكثرية ساحقة في انتخابات 2026، ولكننا نضع نصب أعيننا أيضاً انتخابات 2028».

ويعد مثال الدائرة الأولى في ولاية بنسلفانيا خير دليل على معضلة الديمقراطيين، حيث يعتبر النائب الجمهوري براين فيتزباتريك الوحيد الذي يسعى إلى إعادة انتخابه، والذي تمكن من الفوز في دائرة خسرها ترمب في جميع دوراته الانتخابية الثلاث، في أعوام 2016 و2020 و2024.

وفي الانتخابات الأخيرة، لم يبذل الديمقراطيون جهداً كافياً لإزاحة فيتزباتريك، الذي كان يُنظَر إليه على أنه خصم عنيد يصعب إزاحته.

ولكن المرشح الديمقراطي بوب هارفي الذي ينافس فيتزباتريك قال إنه تلقى اتصالاً من ذراع الحملة الانتخابية للحزب الأسبوع الماضي، يبلغه بأن المجموعة تخطط لضخ 900 ألف دولار في حملته. كما حجزت لجنة العمل السياسي الديمقراطية الأبرز، «لجنة أكثرية مجلس النواب»، أكثر من ستة ملايين دولار إضافية للبث التلفزيوني.

ويعتقد استراتيجيو الديمقراطيين أن الفوز بأكثرية مقاعد مجلس النواب يبقى المهمة الأهم، حتى وإن بدا ذلك مهدراً للمال في بعض الدوائر الحاسمة.