ختام مسلسل الانتخابات الفرنسية وسط تحديات داخلية وخارجية

ختام مسلسل الانتخابات الفرنسية وسط تحديات داخلية وخارجية

الاثنين - 20 ذو القعدة 1443 هـ - 20 يونيو 2022 مـ رقم العدد [ 15910]
فرنسي يحمل ابنه ويلتقط «سيلفي» مع الرئيس إيمانويل ماكرون خارج مركز اقتراع (إ.ب.أ)

أخيرا، انتهى مسلسل الانتخابات في فرنسا مع حصول الجولة الثانية والنهائية أمس الأحد للانتخابات التشريعية التي ترسم صورة الخارطة السياسية للسنوات الخمس المقبلة من عهد الرئيس إيمانويل ماكرون.
وبالنظر لما ينص عليه القانون الفرنسي، فإن أولى النتائج لم تظهر إلا بدءاً من الساعة الثامنة بتوقيت العاصمة الفرنسية. ولذا يمنع على مؤسسات ومعاهد استطلاعات الرأي ومعها الوسائل الإعلامية كافة أن تكشف عما توصلت إليه من خلاصات، مخافة التأثير على العملية الانتخابية الجارية.
وتواصلت العملية الانتخابية في العاصمة والمدن الكبرى حتى الثامنة مساء فيما أقفلت الساعة السادسة في الأرياف والمدن المتوسطة.
كثيرة كانت التحديات والرهانات لهذه الانتخابات التي تعقب بعد شهرين الانتخابات الرئاسية التي شهدت فوز ماكرون لولاية ثانية من خمس سنوات.
وبعكس الانتخابات التشريعية السابقة للعام 2017 فإن علامة الاستفهام الكبرى كانت تدور في الأسابيع الأخيرة حول معرفة ما إذا كان الرئيس الفرنسي سينجح، من خلال الكتلة السياسية التي تدعمه والمسماة «معاً» في الحصول على الأكثرية المطلقة في البرلمان الجديد، فيما المنافسة على أشدها مع كتلة اليسار والبيئويين.
وللتذكير، فإن «معاً» تتشكل من حزب ماكرون «النهضة» (وسابقاً الجمهورية إلى الأمام) وثلاثة أحزاب رديفة. فيما تكتل اليسار المسمى «الاتحاد الشعبي الاجتماعي والبيئوي الجديد» يتشكل من حزب «فرنسا المتمردة» والأحزاب الاشتراكية والشيوعية والبيئوية بقيادة جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي السابق الذي نجح في رص صفوف اليسار للمرة الأولى منذ عقود. وطمح ميلونشون الذي يعترف الجميع بأنه قاد بنجاح كبير الحملتين الانتخابيتين الرئاسية والتشريعية، أن يحرم ماكرون من الأكثرية المطلقة، لا بل أن يضمن فوز كتلته بأكبر عدد من المقاعد ليفرض نفسه رئيساً للحكومة القادمة في إطار ما يسمى فرنسياً «المساكنة»، بحيث يكون رئيس الجمهورية من طرف ورئيس الحكومة من طرف آخر. وكانت مثيرة للاهتمام نتائج استطلاع أجري الأسبوع الماضي، وبين أن غالبية كاسحة من الفرنسيين (70 في المائة) لا تحبذ حصول ماكرون على الأكثرية المطلقة التي تمكنه من وضع برنامجه الانتخابي ووعوده موضع التنفيذ.
وفي المقابل، فإن العينة التي أجري معها الاستطلاع والتي تمثل التيارات السياسية والفئات العمرية والاجتماعية، لا تتمنى فوز تحالف اليسار بالأكثرية ما يمكن تفسيره على أنها تريد لكتلة ماكرون الفوز في الانتخابات بالأكثرية النسبية ما يفرض على رئيس الجمهورية وحكومته الاعتدال والبحث عن حلفاء بين نواب المجموعات السياسية الأخرى الممثلة في البرلمان من أجل السير بمشاريع القوانين التي يريد سنها والسياسات المختلفة داخليا وخارجيا التي يريد السير بها.
- تكتل ماكرون يتراجع شعبياً وانتخابياً
واضح اليوم - والنتائج المرتقبة للانتخابات النيابية الأخيرة تثبت ذلك - أن تكتل ماكرون تراجع شعبياً وانتخابياً. وكم تبدو بعيدة نتائج الأمس عما أحرزته حركته الناشئة في العام 2017 (الجمهورية إلى الأمام) حيث حصلت على أكثرية ساحقة من 350 مقعداً مكنته من التحكم بمجريات البرلمان واستصدار القوانين التي أرادها.
ورغم تراجعها، فإن كتلة ماكرون المتموضعة في وسط الخريطة السياسية مع ميل واضح إلى اليمين، تشكل إحدى ثلاث كتل رئيسية تحتل المشهد السياسي في فرنسا للسنوات القادمة. أما الكتلتان الأخريان فهما، على اليسار، كتلة ميلونشون التي تفرض نفسها على أنها القوة المعارضة الرئيسية لحكم ماكرون. وكانت هذه الكتلة قد حصلت على النتيجة نفسها لكتلة ماكرون في الجولة الأولى (26 في المائة من الأصوات)، ما أثار الهلع في الصفوف الرئاسية.
- أولى النتائج في مناطق فرنسا ما وراء البحار
وبينت أولى النتائج في مناطق فرنسا ما وراء البحار (مارتينيك، غوادلوب، غويان) أن ثمانية من المرشحين التسعة الذين يدعمهم تكتل ميلونشون فازوا في الدورة الثانية. ومن بين الخاسرين الوزيرة جوستين بينين، مرشحة تحالف «معاً» والمنتمية إلى الحزب الرئاسي.
ترابط على أقصى يمين الخريطة السياسية كتلة اليمين المتطرف ممثلة بحزب «التجمع الوطني» الذي تقوده المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبن التي هزمها ماكرون في الجولة الرئاسية الحاسمة، وذلك تباعا للمرة الثانية.
وتبين أرقام الجولة الأولى من الانتخابات النيابية أن «التجمع الوطني» حقق تقدماً في الأصوات التي انصبت لصالحه بنسبة 5 في المائة، فيما تراجعت أصوات الآخرين باستثناء «الاتحاد الشعبي».
وتطرح لوبن نفسها على أنها «الصوت المعارض» رغم أن عدد النواب القادر على إيصالهم إلى الندوة النيابية لا يمكن مقارنته بما يحصل عليه تحالف اليسار. ومن المتوقع أن يكون صوتها أقوى في الولاية الجديدة بفضل تمكنها من الحصول على عدد كاف من النواب يمكنها من تشكيل مجموعة مستقلة داخل البرلمان. ولا شك أن لوبن التي حصلت على حوالي 42 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية تريد السعي إلى تغيير القانون الانتخابي الأكثري لصالح القانون النسبي الذي لو طبق على الانتخابات التشريعية لكان ضاعف عدد نوابها. ومشكلة حزب لوبن الأولى أنه مستهدف من الأحزاب الأخرى التي ترفض مده بأي صوت من أصواتها. وتعويلها الوحيد كان على اجتذاب بعض أصوات حزب «الجمهوريين» أي اليمين الكلاسيكي الذي، على الرغم من الضعف السياسي الذي ألم به وتهميشه إلى حد كبير بعد أن كان الحزب الرئيسي في فرنسا والذي أعطى الجمهورية خمسة رؤساء في السنوات الستين المنقضية، يتفوق على «التجمع الوطني» في عدد النواب. ومشكلته الأولى اليوم أنه «حائر» في اختيار خطه السياسي بين التقارب مع ماكرون أو البقاء في المعارضة. وحتى اليوم، لم يحسم موقفه علما بأن الرئيس الفرنسي سيكون بحاجة إليه في حالة فشله في الحصول على الأكثرية المطلقة (289 نائبا) في البرلمان الجديد ما سيضعه في موقع قوي لإدخال تعديلات على مشاريع القوانين وعلى السياسات التي يريد السير بها.
كان عنوان التحدي الآخر في جولة الأمس نسبة المشاركة في الانتخابات التي جرت على خلفية أزمة دولية مشتعلة (الحرب في أوكرانيا) وأزمات داخلية متعددة الأشكال: غلاء الأسعار والتضخم وتراجع القوة الشرائية وتململ اجتماعي ومخاوف من اندلاع حركات احتجاجية على نطاق واسع سعت الحكومة إلى منع قيامها عن طريق وعود بدعم للطبقات الأكثر هشاشة التي تعاني من ارتفاع أسعار الطاقة الكهربائية والمشتقات النفطية والسلع الغذائية الأساسية.
وفي الدورة الأولى، امتنع 52 في المائة من المواطنين المسجلين على اللوائح الانتخابية عن المشاركة والإدلاء بأصواتهم ما شكّل نسبة غير مسبوقة مما بين هشاشة الديمقراطية الفرنسية. وبينت الأرقام التي أذاعتها وزارة الداخلية في الخامسة من بعد ظهر الأمس أن 38.11 في المائة من الناخبين أدلوا بأصواتهم حتى الساعة الخامسة ما يعكس تراجعاً عن نسبة المشاركة في الساعة نفسها في الجولة الأولى الأحد 12 الجاري. وكان مقدراً أن ترتفع هذه النسبة حتى إغلاق كافة المراكز خصوصا في باريس والمدن الكبرى.
يبقى أن 15 وزيرا من حكومة إليزابيث بورن خاضوا غمار التشريعيات بينهم بورن شخصياً. ومن أبرز الوزراء الذين تحوم شكوك بشأن نجاحهم، وزير الشؤون الأوروبية كليمان بون، المقرب من ماكرون وكان مستشاره قبل تعيينه وزيراً، ووزيرة الانتقال البيئوي آملي دو مونشالين، ووزير الوظيفة العمومية ورئيس حزب «النهضة» ستانيسلاس غيريني.
وتقول القاعدة المعمول بها إن أي وزير يفشل انتخابياً يتعين عليه الاستقالة من منصبه ما سيحتم على ماكرون إجراء تعديل وزاري في الأيام المقبلة.


فرنسا فرنسا ماكرون الانتخابات

اختيارات المحرر

فيديو