ناشرون ومسؤولون مصريون يحذّرون من «حرب الكتب» المقبلة

دعوا لوضع استراتيجيات موحدة للترجمة (2 - 3)

د.هيثم الحاج علي  -  أيمن شرف  -  محمد البعلي  -  د.كرمة سامي
د.هيثم الحاج علي - أيمن شرف - محمد البعلي - د.كرمة سامي
TT

ناشرون ومسؤولون مصريون يحذّرون من «حرب الكتب» المقبلة

د.هيثم الحاج علي  -  أيمن شرف  -  محمد البعلي  -  د.كرمة سامي
د.هيثم الحاج علي - أيمن شرف - محمد البعلي - د.كرمة سامي

تشهد حركة الترجمة نشاطاً كبيراً على مستوى مؤسسات النشر العامة والخاصة، نتيجة إقبال القراء على الكتب المترجمة أكثر من الكتب الموضوعة. هل وراء ذلك فعلاً «رسالة تنويرية وتثقيفية» كما يرى بعض الناشرين، أم سعي لنفع مادي لأن كثيراً من الدور لا تدفع الحقوق المادية، لا للمؤلفين الذين تترجم لهم، وغالباً من دون معرفتهم، كما في أمثلة كثيرة، ولا لدور النشر الأجنبية الأصلية، كما أنها تدفع أجوراً متواضعة للمترجمين وهو ما ينعكس على محتوى الكتب المترجمة؟ ورغم أن هناك وعياً متزايداً بضرورة احترام حقوق الملكية الفكرية، كما نرى في ممارسات بعض دور النشر الرصينة التي تستحصل موافقات مسبقة قبل عملية الترجمة، فإن الغالب هو العكس، خصوصاً مع الكتب الكلاسيكية.
حول هذه القضايا، هنا آراء عدد من الناشرين والمختصين من مصر، التي ربما هي أكبر سوق عربية للكتب:

- د. كرمة سامي
(رئيسة المركز القومي للترجمة): يجب رسم خريطة طريق للأوليات
الترجمة نشاط إنساني لا غنى عنه، فهي جسر التواصل بين الأمم، وإذا كانت قد بدأت لتنقل أمم ما اكتسبته أمم أخرى من إنجازات حضارية، فهي الآن ترتبط بالنشاط الاقتصادي والاستعمار الثقافي، وربما لهذا أصبح العمل الفني يترجَم إلى عدة لغات ويُدبلَج، فتتسع أسواقه عالمياً ولا تنحصر حقوق بيعه في قارة أو قارتين، وكذلك ظهرت علامات تجارية كانت تقتصر على جانبي الجزء الشمالي من المحيط الأطلنطي لتبتلع بنفوذها الآن ثقافات متنوعة في كل القارات وتفرض عليها سيطرتها الخفية بدعوى بيع سلع فنية أو تكنولوجية. نحن نتحدث الآن عن صناعة ربما ستفوق يوماً ما صناعة الأسلحة، الحرب المقبلة هي حرب الكتب. والنصر للأكثر مبيعاً عالمياً، وهذا المنتصر هو الذي سيُملي شروطه على جميع الشعوب.
وبشكل عام تقوضت فكرة كراهية الآخر، وتجاوزت البشرية مرحلة المراهقة العنصرية، ولهذا تابعنا زيادة مبيعات الكتب المترجمة خصوصاً الروايات في المملكة المتحدة مثلاً عندما فُتح ملف انفصال المملكة عن الاتحاد الأوروبي، فزاد حنين القراء في المملكة لحضارات القارة الأوروبية. واليوم يُقبل القارئ الإنجليزي على أدب القارة الأوروبية الفرنسي والنرويجي والسويدي والبولندي وكذلك الصيني والعربي والهندي، وبلغت المبيعات مئات الآلاف من النسخ، ربما هي عودة لفطرة البشرية تطبق القاعدة القرآنية المجيدة «لتعارفوا» في سورة الحجرات، عندما يعاني مجتمع إنساني من حروبه مع اقتصاد ينهار وفيروسات تحاصره وأخلاقيات ملتبسة يجد ملاذه في دراسة تجارب مجتمعات أخرى ربما تقدم له ملجأ يحتمي به من الطوفان القادم.
الشباب يقرأ بالفعل ولم يتوقف عن القراءة، ولكنه انتقائي في اختياراته، ولم تقتصر قراءاته أبداً على الأدب المترجم. لكننا يجب أن نتوقف عند علامات فارقة لندرس مسارات القراءة، مثل مبيعات روايات «هاري بوتر» لجي كي رولينغ عندما تُرجمت إلى العربية، أو «ساحر الصحراء» لـباولو كويلو، وكذلك عندما ظهر لاعب كرة القدم محمد صلاح يقرأ كتاب مارك مانسون عن تنمية الذات، ارتفعت فوراً مبيعات هذا الكتاب بين الشباب اقتداءً بنجمهم.
وبالتأكيد يوجد من يستثمر رغبة الإنسان الفطرية في تنمية الذات والتحصيل المعرفي والترفيه عن النفس، ولهذا يجب أن تتحد دور النشر العربية خصوصاً القومية لتضع استراتيجيات موحدة للترجمة عن الثقافات الأخرى إلى العربية، وترسم خريطة طريق تحدد بها أولويات ما يترجَم ليقرأه شبابنا ليتحول على أيديهم إلى أدوات معرفية تقودهم إلى التنمية الشاملة، إلى أن يتحقق هذا الْحُلْم سنظل مستقبلين لما تلفظه دور النشر الأجنبية من اختيارات وتمول ترجمته ليزاحم إصداراتنا على أرفف المكتبات.

- د.هيثم الحاج علي
(رئيس هيئة الكتاب المصرية): الإقبال على القراءة والترجمة
أهم شيء تمكن ملاحظته في هذا الصدد أن هناك إقبالاً كبيراً على القراءة، وهو عامل مهم جداً يحكم قضية الرواج والاهتمام بكتب الترجمة. كان هناك تقرير أعدته صحيفة «الإندبندنت» منذ عام تقريباً يضع مصر في المرتبة الخامسة عالمياً في معدلات القراءة، وهي الدولة الأولى على المستوى العربي. والحقيقة أنه يمكن أن نلاحظ أن الشباب هم الأكثر إقبالاً على القراءة، وأن قراءاتهم متنوعة جداً ما بين التخصصات العلمية المختلفة وقراءة الروايات، وهو ما يجعلنا نقول إن لدينا ما يمكن تسميته «البيست سيلر»، فلدينا كتب ومؤلفات تبيع ما يصل إلى 40 أو 50 ألف نسخة، ومن بين المؤشرات سلسلة الجوائز، وهي واحدة من أعلى السلاسل مبيعاً في مطبوعات الهيئة، وفي ظني أن هذا كله يأتي في سياق واحد هو محاولة معرفة الآخر، سواء عن طريق الكتب الورقية أو الإلكترونية الرقمية، ويمكننا أن نقول إن «السوشيال ميديا» ومواقع التواصل الاجتماعي أسهمت كثيراً في شهرة عدد من المبدعين الغربيين، ظهروا حديثاً في مشهد الإبداع الأوروبي، وعرف الشباب ما يقدمونه من إبداعات، وراحوا يسعون للحصول عليها، وهو بالتالي يؤدي لنوع من الإقبال على منتجاتهم، وما يقدمونه من أعمال أدبية وفكرية وعلمية.
الإقبال على القراءة وما تشهده من نشاط يعني تنشيط حركة النشر بما في ذلك الكتب المترجمة، وهناك بعض المؤسسات المهمة مثل «المركز القومي للترجمة» لها دور بارز في هذا المجال. ومن ثم، يمكننا القول إن هناك زيادة ملحوظة في حركة الترجمة وأعداد الكتب المترجمة، وبالتالي أعداد الكتب المبيعة، وهو إنجاز تسهم فيه بالطبع مؤسسات النشر الخاصة، والتي تضطلع بدور مهم جداً لما تقوم به من نشر أعمال تحصل على حقوق نشرها من نظيرتها الأجنبية، لتقوم بنقلها إلى العربية ويتنافس في ذلك كثير من العاملين في مجال النشر، والذين يعملون على ترويج الآداب العالمية عموماً ضمن مشهد النشر المصري.

- أيمن شرف
(مدير دار «الترجمان»): بعض الدور الخاصة تعامل الكتاب كسلعة
للأسف لا توجد قاعدة بيانات موثوقة يمكن الاعتماد عليها لتوثيق الانطباعات المتفرقة عن زيادة الإقبال على الكتب المترجمة، وأيها أكثر قراءة... كتب الخيال أم الكتب الفكرية؟ لكن هناك مؤشرات عامة على صحة الانطباعات المتفرقة، وأستطيع كمترجم ومسؤول عن دار نشر متخصصة في ترجمة الكتب أن أؤكد ذلك.
الأسباب تتنوع ما بين البعد التجاري المتعلق بأن كثيراً من دور النشر لا تتحمل عبء حقوق الترجمة، أو تدفع أجوراً متواضعة للمترجمين، وهو ما ينعكس على محتوى الكتب المترجمة، وبين البعد المتعلق بنقصٍ تعاني منه «المكتبة العربية»، عموماً، وهو نقص الإنتاج الفكري، وضعف صناعة الكتاب العربي عموماً، والذي تمكن ملاحظته بسهولة في مجال كتب الأطفال على وجه الخصوص، أي الكتب التي تتطلب تكلفة عالية في الطباعة، وتخصصاً واجتهاداً منظماً في الكتابة للأطفال بمراحلهم العمرية المختلفة.
وإذا قارنّا سوق الكتاب العربي بنظيره الآسيوي (في الصين أو كوريا الجنوبية) أو بنظيره الأوروبي (في ألمانيا أو فرنسا أو حتى في دول ذات نطاق لغوي محدود كالنرويج) سنجد تفاوتاً كبيراً مرجعه بالأساس اتساع قاعدة القراءة، إلى جانب تطور صناعة الكتاب، بما يؤدي إلى التخصص والإجادة، وهو ما يتيح إلى جانب الكتب الشعبية أو التي تسمى «الأعلى توزيعاً»، إنتاج كتب ذات قيمة فكرية وفنية، وإن كانت أقل توزيعاً، وبتعبير آخر أقل ربحية تجارية، لكنها في النهاية تحقق حداً أدنى كبيراً للمؤلف والناشر على السواء.
ولا بأس في الحقيقة أن تسعى دور النشر العربية الخاصة ومؤسسات النشر الحكومية إلى سد النقص في مجالات معينة عن طريق الترجمة، فحركة الترجمة عموماً لا تؤشر على ضعف المنتج الثقافي باللغة الأم، بل إنها تؤشر أيضاً على إمكانية وتلبية احتياج الثقافة الواحدة لإثراء نفسها بمنتجات التراث الإنساني، هي مؤشر قوة وليست مؤشر ضعف بالضرورة، لكن العيب هو أن يكون دافع الترجمة هو تحقيق مكاسب تجارية بحتة، وهو ما يحدث للأسف في كثير من دور النشر العربية الخاصة التي ترى في الكتاب مجرد سلعة، وليس قيمة إنسانية.

- محمد البعلي
(مدير دار «صفصافة»): لا يمكن إغفال الطابع التجاري
السر في سعي دور النشر لطباعة وتوزيع وترجمة الكتب يكمن في إقبال القراء على الأعمال الفكرية والعلمية والإبداعية المترجمة، وقد سمحت ثورة الاتصالات بأن يتابعوا الجوائز العالمية والحاصلين عليها، وسباقات التوزيع في أوروبا وأميركا والتي تتحدث عن أكثر الكتب مبيعاً في مجال الرواية والدراسات الأدبية والإنسانية والأخرى، مما زاد من اهتمام القراء بمتابعة الآداب العالمية سواء ما كان منها ذا طابعاً تجارياً أو شديد العمق والرقي والموجه للخاصة، ومع سهولة الحصول على المعلومات بدأ الطلب على إبداعات من يحصدون جوائز نوبل أو البوكر الدولية، وقد دفع هذا بالتالي دور النشر للتنافس على الحصول على هذه الحقوق من أجل ترجمة وترويج كتب هؤلاء الكتاب، من أجل تلبية طلبات القراء.
هناك بالطبع دافع تجاري لا يمكن إغفاله في مسألة نشاط حركة الترجمة وهو يعني وجود طلب محفز يخلق العرض، الذي يلبي الطلب، أما فكرة أن هناك دور نشر تدفع حقوق الترجمة أو لا تدفع فهذه مسألة تخص كل دار نشر ومسؤوليتها وقيمها، لكن حتى في حالة كتب «الببلك دومين» مثل كتب ديستويفسكي وتولستوي وأعمال كافكا، وجورج أورويل، وكلها لا يوجد حقوق نشر خاصة بها، هناك اهتمام كبير بها واستعادة ملحوظة للأدب الكلاسيكي العالمي، والأجيال الجديدة تريد الاطلاع عليها، وقراءة الكلاسيكيات العالمية الكبرى، الإلياذة والأوديسا على سبيل المثال، وهذا يمكن عدّه سبباً تجارياً، وهناك دور نشر هدفها الربح فقط لا يوجد لديها توجه فكري أو مشروع ثقافي معين تقدم مثل هذه الكتب لأن هناك قراءً يطلبونها، ويسعون لاقتنائها... معنى ما أريد قوله هو أن التوجه التجاري ليس عيباً في رأيي، لأنه يؤدي في النهاية إلى عرض جيد للكتب الكلاسيكية أو ذات القيمة الرفيعة والتي تستحق أن تكون موجودة في كل بيت.

- السفيرة فاطمة الزهراء
(مستشارة مكتبة الإسكندرية للعلاقات الدولية): التنوع في اختيار النصوص
في ظل الرسالة التنويرية والتثقيفية التي تضطلع بها مكتبة الإسكندرية شهدت حركة الترجمة دفعة قوية في السنوات الأخيرة بتأسيس مديرها الدكتور مصطفي الفقي في مطلع عام 2020 لجنة معنية بالترجمة تخضع لرئاسته مباشرة، تتولى عملية متابعة الإنتاج المعرفي الأجنبي وتحديد أهم المؤلفات التي يتعين ترجمتها إلى العربية واختيار المترجمين المتميزين سواء من بين الأوساط الأكاديمية أو ممن يتمتعون بمكانة متميزة وخبرة متمرسة في هذا المضمار. وسرعان ما انطلق نشاط اللجنة بشكل يسعى إلى تحقيق التنوع في اختيار النصوص الأجنبية بما يستجيب لاهتمامات القارئ المصري والعربي ويسهم في انفتاحه تباعاً على «الجديد» في عالم المعرفة، وحثه على طرْق آفاق جديدة في عالم الفكر والثقافة.
ورغم أنه لم يمضِ على تأسيس تلك اللجنة الجديدة أكثر من عامين، فقد استطاعت في تلك الفترة القصيرة أن تضيف إلى المكتبة المصرية والعربية مؤلفات جديدة ومتنوعة، فنجد بينها ما يمكن وضعه في خانة الفكر السياسي المعاصر، علي سبيل المثال مؤلَّف «الإسهام العربي المعاصر في الثقافة العالمية»، أو ما يمكن تصنيفه كفكر سياسي اجتماعي مثل مؤلَّف «كيف يفكر العالم؟»، أو ما يحمل الطابع السياسي الاجتماعي مثل كتاب «اليونانيون وبناء مصر الحديثة»، أو يندرج تحت أدب الرحلات مثل «الرحالة البريطانيون والأميركيون إلى مصر من 1600 إلى 1900»، أو يغوص بنا إلى الماضي السحيق مثل مؤلف «إتيان كومب» الذي يقودنا في رحلة جغرافية نتعرف فيها عبر صفحاته علي طوبوغرافيا الإسكندرية القديمة، أو كتاب «الهيروغليفية فقه اللغة والهيمنة على العالم» الذي يسلط الضوء عل معجزة الكشف الذي قام به العالم الفرنسي شامبليون لفك طلاسم حجر رشيد.
إلى جانب ذلك يبرز اهتمام لجنة الترجمة بفترة بناء مصر الحديثة خلال القرن التاسع عشر، في المؤلفات الأجنبية، لما تزخر به تلك الفترة المحورية في تاريخ مصر الحديث، من شخصيات أجنبية جذبتها أرض الكنانة وتفاعلت مع حركة التنوير التاريخية التي شهدتها مصر وقتذاك، ولعبت دوراً مؤثراً في إثرائها، ومنها ترجمة مؤلف «كلوت بك... طبيب فرنسي في بلاط محمد علي باشا» وهو الطبيب الفرنسي الذي كان له باع لا يُنسى في انتقال مصر إلى عصر الطب الحديث، ويُعزى إليه إنشاء «مستشفى قصر العيني»، أو «ماكس هيرتز باشا» ولجنة حفظ الآثار العربية والإسلامية» وهو المؤلف الذي يبعث من بين زوايا النسيان ذكرى هذا المهندس المجري النمساوي الذي اضطلع بدور رئيسي في حفظ وترميم الكثير من كنوز التراث العربي الإسلامي في مصر عبر تميزه بين أعضاء لجنة حفظ الآثار العربية والإسلامية التي أُنشئت في نهاية القرن التاسع عشر بنشاطه الجمّ وعبقريته المتفردة.
من جانب آخر، تحرص لجنة الترجمة على ضرورة الاستفادة من مستوى الرقمنة الذي تتميز به مكتبة الإسكندرية في عملية البث المجاني للمقالات العلمية التي يقف على ترجمتها قطاع البحث الأكاديمي والدراسات الاستراتيجية بالتنسيق مع لجنة الترجمة حول قضايا الساعة على المستوى الدولي عبر عنوان المكتبة الإلكتروني، الأمر الذي ييسِّر على الباحثين الذين درجوا على الزيارة اليومية لمواقع الإنترنت الاطلاع تباعاً على إصدارات المكتبة في هذين المنحيين.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس «ناسا»، اليوم الثلاثاء، أن وكالة الفضاء الأميركية ستستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية المعروفة باسم «غايتواي».

وقال جاريد إيزاكمان في بيان أدلى به خلال فعالية استمرت ليوم كامل في مقر وكالة «ناسا» بواشنطن: «تعتزم الوكالة إيقاف مشروع (غايتواي) بشكله الحالي، والتركيز بدلاً من ذلك على البنية التحتية التي تُمكّن من استدامة العمليات على سطح القمر».

وأضاف: «على الرغم من التحديات التي تعترض عمل بعض المعدات الحالية، ستعيد الوكالة توظيف المعدات المناسبة وستستفيد من التزامات الشركاء الدوليين لدعم هذه الأهداف».

وكانت وكالة الفضاء الأوروبية، إلى جانب منظمات دولية أخرى، من بين الشركاء في مشروع «غايتواي».

يأتي هذا التغيير الأخير لخطط «ناسا» بعد تعديلات طرأت على برنامج «أرتيميس» الذي يهدف إلى إعادة رواد فضاء أميركيين إلى القمر، والتأسيس لوجود طويل الأمد هناك، تمهيداً لبعثات مستقبلية إلى المريخ.

وكان من المُفترض أن تكون محطة «غايتواي» المدارية القمرية بمثابة نقطة عبور لرواد الفضاء المتجهين إلى القمر، ومنصة للأبحاث.

لم يكن تعليق المبادرة مفاجئاً، إذ انتقدها البعض باعتبارها تهديداً للموارد أو تشتيتاً للانتباه عن طموحات أخرى متعلقة بالمهام إلى القمر.

وقال إيزاكمان إن «ناسا» تخطط حالياً لإنفاق 20 مليار دولار على مدى السنوات السبع المقبلة لبناء القاعدة القمرية عبر عشرات المهمات، «بالتعاون مع شركاء تجاريين ودوليين لوضع خطة مدروسة وقابلة للتنفيذ».

وأضاف: «سيكون هناك مسار تدريجي لبناء أول قاعدة دائمة للبشرية خارج كوكب الأرض، وسنأخذ العالم معنا في هذه الرحلة».

«أرتيميس 2»

أعلن إيزاكمان الذي تولى قيادة «ناسا» أواخر العام الماضي، على نحو مفاجئ قبل أقل من شهر، إعادة هيكلة برنامج «أرتيميس» الذي شهد تأجيلات متكررة في السنوات الأخيرة، وذلك بهدف ضمان عودة الأميركيين إلى سطح القمر بحلول عام 2028.

وأوضح إيزاكمان أن هذا الهدف لا يزال قائماً، لكن وكالة الفضاء الأميركية تُجري تعديلات على برنامج رحلاتها ليشمل مهمة تجريبية قبل الهبوط النهائي على سطح القمر، وذلك لتحسين «الخبرة العملية» في عمليات الإطلاق.

جاء هذا التعديل الاستراتيجي بعد تأجيلات متكررة لمهمة «أرتيميس 2» التي كان من المقرر إطلاقها في فبراير (شباط)، ولكنها باتت مرتقبة حالياً في أبريل (نيسان). وتهدف المهمة إلى تحقيق أول تحليق قريب من القمر منذ أكثر من نصف قرن.

خلال ولايته الأولى، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبته في أن تطأ أقدام الأميركيين سطح القمر مجدداً.

وتواصل الصين المضي قدماً في خططها لأول مهمة مأهولة إلى القمر بحلول عام 2030 على أقصى تقدير.

ويعتمد الجهد الأميركي جزئياً على تقدم شركاء «ناسا» من القطاع الخاص.

وقد تعاقدت «ناسا» مع شركتي الفضاء «سبايس إكس» و«بلو أوريجين»، التابعتين للمليارديرين إيلون ماسك وجيف بيزوس، لتطوير مركبات الهبوط القمرية المستخدمة في برنامج «أرتيميس».


القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر، وأكدت الوزارة في بيان، الثلاثاء، أن المقال المنسوب للمدعو فؤاد الهاشم، الصحافي الكويتي، تضمن إساءات إلى مصر وشعبها والقيم الأخلاقية العربية، إضافة إلى ادعاءات تسيء إلى الجوانب الصحية والسياحية في مصر.

وعدّ البيان «وقوع هذا الشخص في مستنقع البذاءات التي استخدمها تجاه مصر وشعبها أمراً مرفوضاً، وانحطاطاً أخلاقياً قبل أن يكون سقوطاً مهنياً وإعلامياً، وهو تصرف لا يمكن التسامح معه أو الصمت إزاءه».

ووجهت الوزارة التحية للأصوات الكويتية ومن سائر دول الخليج العربية من إعلاميين ومثقفين ومسؤولين ومواطنين شرفاء، سارعوا لإدانة ما اقترفه ذلك الشخص تجاه مصر وشعبها، وعبروا عن المشاعر الوطنية والقومية الطبيعية والمتجذرة لدى الشعبين في مصر والكويت، وما تضمنته مقالاتهم وآراؤهم بما يربط البلدين الشقيقين عبر التاريخ القديم والحديث من روابط اجتماعية وسياسية وثقافية.

وأهاب البيان بالإعلاميين والمواطنين المصريين عدم الوقوع في فخ الخلط بين انحراف هذا الشخص عن كل القيم والأعراف والأخلاقيات، وبين الشعب الكويتي الشقيق المحب لمصر بقيادته ومواطنيه ونخبه الثقافية والإعلامية، والحريص دائماً على العلاقات الطيبة مع مصر وقيادتها وشعبها، وعدم الانسياق وراء الفتنة التي أرادها هذا الشخص المسيء فى هذا التوقيت تحديداً للوقيعة بين الشعبين، فكاتب المقال لا يمثل في نظرنا إلا نفسه، ونربأ بإعلام وشعب الكويت أن يكون معبّراً عنهم».

وقال السفير عزت سعد، المدير التنفيذي للمجلس المصر للشؤون الخارجية، إن «العلاقة بين مصر والكويت لن يؤثر فيها سلباً مثل هذه المقالات، لكن من المناسب الرد وتوضيح علاقتنا بالكويت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكويتي يقدرون دور مصر في بناء الكويت الحديثة ودورها في تحرير الكويت بداية التسعينات، ومن ثم يجب عدم الالتفات لمثل هذا الرجل الذي كتب كلاماً لا يستحق القراءة فضلاً عن الرد عليه».

ولفت سعد إلى أن إصدار بيان والتحرك قانوناً في مثل هذه المواقف أمر يعود لتقديرات وزارة الدولة للإعلام، مضيفاً: «في مناسبات سابقة كان هناك دائماً ذوو نفوس ضعيفة يكتبون مثل هذه الكلمات غير المسؤولة والتي تحتاج إلى دليل ملموس يدعمها، وهي صغائر لا تستحق الاهتمام».

وأعلنت الوزارة عن إجراءات تم اتخاذها تجاه الموضوع بالتنسيق بين وزارتي الخارجية في مصر والكويت، وإحالة الموضوع برمته إلى النائب العام في الكويت الشقيقة لاتخاذ ما يلزم قانوناً إزاءه، كما قام وزير الدولة للإعلام بمصر بالاتصال هاتفياً بوزير الإعلام بدولة الكويت، للتعبير عن الرفض التام لهذا المقال الذي نُشر في إصدار إعلامي كويتي، وهو تصرف غير مقبول، ويسيء للعلاقات الوطيدة بين البلدين، معرباً عن ثقته بأن الجانب الكويتي لن يتهاون إزاء هذا السلوك.

ويرى العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، الدكتور حسن عماد مكاوي، أن «المقال المسيء صدر عن شخص ليس له حيثية، وليس له ثقل في المجتمع الكويتي، فهو شخص بلا جنسية (بدون)، وهو كاتب صحافي غير معروف ومحدود القيمة، ولا يستحق الرد على ما قاله من تفاهات وعبث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «العلاقات بين مصر والكويت أكبر من هذا الأمر، ومثل هذه الكتابات سواء صدرت عن شخص كويتي أو شخص مصري يجب ألا يُعتد بها؛ لأنها لا يمكن أن تؤثر في علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية عبر عشرات السنين الماضية».

وفي الوقت نفسه، جدد وزير الدولة للإعلام خلال الاتصال الهاتفي التأكيد على دعم مصر حكومة وشعباً لدولة الكويت الشقيقة في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات إيرانية غير مبررة. وأكد البيان أنه يتم التنسيق حالياً بين وزارتي الخارجية فى مصر والكويت بشأن ما يمكن اتخاذه من إجراءات قضائية وفق القوانين الكويتية تجاه الشخص المذكور.

وجددت الوزارة عزمها وكل الجهات المصرية المختصة، على إخضاع أي تجاوزات تضر بالمصالح الوطنية، وتسيء للعلاقات مع الدول العربية الشقيقة، للقوانين واللوائح المصرية، وهو الأمر الذي تناشد الجهات المعنية في الدول العربية الشقيقة، القيام به تجاه المتجاوزين في حق مصر وشعبها والساعين إلى الإضرار بعلاقات دولهم الشقيقة معها، وذلك وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها.

ووصفت المتخصصة في الإعلام والدعاية بجامعة القاهرة، الدكتورة سارة فوزي، البيان الصادر عن وزارة الدولة للإعلام في مصر بأنه «متوازن جداً»، وثمنت خطوات الوزارة في سرعة الرد على كل ما يتم نشره دولياً ومحلياً وما يتم تداوله من شائعات.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أهم ما يميز البيان التفرقة بين الآراء الفردية، والروابط القوية بين الكويت ومصر وغيرها من دول الخليج خصوصاً في وقت الأزمات والحروب».

ولفتت إلى أن «التحرك القضائي وتصعيد الأمر ضد أي شخص يتجاوز أمر مهم جداً، حتى لا نرى كتّاباً آخرين يحاولون التطاول على مصر»، وأكدت أنه «إلى جانب قوة مصر الناعمة يجب أن يعرف المتجاوزون أن مصر يمكنها أن تضرب بيد من حديد على المسيئين والمتجاوزين حتى لا يتكرر الأمر».

وأشارت سارة إلى حوادث عالمية كثيرة تم التحرك فيها قضائياً من قبل الدول ضد مقالات نشرت في دول أخرى تنال من هيبة الدولة المتضررة، وتسيء لها أو لأحد رموزها أو تطلق اتهامات جزافية ضدها.

وكان المقال المنشور في إحدى الصحف الكويتية قد أثار ضجة كبيرة في مصر، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت ابنة كاتب المقال وهي المخرجة السينمائية فرح الهاشم بياناً ورسالة موجهة للرئيس المصري على صفحتها بموقع «فيسبوك» تنفي فيه علاقتها بما يصدر عن هذا الشخص الذي وصفته بأنه «والدها البيولوجي»، وقالت في منشورها إن علاقتها به منقطعة منذ أعوام طويلة، وأنها تختلف تماماً مع آرائه، مؤكدة محبتها وتقديرها لمصر وشعبها.


مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان، بجانب تطور النسق المعماري عبر عصور مختلفة.

وأعلنت البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين «المجلس الأعلى للآثار» و«كلية الآثار بجامعة القاهرة»، الثلاثاء، عن اكتشاف بقايا مبنى دير أثري يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي، بمنطقة الأديرة المطمورة بوادي النطرون بمحافظة البحيرة، والتي تُعد من أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والأثار المصرية، «يمثل هذا الكشف مرحلة هامة في تطور الحياة الرهبانية المبكرة، حيث يلقي الضوء على التخطيط المعماري للأديرة الأولى في هذه المنطقة ذات القيمة الدينية والتاريخية الكبيرة».

وتبلغ مساحة المبنى المكتشف نحو 2000 متر مربع، وهو مشيَّد من الطوب اللبن، حيث يصل سُمك الجدران الخارجية إلى متر كامل، بينما يتراوح سُمك الجدران الداخلية ما بين 60 و70 سم، ويتراوح ارتفاعها بين 1.80 و2.20 متر.

ويضم المبنى فناءً مركزياً مكشوفاً يتوسط التخطيط العام، تحيط به مجموعة من الوحدات المعمارية التي تشمل أفنية فرعية تفتح عليها قلالي (حجرات الرهبان) بأشكال ومساحات متنوعة، ما بين المربع والمستطيل. كما تم الكشف عن مجموعة من الملحقات الخدمية في الجزء الغربي من المبنى، تضم مطابخ متكاملة وأفراناً وأماكن لتخزين المؤن.

المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور فنون العمارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي أن الاكتشاف يمثل «إضافة نوعية لفهمنا لبدايات الرهبنة في مصر، والتي انطلقت من أرض مصر لتنتشر في مختلف أنحاء العالم»، وأضاف في إفادة رسمية أن «وادي النطرون يُعد أحد أهم المراكز الروحية والتاريخية في مصر، وهذا الاكتشاف يعزز من مكانته على خريطة السياحة الدينية والثقافية الدولية».

وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف عدد من أماكن الدفن داخل المبنى، تحتوي على بقايا عظام بشرية يُرجح أنها تعود لرهبان الدير، في دلالة على الطابع الجنائزي المرتبط بالحياة الرهبانية في تلك الفترة.

ويرى أستاذ الآثار بجامعة القاهرة الدكتور جمال عبد الرحيم أن «الاكتشاف يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات العلمية حول حياة الرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الآثار المكتشفة ستسهم في تسليط الضوء على الحياة الاجتماعية واليومية للرهبان، بشكل مغاير وأكثر عمقاً مما ورد في كتب التاريخ، حيث تقدم الحفريات تفاصيل مختلفة عن الروايات التاريخية»، مؤكداً أن «الدير المكتشف يبرز تطوراً كبيراً في العناصر المعمارية الخاصة بالأديرة».

يحتوي على عناصر معمارية فريدة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتضمن الكشف الأثري الجديد تفاصيل معمارية وفنية عدة، حيث تم العثور على عدد من النقوش بالخط القبطي، تتضمن أسماء رهبان أقاموا بالدير، إلى جانب كتابات دينية تتضرع بالرحمة والمغفرة، وهو ما عدته البعثة «يسهم في تأريخ المبنى، وتوثيق الحياة اليومية للرهبان».

ورأى أستاذ الاجتماع بالكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، الدكتور نصيف فهمي أن «اكتشاف الدير الجديد يفتح مجالاً واسعاً لدراسة الحياة الاجتماعية للرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحياة الاجتماعية للرهبان بها تفاصيل غير معروفة للكثيرين، وتوفر الاكتشافات الأثرية معلومات جديدة».

وبحسب وزارة السياحة، أظهرت الدراسات المعمارية استخدام أنظمة تسقيف متنوعة، بمبنى الدير المكتشف، منها الأقبية والقباب المبنية من الطوب اللبن، كما كُسيت الجدران بطبقة من الملاط الأبيض، وزُينت برسومات جدارية تضم عدداً من الصلبان وأشجار النخيل وزخارف نباتية وهندسية متنوعة.

المبنى يعود إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة الدكتور محسن صالح أن «البعثة وضعت خطة متكاملة لتوثيق المبنى المكتشف وصيانته وفقاً لأحدث المعايير العلمية، مع مراعاة طبيعة مواد البناء الطينية وتحقيق مبادئ الاستدامة». بينما أكد رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة السياحة الدكتور ضياء زهران، أن المبنى يعد «نموذجاً متكاملاً لمباني الرهبنة المبكرة، حيث يحتفظ بمعظم عناصره المعمارية»، بينما أوضح رئيس البعثة الأثرية الدكتور ياسر إسماعيل عبد السلام، أن هذا الكشف «يمثل دليلاً مادياً هاماً يؤكد الروايات التاريخية حول نشأة الرهبنة في وادي النطرون»، مشيراً إلى أن «المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور العمارة الرهبانية بين القلالي الفردية والأديرة الكبيرة».