التضخم التونسي يواصل موجة الصعود

الحكومة تعرض برنامجاً للاستقرار الاقتصادي والمالي

ارتفعت أسعار المواد الغذائية 8.2% في مايو (رويترز)
ارتفعت أسعار المواد الغذائية 8.2% في مايو (رويترز)
TT

التضخم التونسي يواصل موجة الصعود

ارتفعت أسعار المواد الغذائية 8.2% في مايو (رويترز)
ارتفعت أسعار المواد الغذائية 8.2% في مايو (رويترز)

أكد المعهد التونسي للإحصاء، على اتجاه معدلات التضخم في تونس نحو الارتفاع من شهر إلى آخر، فقد قدرت خلال شهر مايو (أيار) الماضي بنحو 7.8 في المائة، وذلك بعد أن كانت النسبة في حدود 7.5 في المائة خلال شهر أبريل (نيسان) و7.2 في المائة خلال شهر مارس (آذار) الماضي.
وفسر المعهد التونسي للإحصاء هذه الوضعية بالزيادات الهامة التي عرفتها أسعار المواد الغذائية التي ارتفعت بنسبة 8.2 في المائة، تبعاً لارتفاع أسعار البيض بنسبة 23 في المائة، وزيادة أسعار الزيوت الغذائية بنسبة 20.1 في المائة وأسعار الغلال الطازجة التي سجلت زيادة بنسبة 16.8 في المائة، أما أسعار مشتقات الحبوب فقد شهدت كذلك زيادة بنسبة 9.7 في المائة وأسعار الخضر الطازجة بنسبة 8.5 في المائة والأسماك بـ8.4 في المائة.
وأفاد معهد الإحصاء بأن من بين أسباب تفاقم التضخم الاقتصادي في تونس، تسارع نسق ارتفاع أسعار مجموعة السكن والطاقة المنزلية التي مرت بدورها من 5 في المائة إلى 7.3 في المائة، وزيادة أسعار الأثـاث والتجهـيزات والخدمات المنزلية التي باتت في حدود 8.4 في المائة خلال الشهر المنقضي، بعد أن كانت مقدرة بـ7.4 في المائة خلال شهر أبريل الماضي. كما شهدت أسعار المواد المصنعة ارتفاعاً بنسبة 9.3 في المائة باحتساب الارتفاع السنوي لأسعار مواد البناء بنسبة 11.6 في المائة وأسعار الملابس والأحذية بنسبة 9.4 في المائة وأسعار مواد التنظيف بنسبة 6.5 في المائة.
وفي السياق ذاته، شهدت أسعار الخدمات ارتفاعاً بنسبة 6 في المائة، ويعزى ذلك بالأساس إلى ارتفاع أسعار خدمات المطاعم والمقاهي والنزل بنسبة 7.9 في المائة وأسعار خدمات الكراء بنسبة 4.6 في المائة وأسعار الخدمات الأخرى بنسبة 7.4 في المائة.
وفي هذا الشأن، أكد عدد من خبراء الاقتصاد، على ضرورة إنتاج الثروة وتحقيق نسب نمو مقبولة وعودة محركات الاقتصاد الأساسية للعمل لتقليص وتحجيم نسبة التضخم والحد من تأثيراتها على القدرة الشرائية للتونسيين. وفي هذا السياق قال عز الدين سعيدان الخبير الاقتصادي إن «اقتصاد تونس في حاجة ماسة إلى إصلاحات هيكلية كنا قد نادينا بها منذ سنوات، ففي غياب نسبة نمو قادرة على استيعاب أعداد العاطلين عن العمل، وفي ظل ضعف الاستثمار العمومي والخاص وتراجع نسق الصادرات، من الصعب تعديل الأسعار على المستوى الداخلي، إذ إن تونس تعاني كذلك من ظاهرة التضخم المستورد».
على صعيد آخر، عرضت الحكومة التونسية الخطوط العريضة لـ«برنامج الاستقرار الاقتصادي والمالي» ووعدت بداية من شهر يوليو (تموز) المقبل بالدخول في ثلاثة مسارات إصلاحية تمتد من 2023 إلى 2025، وهي تندرج ضمن رؤية استشرافية تمتد إلى سنة 2035. وأكدت أنها تسعى من خلال هذا البرنامج الاقتصادي، لاستعادة الثقة في الاقتصاد التونسي وجلب الاستثمارات الخاصة، ومساندة النشاط الاقتصادي، وضمان نجاعة الإدارة والمؤسسات العمومية، وتحقيق التنمية الاجتماعية والتوصل في نهاية الأمر إلى إرساء دعائم اقتصاد محلي له القدرة على امتصاص الصدمات.


مقالات ذات صلة

الرئيس التونسي يعول على الفوسفات لتفادي «إملاءات النقد الدولي»

الاقتصاد الرئيس التونسي يعول على الفوسفات  لتفادي «إملاءات النقد الدولي»

الرئيس التونسي يعول على الفوسفات لتفادي «إملاءات النقد الدولي»

حضّ الرئيس التونسي قيس سعيّد، على ضرورة تنشيط قطاع إنتاج الفوسفات، معتبراً أن من شأن ذلك تمكين اقتصاد بلاده من التعافي من دون اللجوء إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية. وقال سعيّد، خلال إشرافه على مجلس الأمن القومي في مقطع فيديو نشرته الرئاسة ليل الأربعاء الخميس، إن تنشيط إنتاج الفوسفات في منطقة الحوض المنجمي في محافظة قفصة (وسط البلاد الغربي) «يمكن أن يمثل جزءاً كبيراً من ميزانية الدولة حتى لا نقترض من الخارج، وتتعافى الدولة التونسية والاقتصاد». واعتبر الرئيس التونسي أن تراجع عجلة الإنتاج في هذا القطاع الحيوي «وضع غير مقبول، خصوصاً أن نوعية الفوسفات بتونس من أفضل ما يوجد في العالم، ويجب

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم العربي الاتحاد الأوروبي يناقش توجيه مساعدات مالية عاجلة لتونس

الاتحاد الأوروبي يناقش توجيه مساعدات مالية عاجلة لتونس

تناقش دول الاتحاد الأوروبي في اجتماع لمجلس الشؤون الخارجية، ملف توجيه مساعدات مالية عاجلة لتونس، في ظل تفاقم موجات تدفق المهاجرين غير الشرعيين؛ ولمنع الانهيار المالي الذي سيزيد في تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في تونس. وتتقدم كل من إيطاليا وفرنسا قائمة الدول الأوروبية الداعمة للملف التونسي، في حين تعمل دول أخرى على ربط المساعدات المالية «بالعودة إلى المسار الديمقراطي، واحترام الحقوق والحريات، وإيقاف موجة الاعتقالات» التي طالت كثيراً من رموز المعارضة للمسار السياسي الذي يقوده الرئيس التونسي قيس سعيّد. وتدافع رئيسة الوزراء الإيطالية بحماس، عن الدعم العاجل للملف التونسي لمنع تفاقم الأزمة ا

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا مصرع 4 مهاجرين وفقدان 23 في حادثي غرق قبالة سواحل تونس

مصرع 4 مهاجرين وفقدان 23 في حادثي غرق قبالة سواحل تونس

لقي أربعة مهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء مصرعهم وفُقد ثلاثة وعشرون في حادثي غرق، يومي (الجمعة) و(السبت) قبالة سواحل تونس، فيما تم إنقاذ 53 آخرين، وفق ما أفاد متحدث باسم محكمة صفاقس (وسط شرق) وكالة الصحافة الفرنسية. بذلك ترتفع حصيلة حوادث الغرق إلى سبعة منذ بداية مارس (آذار)، وفق تعداد للوكالة الفرنسية. وأسفرت هذه الحوادث قبالة السواحل التونسية عن مصرع أو فقدان أكثر من 100 شخص.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا مفوض أوروبا للشؤون الاقتصادية يبحث في تونس حل الأزمة المتفاقمة

مفوض أوروبا للشؤون الاقتصادية يبحث في تونس حل الأزمة المتفاقمة

قال باولو جنتيلوني، المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية، خلال زيارته إلى تونس أمس (الاثنين) إن المفوضية الأوروبية «لا تزال مصممة على دعم الشعب التونسي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة» التي تمر بها البلاد، مؤكداً أن زيارته شكلت أيضاً فرصة لإعادة التأكيد على «التزام الاتحاد الأوروبي بقيم الديمقراطية وسيادة القانون». في المقابل، ورداً على تصريحات بوريل وبعض قادة أوروبا الذين حذروا من حالة الانهيار التي باتت تتهدد الاقتصاد التونسي، دعت وزارة الخارجية التونسية الاتحاد الأوروبي إلى «تفهم خصوصية الوضع ودقته، واعتماد خطاب مسؤول وبنّاء، يعكس حقيقة الواقع في تونس»، كما دعت إلى تثمين ما تم تحقيقه في إطار ال

المنجي السعيداني (تونس)
الاقتصاد البنك الدولي يعلق التعاون مع تونس «حتى إشعار آخر»

البنك الدولي يعلق التعاون مع تونس «حتى إشعار آخر»

علّق البنك الدولي «حتى إشعار آخر» محادثاته بشأن التعاون المستقبلي مع تونس، بعد الاعتداءات التي شهدتها ضد مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، في أعقاب خطاب ندّد فيه الرئيس قيس سعيّد بـ«جحافل المهاجرين غير النظاميين». وقال رئيس البنك ديفيد مالباس، في مذكرة بعثها إلى الموظفين، واطّلعت عليها وكالة الصحافة الفرنسية مساء الاثنين، إنّ خطاب سعيّد تسبّب في «مضايقات بدوافع عنصرية وحتى حوادث عنف»، وإنّ المؤسسة أرجأت اجتماعاً كان مبرمجاً مع تونس حتى تنتهي من تقييم الوضع. وعاد مئات المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء إلى بلدانهم من تونس؛ خوفاً من موجة عنف إثر تصريحات الرئيس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
TT

قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)

شهد الاقتصاد العالمي تحولاً دراماتيكياً وضع الهند والصين في قائمة أكبر الرابحين من قرار المحكمة العليا الأميركية إبطال الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب، بينما برزت بريطانيا كأكبر خاسر نتيجة إعادة ضبط النظام الجمركي الأميركي.

ويأتي هذا التحول ليقلب موازين القوى التجارية رأساً على عقب؛ حيث وجدت الدول التي كانت هدفاً رئيسياً لترمب نفسها في وضع تنافسي أفضل، في حين تضررت الدول التي كانت تتمتع باتفاقيات تفضيلية سابقة.

ويعود هذا التفوق المفاجئ للهند والصين إلى انخفاض معدلات الرسوم الفعلية عليهما بشكل ملحوظ؛ فبالنسبة للهند، تراجعت الرسوم من مستويات قياسية كانت قد وصلت إلى 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة في أوائل فبراير (شباط)، ثم تلتها تخفيضات أخرى إلى 18 في المائة وعدت بها واشنطن، بعدما أبرم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وترمب اتفاقية تجارية. مباشرة، بعد قرار يوم الجمعة، انخفضت الرسوم إلى 10 في المائة، ثم ارتفعت إلى 15 في المائة يوم السبت، وهو معدل يتجاوز في إيجابيته ما كان مقرراً في الإطار الثنائي السابق.

أما الصين، فقد توقع اقتصاديو «مورغان ستانلي» انخفاض متوسط الرسوم من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مستفيدة بشكل إضافي من إلغاء رسوم «الفنتانيل» التي أبطلها القضاء، مما منح صادراتها نفَساً جديداً في الأسواق الأميركية، رغم محاولات الإدارة الحفاظ على سياسة التضييق عبر مسارات قانونية أخرى.

ومن جانبها، أشارت تقديرات «بلومبرغ» إلى أن فرض معدل عالمي بنسبة 15 في المائة سيؤدي في المحصلة إلى متوسط رسوم فعالة يبلغ نحو 12 في المائة، وهو المستوى الأدنى منذ بدء تطبيق رسوم «يوم التحرير» في أبريل (نيسان) الماضي، مما يعيد تشكيل قواعد اللعبة لشركاء أميركا التجاريين.

وفي المقابل، واجهت بريطانيا صدمة اقتصادية قوية جعلتها الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الجديدة. فبينما كانت لندن تستفيد من معدل تفضيلي بنسبة 10 في المائة، جاء توحيد الرسوم العالمية عند 15 في المائة ليرفع التكاليف على الشركات البريطانية بشكل مفاجئ، وهو ما قد يكلف قطاع الصادرات نحو 4 مليارات دولار، ويهدد مصالح 40 ألف شركة بريطانية.

ويسعى المسؤولون البريطانيون حالياً بشكل عاجل لإقناع الإدارة الأميركية باستثناء بريطانيا من هذه الزيادة.

ولم تكن أوروبا وأستراليا بمنأى عن هذه الأضرار؛ حيث واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، مما دفع الاتحاد الأوروبي للمطالبة بصرامة باحترام الاتفاقيات السابقة، ملوحاً بتجميد المسارات التشريعية لأي اتفاقيات تجارية جديدة مع واشنطن، حتى تتضح الرؤية القانونية والالتزامات الأميركية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعلنت وزارة التجارة الصينية أنها تُجري تقييماً شاملاً لتبعات هذا الحكم القضائي، داعية واشنطن بلهجة حازمة إلى إلغاء كافة التدابير الأحادية التي تنتهك قواعد التجارة الدولية. وحذرت بكين من محاولات إدارة ترمب الالتفاف على قرار المحكمة عبر إطلاق تحقيقات تجارية قطاعية بديلة، مؤكدة أنها ستدافع عن مصالحها الوطنية بكل قوة؛ خصوصاً أن هذه التوترات تتزامن مع التحضيرات لقمة مرتقبة بين الرئيسين ترمب وشي جينبينغ في نهاية مارس (آذار) المقبل، والتي كانت تهدف في الأصل لتهدئة الصراعات التجارية.

وعملياً، بدأت الوكالات الأميركية المعنية بالامتثال للواقع القانوني الجديد؛ حيث أكدت وكالة الجمارك وحماية الحدود أنها ستتوقف عن تحصيل الرسوم التي أُعلنت غير قانونية بدءاً من فجر الثلاثاء، مع تعطيل كافة الرموز التعريفية المرتبطة بقانون الطوارئ.

هذا التوقف يفتح الباب أمام مطالبات استرداد ضخمة قد تصل إلى 175 مليار دولار من خزينة الولايات المتحدة.

وفي ظل هذا الارتباك الاقتصادي، بدأت الأسواق العالمية تتفاعل بحذر؛ حيث تراجع الدولار وانتعشت الأسهم الصينية، بينما تعالت الأصوات المطالبة بأن يكون هذا الضغط الاقتصادي دافعاً لتعجيل مسارات انتهاء الحرب في أوكرانيا، وتقليل الأعباء المالية التي تثقل كاهل الاقتصاد العالمي المنهك.


ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
TT

ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)

مع استمرار الغموض بشأن معدلات الرسوم الجمركية الأميركية، عاد عدم اليقين ليخيّم مجدداً على المشهد الاقتصادي. فبعد أن بدأ مسؤولون أميركيون وأجانب، إلى جانب مديري الشركات والمحللين والمستثمرين، يأملون بانتهاء التقلبات الحادة في السياسة التجارية الأميركية التي ميّزت العام الماضي، أعاد قرار المحكمة العليا الأميركية الأسبوع الماضي خلط الأوراق؛ إذ أبطل الحكم أجزاءً رئيسية من خطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمركية، قبل أن يقترح الأخير فرض رسوم كبيرة في محاولة للالتفاف على القرار.

مشهد ضبابي من جديد

في صورة تُذكّر بالأشهر الأولى من عام 2025، حين كانت مقترحات الرسوم الجمركية تتبدل بصورة مفاجئة، عادت التساؤلات بشأن السلع الخاضعة للضريبة، ونسب الرسوم، والدول المستهدفة. وتجد الشركات التي اعتقد كثير منها أنه توصّل إلى صيغة عملية للتعامل مع الرسوم المرتفعة، نفسها مضطرة لإعادة تقييم خطط التسعير، وربما الإسراع في إعادة تكوين المخزونات، أو حتى تأجيل قرارات التوظيف والاستثمار إلى حين اتضاح الرؤية.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في مقابلة مع برنامج «واجه الأمة» على شبكة «سي بي إس»، إن أي اضطراب في القواعد التي اعتاد عليها العاملون في التجارة سيؤدي إلى اختلالات واسعة. وأضافت: «من المهم معرفة قواعد الطريق قبل ركوب السيارة، والأمر نفسه ينطبق على التجارة والاستثمار»، مشيرة إلى أن مجتمع الأعمال لا يرغب في الانخراط في نزاعات قضائية؛ بل في وضوح تنظيمي مستقر. وأعربت عن أملها في أن تكون أي خطط أميركية جديدة «مدروسة بعناية ومتوافقة مع الدستور».

كريستين لاغارد خلال اليوم الأخير من مؤتمر ميونيخ للأمن في ميونيخ بألمانيا يوم 15 فبراير 2026 (رويترز)

وكانت المحكمة العليا قد أبطلت -بأغلبية 6 قضاة مقابل ثلاثة- معظم الرسوم التي فرضها ترمب العام الماضي، معتبرة أن قانون الطوارئ الذي استند إليه لا يمنحه صلاحية فرض تلك التعريفات. وردَّ ترمب باستخدام قانون مختلف، معلناً أولاً عن تعريفة عالمية بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، على أن تستمر لمدة تصل إلى 5 أشهر ريثما تبحث الإدارة عن بدائل أكثر ديمومة.

أشعة الشمس الصباحية تضرب مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

تخطيط شبه مستحيل

وقال غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في شركة «إرنست آند يونغ- بارثينون»، إن حالة عدم اليقين لم تغب فعلياً حتى خلال الفترات التي بدت فيها الأمور أكثر استقراراً. وأضاف: «شهدنا تقلبات حادة حسب الدولة والمنتج. الوضع لا يزال غير مستقر إلى حد بعيد، ما يجعل التخطيط شبه مستحيل». وأوضح أن الشركات تواجه قرارات متقلبة: «تسمع أن الرسوم أُلغيت فتفكر في استرداد التكاليف، ثم تُفرض بنسبة 10 في المائة بعد ساعات، وترتفع إلى 15 في المائة في اليوم التالي... غياب إطار مستقر يضر بالنشاط الاقتصادي والتوظيف والاستثمار».

الفيدرالي واليقين الغائب

كان هناك اعتقاد متزايد بأن الضبابية التي طبعت عام 2025 بدأت تنحسر؛ بل إن صانعي السياسات في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أبدوا ارتياحاً إلى أن أثر الرسوم الجمركية على التضخم قد يكون في طريقه إلى التراجع.

غير أن التطورات الأخيرة أعادت المشهد إلى حالة من السيولة العالية؛ إذ تدرس الإدارة استراتيجيات جمركية بديلة قد تستغرق شهوراً للتنفيذ، مع احتمال الطعن بها قانونياً في كل مرحلة. وقد تنخفض معدلات ضريبة الاستيراد مؤقتاً، ولكنها قد تعود للارتفاع في إطار محاولات لإعادة فرض الرسوم الملغاة عبر مسارات قانونية مختلفة، ربما تتطلب تحقيقات مستقلة أو إجراءات من الكونغرس.

وأشار القاضي نيل غورسوش، في رأيه المؤيد للأغلبية، إلى أهمية الضمانات الإجرائية في ترسيخ سياسة مستقرة، موضحاً أن المقترحات التي تمر عبر العملية التشريعية وتحظى بدعم واسع «تميل إلى الاستمرار، ما يتيح للأفراد والشركات تخطيط حياتهم وأنشطتهم، على عكس القواعد التي تتغير يومياً».

عامل يسير داخل مصنع شركة «ذا لوكشري بيرغولا» المتخصصة في تصنيع البرغولات الألومنيوم في نوبلزفيل بإنديانا (أ.ب)

تفاؤل حذر رغم الضبابية

تأتي هذه التطورات في وقت يسوده قدر من التفاؤل بشأن الاقتصاد الأميركي. ففي استطلاع أجرته الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال، أفاد نحو 60 في المائة من الاقتصاديين بأنهم لا يتوقعون حدوث ركود خلال العام المقبل، مقارنة بـ44 في المائة في أغسطس (آب). كما رأى 74 في المائة منهم أن انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة معتدلة على الأقل في نمو الإنتاجية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وهو تحول قد يعزز قدرة الاقتصاد الأميركي على النمو.

من جانبه، كتب برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، أن موجة عدم اليقين الجديدة قد لا تغيّر المسار العام للنمو، ولكنها قد تؤثر سلباً في الأشهر المقبلة. وقدّر أن معدل التعريفة الفعلي سينخفض من 12.7 في المائة إلى 8.3 في المائة بعد استبعاد الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مع بقاء احتمال تطبيق تعريفة 15 في المائة الجديدة على نطاق واسع، ولو لفترة مؤقتة.

وأضاف أن أي دفعة قصيرة الأجل للنمو نتيجة خفض الرسوم «من المرجح أن يقابلها جزئياً استمرار حالة عدم اليقين». وحتى إذا نجحت الإدارة في إعادة فرض مستوى إجمالي مماثل من الرسوم عبر أدوات أخرى، فإن التأثيرات القطاعية والجغرافية قد تختلف جذرياً، ما يخلق موجة جديدة من الضبابية للشركات والمستثمرين والأسر على حد سواء.


الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع الدولار الأميركي، يوم الاثنين، بعدما رأى المتداولون أن قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء سلسلة من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عامل داعم للنمو العالمي. غير أن حالة الارتباك المحيطة بالسياسات التجارية، إلى جانب مخاطر تصاعد التوتر مع إيران، أبقت تحركات الأسواق في نطاق حذر.

وارتفع اليورو بنسبة 0.4 في المائة إلى 1.1820 دولار، كما صعد الجنيه الإسترليني 0.3 في المائة إلى 1.3516 دولار خلال الجلسة الآسيوية، التي اتسمت بهدوء نسبي نتيجة عطلة في اليابان وعطلة رأس السنة القمرية في الصين. في المقابل، تراجع الدولار 0.4 في المائة إلى 154.40 ين ياباني، وفق «رويترز».

كانت المحكمة العليا قد قضت يوم الجمعة، بأن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترمب تجاوزت صلاحياته القانونية. وردّ ترمب بانتقاد حاد للحكم، معلناً فرض تعريفة جمركية عامة بنسبة 15 في المائة على الواردات، ومؤكداً تمسكه باتفاقيات التعريفات المرتفعة مع الشركاء التجاريين.

وقال سيم موه سيونغ، استراتيجي العملات في بنك «أو سي بي سي» بسنغافورة، إن هذا التطور «يُضعف الدولار، إذ قد يدعم النمو خارج الولايات المتحدة». وأضاف أن الانعكاسات بعيدة المدى على أسعار الصرف لا تزال غير واضحة؛ إذ قد يؤدي تراجع الإيرادات الأميركية إلى الإضرار بالمركز المالي والدولار، في حين أن تقليص صلاحيات ترمب قد يُنظر إليه بإيجابية من زاوية الحد من تقلبات السياسات.

وارتفع الدولار النيوزيلندي بشكل طفيف ليقترب من مستوى 60 سنتاً أميركياً، بينما تراجع الدولار الأسترالي قليلاً إلى 0.7070 دولار، علماً بأن الولايات المتحدة كانت قد فرضت سابقاً تعريفة بنسبة 10 في المائة فقط على السلع الأسترالية. كما صعد الفرنك السويسري، الذي يُعد ملاذاً آمناً، بنسبة 0.5 في المائة إلى 0.7727 فرنك مقابل الدولار.

وقال جيسون وونغ، الاستراتيجي في «بنك نيوزيلندا» في ويلينغتون، إن الحكم «يمثل خطوة إضافية نحو تقييد سلطة ترمب، وهو ما يُعد إيجابياً للأسواق». لكنه أشار إلى أن المشهد لا يزال معقداً ومتغيراً، ولا يمكن التنبؤ بمساره بسهولة.

وبالإضافة إلى ملف الرسوم الجمركية، تتابع الأسواق عن كثب التعزيزات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، في ظل الضغوط على إيران للتخلي عن برنامجها النووي، كما تترقب خطاب حالة الاتحاد الذي سيلقيه ترمب يوم الثلاثاء.

رسوم مؤقتة وغموض قانوني

تسري الرسوم البديلة التي فرضها ترمب لمدة 150 يوماً، فيما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ملزَمة برد الرسوم التي سبق أن دفعها المستوردون، إذ لم يتطرق حكم المحكمة العليا إلى هذه المسألة.

ويتوقع محللون سنوات من التقاضي وموجة جديدة من الضبابية قد تعرقل النشاط الاقتصادي، في وقت يسعى فيه ترمب إلى إيجاد آليات قانونية بديلة لإقرار حزمة رسوم عالمية بصورة دائمة.

وقال تاي هوي، كبير الاستراتيجيين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «جي بي مورغان» لإدارة الأصول، إن التطورات «تعكس اعتماد استراتيجية الإدارة لزيادة الإيرادات على مصادر قد تكون عرضة لقدر كبير من عدم اليقين، في حين يظل الميل إلى الإنفاق مرتفعاً». وأضاف أن هذا الوضع قد يدفع مستثمري السندات إلى توخي مزيد من الحذر حيال مسار الانضباط المالي.

في سياق متصل، دعت المفوضية الأوروبية الولايات المتحدة إلى الالتزام بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه العام الماضي مع الاتحاد الأوروبي، والذي ينص على إلغاء الرسوم الجمركية على بعض المنتجات، من بينها الطائرات وقطع الغيار. كما يدرس شركاء واشنطن التجاريون في آسيا بحذر تداعيات حالة عدم اليقين الجديدة، شأنهم شأن المستثمرين الذين سبق أن فاجأتهم ردود فعل الأسواق على الرسوم التجارية التي فرضها ترمب، والتي لم تنجح في تقليص العجز التجاري الأميركي.

تحولات في رهانات الدولار

قبل انتخاب ترمب، راهن كثير من المستثمرين على أن الرسوم الجمركية ستدعم الدولار، على أساس أن شركاء الولايات المتحدة سيعمدون إلى خفض قيمة عملاتهم لتعويض تراجع صادراتهم.

غير أن الدولار اتخذ مساراً معاكساً في عام 2025، إذ تراجع مؤشره بأكثر من 9 في المائة، مع تركّز اهتمام الأسواق على توقعات خفض أسعار الفائدة، والمخاوف المتعلقة بالعجز المالي الأميركي، إضافةً إلى التقلبات المرتبطة بسياسات ترمب.

وقال ريتشارد يتسينغا، كبير الاقتصاديين في مجموعة «إيه إن زد»، خلال بودكاست خاص بالبنك، إن «الإدارة الأميركية ستكون مقيدة إلى حد كبير في قدرتها على استخدام الرسوم الجمركية على نطاق واسع». وأضاف: «لا أعتقد أن ذلك سيُحدث تغييراً جوهرياً في مسار الاقتصاد العالمي».