تجدد أزمة شرق السودان... ومطالب بإقالة حاكم إقليم البحر الأحمر

اعتصام في بورتسودان وإغلاق شركة تعدين حكومية وتهديد بغلق الموانئ

ميناء بورتسودان على البحر الأحمر (غيتي)
ميناء بورتسودان على البحر الأحمر (غيتي)
TT

تجدد أزمة شرق السودان... ومطالب بإقالة حاكم إقليم البحر الأحمر

ميناء بورتسودان على البحر الأحمر (غيتي)
ميناء بورتسودان على البحر الأحمر (غيتي)

عادت نبرة التهديد بإغلاق شرق السودان وقطع حركة النقل بينه وبقية أنحاء البلاد وشواطئ وموانئ البحر الأحمر، تتردد مرة أخرى، في إعادة لسيناريو الإغلاق السابق الذي أوقف حركة الصادر والوارد كلياً في العام الماضي. وجاءت هذه الخطوة بعد مزاعم بـ«نكوص» السلطة العسكرية عن الإيفاء بتعهدات قطعتها للمواطنين مقابل إسهام قيادات الشرق في تهيئة المناخ للإجراءات التي اتخذها قائد الجيش في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبالضغط على حكومة رئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك بإغلاق الموانئ والطريق البري الرابط الشرق مع العاصمة، ومنها بقية أنحاء البلاد.
وفي تصعيد جديد، أعلن محتجون من قومية «البجا» في الشرق، إغلاق مقر الشركة السودانية للموارد المعدنية، بعد اعتصام استمر أكثر من أسبوع للمطالبة بإقالة حاكم الإقليم، وهددوا بتوسيع الإغلاقات لتشمل كل الشركات وليصل إغلاق الإقليم بشكل كامل بما في ذلك الموانئ والطرق البرية، أسوة بتجربة الإغلاق السابقة.
- قضية التهميش
ويتكون إقليم شرق السودان من ثلاث ولايات هي «ولاية البحر الأحمر، وكسلا، والقضارف»، ويقع على شاطئ البحر الأحمر الذي يمثل المنفذ البحري الوحيد للسودان، ويبلغ طوله نحو 700 كيلومتر، وتحده من جهة الشمال مصر، ومن الشرق والجنوب دولتا إريتريا وإثيوبيا، وتوجد به الميناء الرئيسي «ميناء بورتسودان» إلى جانب ميناء «سواكن» التاريخي، وميناء «بشائر» الخاص بتصدير نفط السودان ونفط جمهورية جنوب السودان.
وبرغم ثراء الإقليم بموارده الزراعية والمائية والمعدنية، فهو يعاني مما يطلق عليه «التهميش» والفقر المدقع المستمر منذ استقلال البلاد في 1956، وهو يحوز على أراض زراعية واسعة وخصيبة، تسقيها الأمطار الغزيرة في ولايات القضار وكسلا، إضافة إلى مياه خمسة أنهار، بينما تعاني ولاية البحر الأحمر ذات الطبيعة الساحلية والجبلية القاحلة من شح الموارد والمياه وتدني الخدمات التعليمية والصحية. كما تعد ولاية القضارف من الولايات الأولى في الإنتاج الزراعي في البلاد، ومع ذلك تعتبر نسب الفقر في الإقليم هي الأعلى في السودان.
- «مجلس نظارات البجا»
وأغلق تجمع قبلي يحمل اسم «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة» في ديسمبر (كانون الأول) 2021، موانئ البحر الأحمر والطريق البري الرابط بين الشرق ووسط البلاد، احتجاجاً على ما نصت عليه اتفاقية السلام الموقعة في جوبا في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، بتخصيص «مسار» خاص بشرق السودان. ويرفض التجمع، الذي يقوده الزعيم القبلي محمد الأمين ترك الأشخاص الذين يمثلون الإقليم، ما شل البلاد وحركة الصادر والوارد والتواصل بين الشرق وبقية أنحاء البلاد لقرابة الشهر، وهو الأمر الذي عده معارضون لإجراءات قائد الجيش تمهيداً مقصوداً ضمن خطة لإضعاف الحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك وإسقاطها، وهو التحليل الذي أكده ترك في تصريحات صحافية مؤخراً. وأفلحت وساطة قادها نائب رئيس مجلس السيادة الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتي»، في إنهاء الإغلاق بتعليق مسار شرق السودان إلى حين توافق أهل الشرق، وتكوين لجنة أهلية عليا لجبر الضر، وجلوس أطراف الشرق للاتفاق على مشاكل الإقليم المزمنة، التي يرون أن مسار الشرق لم يعبر عنها. وعادت نبرة التهديد مجدداً على لسان الزعيم القبلي محمد الأمين ترك الذي قال في تصريحات، إن مجلسه سيغلق شرق البلاد كلياً، إذا استمر رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال في السودان، فولكر بيرتس، فيما أطلق عليه «تحركاته الإقصائية»، وعضدت تصريحات من قيادات «البجا» احتمالات التصعيد وإغلاق الإقليم.
- التهديد بالإغلاق
بيد أن الأمين ترك، وعقب لقاء بين مكونات شرق السودان والآلية الأممية الثلاثية (المكونة من بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال، والهيئة الحكومة للتنمية في أفريقيا، والاتحاد الأفريقي) التي تتولى تيسير العودة للانتقال المدني، قال إنهم لن يغلقوا الميناء إلا إذا تجاهلتهم الحكومة مثلما فعلت «ما تسمى بالحكومة المدنية». وأضاف: «في هذه الحالة سنعود للمربع الأول وقفل الموانئ والطرق».
ووصف ترك تصريحاته بأنها كانت شرطاً وليست إعلاناً بقفل الموانئ والطرق، وأعلن: «أطمئن كل الأخوة في الملاحة البحرية والصادر والوارد، ليست هناك نوايا لإغلاق الموانئ ولا الطرق، عموماً لا يوجد الآن ما يستدعي قفل البحر ولا الطرق، وإذا دار كلام مثل هذا فهو رأي شخصي وليس رأي المجلس». وقال المتحدث باسم المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، عبد الله أوبشار لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن أهل الشرق يعتصمون منذ أيام أمام حكومة ولاية البحر الأحمر، وقاموا بإغلاق الشركة السودانية للموارد المعدنية أمس، وذلك وفق خطة تصعيد مرسومة ومذكرة تم تسليمها للجنة أمن الولاية، ضمن عمليات إغلاق تدريجي. بيد أنه نفى وجود نوايا إغلاق بقوله: «لا صحة لنوايا بإغلاق الطريق القومي والموانئ في الوقت الحالي إطلاقاً».
وأوضح أوبشار أن اللجنة السيادية المكلفة بالجانب الأمني في البلاد، وهي معنية بتنفيذ اتفاق «القلد» - هو تقليد أهلي يقوم على جبر الضرر ودفع الديات - لم تكمل عملها، لكن لا توجد خطوات ملموسة في الجوانب السياسية لمعالجة القضية، بل إن هناك مساعي لتمرير «مسار شرق السودان المجمد» عبر والي ولاية البحر الأحمر. وتابع: «إنه يعمل بكل جد واجتهاد لتمرير المسار، لهذا طالبنا بإقالته».
- لقاء مع «يونتامس»
وبشأن لقاء المجلس مع بعثة «يونتامس» أول من أمس، قال أوبشار إنهم أكدوا للآلية ما تم الاتفاق معها عليه قبل قرارات 25 أكتوبر في مؤتمر أركويت لمعالجة القضية، وهو الاتفاق الذي عطلته قرارات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان. وأضاف: «بالأمس طلبنا منهم العمل معنا وفق الرؤية السابقة عبر النقاط الأربع لمعالجة القضية». ويطالب المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، بإلغاء مسار شرق السودان، وعقد منبر تفاوضي جديد، وحق أبناء الإقليم في حكم إقليمهم، وإيقاف عمليات التعدين في الإقليم، والحفاظ على الحقوق الثقافية والتاريخية للإقليم، وحال عدم تحققه فإنهم سيطالبون بحق تقرير المصير وفقاً للمواثيق والأعراف الدولية التي تبيح هذا الحق، وأضافوا لها لاحقاً إقالة والي ولاية البحر الأحمر علي أدروب بعد اتهامه بتنفيذ سياسات مناوئة لأهل الإقليم.
وشهد شرق السودان حركات احتجاجية في أوقات سابقة أهمها مشاركة حزب «مؤتمر البجا» في التحالف الوطني الديمقراطي الذي كان يقود الحرب ضد حكومة الإسلاميين برئاسة المعزول عمر البشير، ومشاركته في العمليات التي كان يقودها من دولة إريتريا. وبعيد توقيع اتفاقية السلام السودانية «نيفاشا»، تم توقيع «اتفاقية سلام شرق السودان» في العاصمة الإريترية أسمرا عام 2006، وترتب عليها مشاركة الإقليم في حكم البلاد وحقه في حكم نفسه، وتخصيص صندوق لإعادة إعمار الإقليم، وحفظ حقوقه التاريخية. لكن النظام المعزول لم ينفذ من الاتفاق إلا مشاركة الإقليم في السلطة التنفيذية، وحال الفساد دون أن يلعب صندوق «تنمية شرق السودان» دوره المرسوم وفق الاتفاقية.
- جذور الأزمة
وتعود جذور الأزمة في شرق السودان إلى ما قبل الاستقلال، وتتمثل فيما يواجهه الإقليم من تهميش اقتصادي وسياسي، لكنها ظلت «كامنة» قبل أن تتفجر بعد اتفاقية سلام جوبا بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة التي كانت تقاتل حكومة البشير، والتي نصت على تسمية «مسار» خاص بشرق السودان، وهو ما ترفضه المجموعة التي يقودها الناظر ترك، وتقول إنه لا يحقق مطالب الإقليم ومن وقعوه لا يمثلون شعب البجا، ما أدى لأزمة سياسية أغلقت بسببها المجموعات البجاوية شرق السودان، واضطرت الحكومة لإعلان تعليق المسار. وشاركت في تلك الاحتجاجات مجموعات من قبائل المجموعة البجاوية، وهم قبائل الهدندوة، والبشاريين، والعبابدة، والأمرأر، والحلنقة، وأرتيقة، وشاياب، وجميلاب، وبداويت، بجانب مجموعات بني عامر، وحباب، وماريا، وقبائل أخرى، لها امتدادات إقليمية.
وقال القيادي في المجلس، العمدة حامد أبو زينب، في تصريحات بثتها صفحة المجلس على «فيسبوك»، أمس، إنهم وبعد ثمانية أيام من الاعتصام أمام أمانة الحكومة اتجهوا لتتريس مقر شركة المعادن باعتبارها أكبر شركة تعدين تعمل في الإقليم ويعتمد عليها السودان، ولا تعود عائداتها لشعب البجا، وهم غير مستفيدين منها. وأضاف أن السلطة التي أعقبت الإنقاذ «قسمت الكيكة» دون أن تضع حساباً لشرق السودان، برغم أن الإقليم قدم شهداء من أجل الثورة. وتابع: «منذ أربع سنين كنا نذهب للخرطوم بقيادة النائب ترك لحل قضيتنا سلمياً، بدون مشاكل، نحن صابرون في إقليمنا رغم أن الثروات عندنا، فنحن أغنى إقليم، لكن أهله أفقر ناس على الإطلاق».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

القاهرة تُطالب بتفعيل «مجلس البحر الأحمر» سريعاً لحفظ الأمن الجماعي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
TT

القاهرة تُطالب بتفعيل «مجلس البحر الأحمر» سريعاً لحفظ الأمن الجماعي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على ضرورة الإسراع في تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، باعتباره إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الاستقرار الإقليمي.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي، الأربعاء، مع نظيره الإريتري عثمان صالح، وأكد فيه أن المرحلة الحالية تتطلب وضع آليات واضحة للأمن الجماعي، وفي مقدمتها تفعيل «مجلس البحر الأحمر» في أسرع وقت ممكن، بما يُسهم في مواجهة التحديات المشتركة، ويُعزز التعاون بين دول المنطقة.

ومجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن هو تكتل إقليمي تأسس في يناير (كانون الثاني) عام 2020، ويهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي، وتأمين الملاحة الدولية، وتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي بين الدول المشاطئة لأحد أهم الممرات المائية في العالم.

ويتشكل المجلس من دول عربية وأفريقية، هي السعودية ومصر والأردن واليمن والسودان وإريتريا والصومال وجيبوتي.

وقال عبد العاطي إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإريتري أسياس أفورقي اتفقا على الأهمية القصوى للالتزام بالمبادئ الراسخة للقانون الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها.

والتقى السيسي رئيس إريتريا، الاثنين؛ حيث بحثا الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، والتعاون القائم بين البلدين من أجل ضمان أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة البحرية به.

ووفق بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية، التقى عبد العاطي نظيره الإريتري، الأربعاء، وناقشا سُبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتنسيق المواقف إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، بأن عبد العاطي شدد «على دعم مصر الكامل لدولة إريتريا من أجل الحفاظ على سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها»، وجدد تأكيد حرصها على مواصلة البناء على الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، بما يُحقق مصالح الشعبين.

وفيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، شدد الوزيران، وفق بيان «الخارجية»، على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وجددا رفضهما الكامل لأي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق، أو لفرض نفاذها البحري بالمخالفة لأحكام القانون الدولي، مع دعم رؤية إريتريا بشأن إدارة البحر الأحمر، لا سيما تأكيد وحدة وسيادة الدول المطلة على البحر الأحمر».

وأضاف المتحدث الرسمي أن الوزيرين تبادلا الرؤى حول تطورات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي؛ حيث استعرض عبد العاطي رؤية مصر تجاه تطورات الأوضاع في السودان والصومال، مؤكداً موقفها الثابت تجاه الحفاظ على أمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي، باعتبارها امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري.

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري ونظيره الإريتري في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

وازداد التنسيق بين القاهرة وأسمرة خلال السنوات الأخيرة، في ظل خلافات تجمع البلدين ضد إثيوبيا التي ترفض طلب مصر إبرام اتفاق ملزم بشأن ملء وتشغيل «سد النهضة»، إضافة إلى التوتر القائم بين إريتريا وإثيوبيا، والتلويح بتصعيد عسكري.

وزار السيسي العاصمة الإريترية أسمرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وسط تفعيل آلية التنسيق الثلاثي بين مصر وإريتريا والصومال.

وفي مارس (آذار) الماضي، نقل عبد العاطي رسالة شفهية من السيسي إلى نظيره الإريتري بشأن «تعزيز العلاقات وتطويرها في مختلف المجالات». وفي مايو (أيار) الماضي، التقى عبد العاطي ووزير النقل كامل الوزير مع أفورقي في أسمرة لبحث تعزيز التعاون وتطورات البحر الأحمر. وشدد وزير الخارجية المصري حينها على أنه لا يجوز لأي أطراف غير مشاطئة الانخراط في ترتيبات أو تفاهمات تخص البحر الأحمر.

وبعد نحو أسبوع من الزيارة، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر.


مصر تدعم وساطة الكونغو الديمقراطية وتراهن على تفاهمات بين دول حوض النيل

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تدعم وساطة الكونغو الديمقراطية وتراهن على تفاهمات بين دول حوض النيل

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)

تصدر ملف نهر النيل والأوضاع الإنسانية والأمنية في شرق الكونغو الديمقراطية محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي الذي يزور القاهرة، الأربعاء، وتشهد بلاده اضطرابات أمنية كما تعاني من تفشي فيروس «إيبولا».

وهذه هي الزيارة الثانية من نوعها خلال أقل من عام، بعد زيارة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ويرى خبير في الشأن الأفريقي أن الزيارة تحمل في طياتها فرصة لتعزيز التعاون مع الكونغو الديمقراطية التي لم توقّع، مثلها مثل مصر، على «اتفاقية عنتيبي» للمياه وسط خلافات بشأن بنودها، مما يزيد التنسيق في مواجهات التحديات المائية، بالإضافة إلى إمكانية أن تلعب القاهرة دوراً مهماً في مساعي حل أزمة شرق الكونغو المتصاعدة للعام الثاني على التوالي.

ووفقاً لبيان الرئاسة المصرية، ناقش الرئيسان تطورات التعاون بين دول حوض النيل، وشددا على ضرورة احترام القانون الدولي المنظم للأنهار الدولية العابرة للحدود.

مصر تدعم وساطة شرق الكونغو وتؤكد على أهمية التوافق بين دول حوض النيل (الرئاسة المصرية)

وعقب المباحثات، شهد الرئيسان التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، تضمنت مذكرة لإنشاء جناح طبي مصري في مستشفى بالكونغو الديمقراطية، والتعاون في التطوير العمراني، واتفاقية لتعزيز العلاقات الاستثمارية، وفق البيان الرئاسي المصري.

المصالح المائية

ويرى خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط»، حسين البحيري، أن زيارة تشيسيكيدي تكتسب أهمية لعدة اعتبارات، منها «العلاقات المشتركة التي تجمع بين البلدين، وإدراك الكونغو الديمقراطية لمدى الثقل السياسي والاقتصادي والأمني الذي تمثله مصر في ظل التحديات المائية والأمنية بالقارة».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وبالنسبة لمصر، فإن الكونغو الديمقراطية تمثل أهمية استراتيجية كبرى كونها إحدى الدول المطلة على حوض نهر النيل، وهي من الدول التي لم تصدق حتى الآن على (اتفاقية عنتيبي) التي تقودها إثيوبيا وبعض الدول الأفريقية الأخرى، في مسعى لإعادة تقسيم مياه نهر النيل بما يتوافق مع السياسات الإثيوبية».

وفي عام 1999، جرى الإعلان عن اتفاقية إطارية لدول حوض النيل، عرفت باسم «عنتيبي»، نسبة لمدينة عنتيبي الأوغندية؛ ثم في 2010 وقعت عليها إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي، وانضم إليها جنوب السودان في يوليو (تموز) 2024، وسط رفض مصري وسوداني، وعدم توقيع من جانب كينيا والكونغو الديمقراطية.

وقال البحيري: «تعزيز العلاقات مع الكونغو الديمقراطية يمثل أهمية بالغة لمصر لضمان ثبات موقف الكونغو الحالي وعدم توقيعها أو تصديقها على هذه الاتفاقية التي من شأنها الإضرار بالمصالح المائية المصرية».

وفيما يتعلق بتفشي «الإيبولا»، أعلنت السلطات الكونغولية، الثلاثاء، وفاة 100 شخص على الأقل من بين 550 حالة إصابة بالفيروس، وذلك بعد أقل من شهر على إعلان تفشي المرض في شرق الكونغو الذي يشهد نزاعات مسلحة للعام الثاني على التوالي وسط مساع أميركية وقطرية وأفريقية لإنهاء الصراع دون جدوى.

شراكة استراتيجية

وفي مؤتمر صحافي عقب اللقاء، أكد السيسي أنه أجرى مع تشيسيكيدي «مباحثات ثنائية مثمرة وبناءة، عكست إرادتنا السياسية المشتركة نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات».

كما أكد الرئيس المصري الحرص على الاستمرار في دعم جهود إحلال السلام، واستعادة الأمن والاستقرار في شرق الكونغو، ومساندة المساعي التي يبذلها الوسطاء الأفارقة والدوليون، معرباً عن الاستعداد لدعم إجراءات بناء الثقة، وبناء وتعزيز السلام وجهود إعادة الإعمار والتنمية في المراحل اللاحقة.

وتحاول أكثر من 100 جماعة مسلحة، أبرزها حركة «23 مارس» المدعومة من رواندا المجاورة، السيطرة على شرق الكونغو الغني بالمعادن. ومع وجود سبعة ملايين نازح في البلاد، وصفت الأمم المتحدة الصراع في شرق الكونغو الذي تصاعد منذ بداية 2025، بأنه «إحدى أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً وخطورة على وجه الأرض».

مؤتمر صحافي للرئيس المصري ونظيره الكونغولي في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

ويعتقد البحيري أنه يمكن لمصر أن تلعب دوراً في مساعدة جمهورية الكونغو الديمقراطية على تسوية أزمة شرق الكونغو، متوقعاً أن يبرز دور لها في قيادة جهود الوساطة من خلال مؤسسات الاتحاد الأفريقي، ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد، لدعم ودفع تسوية الأزمة ووقف تداعياتها في ظل أوضاع إنسانية متردية.

وبالإشارة إلى أن الزيارة تأتي بعد يومين من أخرى قام بها الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي، قال البحيري إن توافد رؤساء الدول والحكومات الأفريقية على مصر، والتنسيق والاتصال المستمر معها بشأن الأزمات الداخلية أو القضايا المثارة على مستوى القارة، من شأنه أن يعزز الدور المصري بصورة أكثر إيجابية وفاعلية لمساعدة هذه الدول على تجاوز التحديات وسط مخاطر عديدة بالقارة.


هل تنجح وصفة «الحوار المهيكل» في توحيد الجيش الليبي؟

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)
TT

هل تنجح وصفة «الحوار المهيكل» في توحيد الجيش الليبي؟

تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء لجنة «5+5» العسكرية الليبية في أغسطس العام الماضي (البعثة الأممية)

أطل ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى واجهة المشهد الليبي مجدداً، عبر مقترح إحياء اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» وتوسيع صلاحياتها، في إطار توصيات ما يُعرف بـ«الحوار المهيكل»، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة، وسط استمرار الانقسام العسكري بين طرابلس وبنغازي.

وأوصى الحوار في تقريره النهائي، الصادر الأحد الماضي، بتوسيع مهام اللجنة لتتولى قيادة مسار توحيد الجيش الليبي، بعد جمود نسبي أصاب عملها، رغم دورها الأساسي في تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار عقب حرب العاصمة طرابلس (2019 - 2020).

مقر اللجنة العسكرية الليبية المشتركة في سرت (اللجنة)

وحتى الآن، لم تصدر اللجنة أي تعليق رسمي على هذه التوصيات، علماً بأنها لم تعقد اجتماعات دورية منتظمة منذ آخر اجتماع لها مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه في أغسطس (آب) العام الماضي، واقتصر نشاطها على اتصالات ولقاءات متفرقة، مما أثار التساؤلات عن فرص نجاحها وجدوى إعادة إحيائها.

وفي هذا السياق، ذكر مصدر عسكري في طرابلس، فضل عدم ذكر اسمه، أن مقترح توسيع صلاحيات اللجنة «قابل للنقاش، وقد يحظى بالقبول أو الرفض»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن فرص تنفيذه ترتبط بمدى توفر توافق إقليمي ودولي داعم لمسار توحيد المؤسسة العسكرية، إلى جانب ضغط واضح من مجلس الأمن الدولي.

وتعود نشأة لجنة «5+5» إلى مخرجات مؤتمر برلين عام 2020، باعتبارها آلية أممية تضم ممثلين عسكريين من شرق ليبيا وغربها، بهدف إدارة المسار العسكري بعد الحرب. إلا أن زخمها تراجع تدريجياً، خصوصاً بعد اجتماع عقد في القاهرة مطلع عام 2025، ما أعاد التساؤلات حول جدوى إعادة تفعيلها في ظل الانقسام السياسي والعسكري القائم.

نائب وزير الدفاع في غرب ليبيا عبد السلام الزوبي ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي صدام حفتر خلال حضورهما مناورة فلينتلوك بمدينة سرت الليبية أبريل الماضي (السفارة الأميركية)

وبحسب خلاصات «الحوار المهيكل»، فقد برز توجه واضح نحو الاعتماد على لجنة «5+5» باعتبارها أداة مركزية في ملف توحيد الجيش، مع مقترح منحها صلاحيات أوسع تتجاوز دورها التقليدي المرتبط بوقف إطلاق النار، لتشمل الإشراف على إعادة تنظيم وإدماج التشكيلات المسلحة على أسس مهنية، ومعالجة الاختلالات القانونية والتنظيمية داخل المؤسسة العسكرية، إضافة إلى وضع وتنفيذ خطط لإعادة الهيكلة والإصلاح.

كما أوصى المشاركون بإنشاء لجان فرعية متخصصة لمتابعة تنفيذ هذه الإصلاحات، مع توسيع المشاركة المجتمعية لتشمل مؤسسات المجتمع المدني والمرأة، والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة.

غير أن هذه التوصيات أعادت إلى السطح تساؤلات قديمة بشأن قدرة اللجنة على الانتقال من دورها التوافقي المحدود إلى قيادة مشروع معقد، يتعلق بتوحيد جيش منقسم، في ظل استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، وتعدد التشكيلات المسلحة، إلى جانب وجود قوات أجنبية ومرتزقة على الأرض الليبية.

ويرى مدير المركز الليبي للدراسات والأبحاث الأمنية، أشرف بوفردة، أن «إعادة إحياء لجنة (5+5) لن تحقق نتائج مختلفة عن السابق ما لم تتوافر بيئة سياسية وأمنية داعمة»، مشدداً على أن «نجاحها مرتبط بتوفر دعم دولي وإقليمي حقيقي، وإرادة سياسية وعسكرية لدى الأطراف الفاعلة في المشهد الليبي».

جانب من اجتماع سابق للجنة العسكرية الليبية المشتركة في أغسطس 2024 (البعثة الأممية)

وذهب بوفردة إلى الاعتقاد بأن اللجنة تحتاج إلى صلاحيات واضحة وأدوات تنفيذية فعالة، بدل الاكتفاء بدور تنسيقي أو استشاري محدود التأثير، مؤكداً أن غياب هذه الأدوات سيبقي أثرها محدوداً، مهما توسعت مهامها على الورق.

ورغم نجاح اللجنة في تثبيت وقف إطلاق النار، والحفاظ على قدر من الاستقرار النسبي منذ نهاية حرب طرابلس، فإنها لم تحقق تقدماً ملموساً في الملفات الجوهرية، وعلى رأسها توحيد المؤسسة العسكرية، ودمج التشكيلات المسلحة وإنهاء الوجود الأجنبي.

ويشير بوفردة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن اللجنة أُنشئت في ظرف محدد، وأدت مهمتها الأساسية بنجاح نسبي، وهي تثبيت وقف إطلاق النار، لكن محاولات توسيع مهامها لاحقاً اصطدمت بتعقيدات سياسية وعسكرية كبيرة. كما يعزو تعثر مسار التوحيد إلى «إشكالية بنيوية» داخل المنظومتين العسكريتين في الشرق والغرب، سواء من حيث هياكل القيادة أو التسلسل الهرمي، أو العقيدة القتالية.

على صعيد متصل، يبرز بقوة الدور الأميركي المتزايد في هذا الملف، خصوصاً بعد المناورة العسكرية «فلينتلوك»، التي رعتها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في مدينة سرت خلال أبريل الماضي، بمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها. وأسفرت تلك المناورات عن تشكيل لجنة مشتركة ليبية جديدة باسم «3+3»، عقدت اجتماعاً لبحث ترتيبات نسخة أخرى من «فلينتلوك» العام المقبل.

ويرى المحلل العسكري الليبي، محمد الترهوني، أن الحديث عن صيغ مثل «5+5» أو «3+3»، رغم أهميتها، لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط»، غياب آليات حاسمة لتفكيك نفوذ الميليشيات في غرب البلاد، إضافة إلى وجود تيارات متشددة، تعرقل أي تقدم في مسار التوحيد.

ويأتي هذا النقاش في ظل استمرار الانقسام السياسي بين حكومتين متنافستين؛ الأولى حكومة «الوحدة» في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية حكومة مكلفة من مجلس النواب في بنغازي برئاسة أسامة حماد، وهو انقسام ينعكس بشكل مباشر على فرص توحيد المؤسسة العسكرية.

ويشير مراقبون إلى أن توحيد الجيش الليبي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإنهاء الانقسام السياسي أولاً، وهو ما دفع «الحوار المهيكل» إلى التوصية بتوحيد السلطة التنفيذية، عبر حكومة انتقالية لمدة 24 شهراً باعتبارها مدخلاً أساسياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وهنا يعتقد عضو الحوار المهيكل، أشرف بودوارة، أن «توحيد الجيش لا يمكن أن يتحقق بقرارات إدارية أو أمنية فقط، بل يحتاج إلى مظلة سياسية مستقرة ومؤسسات موحدة»، مشدداً على أن «تقدم المسار السياسي سيعزز فرص توحيد المؤسسة العسكرية».

وقال بودوارة لـ«الشرق الأوسط» إن «نجاح أي مسار لتوحيد السلطة التنفيذية وبناء الثقة بين الأطراف، وتوفير بيئة سياسية مستقرة، من شأنه تسريع جهود توحيد الجيش، بينما سيبقي استمرار الانقسام السياسي هذا الملف معلقاً أمام عقبات كبيرة».

وانتهى بودوارة بالتأكيد على أن الحديث عن حسم ملف توحيد المؤسسة العسكرية لا يزال مبكراً، لكنه يرى أن أي تقدم في مسار توحيد السلطة السياسية يمثل «بارقة أمل» يمكن البناء عليها لتهيئة الظروف اللازمة لإنهاء الانقسام العسكري.