تجدد أزمة شرق السودان... ومطالب بإقالة حاكم إقليم البحر الأحمر

اعتصام في بورتسودان وإغلاق شركة تعدين حكومية وتهديد بغلق الموانئ

ميناء بورتسودان على البحر الأحمر (غيتي)
ميناء بورتسودان على البحر الأحمر (غيتي)
TT

تجدد أزمة شرق السودان... ومطالب بإقالة حاكم إقليم البحر الأحمر

ميناء بورتسودان على البحر الأحمر (غيتي)
ميناء بورتسودان على البحر الأحمر (غيتي)

عادت نبرة التهديد بإغلاق شرق السودان وقطع حركة النقل بينه وبقية أنحاء البلاد وشواطئ وموانئ البحر الأحمر، تتردد مرة أخرى، في إعادة لسيناريو الإغلاق السابق الذي أوقف حركة الصادر والوارد كلياً في العام الماضي. وجاءت هذه الخطوة بعد مزاعم بـ«نكوص» السلطة العسكرية عن الإيفاء بتعهدات قطعتها للمواطنين مقابل إسهام قيادات الشرق في تهيئة المناخ للإجراءات التي اتخذها قائد الجيش في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبالضغط على حكومة رئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك بإغلاق الموانئ والطريق البري الرابط الشرق مع العاصمة، ومنها بقية أنحاء البلاد.
وفي تصعيد جديد، أعلن محتجون من قومية «البجا» في الشرق، إغلاق مقر الشركة السودانية للموارد المعدنية، بعد اعتصام استمر أكثر من أسبوع للمطالبة بإقالة حاكم الإقليم، وهددوا بتوسيع الإغلاقات لتشمل كل الشركات وليصل إغلاق الإقليم بشكل كامل بما في ذلك الموانئ والطرق البرية، أسوة بتجربة الإغلاق السابقة.
- قضية التهميش
ويتكون إقليم شرق السودان من ثلاث ولايات هي «ولاية البحر الأحمر، وكسلا، والقضارف»، ويقع على شاطئ البحر الأحمر الذي يمثل المنفذ البحري الوحيد للسودان، ويبلغ طوله نحو 700 كيلومتر، وتحده من جهة الشمال مصر، ومن الشرق والجنوب دولتا إريتريا وإثيوبيا، وتوجد به الميناء الرئيسي «ميناء بورتسودان» إلى جانب ميناء «سواكن» التاريخي، وميناء «بشائر» الخاص بتصدير نفط السودان ونفط جمهورية جنوب السودان.
وبرغم ثراء الإقليم بموارده الزراعية والمائية والمعدنية، فهو يعاني مما يطلق عليه «التهميش» والفقر المدقع المستمر منذ استقلال البلاد في 1956، وهو يحوز على أراض زراعية واسعة وخصيبة، تسقيها الأمطار الغزيرة في ولايات القضار وكسلا، إضافة إلى مياه خمسة أنهار، بينما تعاني ولاية البحر الأحمر ذات الطبيعة الساحلية والجبلية القاحلة من شح الموارد والمياه وتدني الخدمات التعليمية والصحية. كما تعد ولاية القضارف من الولايات الأولى في الإنتاج الزراعي في البلاد، ومع ذلك تعتبر نسب الفقر في الإقليم هي الأعلى في السودان.
- «مجلس نظارات البجا»
وأغلق تجمع قبلي يحمل اسم «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة» في ديسمبر (كانون الأول) 2021، موانئ البحر الأحمر والطريق البري الرابط بين الشرق ووسط البلاد، احتجاجاً على ما نصت عليه اتفاقية السلام الموقعة في جوبا في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، بتخصيص «مسار» خاص بشرق السودان. ويرفض التجمع، الذي يقوده الزعيم القبلي محمد الأمين ترك الأشخاص الذين يمثلون الإقليم، ما شل البلاد وحركة الصادر والوارد والتواصل بين الشرق وبقية أنحاء البلاد لقرابة الشهر، وهو الأمر الذي عده معارضون لإجراءات قائد الجيش تمهيداً مقصوداً ضمن خطة لإضعاف الحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك وإسقاطها، وهو التحليل الذي أكده ترك في تصريحات صحافية مؤخراً. وأفلحت وساطة قادها نائب رئيس مجلس السيادة الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتي»، في إنهاء الإغلاق بتعليق مسار شرق السودان إلى حين توافق أهل الشرق، وتكوين لجنة أهلية عليا لجبر الضر، وجلوس أطراف الشرق للاتفاق على مشاكل الإقليم المزمنة، التي يرون أن مسار الشرق لم يعبر عنها. وعادت نبرة التهديد مجدداً على لسان الزعيم القبلي محمد الأمين ترك الذي قال في تصريحات، إن مجلسه سيغلق شرق البلاد كلياً، إذا استمر رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال في السودان، فولكر بيرتس، فيما أطلق عليه «تحركاته الإقصائية»، وعضدت تصريحات من قيادات «البجا» احتمالات التصعيد وإغلاق الإقليم.
- التهديد بالإغلاق
بيد أن الأمين ترك، وعقب لقاء بين مكونات شرق السودان والآلية الأممية الثلاثية (المكونة من بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال، والهيئة الحكومة للتنمية في أفريقيا، والاتحاد الأفريقي) التي تتولى تيسير العودة للانتقال المدني، قال إنهم لن يغلقوا الميناء إلا إذا تجاهلتهم الحكومة مثلما فعلت «ما تسمى بالحكومة المدنية». وأضاف: «في هذه الحالة سنعود للمربع الأول وقفل الموانئ والطرق».
ووصف ترك تصريحاته بأنها كانت شرطاً وليست إعلاناً بقفل الموانئ والطرق، وأعلن: «أطمئن كل الأخوة في الملاحة البحرية والصادر والوارد، ليست هناك نوايا لإغلاق الموانئ ولا الطرق، عموماً لا يوجد الآن ما يستدعي قفل البحر ولا الطرق، وإذا دار كلام مثل هذا فهو رأي شخصي وليس رأي المجلس». وقال المتحدث باسم المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، عبد الله أوبشار لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن أهل الشرق يعتصمون منذ أيام أمام حكومة ولاية البحر الأحمر، وقاموا بإغلاق الشركة السودانية للموارد المعدنية أمس، وذلك وفق خطة تصعيد مرسومة ومذكرة تم تسليمها للجنة أمن الولاية، ضمن عمليات إغلاق تدريجي. بيد أنه نفى وجود نوايا إغلاق بقوله: «لا صحة لنوايا بإغلاق الطريق القومي والموانئ في الوقت الحالي إطلاقاً».
وأوضح أوبشار أن اللجنة السيادية المكلفة بالجانب الأمني في البلاد، وهي معنية بتنفيذ اتفاق «القلد» - هو تقليد أهلي يقوم على جبر الضرر ودفع الديات - لم تكمل عملها، لكن لا توجد خطوات ملموسة في الجوانب السياسية لمعالجة القضية، بل إن هناك مساعي لتمرير «مسار شرق السودان المجمد» عبر والي ولاية البحر الأحمر. وتابع: «إنه يعمل بكل جد واجتهاد لتمرير المسار، لهذا طالبنا بإقالته».
- لقاء مع «يونتامس»
وبشأن لقاء المجلس مع بعثة «يونتامس» أول من أمس، قال أوبشار إنهم أكدوا للآلية ما تم الاتفاق معها عليه قبل قرارات 25 أكتوبر في مؤتمر أركويت لمعالجة القضية، وهو الاتفاق الذي عطلته قرارات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان. وأضاف: «بالأمس طلبنا منهم العمل معنا وفق الرؤية السابقة عبر النقاط الأربع لمعالجة القضية». ويطالب المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، بإلغاء مسار شرق السودان، وعقد منبر تفاوضي جديد، وحق أبناء الإقليم في حكم إقليمهم، وإيقاف عمليات التعدين في الإقليم، والحفاظ على الحقوق الثقافية والتاريخية للإقليم، وحال عدم تحققه فإنهم سيطالبون بحق تقرير المصير وفقاً للمواثيق والأعراف الدولية التي تبيح هذا الحق، وأضافوا لها لاحقاً إقالة والي ولاية البحر الأحمر علي أدروب بعد اتهامه بتنفيذ سياسات مناوئة لأهل الإقليم.
وشهد شرق السودان حركات احتجاجية في أوقات سابقة أهمها مشاركة حزب «مؤتمر البجا» في التحالف الوطني الديمقراطي الذي كان يقود الحرب ضد حكومة الإسلاميين برئاسة المعزول عمر البشير، ومشاركته في العمليات التي كان يقودها من دولة إريتريا. وبعيد توقيع اتفاقية السلام السودانية «نيفاشا»، تم توقيع «اتفاقية سلام شرق السودان» في العاصمة الإريترية أسمرا عام 2006، وترتب عليها مشاركة الإقليم في حكم البلاد وحقه في حكم نفسه، وتخصيص صندوق لإعادة إعمار الإقليم، وحفظ حقوقه التاريخية. لكن النظام المعزول لم ينفذ من الاتفاق إلا مشاركة الإقليم في السلطة التنفيذية، وحال الفساد دون أن يلعب صندوق «تنمية شرق السودان» دوره المرسوم وفق الاتفاقية.
- جذور الأزمة
وتعود جذور الأزمة في شرق السودان إلى ما قبل الاستقلال، وتتمثل فيما يواجهه الإقليم من تهميش اقتصادي وسياسي، لكنها ظلت «كامنة» قبل أن تتفجر بعد اتفاقية سلام جوبا بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة التي كانت تقاتل حكومة البشير، والتي نصت على تسمية «مسار» خاص بشرق السودان، وهو ما ترفضه المجموعة التي يقودها الناظر ترك، وتقول إنه لا يحقق مطالب الإقليم ومن وقعوه لا يمثلون شعب البجا، ما أدى لأزمة سياسية أغلقت بسببها المجموعات البجاوية شرق السودان، واضطرت الحكومة لإعلان تعليق المسار. وشاركت في تلك الاحتجاجات مجموعات من قبائل المجموعة البجاوية، وهم قبائل الهدندوة، والبشاريين، والعبابدة، والأمرأر، والحلنقة، وأرتيقة، وشاياب، وجميلاب، وبداويت، بجانب مجموعات بني عامر، وحباب، وماريا، وقبائل أخرى، لها امتدادات إقليمية.
وقال القيادي في المجلس، العمدة حامد أبو زينب، في تصريحات بثتها صفحة المجلس على «فيسبوك»، أمس، إنهم وبعد ثمانية أيام من الاعتصام أمام أمانة الحكومة اتجهوا لتتريس مقر شركة المعادن باعتبارها أكبر شركة تعدين تعمل في الإقليم ويعتمد عليها السودان، ولا تعود عائداتها لشعب البجا، وهم غير مستفيدين منها. وأضاف أن السلطة التي أعقبت الإنقاذ «قسمت الكيكة» دون أن تضع حساباً لشرق السودان، برغم أن الإقليم قدم شهداء من أجل الثورة. وتابع: «منذ أربع سنين كنا نذهب للخرطوم بقيادة النائب ترك لحل قضيتنا سلمياً، بدون مشاكل، نحن صابرون في إقليمنا رغم أن الثروات عندنا، فنحن أغنى إقليم، لكن أهله أفقر ناس على الإطلاق».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تحذير أممي من «كارثة وشيكة» بالأُبَيّض

جلسة سابقة لمجلس الأمن في نيويورك يوم 21 مايو 2026 (رويترز)
جلسة سابقة لمجلس الأمن في نيويورك يوم 21 مايو 2026 (رويترز)
TT

تحذير أممي من «كارثة وشيكة» بالأُبَيّض

جلسة سابقة لمجلس الأمن في نيويورك يوم 21 مايو 2026 (رويترز)
جلسة سابقة لمجلس الأمن في نيويورك يوم 21 مايو 2026 (رويترز)

حذرت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، من أن السودان يقف على شفير كارثة إنسانية جديدة، مع تصاعد المؤشرات على هجوم وشيك على مدينة الأُبَيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان.

وكشفت ديكارلو، في جلسة لمجلس الأمن حول السودان، أن الأسبوعين الماضيين شهدا تصاعداً ملحوظاً في هجمات الطائرات المسيّرة التي تشنّها «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني في محيط الأُبَيّض. وأكدت أن أي تصعيد عسكري في المنطقة سيُعرّض مئات الآلاف من المدنيين لخطر مباشر.

في السياق، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 4 أفراد و4 شركات ضمن شبكة عابرة للحدود، تضم في معظمها مواطنين وشركات من كولومبيا، بتهمة تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين وتدريب مقاتلين، بينهم أطفال، للقتال إلى جانب «قوات الدعم السريع».


تحذير أممي من «كارثة وشيكة» في الأُبَيّض السودانية

جلسة سابقة لمجلس الأمن في نيويورك يوم 21 مايو 2026 (رويترز)
جلسة سابقة لمجلس الأمن في نيويورك يوم 21 مايو 2026 (رويترز)
TT

تحذير أممي من «كارثة وشيكة» في الأُبَيّض السودانية

جلسة سابقة لمجلس الأمن في نيويورك يوم 21 مايو 2026 (رويترز)
جلسة سابقة لمجلس الأمن في نيويورك يوم 21 مايو 2026 (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على ثمانية أفراد وكيانات عابرة للحدود، تضم في معظمها مواطنين وشركات من كولومبيا، قالت إنهم يسهِمون في تأجيج الحرب بالسودان، في حين حذرت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو، من أن السودان يقف على شفير كارثة إنسانية جديدة، مع تصاعد المؤشرات على هجوم وشيك على مدينة الأُبَيّض. عاصمة ولاية شمال كردفان.

وأفاد الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت، بأن بلاده «تتخذ إجراءات إضافية ضد المسؤولين عن استمرار العنف، وعرقلة جهود السلام، وتأجيج الحرب في السودان»، مضيفاً أن العقوبات تشمل ثمانية أفراد وكيانات «تسهِم في إطالة أمد الصراع المدمر من خلال عمليات التوريد والتجنيد». وقال: «تُزوّد ​​هذه الشبكات القوات المسلحة السودانية و(قوات الدعم السريع) بالأسلحة والمتفجرات والمقاتلين الأجانب. وأدى دعمهم إلى إطالة أمد صراع تسبب في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، ووفر بيئة خصبة للجماعات الإرهابية للعمل».وكذلك قال بيغوت: «نفرض جولة ثانية من العقوبات على السودان بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء عليها»، بما يشمل «منع تقديم القروض أو المساعدات المالية أو التقنية للسودان من المؤسسات المالية الدولية، وفرض قيود إضافية على الصادرات من وزارة التجارة، ومنع شركات الطيران السودانية المملوكة للدولة من العمل في الولايات المتحدة».

وفرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية عقوبات على أربعة أفراد وأربع شركات ضمن شبكة عابرة للحدود، تضم في معظمها مواطنين وشركات من كولومبيا، بتهمة تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين وتدريب مقاتلين، بينهم أطفال، للقتال إلى جانب «قوات الدعم السريع». وقال وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، جون هيرلي، إن «قوات الدعم السريع» «أظهرت مراراً استعدادها لاستهداف المدنيين، بمن فيهم الرضع والأطفال، وإن ممارساتها الوحشية أسهمت في تفاقم الصراع وزعزعة استقرار المنطقة، بما يهيئ بيئة مواتية لنمو الجماعات الإرهابية». وشملت العقوبات عدداً من الأفراد والكيانات الرئيسة، أبرزهم ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا، وهو ضابط كولومبي متقاعد يحمل الجنسيتين الكولومبية والإيطالية. وحسب وزارة الخزانة الأميركية، تُعد شركة «إنترناشيونال سيرفيسز إيجنسي» التي تتخذ من بوغوتا مقراً لها، المركز الرئيسي لعمليات التجنيد. وأشارت الوزارة إلى أن هذه الشركة تعتمد على شركة «غلوبال ستافينغ» المسجلة في بنما، والتي تعمل حالياً تحت اسم «تالنت بريدج». كما شملت العقوبات شركة «مين غلوبال كورب»، وهي وكالة توظيف مقرها بوغوتا، يديرها ماتيو أندريس دوكي بوتيرو، الحاصل على الجنسيتين الكولومبية والإسبانية. كذلك، طالت العقوبات المواطنة الكولومبية مونيكا مونيوز أوكروس، التي تشغل منصب المدير البديل لشركة «مين غلوبال كورب»، إلى جانب إدارتها شركة «سان بينديتو» التي تتخذ من العاصمة الكولومبية بوغوتا مقرّاً لها.

وتؤكد إدارة الرئيس دونالد ترمب «التزامها بتحقيق سلام دائم في السودان». وهي دعت الأطراف المتحاربة إلى «الموافقة على هدنة إنسانية غير مشروطة، والالتزام بها لإنهاء الفظائع وتخفيف المعاناة الهائلة للشعب السوداني».

 

 

وأضاف بيغوت: «تدعو الولايات المتحدة إلى إنهاء كل أشكال الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وتحض جميع شركائها على الضغط من أجل وقف شامل للأعمال العدائية وزيادة وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق».

مجلس الأمن

وبصورة متزامنة، عقد مجلس الأمن جلسة ناقش خلالها تطورات الوضع في السودان. واستمع إلى إحاطتين من ديكارلو ونائبة المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) لشؤون الإدارة حنان سليمان.

وكشفت ديكارلو عن أن الأسبوعين الماضيين شهدا تصاعداً ملحوظاً في هجمات الطائرات المسيّرة التي يشنّها الطرفان في محيط الأُبَيّض، في حين وسّعت «قوات الدعم السريع» انتشارها حول المدينة بشكل لافت. وأكدت أن أي تصعيد عسكري في المنطقة سيُعرّض مئات الآلاف من المدنيين لخطر مباشر. وحذّرت من أن معركة كبرى في الأُبَيّض ستُفضي إلى موجات نزوح جديدة نحو مناطق منهكة أصلاً، وستُعمّق حالة عدم الاستقرار في منطقة كردفان الأوسع، مشيرة إلى أن «فرصة تجنب تصعيد أوسع في الأبيض تتضاءل بسرعة».

 

روزماري ديكارلو وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام (أ.ب)

 

على صعيد أوسع، كشفت ديكارلو عن أن القتال يتواصل في السودان على جبهات متعددة، لا سيما في منطقة كردفان الكبرى التي تبقى مركز الصراع، مع اشتداد حدة المعارك حول ديلينغ وكادوقلي وبابانوسة. كما يبقى الوضع الأمني متقلباً في ولايتي النيل الأبيض والنيل الأزرق. أبدت المسؤولة الأممية قلقاً بالغاً إزاء التوسع في استخدام الطائرات المسيّرة، واصفة إياه بأنه يجعل الصراع «أكثر غموضاً، وأكثر انتشاراً جغرافياً، وأكثر فتكاً بالمدنيين». وأشارت إلى أن هذا التطور يعني أنه لن يكون ثمة راحة للمدنيين حتى خلال موسم الأمطار، الذي اعتاد تاريخياً أن يُفضي إلى تراجع نسبي في حدة القتال.

وفي لهجة حازمة، أكدت ديكارلو أن «الأطراف لا يمكنها الاستمرار في هذه الوتيرة من القتال دون الأسلحة المتطورة التي تحصل عليها من خلال الدعم الخارجي»، داعية جميع الجهات الفاعلة الخارجية إلى «استخدام نفوذها للمساعدة في إنهاء هذه الحرب بدلاً من التواطؤ فيها».

وأشارت أيضاً إلى أن الصراع يتصاعد في ظل توترات إقليمية متنامية؛ إذ اشتعلت التوترات بين السودان وإثيوبيا في أوائل مايو (أيار) الماضي على خلفية مزاعم بالتدخل في الشؤون الأمنية الداخلية لكلا البلدين، في حين لا تزال التوترات مرتفعة بين السودان وتشاد في أعقاب اشتباكات وقعت في وقت سابق من العام الحالي. وحذَّرت من أن هذه التوترات قد تتحوّل عوامل تجرّ الدول المجاورة بشكل مباشر إلى الصراع.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أشارت ديكارلو إلى أن المبعوث الشخصي للأمين العام يواصل جولاته المكوكية في المنطقة، وهو أجرى مشاورات مع أطراف النزاع وطيف واسع من الجهات السودانية والدولية، مؤكدة أن الطرفين أبديا انفتاحاً على مواصلة هذه المناقشات في الأسابيع المقبلة.

 

كما أشارت إلى أن اللجنة الخماسية، التي تضم الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والهيئة الحكومية الدولية للتنمية، وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، عقدت في أوائل يونيو (حزيران) مشاورات في أديس أبابا مع مجموعة واسعة من المدنيين السودانيين، وأعربت عن تفاؤل حذر حيال ما أسفرت عنه من توافق على ضرورة حوار سياسي سوداني بقيادة سودانية.

غير أن ديكارلو شدّدت على أن الجهود الأممية لا يمكنها أن تحلّ محل الإرادة السياسية اللازمة لإنهاء الحرب، مختتمة كلامها بنداء مباشر لأعضاء مجلس الأمن: «كلماتكم وأفعالكم مهمة. ندعوكم إلى بذل المزيد من الجهد».


الحكومة المصرية تعزز جهود تأمين إمدادات الطاقة خلال الصيف

وزير البترول المصري خلال استقبال شحنات الغاز المسال بميناء دمياط الجمعة (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزير البترول المصري خلال استقبال شحنات الغاز المسال بميناء دمياط الجمعة (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
TT

الحكومة المصرية تعزز جهود تأمين إمدادات الطاقة خلال الصيف

وزير البترول المصري خلال استقبال شحنات الغاز المسال بميناء دمياط الجمعة (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)
وزير البترول المصري خلال استقبال شحنات الغاز المسال بميناء دمياط الجمعة (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

تعزز مصر جهود تأمين إمدادات الطاقة خلال أشهر الصيف ضمن خطة تخفيف تأثيرات الحرب الإيرانية. وتابع مسؤولون مصريون، الجمعة، استقبال شحنات الغاز المسال بميناء دمياط لتأمين احتياجات السوق المحلية لقطاعي الكهرباء والصناعة.

ودعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، منتصف الشهر الحالي، إلى «ضرورة التوسع في أنظمة تخزين الطاقة لتعظيم عوائد الطاقات المتجددة، وتحقيق الاستقرار لشبكة الكهرباء».

وأكدت وزارة البترول على «الاستفادة من البنية التحتية التي تمتلكها مصر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، والتي تضم مصنعي (دمياط) و(إدكو) وهما المصنعان الوحيدان لإسالة الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط».

وتحدث وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، في إفادة، الجمعة، خلال استقبال شحنات الغاز المسال بميناء دمياط، عن «ما تمتلكه مصر من بنية تحتية متكاملة في مجال إسالة الغاز». وأوضح أنه «يفتح آفاقاً واسعة لجذب مزيد من الاستثمارات وإقامة شراكات استراتيجية مع الدول والشركات العالمية»، مستشهداً بالتعاون القائم مع قبرص، وشركاء الاستثمار في البلدين لاستغلال موارد الغاز القبرصية من خلال البنية التحتية المصرية.

وأضاف الوزير بدوي أن «مصانع الإسالة المصرية تتمتع بالجاهزية الكاملة لاستقبال الغاز الطبيعي المنتج من الحقول القبرصية، وإسالته وإعادة تصديره إلى الأسواق العالمية بما يحقق قيمة اقتصادية لجميع الأطراف، ويعزز دور مصر بوصفها مركزاً إقليمياً لتداول وتجارة الطاقة».

جانب من محطة تغذية كهربائية لمشروعات الدلتا الجديدة في نوفمبر الماضي (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

وبحسب مراقبين «تُخطط مصر لاستيراد نحو 18.7 مليون طن من الغاز سواء المسال أو الطبيعي خلال العام المالي المقبل، لتلبية الطلب المتنامي الذي تُقدّره الحكومة بمتوسط 7 مليارات قدم مكعبة يومياً وفقاً لخطة 2026-2027».

كما تشير تقديرات حكومية إلى أن «فاتورة استيراد الغاز خلال العام المالي المقبل الذي يبدأ في يوليو (تموز) المقبل، مرشحة للارتفاع بنحو 2.2 مليار دولار مقارنة بتقديرات العام المالي الحالي».

ووفق بيان «مجلس الوزراء»، الجمعة، يُعد «مصنع دمياط» للغاز الطبيعي المسال، أحد المشروعات الاستراتيجية الرائدة في قطاع البترول، حيث بدأ تشغيله رسمياً مطلع عام 2005، ويتسم بالجاهزية للعودة لدوره المحوري في مجال إسالة وتصدير الغاز من خلال استقبال كميات الغاز من قبرص عند بدء الإنتاج من حقولها وإعادة تصديرها.

وفي مارس (آذار) الماضي، قال رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي إن الحكومة «عملت على وضع خطط استباقية لتأمين ملف الطاقة، وعدم الاكتفاء بسياسة ردّ الفعل، واتخذت إجراءات مهمة لتوفير كل الإمدادات المطلوبة من الغاز والبترول، لضمان انتظام الكهرباء والصناعة حتى في ظل الأزمات العالمية».

مسؤولون مصريون في ميناء دمياط الجمعة لتأمين الاحتياجات من الكهرباء خلال الصيف (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

نائب العضو المنتدب لشركة «دمياط»، ياسين محمد، قال من جانبه، إن «منظومة التشغيل والطاقة الاستيعابية للمصنع تبلغ نحو 5 ملايين طن سنوياً من الغاز المسال»، مؤكداً «الجاهزية الفنية الكاملة للمصنع، والالتزام بتطبيق أعلى معايير السلامة والصحة المهنية».

وتحدث عن منظومة استقبال وتخزين شحنات الغاز الطبيعي المسال الواردة من الخارج، والتي تعتمد على استقبال الشحنات عبر رصيف المصنع وتخزينها في الخزانات المخصصة، بما يسهم في تعظيم الاستفادة من الأصول والبنية التحتية المتاحة.

في سياق متصل، زار وزير البترول سفينة التغييز العائمة «إنرجوس وينتر»، الراسية على رصيف «الشركة المتحدة لمشتقات الغاز» بميناء دمياط، والتقى بطاقم العمل، واطمأن على انتظام وكفاءة العمليات التشغيلية.

وتُعد السفينة واحدة من 4 سفن تغييز تعمل حالياً في مصر لاستقبال شحنات الغاز الطبيعي المسال المستوردة، بالإضافة إلى 3 سفن بميناء السخنة، حيث تقوم بإعادة الغاز إلى حالته الطبيعية، وضخه في الشبكة القومية للغازات الطبيعية.

وبحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة، جمال القليوبي فإن «منظومة سفن التغييز الأربعة توفر طاقة تغييز إجمالية تصل إلى نحو 2.7 مليار قدم مكعبة من الغاز يومياً».

«سفينة تغييز» بميناء الإسكندرية في أغسطس الماضي (صفحة وزارة البترول على فيسبوك)

ودعا الرئيس السيسي في مارس الماضي إلى تأسيس وتجهيز بنية تحتية متكاملة لاستقبال الواردات من الغاز المسال، واستقدام وتشغيل «سفن التغييز».

وتؤكد الحكومة «قدرتها على تأمين الإمدادات اللازمة لمحطات الكهرباء والقطاعات الصناعية والاستهلاكية المختلفة خلال فترات الذروة بما يدعم استقرار منظومة الطاقة على مستوى ربوع البلاد».

أستاذ هندسة البترول والطاقة يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «قطاع البترول مستمر في دعم قطاع الكهرباء وقطاعات الصناعات وما تحتاج إليه مصر من الغاز الطبيعي، وهناك تعاقدات مع شركات متعددة».

وطبقت الحكومة خلال عامي 2023 و2024 خطة «تخفيف الأحمال»، وذلك بالتناوب في غالبية المحافظات. وتراوحت فترات انقطاع الكهرباء حينها من ساعة إلى 3 ساعات يومياً، مع استثناء المناطق السياحية، لكن الحكومة تعهدت في أكثر من رسالة طمأنة أخيراً بـ«عدم قطع التيار الكهربائي خلال أشهر الصيف».