الرئيس التونسي يعزل عشرات القضاة وسط احتجاج المعارضة

بينهم مسؤولون كانوا يشرفون على «الجهاز السري» لـ«النهضة»

الرئيس التونسي قيس سعيد (د.ب.أ)
الرئيس التونسي قيس سعيد (د.ب.أ)
TT

الرئيس التونسي يعزل عشرات القضاة وسط احتجاج المعارضة

الرئيس التونسي قيس سعيد (د.ب.أ)
الرئيس التونسي قيس سعيد (د.ب.أ)

عزل الرئيس التونسي قيس سعيد مساء أول من أمس 57 قاضيا، بعد أن اتهمهم في وقت سابق بـ«الفساد والتواطؤ والتستر على متهمين في قضايا إرهاب»، وذلك بعد أن أكد خلال اجتماع وزاري أنه سيتخذ قراراً سياسيا بتطهير القضاء. لكن هذه الخطوة الجديدة لاقت رفضاً واستنكاراً شديدين من قبل المعارضين لتوجهات رئيس الجمهورية.
وضمت القائمة، التي أعفاها الرئيس سعيد، قضاة كبارا، من بينهم يوسف بوزاخر رئيس المجلس الأعلى للقضاء المنحل، والبشير العكرمي، وهو قاضٍ يتهمه نشطاء سياسيون بأنه أخفى ملفات قضايا إرهابية، وبأنه على علاقة وطيدة بحزب النهضة الإسلامي، وهو ما تنفيه الحركة باستمرار. ومن بين القضاة المعزولين أيضاً متحدث سابق باسم القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، ومدير عام سابق للجمارك، وقضاة آخرون وجهت لهم اتهامات سابقة بالتقرب من أحزاب سياسية كانت نافذة، وقضاة كانوا يشرفون على ما يعرف بملف «الجهاز السري» المتعلق بالتحقيق في اغتيالات سياسية طالت سياسيين اثنين عام 2013.
وكان سعيد قد حل في وقت سابق هذا العام «المجلس الأعلى للقضاء»، وعوضه بمجلس مؤقت، في خطوة قال معارضوه وقضاة إنها تهدف لوضع يده على السلطة القضائية. كما سبق أن اتهم قضاة بأنهم متورطون في علاقات مشبوهة مع أحزاب سياسية. وصدرت في الجريدة الرسمية ليلة أول من أمس قائمة تضم أسماء 57 قاضيا، اتخذ قرار عزلهم بتهم مختلفة، من بينها «التستر على قضايا إرهابية»، و«الفساد» و«التحرش الجنسي»، و«الموالاة لأحزاب سياسية»، و«تعطيل مسار قضايا»، وستتم ملاحقتهم قضائيا، حسبما أكد سعيد في اجتماع وزاري.
وردا على هذا القرار أكدت «جبهة الخلاص الوطني»، وهي تكتل لأحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني معارضة لسعيد، في بيان أمس، أن ما قام به الرئيس «تدخل فظ» في القضاء. واتهمت سعيد بأنه أعطى لنفسه «حق عزل القضاة بناء على مجرد شبهة، دون حق الاعتراض، وقبل أن يقول القضاء الجزائي رأيه النهائي».
بدوره، اعتبر الأمين العام لحزب «التيار الديمقراطي» المعارض، غازي الشواشي، في مؤتمر صحافي أمس أن قرار العزل «تصفية حسابات ضد قضاة». فيما عبر قاضي المحكمة الابتدائية بقفصة، محمد علي البرهومي، عن استغرابه من قرار إعفائه من مهامه. وقال في تدوينة نشرها على حسابه بموقع «فايسبوك»، أمس، إنه «ذهب إلى وزارة العدل طالبا الحماية من مسؤول قضائي، فوجد نفسه مسجلا بقائمة الإعفاءات». مؤكدا أنه «لم يتم البحث معي في أي ملف فساد طيلة مسيرتي، وأتحدى أيا كان أن يثبت عكس ذلك وعلى الملأ».
من جهتها، استنكرت «مبادرة مواطنون ضد الانقلاب» في بيان لها عزل 57 قاضيا «بناءً على شبهات لم يتم البت فيها من قبل الهيئات التأديبية والقضائية»، وقالت إن قرار العزل «اقترن مع مرسوم عدّل مرسوما آخر، أنهى تماما مبدأ الفصل بين السلطات، ومنح فيه الرئيس سلطة عزل القضاة بمجرد الشبهة، ودون حق في الاعتراض والتظلم».
وأكدت «مبادرة مواطنون ضد الانقلاب» أن هذا الإجراء يأتي في سياق عزلة داخلية وخارجية للسلطة القائمة، وفي إطار محاولتها تحويل أزمتها الخانقة نحو «فتح معركة مع خصومها السياسيين لتصفيتهم عبر قضاء التعليمات والخضوع». وحذرت من أن يكون قرار الرئيس «إيذانا بمرحلة خطيرة من استعمال أجهزة الدولة والمرفق القضائي لإغلاق الحياة السياسية، واستهداف المعارضة، ويدفع بالبلاد إلى مخاطر المواجهة، وتعميق عزلتها». داعية الجسم القضائي إلى «الصمود في وجه هذا الاستهداف، ورفض كل أشكال الإخضاع».
من جانبه، قال رئيس «جمعية القضاة الشبان»، مراد مسعودي، في تعليقه على إعفاء 57 قاضيا إن رئيس الجمهورية اتخذ قراراً ظالما في حق «قضاة شرفاء لأنه جاء كرد فعل على وقوفهم ضد محاولته إرساء قضاء تابع له»، وفق تعبيره، مؤكدا أنهم سيتصدون لهذا القرار وسيرفعون شكايات دولية ووطنية، وإبلاغ الرأي العام بكل التطورات، والتحركات ضد الهجوم على مؤسسات الدولة وممثليها.
من جهة ثانية، حدد المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل موعد الإضراب العام الجهوي بولاية صفاقس في 16 من يونيو (حزيران) المقبل، وذلك على خلفية الوضع البيئي المتردي، وتواصل أزمة النفايات المتراكمة، وأيضاً المشاريع الكبرى المعطلة.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».


تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
TT

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في البلاد، في وقت تتصاعد فيه التطورات الميدانية في عدد من الأقاليم.

وجدَّد هافيستو، الذي يزور السودان في أول مهمة رسمية له منذ تعيينه، التزام الأمم المتحدة بدعم المساعي الهادفة إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والعمل على إيجاد حل سلمي دائم للنزاع، مؤكداً أن زيارته تمثل فرصة مهمة للاستماع المباشر إلى رؤى مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين الرئيسيين في البلاد.

وشدَّد المبعوث الأممي على أهمية تبني خيار الحوار وخفض التصعيد بوصفهما مدخلاً أساسياً نحو وقف شامل للأعمال العدائية، إلى جانب ضرورة إعطاء الأولوية لحماية المدنيين، واتخاذ تدابير لبناء ثقة تهيئ الظروف لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية. وأكَّد أن الأمم المتحدة «لا تزال منخرطة بشكل كامل مع الجهات المعنية كافة» لتعزيز السلام والاستقرار، وتقديم المساعدات الإنسانية في مختلف أنحاء السودان، مشدِّداً على حرص مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة على وحدة السودان وسلامة أراضيه. وأضاف أن المنظمة الدولية «تقف بحزم مع الشعب السوداني»، وتواصل العمل مع شركائها الدوليين لدعم الخطوات الجادة لإنهاء القتال، ورسم مسار نحو سلام دائم يتحقق عبر حوار شامل وحقيقي.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش (رويترز)

وخلال زيارته، التقى هافيستو بوزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، واستمع منه إلى شرح مفصل حول الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد في ظل استمرار النزاع. وأكَّد إبراهيم رفض الحكومة السودانية لأي «حلول جاهزة» قد يقدمها المجتمع الدولي، مشدداً على أن مشاركة جميع الفاعلين تمثل خطوة أساسية لبناء رؤية واضحة وتحديد نقطة انطلاق لعملية السلام. واتفق الجانبان على أهمية دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة وفق أسس قانونية واضحة، بما يمنع وجود أي قوى موازية خارج إطار الدولة، مؤكدين أن تحقيق السلام في السودان يتطلب نهجاً تراكمياً قائماً على خطوات عملية قابلة للتنفيذ، تمهّد لعملية سياسية شاملة ومستدامة.

تطورات ميدانية

في موازاة ذلك، أكَّد حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية الواقعة جنوب شرقي السودان على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، وذلك في أول تعليق رسمي له عقب سقوط مدينة الكرمك الاستراتيجية قرب عاصمة الإقليم الدمازين. وقال العمدة، في تصريحات صحافية من مكتبه في الدمازين، إن القوات المسلحة السودانية تواصل العمل على بسط سيطرتها على المحافظات المتاخمة لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا، مشيراً إلى استمرار العمليات العسكرية لتأمين الشريط الحدودي.

اشتعال جبهة النيل الأزرق (الشرق الأوسط)

ودعا المواطنين إلى عدم الالتفات لما وصفه بـ«الشائعات» التي تروج لها «غرف إعلامية» عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف زعزعة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن «الجيش الوطني خط أحمر» باعتباره الضامن لوحدة النسيج الاجتماعي في إقليم النيل الأزرق، ووقوفه في وجه ما وصفها بـ«المؤامرات» التي تستهدف البلاد.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواتر فيه الأنباء عن تقدم ميداني متسارع لقوات تحالف «تأسيس»، بقيادة «قوات الدعم السريع»، نحو مدينة باو جنوب غربي الدمازين، بعد إعلانها، الثلاثاء، إكمال سيطرتها على مدينة الكرمك الواقعة على الحدود مع إثيوبيا. وأفادت تقارير محلية بفرار مئات الأسر من الكرمك باتجاه الدمازين والمناطق المحيطة بها، في حين قالت حكومة الولاية إنها قامت بإجلاء أعداد كبيرة من المواطنين إلى مناطق آمنة قبل دخول القوات إلى المدينة. وتداولت منصات إعلامية موالية لـ«قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو عبر موقع «فيسبوك»، تظهر مجموعة من المسلحين يزعمون اختراق الدفاعات الأمامية للجيش السوداني في محيط الكرمك.

في المقابل، نفت السلطات المحلية في محافظة باو، بشكل قاطع، صحة هذه الأنباء، مؤكدة في بيان نشر عبر «فيسبوك» استقرار الأوضاع الأمنية في جميع أنحاء المحافظة، وعدم وجود أي تهديدات عسكرية في محيط المدينة، ومشدِّدة على أن ما يتم تداوله «أخبار كاذبة».

وفي تطور ميداني منفصل، أسفرت غارة بطائرة مسيَّرة مجهولة، صباح الأربعاء، عن مقتل ستة أشخاص على الأقل في بلدة التومات جنوب محلية الرهد بولاية شمال كردفان، وذلك إثر استهداف شاحنة نقل مدنية، بحسب ما أفاد به شهود عيان، الذين أشاروا أيضاً إلى إصابة عدد من الركاب. من جهتها، اتهمت «قوات الدعم السريع» الجيش السوداني بقصف سوق في بلدة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وقالت، في بيان نشر عبر منصة «تلغرام»، إن هذا الهجوم يأتي بعد أيام من قصف مواقع مدنية، من بينها مستشفى الضعين في شرق دارفور، ومناطق أخرى في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين في مواقع خالية من أي وجود عسكري. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش السوداني بشأن هذه الاتهامات.


وزير الخارجية المصري: نقلنا «خطة ترمب» لطهران وهي قيد الدراسة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

وزير الخارجية المصري: نقلنا «خطة ترمب» لطهران وهي قيد الدراسة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن بلاده كانت حلقة وصل بين الولايات المتحدة وإيران بالتعاون مع دول صديقة «للعمل على فتح المجال للتفاوض وإحياء الجهود الدبلوماسية».

وقال عبد العاطي، في مؤتمر صحافي للإعلام العربي والدولي الأربعاء، إنه «تم نقل مشروع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للجانب الإيراني».

ورغم أن التلفزيون الإيراني الرسمي نقل عن مسؤول لم يكشف اسمه، الأربعاء، رفض طهران للخطة الأميركية المقترحة لإنهاء الحرب، فإن عبد العاطي أشار إلى أنه «تجري دراسة هذه الخطة أملاً في أن تفضي لبدء عملية تفاوض مباشرة بين الجانبين».

وتابع وزير الخارجية المصرية قائلاً: «علينا أن نستمر في بذل الجهود... الأمر يتعلق بالدبلوماسية والمفاوضات، وسنستمر في العمل لدفع الطرفين للجلوس على مائدة المفاوضات». وأضاف: «نعمل على تشجيع الطرفين على الحوار وجسر الهوة بينهما لأن الحل العسكري لم يكن تاريخياً الحل الأمثل»، مستطرداً: «لدينا قناعة بوجود نوايا طيبة يمكن أن تسفر عن حل لو جلس الطرفان معاً».

الحلول الدبلوماسية

وأكد وزير الخارجية المصري، خلال المؤتمر الذي شارك فيه عدد كبير من الصحافيين الأجانب، أن «بلاده تبذل كل جهد ممكن من خلال قنوات التواصل المتاحة لإنجاح هذا المسعى، وفتح المجال أمام الحلول الدبلوماسية»، محذراً من «مغبة استمرار الوضع الحالي وما يحمله التصعيد من مخاطر على الوضع الإقليمي والعالمي».

وأضاف: «نسعى، بالتعاون مع تركيا وباكستان وبالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية، إلى ترك الباب موارباً للحوار والتفاوض، وكلنا رغبة في بدء تفاوض مباشر يشكل أساساً للحوار وخفض التصعيد ووقف وإنهاء الحرب»، مشيراً إلى «استعداد مصر لاستضافة أي اجتماعات بشأن إيران ما دامت تخدم التهدئة».

ورفض عبد العاطي الخوض في تفاصيل الخطة الأميركية بشأن إيران، قائلاً: «نحن على تواصل يومي الآن، ونبذل جهداً كبيراً بالتعاون مع دول صديقة وشقيقة بما فيها دول الخليج والأطراف الإقليمية والولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي من أجل خفض التصعيد».

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز»، تحدثت الثلاثاء، عن مضامين مقترح قدمته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إيران لوقف الحرب المستمرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي، يتضمن 15 بنداً، من بينها تفكيك برنامج طهران النووي، ووقف تخصيب اليورانيوم، مقابل رفع كامل للعقوبات.

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)

وأشار وزير الخارجية المصري إلى أن بلاده «تؤيد مبادرة ترمب بفتح باب الحوار مع إيران من أجل تجنيب المنطقة فوضى شاملة، وتدعم تلك المبادرة الحكيمة بشدة، وتبذل جهوداً لعقد اجتماعات مباشرة بين الطرفين في أقرب وقت ممكن».

وبشأن قنوات التواصل المتاحة، قال عبد العاطي إنّ «مصر تتواصل مع وزارة الخارجية الإيرانية والقنوات الرسمية الإيرانية والأميركية وهذا ليس سراً».

وأكد أن «مصر منذ اليوم الأول لا تملك سوى الانحياز قلباً وقالباً للأشقاء في الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «ما تعرضوا له من هجمات واعتداءات لا يمكن القبول به تحت أي مبرر». وقال: «نستخدم قنوات التواصل المتاحة لوقف الاعتداءات، على أساس أن دول الخليج غير منخرطة في الحرب، ولا يمكن القبول بأي ذرائع لاستهدافها».

جولة السيسي

وأضاف: «نقدم كل أشكال الدعم المادي والسياسي والدبلوماسي لدول الخليج، ويتم الاستجابة لأي طلبات من منطلق مسؤوليتنا القومية»، مشيراً إلى أن العلاقات مع دول الخليج قوية، وأن جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة لتأكيد الدعم والتضامن.

وحول «القوة العربية المشتركة»، قال عبد العاطي: «مقترح تم التوافق عليه في القمة العربية بشرم الشيخ عام 2015، وهناك نقاش مستمر بشأنها وكذلك ما يتعلق بترتيبات ما بعد الأزمة»، مشيراً إلى «احتمال أن يناقش اجتماع وزراء الخارجية العرب الأسبوع المقبل الأمر بشكل أكبر».

كان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، رجّح في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح القاهرة قضية الترتيبات الإقليمية الجديدة، في الاجتماع الوزاري العربي، ضمن التوجه المصري الهادف إلى احتواء التصعيد بالمنطقة». وقال إن هناك أولوية مصرية «لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية».

وسبق أن تحدث وزير الخارجية عبد العاطي عن «ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له». وأشار خلال محادثات مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في الرياض، منتصف الشهر الحالي، إلى أن «الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء بالجامعة العربية، أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية».