فيتامين «دي»... متى عليك تناوله؟

تأثيراته المناعية زادت من شعبيته

فيتامين «دي»... متى عليك تناوله؟
TT

فيتامين «دي»... متى عليك تناوله؟

فيتامين «دي»... متى عليك تناوله؟

أصبح اليوم فيتامين دي Vitamin D شاغل الباحثين الطبيين، حيث يتتابع إجراء الدراسات التي تكشف مزيداً من الفهم لعلاقة هذا «الفيتامين الهرمون» بعدد لا حصر له من الأمراض المزمنة والمستجدة، غير أمراض العظام. ومن آخرها مجموعات الدراسات الطبية حول جدوى فيتامين دي ضمن معالجات حالات كوفيد - 19 COVID - 19، وأمراض شرايين القلب، وألزهايمر، والتهابات القولون، والصدفية، وأنواع مختلفة من الأمراض السرطانية.
وعليه، أمسى فيتامين دي أيضاً شاغل الناس، في البحث عن مدى حاجتهم لتناوله عبر الأطعمة أو المكملات الدوائية لفيتامين دي، والبحث عن أفضل أنواع تلك المكملات العلاجية، ومتى عليهم تناولها، وأفضل أوقات ذلك في اليوم، وهل يتعارض تناولها مع تناول أي أدوية أخرى، وغيرها من الأسئلة.
- فيتامين شائع
وفق ما تفيد به الإحصائيات الطبية التي ذكرها أطباء كليفيلاند كلينك في مراجعة طبية حول هذه الجوانب، وتم نشرها ضمن عدد مارس (آذار) الماضي من مجلتهم الطبية Cleveland Clinic Journal of Medicine، فإن حوالي خُمس السكان البالغين في الولايات المتحدة يتناولون مكملات دوائية تحتوي فيتامين دي. وقالت الدكتورة سوزان ويليامس، أستاذة مساعدة في طب الغدد الصماء والتمثيل الغذائي في كلية كليفلاند كلينك للطب بأوهايو: «تتوفر أدوية المكملات الغذائية لفيتامين دي على نطاق واسع. وفي عام 2020 تجاوزت القيمة السوقية لها 1.1 مليار دولار. ومن المتوقع أن تصل إلى ما يقرب من 1.6 مليار دولار بحلول عام 2025، (أي بزيادة متوقعة تفوق 40 في المائة خلال خمسة أعوام). وتم تعزيز شعبية مكملات فيتامين دي، على الأقل جزئياً، من خلال حملات توعية الجمهور بمخاطر الإصابة بسرطان الجلد بسبب التعرض الزائد للشمس، وربط نقص فيتامين دي بالعديد من الأمراض المزمنة، وربط مستويات فيتامين دي مع المستوى الأمثل لوظيفة المناعة».
قصة فيتامين دي بدأت منذ عام 1650 عندما لاحظ الأطباء أن الأطفال الذين عاشوا في مدن ملوثة ومزدحمة في شمال أوروبا، أصيبوا بتشوهات هيكلية منهكة، بما في ذلك تقوس الساقين. وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تم استخدام زيت كبد سمك القد Cod - Liver Oil بشكل شائع لمنع وعلاج تشوهات الهيكل العظمي عند الأطفال. وبعدها تم عزل «عامل مضاد» سمي بداية Antirachitic Factor)) في زيت كبد سمك القد، ولاحقاً أصبح يعرف باسم فيتامين دي. ونتيجة لذلك، تم القضاء على الكساح Rickets. وكان ذلك خطوة عملاقة إلى الأمام في مجال صحة الهيكل العظمي للأطفال.
ومع ذلك، يظل نقص فيتامين دي شائعاً في العالم أجمع، دون استثناء أي من مناطق العالم، وبغض النظر عن مستوى الصحة والتغذية وتوفر أشعة الشمس فيها. وفي دراسة باستخدام بيانات المسح الوطني لفحص الصحة والتغذية NHANES لفترة أربع سنوات، كان لدى ما يقرب من 20 في المائة من سكان الولايات المتحدة معدلات منخفضة من فيتامين دي في الدم.
- تأثيرات مناعية
وزادت التأثيرات المناعية المحتملة جداً لفيتامين دي، من الضغط في ضرورة توفره في الجسم بمستويات طبيعية، وخاصةً الدراسات والمراجعات الطبية الحديثة التي تمت حول علاقة تناول أدوية مكملات فيتامين دي للوقاية من الأمراض المرتبطة بالمناعة وعلاجها، بما في ذلك كوفيد - 19. وتأكيد العديد منها على دور فيتامين دي في خفض خطورة وشدة العدوى به.
وفيتامين دي هو أحد «العناصر الغذائية الدقيقة» Micronutrient التي يحتاجها الجسم في إتمام العديد من المهام الحيوية، والتي على رأسها بناء الأنسجة العظمية بطريقة صحية والمحافظة عليها. ومن بين أهم آليات دور فيتامين دي في بناء العظم، هو أن الجسم لا يمكنه امتصاص الكالسيوم - المعدن الرئيسي في نسيج العظام - إلا عند وجود فيتامين دي. كما أن فيتامين دي عامل ضروري في عمل هرمون الغدة جار درقية، ويسهم في ضبط توازن معدن الفوسفات في الجسم. وأيضاً من المهام الحيوية الأخرى لفيتامين دي: عمله كعنصر مضاد للالتهابات، ومضاد لعمليات الأكسدة، وواقي للأعصاب في الحفاظ على نشاط خلايا الدماغ، ومنشط لصحة الجهاز المناعي، ويضمن كفاءة عمل العضلات.
والجسم ينتج 80 في المائة من احتياجه لفيتامين دي عند تعرض الجلد لضوء الشمس المباشر. والمطلوب هو تعريض الجلد لأشعة الشمس في أوائل أو أواخر ساعات النهار لمدة تتراوح بين 15 إلى 30 دقيقة، على مساحة لا تتجاوز ظاهر الكفين، في 3من أيام الأسبوع على أقل تقدير.
كما أن الجسم يحصل على 20 في المائة منه من الغذاء، عبر تناول الأطعمة الطبيعية الغنية به، كأسماك السلمون والماكريل والسردين والتونا (الأسماك الدهنية)، وبيض الدجاج الذي يتعرض لأشعة الشمس المباشرة. وتجدر الإشارة إلى أن الفطر هو المصدر النباتي الوحيد لفيتامين دي. وأيضاً عبر تناول الأطعمة التي تم «تعزيزها» Fortified بفيتامين دي، كالحليب والحبوب المعززة.
- نقصان وزيادة
ولكن ثمة عدة عوامل قد تحد من فعالية إنتاج الجلد لفيتامين دي، كعدم التعرض لأشعة الشمس لمدة زمنية كافية، والإقامة في مناطق بعيدة عن خط الاستواء، أو كثرة الغيوم. وكذلك قد تتسبب البشرة الداكنة، أو السمنة، أو التقدم في العمر، أو وضع مستحضرات الوقاية من أشعة الشمس Sunscreen، في تدني إنتاج الجلد لفيتامين دي. كما أن وجود اضطرابات مرضية في الجهاز الهضمي قد تعيق امتصاص الأمعاء لفيتامين دي، وكذلك أمراض الكبد والكلى المزمنة.
وعندما تكون مستوياته طبيعية في الدم، يجدر عدم المبالغة في رفعها. لأنه لا يوجد ما يثبت أن المستويات العالية جداً منه لها فوائد أكبر، كما تم ربط تناول الكثير من فيتامين دي بحالة تسمى «سمية فيتامين دي» Hypervitaminosis D. وهي التي تحدث حينما يكون لدى المرء كميات مفرطة من فيتامين دي في جسمه. وذلك في العادة بسبب تناول جرعات كبيرة من مكملات فيتامين دي (أي أكثر من 4 آلاف وحدة دولية كل يوم لعدة أشهر)، وليس بسبب نوعية الأطعمة التي يتناولها أو كميتها أو التعرض المفرط للشمس. وتبعاً لذلك، يتراكم الكالسيوم في الجسم، مما يسبب الغثيان والقيء، والضعف، والتبول المتكرر. ويمكن للأعراض أن تتفاقم لتسبب آلام العظام، وتكون حصوات الكالسيوم في الكلى.
ولذا في حالات نقص فيتامين دي، تؤخذ أدوية المكملات المحتوية عليه تحت إشراف الطبيب، وفي إطار زمني محدد، مع مراقبة مستويات فيتامين دي في الدم.

- تفاعلات محتملة بين تناول فيتامين دي وأدوية أخرى
من الضروري تناول أدوية فيتامين دي تحت إشراف طبي. وذلك لأربعة أسباب:
- التأكد من وجود نقص حقيقي في فيتامين دي، ما يتطلب المعالجة.
- وضع الخطة العلاجية لكمية الجرعة، وترتيب كيفية تناولها، وأوقات ذلك، والمدة اللازمة.
- منع حصول أي تفاعلات سلبية مع أي أدوية أخرى يتناولها الشخص.
- متابعة نتائج تناولها على نسبة فيتامين دي في الجسم، وتقرير مدى الاستمرار أو التوقف عن تناولها ومتابعة تأثيرات ذلك.
ويقول أطباء مايوكلينك: «يتميز فيتامين دي بأنه آمن بشكل عام في حالة تناوله بجرعات مناسبة». ويضيفون قائمة من الأدوية التي قد تتفاعل مع تناول فيتامين دي. وذلك بقولهم: «وتتضمن التفاعلات المحتملة (مع أدوية أخرى) ما يلي:
- الألومنيوم. يمكن أن يسبب تناول فيتامين دي وأدوية «الحد من امتصاص الفوسفات» التي تحتوي على الألومنيوم (التي يتم استخدامها لعلاج ارتفاع مستويات الفوسفات في الدم لدى المصابين بمرض كلوي مزمن)، إلى حصول ارتفاع مستويات الألومنيوم لدى المصابين بالفشل الكلوي على المدى البعيد.
- الأدوية المضادة للتشنج: يعمل مضادا التشنج الفينوباربيتال وفينيوتين على تحليل فيتامين دي، كما يقللان من امتصاص الكالسيوم.
- أدوية خفض الكولسترول: (أتورفاستاتين)، تناول فيتامين دي يمكن أن يؤثر على طريقة استجابة الجسم لهذا الدواء المستخدم لعلاج الكوليسترول (ليبيتور). أما دواء الكولسترامين الخافض للكوليسترول، فيمكن أن يؤدي تناول فيتامين دي معه إلى تقليل امتصاص فيتامين دي.
- أدوية علاج الصدفية: مثل السيبوتريين، ينبغي عدم تناول فيتامين دي مع دواء الصدفية هذا. إذ يمكن لتناولهما معاً أن يزيد خطر الزيادة البالغة للكالسيوم في الدم (فرط كالسيوم الدم).
- أدوية علاج أمراض القلب: الديجوكسين، ينبغي تجنب تناول جرعات فيتامين دي مع هذا الدواء المخصص لعلاج أمراض القلب. ويمكن أن تسبب الجرعات العالية من فيتامين دي في فرط كالسيوم الدم، والذي يزيد خطر مشكلات القلب المميتة مع الديجوكسين.
كما ينبغي اجتناب تناول جرعات فيتامين دي مع دواء ضغط الدم ديلتيازيم. ويمكن أن تسبب الجرعات العالية من فيتامين دي فرط كالسيوم الدم، وهو ما يمكن أن يقلل فاعلية الدواء. أما مدرات البول الثيازيدية، فيؤدي تناول أدوية ضغط الدم هذه مع فيتامين دي، إلى زيادة خطر الإصابة بفرط كالسيوم الدم. يمكن أن يتسبب تناول جرعات عالية من فيتامين دي مع دواء ضغط الدم فيراباميل في الإصابة بفرط كالسيوم الدم، كما قد يقلل من فعالية دواء فيراباميل.
- أدوية خفض الوزن: أورليستات، قد يؤدي تناول دواء خفض الوزن هذا، إلى تقليل امتصاص فيتامين دي.
- الستيرويدات Steroids. يمكن لتناول أدوية الستيرويدات مثل بريدنيزون، أن تقلل امتصاص الكالسيوم وتعطيل معالجة الجسم لفيتامين دي.
- الملينات المنبهة Stimulant laxatives. يمكن للاستخدام طويل الأجل للجرعات العالية من الملينات المنبهة أن تقلل فيتامين دي وامتصاص الكالسيوم.

- خطوات لمعالجة نقص فيتامين دي
> الداعي الرئيسي لتناول أدوية فيتامين دي هو نقصه في الجسم. ويفيد المتخصصون الطبيون في كليفلاند كلينك بأن تشخيص نقص فيتامين دي يتم عبر إجراء فحص مستوى فيتامين دي 25(OH)D في الدم. وحول سؤال: كم مرة يحتاج المرء لفحص مستويات فيتامين دي؟ يجيبون: «لا يطلب الأطباء عادةً إجراء فحوصات روتينية لمستويات فيتامين دي، لكنهم قد يحتاجون إلى فحص المستويات إذا كانت لديك حالات طبية معينة أو عوامل خطر لنقص فيتامين دي».
وعند ثبوت وجود نقص فيتامين دي بالجسم، يتم العلاج بتناول أحد المستحضرات الدوائية المحتوية على فيتامين دي.
وتعتمد كمية فيتامين دي اللازمة لتصحيح النقص على: شدة النقص والظروف الطبية الفردية لكل مريض. كما يؤثر الوقت من العام أيضاً على احتياجات الشخص من هذا الفيتامين. وعلى سبيل المثال، إذا كان لدى الشخص انخفاض مستويات فيتامين دي في الدم، وهو مقبل على أشهر الشتاء، فسيحتاج إلى كمية أكثر قليلاً مما لو كان مقبلاً على أشهر الصيف وسيقضي مزيداً من وقت تحت أشعة الشمس. المهم هو أن الهدف رفع نسبة فيتامين دي في الدم إلى مستويات آمنة وطبيعية.
والمكملات الدوائية الغذائية المحتوية على فيتامين دي - 3 D3هي الأفضل (من تلك التي تحتوي على فيتامين دي - 2 D2).
كما أن كمية ما يتناوله المريض من فيتامين دي، لا تفوق أهمية معرفة متى وكيف يتناوله. ويجب تناول أدوية مكملات فيتامين دي مع وجبة تحتوي على دهون. وأظهرت الدراسات أنه عند تناولها على معدة فارغة مقابل وجبة تحتوي على دهون، كان هناك معدل امتصاص أكبر لفيتامين دي بنسبة 32 في المائة في الوجبة المحتوية على دهون.
ووفق ما يقرره الطبيب، يمكن تناول بعض مكملات فيتامين دي الدوائية بشكل يومي أو أسبوعي أو شهري. وهي مسألة تفضيل، يناقشها الطبيب مع مريضه لوضع الخطة العلاجية الأمثل، وخاصةً مقدار الجرعة. وبعد إتمام فترة المعالجة، يوصى الطبيب بإجراء فحص للدم، ربما بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر من إتمام برنامج العلاج، للتأكد من ارتفاع مستويات فيتامين دي.


مقالات ذات صلة

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

صحتك «زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

عندما يتعلق الأمر بالفوائد الصحية لتناول زيت الزيتون، فليست جميع أنواعه متساوية، بل ربما أن الأنواع الأعلى جودة والأغلى ثمناً هي التي تتمتع بالمحتوى العالي...

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني

إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني

أظهرت دراسة حديثة، أن الأطفال المشاركين في برنامج «الأخ الأكبر والأخت الكبرى BBBS»، أقل عرضة للانخراط في سلوكيات عنيفة أو تعاطي المخدرات مقارنة بغير المشاركين.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة

الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة

ماذا لو كان أكثر ما يؤثر في جودة حياة المريض... هو ما لا يُفصِح به المريضُ نفسُه، وما لا يُبادر الطبيب إلى سؤاله؟

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك استشارات: انخفاض عدد الحيوانات المنوية .. فيتامين «دي» وكبار السن

استشارات: انخفاض عدد الحيوانات المنوية .. فيتامين «دي» وكبار السن

غالباً يعلم الشخص أن عدد الحيوانات المنوية لديه منخفض إذا خضع لفحص السائل المنوي، ضمن فحوصات مواجهة صعوبة في حصول حمل زوجته.

د. حسن محمد صندقجي
صحتك دراسة أميركية تدق ناقوس الخطر بشأن علاج لقصر النظر (جامعة هيوستن)

هل يكشف قصر النظر عن حجم ذكائك؟

دراسة تحلل الروابط الجينية والسلوكية بين قصر النظر والقدرات المعرفية العالية. تفكك الدراسة الطبية الارتباط بين «الميوبيا» والمؤشرات البصرية والذكاء.

كوثر وكيل (لندن)

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك
TT

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

عندما يتعلق الأمر بالفوائد الصحية لتناول زيت الزيتون، فليست جميع أنواعه متساوية، بل ربما أن الأنواع الأعلى جودة والأغلى ثمناً هي التي تتمتع بالمحتوى العالي من العناصر الغذائية والمركبات الكيميائية ذات التأثيرات الأعمق جدوى صحية على الدماغ والقدرات العقلية والذهنية، وهي القدرات عالية الأهمية، وخاصة لدى كبار السن، وذلك من خلال تأثيره على ميكروبيوم الأمعاء لدعم الوظائف الإدراكية.

زيت الزيتون البكر الممتاز

وأفادت دراسة إيطالية جديدة أن فوائد «زيت الزيتون البكر الممتاز» Extra Virgin Olive Oil قد تتجاوز الجسم لتشمل العقل، وذلك عبر حماية الدماغ من خلال تأثيره على البكتيريا الصديقة في الأمعاء.

ووجدت هذه الدراسة أن الأشخاص الذين تناولوا «زيت الزيتون البكر الممتاز» تمتعوا بأداء عقلي معرفي أفضل، وتكوَّن لديهم تنوع أوسع وأشمل في مستعمرات بكتيريا الأمعاء، وذلك مقارنةً بمن استخدموا زيت الزيتون المكرر. بل وحدد الباحثون أنواعاً معينة من الميكروبات المعوية الصديقة ذات الارتباط المباشر بهذه الفوائد الذهنية والإدراكية.

وفي بيان صحافي لجامعة روفيرا إي فيرجيلي في إيطاليا، صدر في 18 أبريل (نيسان) 2026، قالت الباحثة الرئيسية جياكي ني، من قسم الكيمياء الحيوية والتكنولوجيا الحيوية بالجامعة: «ليست جميع أنواع زيت الزيتون مفيدة للوظائف الإدراكية». وأضافت قائلة: «هذه هي أول دراسة مستقبلية على البشر لتحليل دور زيت الزيتون على وجه التحديد في التفاعل بين الميكروبات المعوية والوظيفة الإدراكية».

وتم نشر هذه الدراسة بالتزامن ضمن عدد من مجلة ميكروبيوم Microbiome (معنى ميكروبيوم هو مجموع الميكروبات المتعايشة مع الإنسان)، وفحص فيها الباحثون نوعية العلاقة المثلثة الشكل بين زيت الزيتون البكر الممتاز وبكتيريا الأمعاء Gut Bacteria وصحة الدماغ. وكانت الدراسة بعنوان «إجمالي وأنواع مختلفة من استهلاك زيت الزيتون، والميكروبات المعوية، والتغيرات في الوظيفة الإدراكية لدى كبار السن».

وتتبّع فريق الباحثين الإيطاليين، لمدة عامين، الأنظمة الغذائية لـ 656 بالغاً يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، بما في ذلك مدى استهلاكهم لزيت الزيتون البكر أو زيت الزيتون المكرر.

وتراوحت أعمار المشاركين بين 55 و75 عاماً، وكان لديهم مجموعة من عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب تُعرف باسم متلازمة الأيض Metabolic Syndrome (متلازمة التمثيل الغذائي).

وخلال المتابعة الإكلينيكية في الدراسة، رصد الباحثون التغيرات في مهارات التفكير لدى المشاركين.

ومتلازمة الأيض هي مجموعة من عوامل الخطر الأيضية التي تجتمع لدى فرد واحد. وتشمل هذه العوامل مقاومة الإنسولين Insulin Resistance، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الكوليسترول، وزيادة خطر تجلط الدم. وغالباً ما يكون المصابون بها يعانون من زيادة الوزن أو السمنة.

وتُعتبر متلازمة الأيض عامل خطر للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وداء السكري من النوع الثاني. وتشير مقاومة الإنسولين إلى انخفاض قدرة الخلايا على الاستجابة لتأثير الإنسولين في تعزيز نقل سكر الغلوكوز من الدم إلى العضلات والأنسجة الأخرى. وينتج داء السكري من النوع الثاني عن مقاومة الإنسولين.

تحسّن الوظائف الذهنية

ووفق النتائج، أظهر أولئك الذين تناولوا بانتظام ما يُعرف بزيت الزيتون البكر الممتاز EVOO تحسناً في الوظائف الذهنية الإدراكية، وتنوعاً أكبر في أنواع البكتيريا الصديقة في الأمعاء. وهو ما يُعدُّ إكلينيكياً مؤشراً على ارتفاع مستوى صحة التمثيل الغذائي في العمليات الكيميائية الحيوية بالجسم، وكذلك ارتفاع مستوى صحة البيئة الداخلية في الأمعاء. وتحديداً ربط فريق الباحثين الإيطاليين هذه الفوائد بمجموعة محددة من بكتيريا الأمعاء تُعرف باسم أدلركرتزيا Adlercreutzia. وهي البكتيريا التي يبدو أن وجودها يُؤكد العلاقة الإيجابية بين استخدام زيت الزيتون البكر الممتاز والوظائف الإدراكية. وبعبارة أخرى، قد يعود جزء من فوائد «زيت الزيتون البكر الممتاز» للدماغ إلى كيفية تأثيره على تكوين بكتيريا الأمعاء.

ولطالما كان «زيت الزيتون البكر الممتاز» ركيزة أساسية في النظام الغذائي للبحر الأبيض المتوسط، المعروف بفوائده في دعم صحة القلب والتمثيل الغذائي. وتشير النتائج الحديثة إلى أن اختيار زيت زيتون عالي الجودة قد يكون وسيلة بسيطة لدعم صحة الدماغ مع التقدم في السن، ما يجعل شأن الجودة في انتقاء زيت الزيتون أكثر أهمية من أي وقت مضى. هذا بالرغم من أن زيت الزيتون المكرر، وهو أرخص ثمناً بشكل عام، يظل ذا فوائد صحية عالية على القلب والشرايين، والأهم أنه هو النوعية الصحية الملائمة للاستخدام في الطهي والقلي.

وهذا ما يُعيد للأذهان ضرورة فهم كيفية الاستفادة من الدرجات المختلفة لزيتون الزيتون، ذي الفوائد الصحية العالية بغض النظر عن طريقة عصره، وذلك فيما بين ما هو ملائم للتناول الطازج وما هو ملائم للاستفادة منه في الطهو أو القلي.

طريقة إنتاج الزيت

ولكن لماذا وُجد أن زيت الزيتون البكر الممتاز أكثر فائدة من زيت الزيتون المكرر؟ والإجابة أن الفضل يعود في ذلك إلى طريقة إنتاجه.

وللتوضيح، يُنتج زيت الزيتون البكر الممتاز بطرق ميكانيكية تُساعد في الحفاظ على مركباته المفيدة. أما زيت الزيتون المكرر، فيُعالج لإزالة الشوائب، وتحسين مدة صلاحيته، والحفاظ على مذاقه. وتُقلل هذه المعالجة أيضاً من مستويات المركبات المفيدة للصحة، مثل مضادات الأكسدة، والبوليفينولات، والفيتامينات.

وعلق الدكتور جوردي سالاس-سالفادو، أستاذ التغذية في جامعة روفيرا إي فيرجيلي والباحث المشارك في الدراسة، قائلاً: «يؤكد هذا البحث على أن جودة الدهون التي نستهلكها لا تقل أهمية عن كميتها». وأضاف: «لا يحمي زيت الزيتون البكر الممتاز القلب فحسب، بل يُمكنه أيضاً المساعدة في الحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في السن»، مُشيراً إلى أن تحديد الميكروبات التي تُساهم في هذه الفوائد يُمهد الطريق لاستراتيجيات وقائية جديدة قائمة على التغذية للحفاظ على الوظائف الإدراكية. وذلك كتغيير غذائي بسيط لكبار السن.

وأفاد الباحثون: «في وقت تتزايد فيه حالات التدهور المعرفي والخرف، تؤكد نتائجنا على أهمية تحسين جودة النظام الغذائي، ولا سيما إعطاء الأولوية لزيت الزيتون البكر الممتاز على الأنواع المكررة الأخرى، كاستراتيجية فعَّالة وبسيطة ومتاحة لحماية صحة الدماغ».

زيت الزيتون البكر الممتاز والصحة النفسية

راجعت دراسة كندية علاقة تناول زيت الزيتون والقدرات النفسية، وكان عنوانها " دور زيت الزيتون ومكوناته في الصحة النفسية: مراجعة شاملة"، نشرت ضمن عدد 19 ديسمبر (كانون الاول) 2025 من المجلة البريطانية للتغذية Br J Nutr. وقال الباحثون في مقدمتها:" تشير أدلة متزايدة إلى أن نظام تغذية البحر الأبيض المتوسط ​​له تأثير إيجابي على الصحة النفسية. وهذا التأثير ناتج عن مجموعة متنوعة من الأطعمة والعناصر الغذائية والمكونات. وبمراجعة الأبحاث المتعلقة بزيت الزيتون ومكوناته وتأثيرها على الصحة النفسية، أشارت جميع الدراسات التجريبية على البشر، وتسع من أصل عشر دراسات حيوانية قيّمت زيت الزيتون كتدخل علاجي، إلى تحسن في أعراض القلق أو الاكتئاب. لذا، فقد يُفيد زيت الزيتون في تحسين الصحة النفسية".

ووفق مراجعة مجمل الدراسات الطبية حول علاقة زيت الزيتون البكر الممتاز بالصحة النفسية، فإن النتائج تشير إلى ارتفاع احتمالات تحسين تناول زيت الزيتون البكر الممتاز الصحة النفسية. وذلك عن طريق تقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي في الدماغ. وربطت الدراسات الاكلينيكية بين استهلاكه اليومي وانخفاض الاكتئاب والقلق، نظراً لغناه بمضادات الأكسدة البوليفينولية (مثل الأوليوكانثال)، والدهون الأحادية غير المشبعة، مما يدعم مرونة الدماغ Neuroplasticity ، ويُحسّن الوظائف الإدراكية Cognitive Function، وقد يُساعد في إدارة اضطرابات المزاج. وتشير الأبحاث إلى أن الفوائد تزداد مع زيادة الاستهلاك، مع تحسن ملحوظ عند تناول ما بين 10 إلى 53 غرامًا (ما يُعادل ملعقتين صغيرتين إلى 4 ملاعق كبيرة تقريبًا) يوميًا.وتتلخّص الفوائد الرئيسية لزيت الزيتون البكر الممتاز على الصحة النفسية في عدد من الجوانب، منها:-انخفاض الاكتئاب والقلق. تُشير الدراسات إلى أن تناول زيت الزيتون، وخاصة البكر الممتاز، يُمكن أن يُخفف من أعراض القلق والاكتئاب. وقد وجدت دراسة استمرت 12 أسبوعًا أن اتباع نظام غذائي متوسطي، غني بزيت الزيتون، أدى إلى تحسن حالة 30 بالمائة من المشاركين الذين يُعانون من اكتئاب متوسط ​​إلى حاد.-تقليل الالتهاب العصبي. تُقلل البوليفينولات Polyphenols (مركبات من مضادات أكسدة) الموجودة في زيت الزيتون البكر الممتاز، وخاصة الأوليوكانثال Oleocanthal، من الالتهاب الذي تُنتجه خلايا الدبق الصغير Microglia Cells في الدماغ، والذي يرتبط بالاكتئاب والأمراض التنكسية العصبية Neurodegenerative Diseases.-تحسين الوظائف الإدراكية وتقليل خطر الإصابة بالخرف. تشير بيانات الدراسات التي أُجريت على زيت الزيتون إلى أن استهلاكه يقلل من خطر الإصابة بالخرف بنسبة 28 بالمائة. كما يرتبط بتحسين الذاكرة والأداء الإدراكي، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف إدراكي طفيف.-حماية خلايا الدماغ. يحتوي زيت الزيتون البكر الممتاز على مكونات تعمل كمضادات للأكسدة، ما يساعد على حماية خلايا الدماغ من الإجهاد التأكسدي والحفاظ على سلامة بنية الدماغ.-تحسين النوم والمزاج. قد تُحسّن مركبات مُحددة، مثل الأوليميد Oleamide ، جودة النوم وتُثبّت المزاج من خلال التأثير على مستويات السيروتونين Serotonin.

أنواع متفاوتة في مستوى الجودة وطريقة استخدام زيت الزيتون

تتراوح أنواع زيت الزيتون من زيوت ذات نكهات قوية ومعصورة على البارد، والتي تُستخدم في تتبيل الأطباق وتتبيلها، إلى زيوت أقل جودة وتتحمل درجات الحرارة العالية، ومناسبة بالتالي للطهو أو للقلي. وتُصنّف أنواع زيت الزيتون بشكل أساسي حسب طريقة الإنتاج والجودة، وتشمل:

-زيت الزيتون البكر الممتاز Extra Virgin Olive Oil. زيت غير مكرر، معصور على البارد، عالي الجودة، خالٍ من العيوب، ونسبة حموضته أقل من 0.8 بالمائة. يتميز بنكهة قوية (عشبية، فاكهية، أو حارة)، وهو الأنسب للتغميس، والسلطات.

-زيت الزيتون البكر Virgin Olive Oil: وجودته جيدة ولكنها أقل جودة بقليل من زيت الزيتون البكر الممتاز. ويتميز بنسبة حموضة أعلى قليلاً (تصل إلى 2.0 بالمائة)، ويُنتج بدون استخدام الحرارة أو المذيبات الكيميائية. مناسب للطهي اليومي على نار هادئة.

-زيت الزيتون النقي Pure Olive Oil: مزيج من زيت الزيتون المكرر (لإزالة الشوائب) وكمية قليلة من زيت الزيتون البكر لإضافة النكهة. يتميز بمذاقه المحايد، وتكلفته المنخفضة، وهو مثالي للتحميص والقلي السريع والخبز.

-زيت الزيتون الخفيف/المتوسط Light/Mild Olive Oil: وهو زيت زيتون عالي التكرير ذو نكهة ولون خفيفين، ويُستخدم غالبًا في الخبز أو القلي نظرًا لارتفاع درجة احتراقه.

-زيت ثفل الزيتون Olive-Pomace Oil. يُستخرج باستخدام الحرارة أو المذيبات من بقايا العصر الأولي. وهو الأقل جودة، وغالبًا ما يُكرر ويُخلط مع زيت الزيتون البكر، وهو الأنسب للقلي العميق أو الاستخدامات الصناعية. وتجدر ملاحظة أن درجة الاحتراق Smoke Point لزيت الزيتون البكر الممتاز تقريباً 180 درجة مئوية. بينما يمكن استخدام الزيوت المكررة والمعصورة على غير البارد في الطهو بدرجات حرارة أعلى تصل إلى 230 درجة مئوية، مثل القلي. ويشير مصطلح "معصور على البارد" إلى عدم استخدام الحرارة أو المواد الكيميائية، ما يحافظ على النكهة والفوائد الصحية. كما تجدر ملاحظة أنه يجب حفظ زيت الزيتون في عبوات زجاجية أو معدنية داكنة اللون بعيدًا عن الضوء والحرارة لمنع تلفه من خلال عملية الأكسدة التي تتسبب بتزنخ الزيت Degradation بفعل الضوء والتعرّض لأوكسجين الهواء.

* استشارية في الباطنية


إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني

إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني
TT

إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني

إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعة إلينوي في شيكاغو University of Illinois Chicago نُشرت في مطلع شهر أبريل (نيسان) من العام الحالي في مجلة أكاديمية نيويورك للعلوم Annals of the New York Academy of Sciences، أن الأطفال المشاركين في برنامج «الأخ الأكبر والأخت الكبرى BBBS»، وهو أقدم وأكبر برنامج من نوعه في الولايات المتحدة، أقل عرضة للانخراط في سلوكيات عنيفة أو تعاطي المخدرات مقارنة بغير المشاركين.

أطفال ومرشدون

من المعروف، أن برنامج «الأخ الأكبر والأخت الكبرى» يُعدّ من أهم البرامج الاجتماعية التي تعزز النمو النفسي السليم وتنمية المهارات لدى الأطفال والمراهقين المحرومين اجتماعياً واقتصادياً، حيث تم تأسيسه في أوائل القرن العشرين. وتعتمد فكرة البرنامج بشكل أساسي على ربط الأطفال والمراهقين من الجنسين، بمرشدين بالغين متطوعين بشكل فردي، حيث يكون المرشد بمثابة أخ أكبر، والمرشدة بمثابة أخت كبرى.

وبمجرد التوفيق والارتياح بينهما، يقوم المرشد والطفل بقضاء وقت منتظم معاً، في أنشطة مختلفة ترفيهية واجتماعية، جميعها تتوافق مع اهتمامات المراهقين وليس المرشدين؛ حتى لا يشعر الأطفال بنوع من الإجبار.

وبعد توطيد علاقة المرشد بالطفل، يتم التواصل مع المرشد بانتظام ومتابعته من قِبل فريق نفسي متخصص؛ لضمان ترك آثار إيجابية دائمة على نفسية الطفل. وتوجد فروع للبرنامج في جميع الولايات الأميركية، وتُغطي كل المجتمعات والمناطق سواء المجتمعات الريفية أو الحضرية، ومن كل الخلفيات العرقية.

أوضح الباحثون، أن جوهر البرنامج يكمن في بناء علاقات شخصية مع الأطفال في المراحل المتأخرة من الطفولة وبداية المراهقة، بداية من التعرف على الطفل وأسرته واهتماماته واحتياجاته، وبناء علاقة وثيقة معه؛ على أمل إحداث أثر إيجابي في حياته على المدى البعيد، وقالوا إن هذا البرنامج، على عكس الكثير من البرامج المجتمعية المخصصة للأطفال والمراهقين، لا يمتلك بداية أو نهاية محددة؛ ما يجعله أقرب للعلاقات الطبيعية.

وفي المعتاد، يُطلب من الأسر والمرشدين الالتزام بالمقابلات المستمرة لمدة عام واحد بشكل مبدئي، ولكن في الأغلب تستمر العلاقة لفترة أطول بكثير، وقد تمتد لسنوات عدة؛ ما يؤدي إلى تعميق التجربة الإنسانية، ونمو مشاعر الألفة بين المرشدين والأطفال، ومع مرور الوقت تتحول علاقة المرشد أو المرشدة بالطفل علاقةً عائلية حقيقية.

آثار إيجابية

لتقييم الإثار الإيجابية للبرنامج على الأطفال والمراهقين المشاركين، بعد مرور فترة طويلة من بدايته، أجرى الباحثون التجربة على ما يزيد على 1300 طفلاً من الجنسيين، يبلغ متوسط أعمارهم نحو 10 سنوات أو أكثر، وتمت متابعة الأطفال مرتين، الأولى بعد مرور سنة ونصف السنة من بداية التجربة والأخرى بعد مرور أربع أعوام. وهذه المتابعة كانت من خلال عمل مقابلات شخصية مع الأطفال، وأيضاً تم توزيع استبيانات عليهم.

شملت الاستبيانات أسئلة معينة، تم وضعها من قِبل جهات مثل المعاهد الوطنية للصحة، ومراكز مراقبة الأمراض والوقاية منها CDC، مصممة لتقييم الصحة النفسية، حيث استطلع الباحثون آراء المشاركين وأولياء أمورهم، فيما يتعلق بالصحة النفسية للأطفال، والسلوكيات العنيفة تجاه الآخرين، سواء في المنزل أو المدرسة، والمهارات الشخصية والاجتماعية ومستوى التحصيل الدراسي.

كما تم سؤال المشاركين أيضاً عن تجربة تعاطي المواد المخدرة، سواء كانت هذه المواد طبيعية مثل المخدرات أو مخلقة مثل الأدوية التي تحتوي على مواد مخدرة، أو التدخين. وفي حالة تعاطي المخدرات تم سؤالهم عن مدى تكرار التعاطي، كما اطلع الباحثون على السجلات الرسمية لتتبع أي حالات كسر للقانون أو اعتقال للمشاركين، وتابعوا الاستجابات بعد 18 شهراً، وفي نهاية الدراسة بعد أربع سنوات.

وجد الباحثون، أن الأطفال المشاركين في البرنامج، أبلغوا عن ارتفاع مستوى ثقتهم بأنفسهم وتحسن صحتهم النفسية بشكل كبير، وبعد عام ونصف العام من بدء البرنامج، بدأ الباحثون بلمس فوائده فيما يتعلق بتعاطي المخدرات، وكان المراهقون المشاركون في البرنامج، أقل عرضة لتعاطي المخدرات بشكل متكرر بنسبة تزيد على 40 في المائة، من أقرانهم الآخرين.

وبالنسبة للسلوكيات المنحرفة والتصرفات العدوانية، فإنها انخفضت بنسبة بلغت 30 في المائة مقارنة بالآخرين. وبعد أربع سنوات، لاحظ الباحثون أن المشاركين في البرنامج، أبلغوا عن انخفاض واضح في معدلات الأعراض النفسية السلبية مثل الاكتئاب والقلق، والأفكار الانتحارية.

أظهرت النتائج أيضاً، انخفاض عوامل الخطورة المؤدية إلى السلوكيات العدوانية بشكل عام، مثل تحسن العلاقات مع الأقران، وزيادة ضبط النفس، واكتساب الكثير من المهارات الاجتماعية، والتكيف مع الظروف المحيطة، وتحسن الأداء الأكاديمي.

أوضحت الدراسة، أن فكرة البرنامج نفسها أسهمت في تعزيز صورة الذات لدى الأطفال المشاركين؛ إذ شعروا بالرضا عن الحياة والثقة بالنفس، حيث قال الأطفال في المقابلات الشخصية جملاً مثل: «كان هناك شخص ما في العالم يرغب في قضاء الوقت معي لمجرد الاستمتاع»؛ ما انعكس بالإيجاب على ثقة الأطفال بأنفسهم.

أكد الباحثون، أن الآثار الإيجابية لهذا البرنامج يمكن أن تتحقق، بعيداً عن العمل التطوعي المنظم، حيث تُظهر الدراسة، القيمة الكبيرة للتفاعل الإنساني بين الأطفال والمراهقين والبالغين المتفهمين والداعمين، سواء كانوا مدرسين أو مدربين في النوادي أو قادة دينيين واجتماعيين.

بالإضافة إلى الفوائد الإيجابية للبرنامج على الأطفال والمراهقين، هناك أيضاً فوائد كبيرة تنعكس على المرشدين البالغين، على المستويين النفسي والاجتماعي، حيث يساعدهم هذا البرنامج على فهم الأطفال الأصغر عمراً، واحترام وجهة نظرهم وتقدير الألم الذي يمرون به؛ ما يجعلهم آباءً أفضل في المستقبل.

* استشاري طب الأطفال


الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة

الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة
TT

الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة

الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة

ماذا لو كان أكثر ما يؤثر في جودة حياة المريض... هو ما لا يُفصِح به المريضُ نفسُه، وما لا يُبادر الطبيب إلى سؤاله؟

في العيادة الطبية، حيث تُقاس الصحة بالأرقام، وتُتابع المؤشرات الحيوية بدقة، تبقى هناك مساحات لا تُقاس، لكنها تؤثر بعمق في حياة الإنسان... مساحات من التردد، والحرج، والصمت، تتوارى خلف أسئلة لم تُطرح، وأجوبة لم يُتح لها أن تُقال.

في مقدمة هذه المساحات، تأتي الصحة الجنسية، بوصفها أحد أكثر الجوانب ارتباطاً بجودة الحياة، وأقلها حضوراً في الحوار السريري. فبين حساسية الموضوع، وضيق الوقت، وتردد كلٍ من المريض والطبيب، يتشكل صمتٌ مزدوج، قد يحجب فهماً مهماً للحالة الصحية، ويؤخر فرص التدخل المبكر.

دكتور عمر باناعمة

الصحة الجنسية

• مفهوم الصحة الجنسية. في هذا الموضوع، يطرح ملحق «صحتك» قضية الصحة الجنسية للنقاش، مستنداً إلى محاضرة علمية متخصصة ألقيت أخيراً في أحد المؤتمرات الطبية، قدّمها الدكتور عمر باناعمة، استشاري طب الأسرة بمدينة الملك عبد العزيز الطبية بالحرس الوطني في جدة، والحاصل على زمالة اللجنة الأوروبية للطب الجنسي (FECSM)، بهدف إطلاع القارئ على هذا الملف الطبي، والاجتماعي الحساس من منظور توعوي، وعلمي، وسريري متكامل.

يستهلّ الدكتور عمر باناعمة حديثه بتعريف الصحة الجنسية، مؤكداً، استناداً إلى تعريف منظمة الصحة العالمية، أنها حالة من الرفاه الجسدي، والنفسي، والاجتماعي، وليست مجرد غياب الاضطراب، أو الخلل. ويشير إلى أن هذا التعريف يعيد صياغة المفهوم الطبي التقليدي، لينقل الصحة الجنسية من إطار ضيق مرتبط بالوظيفة البيولوجية، إلى مفهوم أوسع يشمل جودة الحياة، والعلاقات الإنسانية، والتوازن النفسي.

كما يوضح أن هذا البعد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدة محاور صحية، من بينها:

- التوازن النفسي، والعاطفي.

- جودة العلاقات الإنسانية.

- الشعور بالرضا، والقبول الذاتي.

ويؤكد الدكتور باناعمة أن الاضطرابات في هذا المجال قد تكون مؤشراً مبكراً لمشكلات صحية أعمق، مثل:

- أمراض القلب، والأوعية الدموية.

- داء السكري.

- اضطرابات القلق، والاكتئاب.

- التأثيرات الجانبية لبعض الأدوية.

ومن هنا، فإن تجاهل هذا الجانب لا يعني عزله، بل قد يؤدي إلى إغفال إشارات مهمة تتعلق بصحة المريض العامة. ويضيف أن الدراسات العالمية تشير إلى أن تحسن الصحة الجنسية يرتبط بشكل مباشر بتحسن جودة الحياة لدى نسب كبيرة من الرجال، والنساء، وهو ما يعزز أهمية إدماجها ضمن التقييم الصحي الشامل.

• الاضطرابات الجنسية. يشير الدكتور عمر باناعمة إلى أن البيانات المحلية لا تترك مجالاً للشك في أن الصحة الجنسية ليست قضية هامشية، بل تعد واقعاً حاضراً، وإن كان غير معلن، حيث تكشف الأرقام فجوة واضحة بين ما يحدث فعلياً وما يُطرح داخل العيادات.

في دراسة مدرسية (Alsubaie AS et al.، Journal of Family & Community Medicine.2019) أُجريت في مدينة الرياض بالمملكة، أفاد نحو نصف المراهقين الذكور بسلوكيات مرتبطة بالتجربة الجنسية، في سياق يعكس مزيجاً من الفضول، والارتباك، ونقص المعلومات، وهي عوامل قد تقود إلى سلوكيات غير مدروسة في غياب التوجيه العلمي المناسب.

وفي بيئة العيادات، يلفت الدكتور باناعمة إلى دراسة أخرى (Madbouly K et al.، Sexual Medicine.2021) منشورة في مجلة الطب الجنسيSexual Medicine Journal التي أظهرت أن نسبة ملحوظة من النساء تنطبق عليهن معايير الاضطرابات الجنسية، ما يعكس فجوة حقيقية بين الاحتياج الفعلي وطلب المساعدة.

كما تشير دراسات وبائية حديثة إلى أن ما يقارب واحداً من كل خمسة رجال يعاني من ضعف الانتصاب، وهو رقم لا يعكس مجرد حالة فردية، بل يُعد مؤشراً متعدد الأبعاد يتقاطع مع الصحة الجسدية، والنفسية، والاجتماعية.

ويختصر الدكتور باناعمة هذه الصورة بوضوح بقوله: «المشكلة موجودة... لكن الوصول إليها ليس مباشراً؛ لأن ما لا يُسأل عنه غالباً لا يُكشف. إنهم لا يحتاجون إلى مزيدٍ من الوقت، بل يحتاجون إلى من يتجاوز الخطوط الحمراء، ويكسر حاجز الصمت...».

متابعة الصحة الجنسية

• «صمت مزدوج» بين المريض والطبيب. يوضح الدكتور عمر باناعمة أن ما يميز هذا الموضوع هو ما يسميه «الصمت المزدوج»، حيث يتردد المريض في الحديث، ويتردد الطبيب في السؤال، لتبقى هذه القضية الحساسة خارج نطاق النقاش.

ويرى أن هذا الصمت لا يرتبط فقط بالثقافة، بل هو نتيجة تفاعل عدة عوامل، من أبرزها:

- الحرج، والخوف من الوصمة الاجتماعية.

- الاعتقاد بأن المشكلة طبيعية، أو غير قابلة للعلاج.

- نقص التثقيف الصحي.

- غياب المبادرة داخل العيادة.

وفي المقابل، يشير إلى أن الطبيب قد يواجه تحديات تتعلق بضيق الوقت، أو محدودية التدريب، أو الحساسية الثقافية. وهنا يؤكد على رسالة محورية في محاضرته: «إذا لم تسأل... فلن يخبرك المريض».

• الصحة الجنسية والعمر. يؤكد الدكتور عمر باناعمة أن احتياجات الصحة الجنسية تتغير مع مراحل العمر، لكنها لا تختفي، بل تتخذ أشكالاً مختلفة تتطلب فهماً سريرياً مرناً.

ففي مرحلة المراهقة، يمر الأفراد بحالات من الفضول، والارتباك، ونقص المعرفة، مما يجعل التوجيه المبكر ضرورة صحية، وليس خياراً. وفي مرحلة البلوغ، تتداخل العوامل الجسدية، والنفسية، وتظهر قضايا الأداء، والضغوط، والتوقعات.

أما في مراحل العمر المتقدمة، فيؤكد أن الحاجة إلى الحميمية لا تنتهي، بل تتغير طبيعتها، مشيراً إلى عبارة لافتة وردت في محاضرته: «الحميمية لا تتقاعد». ويضيف أن تقارير منظمة الصحة العالمية تؤكد أن هذا الجانب يظل جزءاً مهماً من جودة الحياة حتى في الشيخوخة.

• دور الرعاية الأولية. يرى الدكتور عمر باناعمة أن الرعاية الصحية الأولية تمثل نقطة التحول الحقيقية في التعامل مع هذا الملف الحساس، من الصمت إلى المبادرة؛ نظراً لطبيعتها الشمولية، واستمرارية العلاقة بين الطبيب والمريض.

ويؤكد أن الصحة الجنسية ليست موضوعاً فرعياً، بل هي جزء أصيل من ممارسة طب الأسرة الذي يقوم على فهم المريض فهماً شمولياً، لا اختزاله في أعراضه فقط.

وأشار إلى إرشادات الأكاديمية الأميركية لأطباء الأسرة التي توصي بإدماج أسئلة بسيطة ومهنية ضمن التاريخ المرضي، وبطريقة طبيعية، وغير مباشرة، وتراعي الخصوصية، والسياق الثقافي.

كما أوضح أن نموذج ExPLISSIT (وهو أحد النماذج المعتمدة في الممارسة الإكلينيكية للصحة الجنسية) يوفر إطاراً عملياً يساعد طبيب الأسرة على فتح الحوار بشكل آمن، ومهني، بدءاً بمنح المريض الإذن للحديث عن مشكلته، ومروراً بتقديم معلومات محددة، وملائمة، ثم اقتراح تدخلات أولية، وصولاً إلى الإحالة للتدخل المتخصص عند الحاجة.

وفي السياق ذاته، يؤكد الدكتور عمر باناعمة أن إدماج الصحة الجنسية ضمن التقييم الروتيني قد يُحدث فرقاً جوهرياً في جودة الرعاية، وهو ما تدعمه إرشادات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC).

ويشير إلى أن الفرق بين صمتٍ طويل وتشخيصٍ مبكر قد يكون مجرد سؤالٍ بسيط؛ إذ إن كثيراً من المرضى لا يحتاجون إلى وقتٍ إضافي، بل إلى مساحةٍ آمنة للحديث.

الخلاصة

رغم التقدم الكبير في مفاهيم الرعاية الصحية، لا تزال بعض الجوانب المرتبطة بجودة حياة المريض تُطرح على استحياء، أو تُترك دون نقاش كافٍ، وفي مقدمتها الصحة الجنسية. فهذا الجانب، على أهميته، كثيراً ما يبقى خارج دائرة التقييم السريري، ليس لغيابه، بل لحساسيته، وهو ما قد يحوّل الصمت مع مرور الوقت إلى عائق حقيقي أمام التشخيص المبكر، والفهم المتكامل للحالة الصحية.

وقد نُجيد في العيادة متابعة المؤشرات الحيوية، وضبط الأمراض المزمنة، لكن تبقى هناك مساحة لا تُقاس بالأرقام، ومع ذلك تؤثر بعمق في حياة المريض. وهنا تتقاطع المسؤولية بين المريض والطبيب، وتبدأ بخطوة بسيطة قد تغيّر كل شيء.

رسالتنا إلى القارئ: إذا كنت، سابقاً، تظن أن الحديث عن هذا الجانب من صحتك يمكن تأجيله، أو تجاهله، فقد حان الوقت، الآن، لإعادة التفكير. فالصحة لا تقتصر على ما يظهر في الفحوصات، بل تشمل أيضاً ما تشعر به، وما قد تتردد في الإفصاح عنه. لا تجعل الحرج حاجزاً بينك وبين فهم أعمق لصحتك؛ فقضايا كثيرة من هذا الجانب قابلة للفهم، والتعامل، لكنها تحتاج فقط إلى خطوة أولى... قد تكون إفصاحاً صريحاً، أو حتى بداية حديث.

وإلى طبيب الأسرة، والرعاية الأولية، نقول: إن تجاهل هذا الجانب لم يعد خياراً مهنياً. فالصحة الجنسية جزء لا يتجزأ من الرعاية الشاملة، وطرحها لا يعني تجاوزاً، بل ممارسة طبية متكاملة. ابدأ بسؤال بسيط، بصياغة مهنية، وفي الوقت المناسب؛ فليس المطلوب أن تملك جميع الإجابات، بل أن تفتح الباب، وتوفر بيئة آمنة للحديث. ففي كثير من الأحيان لا يكون دور الطبيب في الحل المباشر، بقدر ما يكون في تمكين المريض من التعبير، والوصول إلى الرعاية المناسبة.

ولعل البداية لا تحتاج إلى أكثر من وعي مختلف... وسؤال يُطرح في الوقت المناسب؛ سؤال قد يبدو عابراً، لكنه كفيل بأن يزيح غموضاً طال السكوت عنه، ويكسر حاجز الصمت، ويعيد تعريف معنى الرعاية الصحية.

*استشاري طب المجتمع