تعرَّف على المخاطر الكامنة في الشحن فائق السرعة للهواتف الجوالة

يخفض عمر البطارية وأداءها... وتتراجع فائدته مع زيادة سرعات الشحن

تقنية الشحن بقدرة 200 واط من «شاومي»
تقنية الشحن بقدرة 200 واط من «شاومي»
TT

تعرَّف على المخاطر الكامنة في الشحن فائق السرعة للهواتف الجوالة

تقنية الشحن بقدرة 200 واط من «شاومي»
تقنية الشحن بقدرة 200 واط من «شاومي»

تتباهى بعض شركات تصنيع الهواتف الجوال بتقديم سرعات شحن فائقة، مثل «شاومي» Xiaomi بقدرة شحن تبلغ 200 واط و«وان بلاس» OnePlus و«ريلمي» Realme بقدرة 150 واط و«آي كو» iQoo بقدرة 120 واط، وغيرها من الشركات المصنّعة الأخرى. ولكن السؤال الجوهري هو: هل تأتي زيادة سرعات الشحن هذه دون أي تداعيات، أم هل تتأثر بطارية هاتفك الجوال أو جهازك اللوحي سلباً جراء سباق الشحن؟
سنستعرض في هذا الموضوع 3 عوامل تؤثر على عمر وأداء البطارية مرتبطة بالشحن فائق السرعة، ومجموعة من النصائح للمحافظة على عمر أطول لبطاريات أجهزتك المحمولة.
- آثار الشحن السريع
تعمل بطاريات الأجهزة المحمولة من خلال قطبين موجب وسالب يوجد بينهما فرق جهد كهربائي من حيث عدد الإلكترونات؛ لتتحرك الإلكترونات من القطب السالب إلى الموجب، مروراً بالدارات الإلكترونية للجهاز. ولدى انتهاء هذا التدفق، تتوقف البطارية عن العمل، وتحتاج إلى معاودة شحنها لتحريك الإلكترونات من القطب الموجب إلى السالب لإيجاد فرق الجهد المطلوب وشحن البطارية.
* انخفاض شحنة البطارية. وتأتي هنا تقنيات الشحن فائق السرعة التي تحرك الإلكترونات بشكل أسرع من خلال وضع فواصل داخلية بين القطبين لضمان عدم انتقال الإلكترونات مباشرة من القطب السالب إلى الموجب عوضاً عن مرورها كلها عبر دارات الهاتف. وكلما ازدادت سرعة الشحن، تزداد سماكة هذه الفواصل، وبالتالي ينخفض الحجم المتوفر للبطارية؛ الأمر الذي يخفض كثافتها أو شحنتها الممكنة بشكل إجمالي.
كما تقوم بعض الشركات بتقسيم البطارية الكبيرة إلى بطاريات أصغر حجماً لتسريع عملية الشحن، وبالتالي تُضيع المزيد من الحجم الذي كان من الممكن أن يتم استخدامه لرفع شحنة البطارية. هذا الأمر يعني أن تقنيات الشحن فائق السرعة ستكون موجودة فقط في الهواتف كبيرة الحجم، ولا يمكن وضعها بالقدرات ذاتها في الهواتف ذات الأحجام الأصغر.

شاحن بقدرة 160 واط من «إنفينيكس»

* العامل الثاني الذي يؤثر على البطارية هو أن تقنيات الشحن فائق السرعة تحرك الإلكترونات من القطب الموجب إلى السالب بسرعات أعلى، وبالتالي سينتج من ذلك المزيد من الحرارة المنبعثة التي تؤثر سلباً على جودة البطارية وعمرها؛ ذلك أن الحرارة العالية تغير التركيبة الداخلية للبطارية بشكل تدريجي لتنخفض قدرتها على المحافظة على الشحنة مع مرور الوقت (تنخفض قدرة البطارية بنحو 20 في المائة في السنة لو حافظ المستخدم على حرارتها بحدود 30 درجة مئوية، وتنخفض بنحو 40 في المائة في السنة لو حافظ المستخدم على حرارتها بحدود 40 درجة مئوية).
ولهذا السبب؛ يُنصح بعدم استخدام الهاتف أثناء شحنه؛ وذلك بهدف خفض الحرارة المنبعثة منه والمحافظة على عمر البطارية إلا لو كان الهاتف يدعم ميزة تجاوز الشحن Bypass Charging لتشغيل دارات الهاتف خلال الاستخدام المكثف دون شحن البطارية (مثل جلسات الألعاب المتطلبة). وبالتالي، فإن الشحن فائق السرعة سيجعل البطارية تدوم أقل مع مرور الوقت، وسيحتاج المستخدم إلى استبدالها في مراكز صيانة الشركات المصنعة؛ ذلك أن الغالبية العظمى من الهواتف أصبحت مغلقة بمواد لاصقة لا تسمح للمستخدم فتحها لاستبدال البطارية إلا باستخدام أدوات خاصة، مع ضرورة استخدام مواد لاصقة جديدة لدى تركيب الهاتف.
- تراجع الفائدة
* العامل الثالث هو تراجع الفائدة جراء زيادة قدرات الشحن فائق السرعة، حيث إن الشركات المصنعة غالباً ما تروج لتقنيات الشحن فائق السرعة بالتحدث عن سرعة شحن أول 50 في المائة من البطارية؛ وذلك لأن قدرة الشحن التي تتحدث عنها الشركة هي القدرة القصوى الممكنة وليس القدرة المستمرة للشحن. وتستطيع تقنيات الشحن فائق السرعة تحقيق هذه القدرة القصوى خلال شحن أول 50 في المائة تقريباً، وليس في جميع الأوقات؛ الأمر الذي يعني أن الهاتف سيبطئ من عملية الشحن بعد ذلك للمحافظة على عمر البطارية.
هذا الأمر يعني أن شحن الهاتف بشاحن قدرته 60 واط لا يعني أنه أسرع مرتين من شاحن قدرته 30 واط، ولا يعادل شحن الهاتف بشاحن قدرته 120 واط ضعف شاحن قدرته 60 واط. هذا الأمر يدل على سبب عدم انخراط كبرى شركات الهواتف الجوالة في سباق سرعة الشحن، حيث تقدم «أبل» سرعة شحن بقدرة تصل إلى 27 واط في أحدث هواتفها «آيفون 13 برو ماكس»، بينما تدعم «سامسونغ» الشحن بقدرة 45 واط في أحدث هواتفها «غالاكسي إس22 ألترا»، على خلاف بعض الشركات الأخرى التي تروج لتقنيات شحن فائق السرعة قد يؤدي استخدامه المفرط إلى استبدال هاتفك بآخر بشكل أسرع، وهو ما ترغب فيه تلك الشركات لتحقيق المزيد من المبيعات والأرباح جراء استخدام ميزة ظاهرها مفيد للمستخدم، ولكنها تقوم في الخفاء بخفض عمر بطارية هاتفك.
وكانت شركة «أوبو» قد كشفت في واقت سابق من العام الحالي، عن أنها طورت تقنية شحن فائقة السرعة بقدرة 240 واط، وفي الوقت نفسه طورت تركيبة جديدة داخل البطاريات ترفع من عمر ومستويات أمان البطارية لدى استخدام تقنية الشحن الجديدة دون القلق حول تأثيرها على جودة البطارية. كما تحافظ هذه التقنية على قدرة البطارية بنحو 80 في المائة بعد شحنها 1.600 مرة (نحو 4 سنوات و4 أشهر إذا تم شحن الهاتف بالكامل يومياً)، وبالتالي مضاعفة عمر البطارية مقارنة بالتقنيات الأخرى.
- نصائح لشحن أجهزتك
يذكر أن استخدام الشحن اللاسلكي للهاتف ينجم عنه حرارة في منصة الشحن ستنتقل إلى هيكل الهاتف وتؤثر سلباً على عمر البطارية. وتروج الشركات المصنعة للشواحن اللاسلكية بأن الشحن اللاسلكي هو الطريقة المثلى للمحافظة على هاتفك بشحنة 100 في المائة، ولكن هذا الأمر غير صحي للبطاريات الحالية، حيث إن تواجد الإلكترونات بشكل كامل في القطب السالب أو الموجب (البطارية ممتلئة أو فارغة) يسبب عدم توازن ويولد ضغطاً في البطارية، ويُفضَّل أن تكون شحنة البطارية بحدود 50 في المائة في جميع الأوقات للمحافظة على عمر أطول لها، وهذا هو السبب الذي يجعل الشركات المصنعة للهواتف الجوالة تشحن هواتفها بحدود النصف قبل توضيبها في علبها وإرسالها إلى المخازن ومتاجر البيع التي ستتواجد فيها الهواتف لفترة طويلة نسبياً، عوضاً عن ترك البطارية فارغة أو مشحونة بالكامل.
ويُنصح بإزالة غطاء حماية هاتفك الجوال خلال عملية الشحن فائق السرعة؛ وذلك بهدف تبديد الحرارة الناجمة عن الشحن بشكل أفضل عوضاً عن وجود غطاء يعرقل هذه العملية التي تؤثر سلباً على عمر البطاريات التي تعمل بتقنية أيونات الليثيوم Lithium - ion.
وتستخدم العديد من الهواتف ميزة اسمها «الشحن المُحسَّن» Optimized Charging للتعرف على أوقات استخدام الهاتف بعد شحنه لفترة مطولة، مثل فترات النوم، حيث يعلم الهاتف أن المستخدم يستيقظ يومياً في حدود الساعة السابعة صباحا، مثلاً، ليقوم بشحن الهاتف لغاية 50 في المائة فقط خلال الليل، ومن ثم التوقف عن شحنه للمحافظة على عمر البطارية، ليكمل شحنه إلى 100 في المائة قبل استيقاظ المستخدم بنحو ساعة.
ولا يُنصح بشحن هاتفك بشكل متكرر قبل انخفاض نسبة شحنه عن 30 في المائة؛ وذلك بهدف المحافظة على جودة توزيع الإلكترونات قبل وصولها إلى نقطة يشتد فيها فرق الضغط الكهربائي بين القطبين. كما يُنصح بالتوقف عن شحن الهاتف لدى وصول نسبة شحنه إلى نحو 80 في المائة، للسبب نفسه.
كما يُنصح باستخدام الشاحن المخصص لهاتفك عوضاً عن أي شاحن من شركة أخرى، حيث إن معظم الشركات تسمح لشواحنها التواصل مع الهاتف ومعرفة حالة شحنة البطارية والتوقف عن الشحن في حال وصول شحنة البطارية إلى 100 في المائة للمحافظة عليها. وقد يتم شحن البطارية بفائض في حال تم استخدام شاحن لا يراعي هذه المسألة أو في حال عدم حماية الهاتف للبطارية من الشحن الزائد.
وإلى حين انتشار البطاريات التي تقاوم الآثار السلبية للشحن فائق السرعة، يُنصح بتوخي الحذر لدى شحن بطاريات أجهزتك بتقنيات الشحن فائق السرعة، حيث إن شحن البطاريات لا يقتصر على الهواتف الجوالة والأجهزة اللوحية، بل يمتد إلى البطاريات المحمولة والسيارات الكهربائية والدراجات الكهربائية التي انفجرت بطاريات بعضها خلال شحنها.


مقالات ذات صلة

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الجغرافيا السياسية، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

خاص «غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.