الصحافة العربية والعبرية في تونس... قرن ونصف قرن من البحث عن «هوية»

كتاب جديد يبحث تاريخها وإشكالياتها

مقر جريدة «لابريس»
مقر جريدة «لابريس»
TT

الصحافة العربية والعبرية في تونس... قرن ونصف قرن من البحث عن «هوية»

مقر جريدة «لابريس»
مقر جريدة «لابريس»

شهد احتفال الإعلام العالمي أخيراً بـ«اليوم العالمي لحرية الصحافة» جدلاً في العديد من الدول، بينها تونس، حول واقع الإعلام... وحصيلة قرن ونصف من «توظيف» صنّاع القرار السياسي والاقتصادي له في خدمة أجنداتهم وأولوياتهم. وفيما يلي نعرض لخصوصيات تجارب الإعلام في تونس التي شهدت باكراً إصدارات بالجملة لصحف ناطقة باللغات العربية العبرية والفرنسية والإيطالية وأسّست فيها أول إذاعة وطنية منذ 1938.

                                                             سامي المالكي
سجلّ تاريخي
لقد تزامن إحياء تلك المناسبة العالمية بإصدار كتاب جديد تحت عنوان «قرن ونصف من الصحافة في تونس» أعده الإعلامي والأكاديمي التونسي الصحراوي قمعون عن تاريخ الصحافة التونسية منذ تأسيس أول صحيفة منتصف القرن 19. وأوضح قمعون، الذي سبق له أن تولى مسؤوليات على رأس عدة مؤسسات إعلام وتوثيق رسمية في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن دراساته عن الإعلام والحياة السياسية في تونس «جاءت لتتابع الدراسات المعمّقة التي أعدها كبار أساتذة الإعلام في تونس في الجامعة التونسية خلال العقود الماضية، مثل العميدين السابقين لكلية الصحافة المنصف الشنوفي ومحمد حمدان، والجامعيين التونسيين».
صدور كتاب قمعون تزامن مع نشر دراسات جديدة بعدة لغات حول تاريخ الصحافة العربية والعبرية والفرنسية في تونس. ويعتبر المؤلف أن كتابه الجديد جاء ليسلّط الأضواء كذلك على تطور المشهد الإعلامي بعد 1988. أي بعد إعلان الطور الثاني من التعددية الإعلامية والحزبية في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ثم بعد منعرج 2011. ودخول البلاد «تعددية صحافية غير مقيدة»، مما أدى إلى تأسيس مئات العناوين الصحافية والمواقع الإلكترونية وعشرات القنوات الإذاعية والتلفزيونية، اختفى الكثير منها لاحقاً بسبب الصعوبات المالية وتعقّد المشهد السياسي خلال العشرية الماضية».

تراجع هامش الحريات
من ناحية أخرى، رغم إصدار منظمات الصحافيين التونسية والدولية تقارير جديدة حذّرت مما وصفته «تدهور أوضاع الحريات في تونس، بعد إعلان الإجراءات الاستثنائية وإسقاط البرلمان والحكومة في 25 يوليو (تموز) أالماضي»، فإن التقارير نفسها أكدت أن «هامش الحريات الصحافية في تونس بين الأفضل عربياً حالياً». وفي هذا السياق يعتبر أستاذ الإعلام هاني مبارك أن «التعددية الفكرية والسياسية في الإعلام التونسي مرتبطة بخصوصية الانفتاح الفكري والثقافي المبكّر في تونس وفي وسائل الإعلام التونسية».
وحقاً، يسجل الصحراوي قمعون أن دراساته عن تاريخ الصحافة التونسية «تؤكد العلاقة الجدلية لوسائل الإعلام بمحيطها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري، طوال قرن ونصف من الوجود منذ إنشاء صحيفة (الرائد التونسي) عام 1860. حين كانت الصحافة صوت حركة الإصلاح وتيار النهضة (1860 - 1881)». ولقد تواصل توظيف الإعلام «في المعركة الوطنية» من قبل الزعماء الوطنيين في مرحلتي الاستعمار الفرنسي ومعركة الحرية والانعتاق (1881 - 1956)، وبناء الدولة الوطنية ودعم سياسات التنمية والانتقال نحو الديمقراطية (من 1956 إلى اليوم 2020).
وتكشف الدراسات للمسارات التاريخية للصحافة في تونس أنها تصدرت مجالات «نشر الأفكار الإصلاحية في بداية النهضة الفكرية لتونس، قبل وبعد انتصاب الاستعمار». كما كانت منبراً للأقلام التي تصدرت مسار «التصدي للاستعمار بسلاح القلم والنضال الفكري، وصولاً إلى تحقيق الاستقلال وبناء الدولة الوطنية بمختلف عهودها وتوجهاتها السياسية والآيديولوجية، المتراوحة بين الأحادية والتعددية الإعلامية والسياسية، واستحقاقات «الانتقال الديمقراطي» وفي مقدمتها حرية الصحافة والرأي والتعبير».

                                                                       الصحراوي قمعون
الصحافة الهزلية
من ناحية أخرى، نظّم أخيراً وسط العاصمة تونس معرض وثائقي كبير لتاريخ الصحافة الهزلية في البلاد. وكشف المشرفون على هذا المعرض أن من بين مميزات تاريخ الصحافة في تونس الحضور المهم للصحافة الهزلية التي تطوّرت إلى «ظاهرة اجتماعية سياسية». واعتبر الإعلامي والأكاديمي سامي المالكي أن الصحافة الهزلية «ساهمت في تشكيل الوعي الوطني خلال المرحلة الاستعمارية عبر الرسم الكاريكاتيري والمقالات الساخرة والشعر الشعبي». وساهم في هذه التجارب عدد من أبرز مثقّفي تلك الحقبة، مثل الشاذلي الفهري مؤسّس جريدة «السردوك» (أي «الديك») التي أسّست في 1922 وتوقّفت في 1931. وتظلّ أشهر هذه الصحف الهزلية التونسية جريدة «السرور» التي أطلقها الأديب والكاتب التونسي الشهير علي الدوعاجي ما بين الحربين العالميتين.
ولقد وثّق المعرض المنعقد أخيراً لخمس وأربعين صحيفة هزلية تونسية، من خلال تقديم صفحاتها الأولى مرفقة بأسماء ناشريها وتواريخ صدورها وبعض مضامينها، وسنوات توقّفها عن الصدور. ويمكن هنا أن نلاحظ أن الفترة الاستعمارية - على ما فيها من قمع - سمحت بصدور الصحافة الهزلية بينما منع معظمها بعد الاستقلال عام 1956. كما لم تنجح تجارب بعض الصحف الهزلية التي صدرت بعد ثورة 2011 وسرعان ما اختفت.

                                                                                        غلاف كتاب قمعون

الصحافة العبرية
في الوقت نفسه تكشف آخر الدراسات أن اليهود التونسيين لعبوا دوراً كبيراً في الصحافة التونسية الناطقة بالعربية والعبرية والفرنسية، سواءً عبر ترؤسهم مؤسسات إعلامية تجارية أو عبر الصحف التي كانت تدافع عن حقوق اليهود في تونس وخارجها.
ولقد ازدهرت الصحافة العبرية في تونس في القرن 19 والنصف الأول من القرن 20، وتباينت توجهاتها سياسياً واقتصادياً بين أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. كذلك عرضت الصحافة العبرية واقع الطائفة اليهودية ومشاكلها الداخلية وعلاقاتها بالغالبية المسلمة وبالمستعمرين الأوروبيين وبإسرائيل. وبدورها، مرّت الصحافة العبرية في تونس بثلاث مراحل كبرى:
- المرحلة الأولى كانت «مرحلة التأسيس». ففي عام 1878، صدرت أول صحيفة عبرية تحت اسم «العمالة (أي الولاية) التونسية»، وكانت ذات طابع ثقافي. وامتدت هذه المرحلة إلى عام 1904 واتسمت بمعاناة الصحف العبرية من صعوبات مادية وتقنية إضافة إلى المعوّقات السياسية التي فرضها الاستعمار بعد إقراره قانون الصحافة عام 1884. وفرضه شرط «ضمان مالي» لإصدار الصحف.
- المرحلة الثانية، بعد عام 1904، وهو تاريخ إلغاء «الضمان المالي، شهدت الصحافة العبرية في تونس عصرها الذهبي، وتكاثرت الصحف اليومية والسياسية اليهودية بشكل ملحوظ. كذلك ظهرت المجلات اليهودية المتخصصة والصحف الجهوية. وبرزت التوجّهات السياسية للصحف بوضوح، فبات لأنصار الحركة الصهيونية صحفهم وليهود تونس الوطنيين صحف أخرى خاصة بهم. واختارت عدة صحف عبرية أسلوب «الصحافة الهزلية» والنقد الاجتماعي، فازدهرت وأثرت في الصحف العربية والفرنسية الهزلية والسياسية. واستمر ازدهار هذا النوع من الصحف إلى أن عصفت الأزمة الاقتصادية العالمية (1929 - 1930) بأحلام أصحاب الصحف اليهودية والمطابع العبرية.
- المرحلة الثالثة. في الثلاثينات برزت صحف يهودية جديدة وتراجعت مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. وكان آخر عدد لجريدة عبرية تونسية صدر في مايو (أيار) 1940 ثم بعد احتلال ألمانيا النازية لتونس في نوفمبر (تشرين الثاني) 1942. لكن بعض أثرياء يهود تونس - الذين أصبح أغلبهم يحمل كذلك الجنسية الفرنسية - تخلوا عن اللغة العبرية واستثمروا في الصحافة الناطقة بالفرنسية، وبينها صحيفة «لابريس» التي أسسها عام 1936 الطبيب اليهودي الثري هنري سماجا. وظلت «لابريس» من أبرز صحف البلاد بعد الاستقلال. وأممت عام 1967 بقرار من الرئيس الحبيب بورقيبة والسلطات بعد اتهام صاحبها بتهريب الأموال إلى الخارج. وأصبحت هذه الصحيفة، منذ ذلك التاريخ، كبرى الصحف الناطقة باسم الحكومة التونسية.

                                                                                           الطيب اليوسفي
الصحافة الجهوية
برزت منذ النصف الأول من القرن الماضي صحف جهوية (محلية) عديدة ناطقة بالعربية والعبرية والفرنسية. لكن الصحف الجهوية «الأكثر مهنية» برزت في السبعينات من القرن الماضي بدعم من رجال أعمال ونشطاء من المجتمع المدني في المحافظات والجهات السياحية والصناعية الكبرى مثل صفاقس، العاصمة الصناعية الثانية للبلاد، وسوسة العاصمة السياحية والتجارية للساحل التونسي، وجزيرة جربة السياحية جنوباً، ومدينة بنزرت السياحية شمالي العاصمة. ومن أبرز الجرائد والمجلات الجهوية - وراجت كذلك في العاصمة تونس ومدن أخرى - صحف «الجزيرة» في جزيرة جربة و«شمس الجنوب» في صفاقس و«مرآة الوسط» في سوسة و«القنال» في بنزرت. كذلك، صدرت في المدن التاريخية الداخلية صحف اجتماعية ثقافية من بينها «الحنايا» في مدينة زغوان. كما برزت صحف جهوية ثقافية اجتماعية في محافظات القيروان سليانة وقفصة والقصرين.

صمود الصحافة المكتوبة
ولئن نجحت المواقع الاجتماعية والمنصات الإلكترونية ومحطات «راديو السيارة» في السيطرة على المشهدين الإعلامي والسياسي اليوم، فإن «الصحافة المكتوبة الورقية والإلكترونية ما تزال صامدة إلى اليوم»، حسب الصحراوي قمعون. إلا أن أستاذ الإعلام والاتصال صلاح الدين الدريدي يعتبر أن «ارتفاع عدد العناوين الصحافية وبروز تعددية شكلية بعد ثورة 2011 لا يعني أن الإعلام التونسي نجح في أن يلعب دور السلطة الرابعة في مراقبة أداء السلطات الثلاث وتصحيح مساراتها».
وخلافاً للتقييمات المتفائلة لأداء «الهيئات التعديلية المستقلة للإعلام»، وبينها هيئة الإعلام السمعي البصري، يعتبر الإعلامي والرئيس السابق لوكالة الأنباء التونسية العمومية الطيب اليوسفي أن بعض هذه الهيئات «لعبت منذ 2011 دور شرطة مراقبة الإعلام وانشغلت بالتعيينات ولعبة المواقع والكراسي» وليس بتكريس التعددية الإعلامية وتطوير المهنة.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

المصريون يأملون في انحسار تداعيات الحرب الإيرانية مع بدء الهدنة

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
TT

المصريون يأملون في انحسار تداعيات الحرب الإيرانية مع بدء الهدنة

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

بعد أسابيع من معاناته من تداعيات الحرب الإيرانية، التي بدأت برفع أسعار المحروقات ثم قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة، يأمل المصري إبراهيم زايد (47 عاماً) أن تحمل الهدنة بدايةً لانحسار هذه الآثار، بعدما تراجع دخله إلى النصف.

يملك زايد محلاً لصيانة وتركيب شبكات البث الهوائي (الدِّش) في إحدى قرى محافظة القليوبية شمالي القاهرة، وتأثر دخله بشدة نتيجة القرارات الحكومية الأخيرة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن قرار الإغلاق يُطبق في ذروة فترة عمله.

وأضاف: «الآن أعمل 4 ساعات بدلاً من 8، وتوقفت عن التعاون مع بعض الفنيين لقلة العمل والدخل»، مشيراً إلى أنه لن يستطيع الصمود في ظل هذه الظروف، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار، وتساءل: «هل ستتحسن الأوضاع ونعود للأوقات الطبيعية بعد الهدنة؟».

وتوصلت الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، صباح الأربعاء، إلى هدنة لمدة أسبوعين، يُفتح خلالهما مضيق هرمز، وتُجرى مفاوضات مباشرة في إسلام آباد بدايةً من الجمعة، لوقف الحرب.

وشهد عديد من المؤشرات الاقتصادية تحسناً مع بدء سريان الهدنة، فتراجع سعر برميل النفط عالمياً بنحو 16 في المائة، ليباع بنحو 93 دولاراً بعدما كان قد جاوز 110 دولارات، كما انخفض الدولار في السوق المصرية إلى نحو 53 جنيهاً مصرياً بعدما تجاوز 54 جنيهاً.

ورغم استبشار المصريين بقرار الهدنة، فإنهم انقسموا إلى فريقين؛ الأول متفائل إزاء تحقيق الحكومة وعدها السابق بتحسن الأوضاع بعد وقف الحرب، على اعتبار أن إجراءاتها كانت استثنائية لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، والفريق الآخر لا يتوقع انخفاضاً، ويرى أن وقف الحرب يعني عدم الانزلاق لمزيد من التدهور وليس تحسناً سريعاً ملحوظاً.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

كانت الحكومة المصرية قد قررت بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب، رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وانعكس ذلك على أسعار بقية السلع والخدمات.

تلافي الآثار... يحتاج إلى وقت

تدعم سارة محمود، التي تعمل في مجال خدمة العملاء وتسكن في منطقة دار السلام بجنوب العاصمة، رأي الفريق الثاني، وقالت: «الأسعار حين ترتفع لا تنخفض مهما تغير الظرف الذي أدى إلى ارتفاعها بالأساس، خصوصاً السلع المعمرة».

وتجد سارة صعوبة في استكمال شراء لوازم إتمام زيجتها في ظل ارتفاع الأسعار وإغلاق المحال مبكراً والذي يعوق جولاتها للشراء بعد انتهاء عملها.

كانت الحكومة قد قررت تبكير إغلاق المحال التجارية بدايةً من 28 مارس (آذار) الماضي، ولمدة شهر، ليصبح في التاسعة مساءً يومياً وفي العاشرة يومي الخميس والجمعة، وذلك لترشيد استهلاك الكهرباء. وربطت تجديد القرار باستمرار الحرب أو وقفها.

وعلى العكس من سارة، ما زال لدى زايد، وهو أب لأربعة أبناء، بصيص من أمل في تحسن الأوضاع، وطالب بالعودة عن قرار تبكير إغلاق المحال فوراً نظراً «لتأثيره الكبير على الناس» على حد قوله. وبخصوص الأسعار، قال: «قبل الحرب كنت أشتري أسطوانة الغاز بسعر 240 جنيهاً، أما الآن فقد قفز سعرها إلى 350 جنيهاً».

سوق اليوم الواحد (وزارة التموين والتجارة الداخلية المصرية)

وتستبعد أستاذة علم الاقتصاد في جامعة القاهرة، شيرين الشواربي، أن تشهد مصر تراجعاً سريعاً في القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة بسبب الحرب الإيرانية، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حدوث الضرر لا يحتاج إلى وقت طويل، عكس تلافي آثاره، فإنه يحتاج إلى وقت».

وأضافت: «الحكومة لن تتسرع في العودة عن قراراتها وتجعل الناس تأمل في عودة الأوضاع لسابق عهدها قبل الحرب، بينما المفاوضات ما زالت جارية، ولم يحدث وقف للحرب بل تعليق لها».

واستطردت: «حتى لو توقفت الحرب، فآثارها ستمتد، خصوصاً في ظل نمط تكرار الأزمات والضربات الاقتصادية عالمياً».

القدرة على امتصاص الصدمات

وتلقي الحكومة المصرية باللوم على الأزمات الخارجية في التأثير على اقتصادها، بدايةً من الحرب الروسية - الأوكرانية التي تسببت في أزمة عالمية بالقمح، ثم جائحة كورونا، ثم حرب غزة التي تسببت في خسارة مصر نحو 10 مليارات دولار نتيجة تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر وانخفاض إيرادات قناة السويس، ثم الحرب الإيرانية الأخيرة.

وتعلق د. شيرين قائلةً: «في ظل عالم تتكرر فيه الحروب والأزمات، هناك اقتصاديات قوية تمتص الصدمات، وأخرى تتأثر بها؛ لذا يجب على الحكومة العمل على بناء اقتصاد قوي لا يتأثر بكل أزمة عالمية».

واتسمت لغة حكومة مصر ورئيسها بتأكيد إدراك وتقدير معاناة المواطنين في ظل آثار الحرب والقرارات التي اتخذتها اضطراراً. وتمثل أحدث هذه القرارات في زيادة أسعار الكهرباء على الفئات العليا والمحال التجارية بنسب تراوحت بين 16 و20 في المائة، وتجنب زيادتها في الشرائح الأقل التي تندرج فيها النسبة الكبرى من المواطنين.

Your Premium trial has ended


ليبيون يُطالبون بـ«تحقيق دولي» في عقود النفط وسط «شبهات فساد»

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
TT

ليبيون يُطالبون بـ«تحقيق دولي» في عقود النفط وسط «شبهات فساد»

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)

لا تزال تداعيات تقرير أممي حول شبهات فساد في التعاقدات النفطية تُلقي بظلالها على المشهد السياسي الليبي، في ظل مطالب سياسيين في «كتلة التوافق الوطني» بالمجلس الأعلى للدولة، الأربعاء، بفتح تحقيق دولي، بالتنسيق مع السلطات القضائية الليبية، حول عقود قطاع الطاقة وما شابها من شبهات فساد.

وفي خطاب موجَّه إلى الأمين العام للأمم المتحدة، لقي اهتماماً إعلامياً واسعاً، دعت «كتلة التوافق الوطني»، التي تضم 61 عضواً من أصل 140 بالمجلس، إلى «تفعيل الآليات الدولية الخاصة بتتبع واسترداد الأموال المنهوبة»، إلى جانب «تقديم دعم فني واستشاري لمكتب النائب العام والجهات الرقابية، بما يُعزز قدرتها على مباشرة التحقيقات، وملاحقة المتورطين محلياً ودولياً».

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

كما شدد الساسة الليبيون على «ضرورة الإسراع بنشر التقرير النهائي لفريق خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا، وتمكين الرأي العام من الاطلاع على مضامينه»، وذهبوا إلى أن «ما ورد في مسودته يعكس تفشياً غير مسبوق لشبهات الفساد في قطاع الطاقة، بما يُهدد مقدرات الدولة واستقرار مؤسساتها».

وتزامناً مع تداول رسالة «كتلة التوافق الوطني»، استقبل رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، عدداً من أعضاء المجلس الأعلى للدولة، الأربعاء، تصدّرت أجندته «متابعة عمل اللجنة الرئاسية المعنية بمراجعة وتدقيق عقود النفط والكهرباء، المُشكّلة منذ أغسطس (آب) الماضي، في ضوء ما أثير من شبهات، تستدعي المعالجة القانونية والرقابية»، وفق بيان الرئاسي.

وتزامنت هذه التحركات مع استمرار الجدل حول مسودة تقرير مسرّب لفريق خبراء الأمم المتحدة، أشار إلى وقائع فساد طالت مسؤولين وقيادات عسكرية، وزعماء تشكيلات مسلحة، على خلفية ملف شركة «أركنو» النفطية الخاصة التي يُشتبه في تحويلها نحو 3 مليارات دولار إلى حسابات خارج ليبيا بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وكان رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، قد وجّه أخيراً بإنهاء ما وصفه بـ«اتفاقية التطوير» مع الشركة، فيما خاطب رئيس المجلس الرئاسي في رسالة إلى المؤسسة الوطنية للنفط بعدم إبرام أي اتفاقيات تقاسم إنتاج في الحقول القائمة، إلى حين مراجعة الجوانب القانونية والفنية والاقتصادية ذات الصلة.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية (الوحدة)

وفي الملف الاقتصادي أيضاً، اقترحت نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، والمنسقة المقيمة، أولريكا رتشاردسون: «إعادة استثمار إيرادات وثروات ليبيا بشكل مثمر في قطاعات التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية»، وتحدّثت خلال نقاش عبر الإنترنت عن المسار الاقتصادي للحوار المُهيكل عن ضرورة اتباع «نهج أكثر توازناً وشفافية لإعادة استثمار الإيرادات في جميع أنحاء البلاد».

والحوار المهيكل، المنعقد حالياً في العاصمة الليبية طرابلس، هو أحد بنود خريطة طريق عرضتها مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس الماضي، وقد أقرها أعضاؤه.

هانا تيتيه (غيتي)

وتزامن الحديث عن الملف الاقتصادي مع تصعيد أمني لافت في منطقة الساحل الغربي (غرب)، إثر هجوم مسلح في مدينة العجيلات، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، الثلاثاء، وسط حالة من التوتر والتحشيد بين تشكيلات محلية.

وذكرت مصادر أن الهجوم استهدف منزلاً في منطقة جنان عطية، ما أدى إلى مقتل شابين وإصابة ثالث، في واقعة تُضاف إلى سلسلة من الجرائم التي شهدتها المدينة منذ مطلع العام.

وفي ظل غياب موقف رسمي واضح، تتصاعد مطالب الأهالي في العجيلات وصبراتة والجميل بعودة الأجهزة الأمنية النظامية، ونزع سلاح التشكيلات المسلحة، في حين أعرب أعيان صبراتة عن رفضهم إقامة مقر أمني لإحدى الكتائب داخل المدينة، على خلفية اتهامات بسوابق جنائية لعناصرها.

ويُعزى التدهور الأمني في الساحل الغربي إلى تراكمات ما بعد 2011، وفي مقدمتها تنافس المجموعات المسلحة على النفوذ والموارد، وضعف مؤسسات الدولة، رغم محاولات متقطعة للحد من التهريب، عبر عمليات أمنية وغارات جوية، حسب محللين.


أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)
أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)
TT

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)
أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)

نظم أهالي من بلدة دلقو، في مدينة حلفا، أقصى شمال السودان، وقفة احتجاجية أمام مقر الحكومة المحلية، رفضاً لاستقبال نازحين في مناطقهم، في وقت أعربت فيه حكومة إقليم دارفور، عن إدانتها الشديدة لأي محاولات أو دعوات تستهدف إخراج النازحين من أي منطقة لجأوا إليها في السودان.

وتدفَّق عشرات الآلاف من النازحين الجدد الفارّين من مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى شمال السودان.

وأثار اعتراض أهالي المنطقة جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث عبّر كثيرون عن رفضهم بشدة لهذا الموقف الذي وصفوه بالمتطرف.

نازحون سودانيون من الفاشر في بلدة طويلة شمال دارفور 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وسلَّم المحتجون المدير الإداري في السلطة المحلية، مذكرة ترفض السماح بإقامة معسكرات للنازحين في محليات حلفا.

ويؤوي «مخيم العفاض» في مدينة الدبة، بالولاية الشمالية، أكثر من 25 ألف شخص فروا من القتال الدائر في ولايتي دارفور وكردفان، وهم يواجهون أوضاعاً إنسانية قاسية جراء نقص الإيواء والغذاء.

وقالت حكومة إقليم درفور، التي يرأسها قائد «حركة جيش تحرير السودان»، مني أركو مناوي، في بيان صحافي: «إن ما يتعرض له النازحون من مضايقات أو محاولات إقصاء في بعض المناطق، يُعدّ امتداداً لمخطط خبيث يستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي السوداني».

وأضافت: «إن هذا النهج يشبه ما دأبت عليه (قوات الدعم السريع) في تأجيج الصراعات القبلية، وبث خطاب الكراهية والانقسام لخدمة أجندتها الرامية إلى إضعاف وتقسيم البلاد».

وذكر البيان أن النازحين «أجبروا على مغادرة مناطقهم بسبب القتل والترويع وحرق قراهم، والآن يعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد».

وحذر من الانسياق وراء هذه الدعوات، مؤكداً أن حكومة الإقليم «ستقاضي أي جهة أو فرد يشارك في التحريض أو ممارسة أي شكل من أشكال التمييز ضد النازحين، ولن تتساهل مع أي تجاوز يهدد السلم الاجتماعي».

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بـ«مخيم أدري» الحدودي في تشاد (رويترز)

وجددت الحكومة التأكيد على «التزامها الكامل بالقيام بمسؤولياتها بالتنسيق مع السلطات في الحكومة الاتحادية، وكافة الشركاء لتوفير الحماية والرعاية اللازمة للنازحين في كل المناطق بالبلاد».

واستنكر نشطاء مدنيون من رواد مواقع التواصل الاجتماعي بشدة، احتجاج بعض سكان الولاية الشمالية على استقبال النازحين في وطنهم، في وقت فتحت دول الجوار أبوابها أمام الآلاف من اللاجئين السودانين، ودعوا إلى «عدم التساهل مع أي دعوة أو خطاب يبث الكراهية بين السودانيين».