الصحافة العربية والعبرية في تونس... قرن ونصف قرن من البحث عن «هوية»

كتاب جديد يبحث تاريخها وإشكالياتها

مقر جريدة «لابريس»
مقر جريدة «لابريس»
TT

الصحافة العربية والعبرية في تونس... قرن ونصف قرن من البحث عن «هوية»

مقر جريدة «لابريس»
مقر جريدة «لابريس»

شهد احتفال الإعلام العالمي أخيراً بـ«اليوم العالمي لحرية الصحافة» جدلاً في العديد من الدول، بينها تونس، حول واقع الإعلام... وحصيلة قرن ونصف من «توظيف» صنّاع القرار السياسي والاقتصادي له في خدمة أجنداتهم وأولوياتهم. وفيما يلي نعرض لخصوصيات تجارب الإعلام في تونس التي شهدت باكراً إصدارات بالجملة لصحف ناطقة باللغات العربية العبرية والفرنسية والإيطالية وأسّست فيها أول إذاعة وطنية منذ 1938.

                                                             سامي المالكي
سجلّ تاريخي
لقد تزامن إحياء تلك المناسبة العالمية بإصدار كتاب جديد تحت عنوان «قرن ونصف من الصحافة في تونس» أعده الإعلامي والأكاديمي التونسي الصحراوي قمعون عن تاريخ الصحافة التونسية منذ تأسيس أول صحيفة منتصف القرن 19. وأوضح قمعون، الذي سبق له أن تولى مسؤوليات على رأس عدة مؤسسات إعلام وتوثيق رسمية في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن دراساته عن الإعلام والحياة السياسية في تونس «جاءت لتتابع الدراسات المعمّقة التي أعدها كبار أساتذة الإعلام في تونس في الجامعة التونسية خلال العقود الماضية، مثل العميدين السابقين لكلية الصحافة المنصف الشنوفي ومحمد حمدان، والجامعيين التونسيين».
صدور كتاب قمعون تزامن مع نشر دراسات جديدة بعدة لغات حول تاريخ الصحافة العربية والعبرية والفرنسية في تونس. ويعتبر المؤلف أن كتابه الجديد جاء ليسلّط الأضواء كذلك على تطور المشهد الإعلامي بعد 1988. أي بعد إعلان الطور الثاني من التعددية الإعلامية والحزبية في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ثم بعد منعرج 2011. ودخول البلاد «تعددية صحافية غير مقيدة»، مما أدى إلى تأسيس مئات العناوين الصحافية والمواقع الإلكترونية وعشرات القنوات الإذاعية والتلفزيونية، اختفى الكثير منها لاحقاً بسبب الصعوبات المالية وتعقّد المشهد السياسي خلال العشرية الماضية».

تراجع هامش الحريات
من ناحية أخرى، رغم إصدار منظمات الصحافيين التونسية والدولية تقارير جديدة حذّرت مما وصفته «تدهور أوضاع الحريات في تونس، بعد إعلان الإجراءات الاستثنائية وإسقاط البرلمان والحكومة في 25 يوليو (تموز) أالماضي»، فإن التقارير نفسها أكدت أن «هامش الحريات الصحافية في تونس بين الأفضل عربياً حالياً». وفي هذا السياق يعتبر أستاذ الإعلام هاني مبارك أن «التعددية الفكرية والسياسية في الإعلام التونسي مرتبطة بخصوصية الانفتاح الفكري والثقافي المبكّر في تونس وفي وسائل الإعلام التونسية».
وحقاً، يسجل الصحراوي قمعون أن دراساته عن تاريخ الصحافة التونسية «تؤكد العلاقة الجدلية لوسائل الإعلام بمحيطها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري، طوال قرن ونصف من الوجود منذ إنشاء صحيفة (الرائد التونسي) عام 1860. حين كانت الصحافة صوت حركة الإصلاح وتيار النهضة (1860 - 1881)». ولقد تواصل توظيف الإعلام «في المعركة الوطنية» من قبل الزعماء الوطنيين في مرحلتي الاستعمار الفرنسي ومعركة الحرية والانعتاق (1881 - 1956)، وبناء الدولة الوطنية ودعم سياسات التنمية والانتقال نحو الديمقراطية (من 1956 إلى اليوم 2020).
وتكشف الدراسات للمسارات التاريخية للصحافة في تونس أنها تصدرت مجالات «نشر الأفكار الإصلاحية في بداية النهضة الفكرية لتونس، قبل وبعد انتصاب الاستعمار». كما كانت منبراً للأقلام التي تصدرت مسار «التصدي للاستعمار بسلاح القلم والنضال الفكري، وصولاً إلى تحقيق الاستقلال وبناء الدولة الوطنية بمختلف عهودها وتوجهاتها السياسية والآيديولوجية، المتراوحة بين الأحادية والتعددية الإعلامية والسياسية، واستحقاقات «الانتقال الديمقراطي» وفي مقدمتها حرية الصحافة والرأي والتعبير».

                                                                       الصحراوي قمعون
الصحافة الهزلية
من ناحية أخرى، نظّم أخيراً وسط العاصمة تونس معرض وثائقي كبير لتاريخ الصحافة الهزلية في البلاد. وكشف المشرفون على هذا المعرض أن من بين مميزات تاريخ الصحافة في تونس الحضور المهم للصحافة الهزلية التي تطوّرت إلى «ظاهرة اجتماعية سياسية». واعتبر الإعلامي والأكاديمي سامي المالكي أن الصحافة الهزلية «ساهمت في تشكيل الوعي الوطني خلال المرحلة الاستعمارية عبر الرسم الكاريكاتيري والمقالات الساخرة والشعر الشعبي». وساهم في هذه التجارب عدد من أبرز مثقّفي تلك الحقبة، مثل الشاذلي الفهري مؤسّس جريدة «السردوك» (أي «الديك») التي أسّست في 1922 وتوقّفت في 1931. وتظلّ أشهر هذه الصحف الهزلية التونسية جريدة «السرور» التي أطلقها الأديب والكاتب التونسي الشهير علي الدوعاجي ما بين الحربين العالميتين.
ولقد وثّق المعرض المنعقد أخيراً لخمس وأربعين صحيفة هزلية تونسية، من خلال تقديم صفحاتها الأولى مرفقة بأسماء ناشريها وتواريخ صدورها وبعض مضامينها، وسنوات توقّفها عن الصدور. ويمكن هنا أن نلاحظ أن الفترة الاستعمارية - على ما فيها من قمع - سمحت بصدور الصحافة الهزلية بينما منع معظمها بعد الاستقلال عام 1956. كما لم تنجح تجارب بعض الصحف الهزلية التي صدرت بعد ثورة 2011 وسرعان ما اختفت.

                                                                                        غلاف كتاب قمعون

الصحافة العبرية
في الوقت نفسه تكشف آخر الدراسات أن اليهود التونسيين لعبوا دوراً كبيراً في الصحافة التونسية الناطقة بالعربية والعبرية والفرنسية، سواءً عبر ترؤسهم مؤسسات إعلامية تجارية أو عبر الصحف التي كانت تدافع عن حقوق اليهود في تونس وخارجها.
ولقد ازدهرت الصحافة العبرية في تونس في القرن 19 والنصف الأول من القرن 20، وتباينت توجهاتها سياسياً واقتصادياً بين أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. كذلك عرضت الصحافة العبرية واقع الطائفة اليهودية ومشاكلها الداخلية وعلاقاتها بالغالبية المسلمة وبالمستعمرين الأوروبيين وبإسرائيل. وبدورها، مرّت الصحافة العبرية في تونس بثلاث مراحل كبرى:
- المرحلة الأولى كانت «مرحلة التأسيس». ففي عام 1878، صدرت أول صحيفة عبرية تحت اسم «العمالة (أي الولاية) التونسية»، وكانت ذات طابع ثقافي. وامتدت هذه المرحلة إلى عام 1904 واتسمت بمعاناة الصحف العبرية من صعوبات مادية وتقنية إضافة إلى المعوّقات السياسية التي فرضها الاستعمار بعد إقراره قانون الصحافة عام 1884. وفرضه شرط «ضمان مالي» لإصدار الصحف.
- المرحلة الثانية، بعد عام 1904، وهو تاريخ إلغاء «الضمان المالي، شهدت الصحافة العبرية في تونس عصرها الذهبي، وتكاثرت الصحف اليومية والسياسية اليهودية بشكل ملحوظ. كذلك ظهرت المجلات اليهودية المتخصصة والصحف الجهوية. وبرزت التوجّهات السياسية للصحف بوضوح، فبات لأنصار الحركة الصهيونية صحفهم وليهود تونس الوطنيين صحف أخرى خاصة بهم. واختارت عدة صحف عبرية أسلوب «الصحافة الهزلية» والنقد الاجتماعي، فازدهرت وأثرت في الصحف العربية والفرنسية الهزلية والسياسية. واستمر ازدهار هذا النوع من الصحف إلى أن عصفت الأزمة الاقتصادية العالمية (1929 - 1930) بأحلام أصحاب الصحف اليهودية والمطابع العبرية.
- المرحلة الثالثة. في الثلاثينات برزت صحف يهودية جديدة وتراجعت مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. وكان آخر عدد لجريدة عبرية تونسية صدر في مايو (أيار) 1940 ثم بعد احتلال ألمانيا النازية لتونس في نوفمبر (تشرين الثاني) 1942. لكن بعض أثرياء يهود تونس - الذين أصبح أغلبهم يحمل كذلك الجنسية الفرنسية - تخلوا عن اللغة العبرية واستثمروا في الصحافة الناطقة بالفرنسية، وبينها صحيفة «لابريس» التي أسسها عام 1936 الطبيب اليهودي الثري هنري سماجا. وظلت «لابريس» من أبرز صحف البلاد بعد الاستقلال. وأممت عام 1967 بقرار من الرئيس الحبيب بورقيبة والسلطات بعد اتهام صاحبها بتهريب الأموال إلى الخارج. وأصبحت هذه الصحيفة، منذ ذلك التاريخ، كبرى الصحف الناطقة باسم الحكومة التونسية.

                                                                                           الطيب اليوسفي
الصحافة الجهوية
برزت منذ النصف الأول من القرن الماضي صحف جهوية (محلية) عديدة ناطقة بالعربية والعبرية والفرنسية. لكن الصحف الجهوية «الأكثر مهنية» برزت في السبعينات من القرن الماضي بدعم من رجال أعمال ونشطاء من المجتمع المدني في المحافظات والجهات السياحية والصناعية الكبرى مثل صفاقس، العاصمة الصناعية الثانية للبلاد، وسوسة العاصمة السياحية والتجارية للساحل التونسي، وجزيرة جربة السياحية جنوباً، ومدينة بنزرت السياحية شمالي العاصمة. ومن أبرز الجرائد والمجلات الجهوية - وراجت كذلك في العاصمة تونس ومدن أخرى - صحف «الجزيرة» في جزيرة جربة و«شمس الجنوب» في صفاقس و«مرآة الوسط» في سوسة و«القنال» في بنزرت. كذلك، صدرت في المدن التاريخية الداخلية صحف اجتماعية ثقافية من بينها «الحنايا» في مدينة زغوان. كما برزت صحف جهوية ثقافية اجتماعية في محافظات القيروان سليانة وقفصة والقصرين.

صمود الصحافة المكتوبة
ولئن نجحت المواقع الاجتماعية والمنصات الإلكترونية ومحطات «راديو السيارة» في السيطرة على المشهدين الإعلامي والسياسي اليوم، فإن «الصحافة المكتوبة الورقية والإلكترونية ما تزال صامدة إلى اليوم»، حسب الصحراوي قمعون. إلا أن أستاذ الإعلام والاتصال صلاح الدين الدريدي يعتبر أن «ارتفاع عدد العناوين الصحافية وبروز تعددية شكلية بعد ثورة 2011 لا يعني أن الإعلام التونسي نجح في أن يلعب دور السلطة الرابعة في مراقبة أداء السلطات الثلاث وتصحيح مساراتها».
وخلافاً للتقييمات المتفائلة لأداء «الهيئات التعديلية المستقلة للإعلام»، وبينها هيئة الإعلام السمعي البصري، يعتبر الإعلامي والرئيس السابق لوكالة الأنباء التونسية العمومية الطيب اليوسفي أن بعض هذه الهيئات «لعبت منذ 2011 دور شرطة مراقبة الإعلام وانشغلت بالتعيينات ولعبة المواقع والكراسي» وليس بتكريس التعددية الإعلامية وتطوير المهنة.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.