الصحافة العربية والعبرية في تونس... قرن ونصف قرن من البحث عن «هوية»

كتاب جديد يبحث تاريخها وإشكالياتها

مقر جريدة «لابريس»
مقر جريدة «لابريس»
TT

الصحافة العربية والعبرية في تونس... قرن ونصف قرن من البحث عن «هوية»

مقر جريدة «لابريس»
مقر جريدة «لابريس»

شهد احتفال الإعلام العالمي أخيراً بـ«اليوم العالمي لحرية الصحافة» جدلاً في العديد من الدول، بينها تونس، حول واقع الإعلام... وحصيلة قرن ونصف من «توظيف» صنّاع القرار السياسي والاقتصادي له في خدمة أجنداتهم وأولوياتهم. وفيما يلي نعرض لخصوصيات تجارب الإعلام في تونس التي شهدت باكراً إصدارات بالجملة لصحف ناطقة باللغات العربية العبرية والفرنسية والإيطالية وأسّست فيها أول إذاعة وطنية منذ 1938.

                                                             سامي المالكي
سجلّ تاريخي
لقد تزامن إحياء تلك المناسبة العالمية بإصدار كتاب جديد تحت عنوان «قرن ونصف من الصحافة في تونس» أعده الإعلامي والأكاديمي التونسي الصحراوي قمعون عن تاريخ الصحافة التونسية منذ تأسيس أول صحيفة منتصف القرن 19. وأوضح قمعون، الذي سبق له أن تولى مسؤوليات على رأس عدة مؤسسات إعلام وتوثيق رسمية في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن دراساته عن الإعلام والحياة السياسية في تونس «جاءت لتتابع الدراسات المعمّقة التي أعدها كبار أساتذة الإعلام في تونس في الجامعة التونسية خلال العقود الماضية، مثل العميدين السابقين لكلية الصحافة المنصف الشنوفي ومحمد حمدان، والجامعيين التونسيين».
صدور كتاب قمعون تزامن مع نشر دراسات جديدة بعدة لغات حول تاريخ الصحافة العربية والعبرية والفرنسية في تونس. ويعتبر المؤلف أن كتابه الجديد جاء ليسلّط الأضواء كذلك على تطور المشهد الإعلامي بعد 1988. أي بعد إعلان الطور الثاني من التعددية الإعلامية والحزبية في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ثم بعد منعرج 2011. ودخول البلاد «تعددية صحافية غير مقيدة»، مما أدى إلى تأسيس مئات العناوين الصحافية والمواقع الإلكترونية وعشرات القنوات الإذاعية والتلفزيونية، اختفى الكثير منها لاحقاً بسبب الصعوبات المالية وتعقّد المشهد السياسي خلال العشرية الماضية».

تراجع هامش الحريات
من ناحية أخرى، رغم إصدار منظمات الصحافيين التونسية والدولية تقارير جديدة حذّرت مما وصفته «تدهور أوضاع الحريات في تونس، بعد إعلان الإجراءات الاستثنائية وإسقاط البرلمان والحكومة في 25 يوليو (تموز) أالماضي»، فإن التقارير نفسها أكدت أن «هامش الحريات الصحافية في تونس بين الأفضل عربياً حالياً». وفي هذا السياق يعتبر أستاذ الإعلام هاني مبارك أن «التعددية الفكرية والسياسية في الإعلام التونسي مرتبطة بخصوصية الانفتاح الفكري والثقافي المبكّر في تونس وفي وسائل الإعلام التونسية».
وحقاً، يسجل الصحراوي قمعون أن دراساته عن تاريخ الصحافة التونسية «تؤكد العلاقة الجدلية لوسائل الإعلام بمحيطها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري، طوال قرن ونصف من الوجود منذ إنشاء صحيفة (الرائد التونسي) عام 1860. حين كانت الصحافة صوت حركة الإصلاح وتيار النهضة (1860 - 1881)». ولقد تواصل توظيف الإعلام «في المعركة الوطنية» من قبل الزعماء الوطنيين في مرحلتي الاستعمار الفرنسي ومعركة الحرية والانعتاق (1881 - 1956)، وبناء الدولة الوطنية ودعم سياسات التنمية والانتقال نحو الديمقراطية (من 1956 إلى اليوم 2020).
وتكشف الدراسات للمسارات التاريخية للصحافة في تونس أنها تصدرت مجالات «نشر الأفكار الإصلاحية في بداية النهضة الفكرية لتونس، قبل وبعد انتصاب الاستعمار». كما كانت منبراً للأقلام التي تصدرت مسار «التصدي للاستعمار بسلاح القلم والنضال الفكري، وصولاً إلى تحقيق الاستقلال وبناء الدولة الوطنية بمختلف عهودها وتوجهاتها السياسية والآيديولوجية، المتراوحة بين الأحادية والتعددية الإعلامية والسياسية، واستحقاقات «الانتقال الديمقراطي» وفي مقدمتها حرية الصحافة والرأي والتعبير».

                                                                       الصحراوي قمعون
الصحافة الهزلية
من ناحية أخرى، نظّم أخيراً وسط العاصمة تونس معرض وثائقي كبير لتاريخ الصحافة الهزلية في البلاد. وكشف المشرفون على هذا المعرض أن من بين مميزات تاريخ الصحافة في تونس الحضور المهم للصحافة الهزلية التي تطوّرت إلى «ظاهرة اجتماعية سياسية». واعتبر الإعلامي والأكاديمي سامي المالكي أن الصحافة الهزلية «ساهمت في تشكيل الوعي الوطني خلال المرحلة الاستعمارية عبر الرسم الكاريكاتيري والمقالات الساخرة والشعر الشعبي». وساهم في هذه التجارب عدد من أبرز مثقّفي تلك الحقبة، مثل الشاذلي الفهري مؤسّس جريدة «السردوك» (أي «الديك») التي أسّست في 1922 وتوقّفت في 1931. وتظلّ أشهر هذه الصحف الهزلية التونسية جريدة «السرور» التي أطلقها الأديب والكاتب التونسي الشهير علي الدوعاجي ما بين الحربين العالميتين.
ولقد وثّق المعرض المنعقد أخيراً لخمس وأربعين صحيفة هزلية تونسية، من خلال تقديم صفحاتها الأولى مرفقة بأسماء ناشريها وتواريخ صدورها وبعض مضامينها، وسنوات توقّفها عن الصدور. ويمكن هنا أن نلاحظ أن الفترة الاستعمارية - على ما فيها من قمع - سمحت بصدور الصحافة الهزلية بينما منع معظمها بعد الاستقلال عام 1956. كما لم تنجح تجارب بعض الصحف الهزلية التي صدرت بعد ثورة 2011 وسرعان ما اختفت.

                                                                                        غلاف كتاب قمعون

الصحافة العبرية
في الوقت نفسه تكشف آخر الدراسات أن اليهود التونسيين لعبوا دوراً كبيراً في الصحافة التونسية الناطقة بالعربية والعبرية والفرنسية، سواءً عبر ترؤسهم مؤسسات إعلامية تجارية أو عبر الصحف التي كانت تدافع عن حقوق اليهود في تونس وخارجها.
ولقد ازدهرت الصحافة العبرية في تونس في القرن 19 والنصف الأول من القرن 20، وتباينت توجهاتها سياسياً واقتصادياً بين أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. كذلك عرضت الصحافة العبرية واقع الطائفة اليهودية ومشاكلها الداخلية وعلاقاتها بالغالبية المسلمة وبالمستعمرين الأوروبيين وبإسرائيل. وبدورها، مرّت الصحافة العبرية في تونس بثلاث مراحل كبرى:
- المرحلة الأولى كانت «مرحلة التأسيس». ففي عام 1878، صدرت أول صحيفة عبرية تحت اسم «العمالة (أي الولاية) التونسية»، وكانت ذات طابع ثقافي. وامتدت هذه المرحلة إلى عام 1904 واتسمت بمعاناة الصحف العبرية من صعوبات مادية وتقنية إضافة إلى المعوّقات السياسية التي فرضها الاستعمار بعد إقراره قانون الصحافة عام 1884. وفرضه شرط «ضمان مالي» لإصدار الصحف.
- المرحلة الثانية، بعد عام 1904، وهو تاريخ إلغاء «الضمان المالي، شهدت الصحافة العبرية في تونس عصرها الذهبي، وتكاثرت الصحف اليومية والسياسية اليهودية بشكل ملحوظ. كذلك ظهرت المجلات اليهودية المتخصصة والصحف الجهوية. وبرزت التوجّهات السياسية للصحف بوضوح، فبات لأنصار الحركة الصهيونية صحفهم وليهود تونس الوطنيين صحف أخرى خاصة بهم. واختارت عدة صحف عبرية أسلوب «الصحافة الهزلية» والنقد الاجتماعي، فازدهرت وأثرت في الصحف العربية والفرنسية الهزلية والسياسية. واستمر ازدهار هذا النوع من الصحف إلى أن عصفت الأزمة الاقتصادية العالمية (1929 - 1930) بأحلام أصحاب الصحف اليهودية والمطابع العبرية.
- المرحلة الثالثة. في الثلاثينات برزت صحف يهودية جديدة وتراجعت مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. وكان آخر عدد لجريدة عبرية تونسية صدر في مايو (أيار) 1940 ثم بعد احتلال ألمانيا النازية لتونس في نوفمبر (تشرين الثاني) 1942. لكن بعض أثرياء يهود تونس - الذين أصبح أغلبهم يحمل كذلك الجنسية الفرنسية - تخلوا عن اللغة العبرية واستثمروا في الصحافة الناطقة بالفرنسية، وبينها صحيفة «لابريس» التي أسسها عام 1936 الطبيب اليهودي الثري هنري سماجا. وظلت «لابريس» من أبرز صحف البلاد بعد الاستقلال. وأممت عام 1967 بقرار من الرئيس الحبيب بورقيبة والسلطات بعد اتهام صاحبها بتهريب الأموال إلى الخارج. وأصبحت هذه الصحيفة، منذ ذلك التاريخ، كبرى الصحف الناطقة باسم الحكومة التونسية.

                                                                                           الطيب اليوسفي
الصحافة الجهوية
برزت منذ النصف الأول من القرن الماضي صحف جهوية (محلية) عديدة ناطقة بالعربية والعبرية والفرنسية. لكن الصحف الجهوية «الأكثر مهنية» برزت في السبعينات من القرن الماضي بدعم من رجال أعمال ونشطاء من المجتمع المدني في المحافظات والجهات السياحية والصناعية الكبرى مثل صفاقس، العاصمة الصناعية الثانية للبلاد، وسوسة العاصمة السياحية والتجارية للساحل التونسي، وجزيرة جربة السياحية جنوباً، ومدينة بنزرت السياحية شمالي العاصمة. ومن أبرز الجرائد والمجلات الجهوية - وراجت كذلك في العاصمة تونس ومدن أخرى - صحف «الجزيرة» في جزيرة جربة و«شمس الجنوب» في صفاقس و«مرآة الوسط» في سوسة و«القنال» في بنزرت. كذلك، صدرت في المدن التاريخية الداخلية صحف اجتماعية ثقافية من بينها «الحنايا» في مدينة زغوان. كما برزت صحف جهوية ثقافية اجتماعية في محافظات القيروان سليانة وقفصة والقصرين.

صمود الصحافة المكتوبة
ولئن نجحت المواقع الاجتماعية والمنصات الإلكترونية ومحطات «راديو السيارة» في السيطرة على المشهدين الإعلامي والسياسي اليوم، فإن «الصحافة المكتوبة الورقية والإلكترونية ما تزال صامدة إلى اليوم»، حسب الصحراوي قمعون. إلا أن أستاذ الإعلام والاتصال صلاح الدين الدريدي يعتبر أن «ارتفاع عدد العناوين الصحافية وبروز تعددية شكلية بعد ثورة 2011 لا يعني أن الإعلام التونسي نجح في أن يلعب دور السلطة الرابعة في مراقبة أداء السلطات الثلاث وتصحيح مساراتها».
وخلافاً للتقييمات المتفائلة لأداء «الهيئات التعديلية المستقلة للإعلام»، وبينها هيئة الإعلام السمعي البصري، يعتبر الإعلامي والرئيس السابق لوكالة الأنباء التونسية العمومية الطيب اليوسفي أن بعض هذه الهيئات «لعبت منذ 2011 دور شرطة مراقبة الإعلام وانشغلت بالتعيينات ولعبة المواقع والكراسي» وليس بتكريس التعددية الإعلامية وتطوير المهنة.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
TT

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

لقي 23 مهاجراً غير نظامي مصرعهم في حادثتين منفصلتين قبالة السواحل الليبية، في مأساة جديدة تسلط الضوء على استمرار مخاطر الهجرة غير النظامية وسط البحر المتوسط.

ففي الحادثة الأولى، غرق قارب يقل مهاجرين غير نظاميين، مساء السبت، قبالة سواحل مدينة طبرق شرق البلاد. وقال الهلال الأحمر الليبي، الأحد، إنه تم إنقاذ 4 أشخاص وانتشال 6 جثامين يعتقد أنها لمهاجرين غير نظاميين، ولا يزال البحث مستمراً عن بقية المفقودين.

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

أما في الغرب الليبي، فقد أعلن مركز طب الطوارئ والدعم، التابع لوزارة الصحة بحكومة «الوحدة» المؤقتة، انتشال 17 جثماناً لمهاجرين جرفتها الأمواج إلى شواطئ مدينة زوارة والمناطق المجاورة خلال الأيام الماضية.

وأوضح المركز أنه استكمل إجراءات دفن 14 جثماناً وفق الضوابط القانونية والإنسانية، فيما نقل جثماناً واحداً إلى طرابلس بعد التعرف على هويته، وهو مهاجر من بنغلاديش، وتسليمه إلى أسرته، بينما تتواصل الإجراءات للحالتين المتبقيتين.

وأعربت السلطات الليبية عن أسفها لهذه الحوادث، مؤكدة استمرار جهود خفر السواحل والفرق الطبية في عمليات البحث والإنقاذ والتعامل مع الجثامين باحترام.

ولم تصدر وزارة الداخلية أو حكومة الوحدة بياناً رسمياً مفصلاً حتى الآن.

انتشال جثامين لمهاجرين في زوارة بغرب ليبيا (مركز الطوارئ والدعم)

وسبق ودعت منظمة الهجرة الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مراراً إلى تعزيز آليات البحث والإنقاذ في المتوسط، وتوفير طرق هجرة آمنة وقانونية، مشيرة إلى ارتفاع حاد في عدد الضحايا؛ حيث اقترب إجمالي الوفيات والمفقودين في البحر المتوسط خلال عام 2026 من ألف شخص، مع تركز معظمها في الطريق الليبي - الإيطالي.

ويُعد الطريق الليبي نحو أوروبا أحد أخطر طرق الهجرة في العالم؛ بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في ليبيا، وضعف قدرات خفر السواحل، واستغلال شبكات التهريب للمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا.

وتتكرر مثل هذه الحوادث بشكل شبه يومي، مما يحول البحر المتوسط إلى «مقبرة مفتوحة»، ويثير انتقادات دولية متزايدة حول مسؤولية الدول الأوروبية وليبيا معاً في مواجهة هذه الظاهرة.

وتشير التقارير إلى أن آلاف المهاجرين يحاولون عبور المتوسط شهرياً انطلاقاً من سواحل زوارة وطبرق ومناطق أخرى، رغم المخاطر الشديدة، والتعامل القاسي أحياناً من قبل السلطات، والظروف الإنسانية الصعبة في مراكز الاحتجاز الليبية.

Your Premium trial has ended


القائد المنشق من «الدعم السريع» يصل مناطق الجيش السوداني

النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
TT

القائد المنشق من «الدعم السريع» يصل مناطق الجيش السوداني

النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)

وصل، الأحد، القائد المنشق من «قوات الدعم السريع»، اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ«النور القُبة»، إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني، وذلك بعد نحو أسبوع من اختفائه، إثر تداول أنباء مكثفة عن انضمامه إلى الجيش.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً يصور القائد المنشق وهو يُلقي التحايا على أفراد يرتدون زي الجيش في منطقة لا تبدو واضحة المعالم.

وفي حين لم يصدر بعد تعليق رسمي من الجيش، أعلن «مجلس الصحوة الثوري» وصول القائد المنشق والقوى المرافقة له بسلام إلى مواقع سيطرة الجيش.

و«مجلس الصحوة الثوري» ميليشيا قبلية يقودها مؤسس «الجنجويد» موسى هلال؛ وهو زعيم أهلي معقله الرئيسي بلدة مستريحة في ولاية شمال دارفور بغرب السودان، وكان قد أعلن من وقت باكر ولاءه للجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع».

وقال «مجلس الصحوة» في بيان، يوم الأحد، إن ثلاثة من ضباط «الصحوة» وعشرات الجنود، رافقوا الضابط المنشق من المناطق الواقعة في شمال إقليم دارفور إلى مواقع سيطرة الجيش.

ومنذ قرابة أسبوع على تداول أنباء انشقاقه، انقطعت الأخبار عنه في وقت راج فيه الحديث عن معارك عنيفة دارت في مناطق صحراوية بشمال دارفور، لقطع الطريق أمامه والقوة المرافقة له ومنعهم من الوصول إلى مناطق تقع تحت سيطرة الجيش.

وبثت منصات موالية لـ«الدعم السريع» مقاطع فيديو تزعم أنها لأسرى وسيارات قتالية تم الاستيلاء عليها بعد اشتباكات جرت مع قوات الضابط المنشق، النور القبة، في طريق فراره من دارفور.

وفي وقت سابق، أشارت مصادر عسكرية إلى أن «قوات الدعم السريع» كانت قد دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة لمحاصرة القائد المنشق للقبض عليه، بينما نفت خروجه بقوات كبيرة على متن عشرات السيارات القتالية بحسب ما تردد.

ويُرجح على نحو واسع أن انشقاق النور القبة يرتبط ارتباطاً وثيقاً باجتياح «الدعم السريع» بلدة مستريحة في فبراير (شباط) الماضي، وأفادت تقارير وقتها بأنه تم تأمين ممر آمن لخروج موسى هلال من المنطقة تحت حماية أفراد من عشيرته في «قوات الدعم السريع».

نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية في مخيم للاجئين السودانيين بشرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

يذكر أن النور القبة، ثاني قائد عسكري رفيع ينشق من «قوات الدعم السريع» بعد أبو عاقلة كيكل الذي مُنح «عفواً عاماً» من القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان. ولاحقاً أسس كيكل ميليشيا تحت مسمى «قوات درع السودان» يتحدر غالبية مقاتليها من مجموعة سكانية واحدة يتركز ثقلها في مناطق البطانة وشرق الجزيرة بوسط السودان، وتخضع حالياً للجيش.

ويُعدّ القبة من كبار القادة العسكريين في «قوات الدعم السريع»، ويصفه البعض بأنه الثالث في الهرم القيادي العسكري، وقاد الكثير من المعارك في الخرطوم والجزيرة وكردفان إلى حصار مدينة الفاشر وسقوطها.

ويسود شعور متزايد من الاستياء في الأوساط الشعبية من استقبال الجيش للمنشقين من «قوات الدعم السريع» الذين يُتهمون بالاشتراك في المسؤولية الجنائية عن ارتكاب انتهاكات وفظائع ضد المدنيين، بينما تتواصل محاكمة المدنيين بمزاعم التعاون مع «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على ولايات الخرطوم والجزيرة.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، أعلن رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مراراً العفو العام عن كل من يلقي السلاح، وعلى وجه الخصوص من «قوات الدعم السريع».


ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
TT

ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)

في تصعيد جديد لصراع الصلاحيات في ليبيا بين رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، طلب المنفي إيقاف وزير الخارجية المُكلّف في حكومة «الوحدة»، طاهر الباعور، عن العمل؛ في وقت باركت فيه الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي التوقيع على أول «ميزانية وطنية موحّدة» لهذا العام، بوصفها «نقطة تحوّل» نحو إنهاء الانقسام.

وقال المنفي في بيان أصدره، الأحد، إنه قرر «إيقاف الباعور عن مباشرة أي مهام تتعلق بالتمثيل الخارجي أو الاتصالات الدبلوماسية».

كما طلب المنفي من حكومة الدبيبة «عرض مرشح رسمي لتولي منصب وزير الخارجية وفق الأصول القانونية المقررة»، محذراً من أن «أي إجراء منفرد يؤدي إلى إرباك القنوات الدبلوماسية، وتعريض الموقف السيادي للدولة للالتباس». وأضاف أن وزارة الخارجية «حقيبة سيادية»، وأن أي تكليف أو ترتيب إداري يتعلق بها «يتطلب التشاور الإلزامي».

وتصاعدت حدة الخلافات بين المنفي والدبيبة مؤخراً بسبب محاولات التعديل الوزاري الأخير في حكومة «الوحدة»، والتي عدّها «المجلس الرئاسي» مخالِفة، لكونها «حكومة تصريف أعمال» وتتطلب تشاوراً وطنياً واسعاً، خصوصاً في الحقائب السيادية.

وسبق للمنفي و«المجلس الرئاسي»، الذي يحتفظ بصلاحيات سيادية، مثل التمثيل الخارجي والدفاع، أن حذّرا الدبيبة من أي تعديلات وزارية أحادية الجانب.

ويخشى مراقبون أن يؤدي هذا التصعيد إلى تعميق الانقسام المؤسسي، وإرباك الجهود الدولية للخروج من الأزمة، خصوصاً مع استمرار وجود حكومتين موازيتين في الشرق والغرب، وتأثير ذلك على الاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد.

ولم يصدر ردّ رسمي فوري من حكومة «الوحدة» أو وزارة خارجيتها على بيان المنفي.

وكان الباعور قد زار الخميس الماضي النيجر، وبحث مع رئيس حكومتها علي الأمين العلاقات الثنائية، ونقل رسالة شفهية من الدبيبة.

في المقابل، أعلن الدبيبة «نجاح حكومته في بناء جيش منظم»، معرباً عن أمله في الوصول إلى جيش موحد بدعم من تركيا وباقي الدول الإقليمية. وقال في مقابلة تلفزيونية على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» مساء السبت: «نجحنا في تكوين جيش منظم، ونريد دعم تركيا»، وأكد السعي من خلال الجهود الدولية والمحلية لتوحيد الجيش، لافتاً إلى نجاح الحكومة أيضاً لأول مرة، منذ 13 عاماً، في إنجاز ميزانية تنموية موحدة لكل ليبيا.

ووسط تفاؤل دولي، رحّبت الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي، في بيان مشترك أصدرته وزارة الخارجية الأميركية مساء السبت، بتوقيع ليبيا على «ميزانية وطنية موحدة» للعام الحالي، واصفة الخطوة بأنها «نقطة تحول حاسمة» لإنهاء الانقسام الاقتصادي بين شرق البلاد وغربها.

وأثنى بيان لحكومات السعودية ومصر وقطر والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وترکیا وبريطانيا وأميركا على «النهج البنّاء» للقادة الليبيين في الوصول إلى هذا الاتفاق الذي وُقّع الأسبوع الماضي، مؤكداً أنه سيُعزز الوحدة والاستقرار.

وعدّ البيان أن هذه الخطوة تُمثل ركيزة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القادة في شرق البلاد وغربها، كما أشاد بـ«النهج البنّاء الذي سلكته الأطراف الليبية للتوصل إلى هذا الاتفاق الذي من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للوحدة والاستقرار والازدهار».

وتعهد المستشار الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، في بيان مساء السبت، بمواصلة هذه الدول، مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، دعم الجهود الليبية الرامية لتعزيز الوحدة.

وكان بولس قد أعلن عقب لقائه الدبيبة على هامش «أنطاليا الدبلوماسي» عن ترحيب بلاده بالخطوات الأخيرة نحو التكامل الاقتصادي والعسكري في ليبيا، وأكد الأهمية الاستراتيجية لخطوة التوقيع على «ميزانية وطنية موحدة»، معتبراً إياها ركيزة أساسية لدعم الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

كما أشاد بولس بافتتاح الجانب الليبي من تدريبات «فلينتلوك» بمشاركة لافتة لقوة مشتركة تضم عناصر من القوات الخاصة لشرق وغرب ليبيا، في خطوة تعكس تقدماً ملموساً نحو العمل العسكري الموحد.

بدورها، قالت ستيفاني خوري، نائبة رئيسة البعثة الأممية، إنها أطلعت مساء السبت، في مدينة بنغازي بشرق البلاد، رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، على التقدم المحرز في «الحوار المهيكل»، خصوصاً المسار الأمني الذي يهدف إلى اقتراح أطر لتوحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية، مشيرة إلى تقديرها دعم القيادة العامة لخريطة طريق الأمم المتحدة، الهادفة إلى الدفع قدماً بعملية سياسية شاملة تفضي إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات الوطنية.

اجتماع ستيفاني خوري مع خالد حفتر رئيس أركان «الجيش الوطني» (البعثة الأممية)

وأكد من جانبه، الفريق خالد، أهمية الدفع بالمسار العسكري نحو التوحيد، من خلال آليات وطنية ومهنية، مشيداً بالجهود القائمة في إطار لجان «5+5» و«3+3»، بما يُعزز من قدرة المؤسسة العسكرية على أداء مهامها في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود ومواجهة الهجرة غير الشرعية.

كما شدد على ضرورة أن تجري جميع المسارات في إطار وطني جامع، مرحباً بدور البعثة الأممية بوصفها جهة داعمة وميسرة وفقاً لتفويضها، بما يخدم استقرار ليبيا ووحدتها. وعدّ أن تحقيق الاستقرار الأمني يُشكل أساساً لدفع عجلة الإعمار والبناء في أنحاء البلاد.