الصحافة العربية والعبرية في تونس... قرن ونصف قرن من البحث عن «هوية»

كتاب جديد يبحث تاريخها وإشكالياتها

مقر جريدة «لابريس»
مقر جريدة «لابريس»
TT

الصحافة العربية والعبرية في تونس... قرن ونصف قرن من البحث عن «هوية»

مقر جريدة «لابريس»
مقر جريدة «لابريس»

شهد احتفال الإعلام العالمي أخيراً بـ«اليوم العالمي لحرية الصحافة» جدلاً في العديد من الدول، بينها تونس، حول واقع الإعلام... وحصيلة قرن ونصف من «توظيف» صنّاع القرار السياسي والاقتصادي له في خدمة أجنداتهم وأولوياتهم. وفيما يلي نعرض لخصوصيات تجارب الإعلام في تونس التي شهدت باكراً إصدارات بالجملة لصحف ناطقة باللغات العربية العبرية والفرنسية والإيطالية وأسّست فيها أول إذاعة وطنية منذ 1938.

                                                             سامي المالكي
سجلّ تاريخي
لقد تزامن إحياء تلك المناسبة العالمية بإصدار كتاب جديد تحت عنوان «قرن ونصف من الصحافة في تونس» أعده الإعلامي والأكاديمي التونسي الصحراوي قمعون عن تاريخ الصحافة التونسية منذ تأسيس أول صحيفة منتصف القرن 19. وأوضح قمعون، الذي سبق له أن تولى مسؤوليات على رأس عدة مؤسسات إعلام وتوثيق رسمية في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن دراساته عن الإعلام والحياة السياسية في تونس «جاءت لتتابع الدراسات المعمّقة التي أعدها كبار أساتذة الإعلام في تونس في الجامعة التونسية خلال العقود الماضية، مثل العميدين السابقين لكلية الصحافة المنصف الشنوفي ومحمد حمدان، والجامعيين التونسيين».
صدور كتاب قمعون تزامن مع نشر دراسات جديدة بعدة لغات حول تاريخ الصحافة العربية والعبرية والفرنسية في تونس. ويعتبر المؤلف أن كتابه الجديد جاء ليسلّط الأضواء كذلك على تطور المشهد الإعلامي بعد 1988. أي بعد إعلان الطور الثاني من التعددية الإعلامية والحزبية في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ثم بعد منعرج 2011. ودخول البلاد «تعددية صحافية غير مقيدة»، مما أدى إلى تأسيس مئات العناوين الصحافية والمواقع الإلكترونية وعشرات القنوات الإذاعية والتلفزيونية، اختفى الكثير منها لاحقاً بسبب الصعوبات المالية وتعقّد المشهد السياسي خلال العشرية الماضية».

تراجع هامش الحريات
من ناحية أخرى، رغم إصدار منظمات الصحافيين التونسية والدولية تقارير جديدة حذّرت مما وصفته «تدهور أوضاع الحريات في تونس، بعد إعلان الإجراءات الاستثنائية وإسقاط البرلمان والحكومة في 25 يوليو (تموز) أالماضي»، فإن التقارير نفسها أكدت أن «هامش الحريات الصحافية في تونس بين الأفضل عربياً حالياً». وفي هذا السياق يعتبر أستاذ الإعلام هاني مبارك أن «التعددية الفكرية والسياسية في الإعلام التونسي مرتبطة بخصوصية الانفتاح الفكري والثقافي المبكّر في تونس وفي وسائل الإعلام التونسية».
وحقاً، يسجل الصحراوي قمعون أن دراساته عن تاريخ الصحافة التونسية «تؤكد العلاقة الجدلية لوسائل الإعلام بمحيطها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري، طوال قرن ونصف من الوجود منذ إنشاء صحيفة (الرائد التونسي) عام 1860. حين كانت الصحافة صوت حركة الإصلاح وتيار النهضة (1860 - 1881)». ولقد تواصل توظيف الإعلام «في المعركة الوطنية» من قبل الزعماء الوطنيين في مرحلتي الاستعمار الفرنسي ومعركة الحرية والانعتاق (1881 - 1956)، وبناء الدولة الوطنية ودعم سياسات التنمية والانتقال نحو الديمقراطية (من 1956 إلى اليوم 2020).
وتكشف الدراسات للمسارات التاريخية للصحافة في تونس أنها تصدرت مجالات «نشر الأفكار الإصلاحية في بداية النهضة الفكرية لتونس، قبل وبعد انتصاب الاستعمار». كما كانت منبراً للأقلام التي تصدرت مسار «التصدي للاستعمار بسلاح القلم والنضال الفكري، وصولاً إلى تحقيق الاستقلال وبناء الدولة الوطنية بمختلف عهودها وتوجهاتها السياسية والآيديولوجية، المتراوحة بين الأحادية والتعددية الإعلامية والسياسية، واستحقاقات «الانتقال الديمقراطي» وفي مقدمتها حرية الصحافة والرأي والتعبير».

                                                                       الصحراوي قمعون
الصحافة الهزلية
من ناحية أخرى، نظّم أخيراً وسط العاصمة تونس معرض وثائقي كبير لتاريخ الصحافة الهزلية في البلاد. وكشف المشرفون على هذا المعرض أن من بين مميزات تاريخ الصحافة في تونس الحضور المهم للصحافة الهزلية التي تطوّرت إلى «ظاهرة اجتماعية سياسية». واعتبر الإعلامي والأكاديمي سامي المالكي أن الصحافة الهزلية «ساهمت في تشكيل الوعي الوطني خلال المرحلة الاستعمارية عبر الرسم الكاريكاتيري والمقالات الساخرة والشعر الشعبي». وساهم في هذه التجارب عدد من أبرز مثقّفي تلك الحقبة، مثل الشاذلي الفهري مؤسّس جريدة «السردوك» (أي «الديك») التي أسّست في 1922 وتوقّفت في 1931. وتظلّ أشهر هذه الصحف الهزلية التونسية جريدة «السرور» التي أطلقها الأديب والكاتب التونسي الشهير علي الدوعاجي ما بين الحربين العالميتين.
ولقد وثّق المعرض المنعقد أخيراً لخمس وأربعين صحيفة هزلية تونسية، من خلال تقديم صفحاتها الأولى مرفقة بأسماء ناشريها وتواريخ صدورها وبعض مضامينها، وسنوات توقّفها عن الصدور. ويمكن هنا أن نلاحظ أن الفترة الاستعمارية - على ما فيها من قمع - سمحت بصدور الصحافة الهزلية بينما منع معظمها بعد الاستقلال عام 1956. كما لم تنجح تجارب بعض الصحف الهزلية التي صدرت بعد ثورة 2011 وسرعان ما اختفت.

                                                                                        غلاف كتاب قمعون

الصحافة العبرية
في الوقت نفسه تكشف آخر الدراسات أن اليهود التونسيين لعبوا دوراً كبيراً في الصحافة التونسية الناطقة بالعربية والعبرية والفرنسية، سواءً عبر ترؤسهم مؤسسات إعلامية تجارية أو عبر الصحف التي كانت تدافع عن حقوق اليهود في تونس وخارجها.
ولقد ازدهرت الصحافة العبرية في تونس في القرن 19 والنصف الأول من القرن 20، وتباينت توجهاتها سياسياً واقتصادياً بين أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. كذلك عرضت الصحافة العبرية واقع الطائفة اليهودية ومشاكلها الداخلية وعلاقاتها بالغالبية المسلمة وبالمستعمرين الأوروبيين وبإسرائيل. وبدورها، مرّت الصحافة العبرية في تونس بثلاث مراحل كبرى:
- المرحلة الأولى كانت «مرحلة التأسيس». ففي عام 1878، صدرت أول صحيفة عبرية تحت اسم «العمالة (أي الولاية) التونسية»، وكانت ذات طابع ثقافي. وامتدت هذه المرحلة إلى عام 1904 واتسمت بمعاناة الصحف العبرية من صعوبات مادية وتقنية إضافة إلى المعوّقات السياسية التي فرضها الاستعمار بعد إقراره قانون الصحافة عام 1884. وفرضه شرط «ضمان مالي» لإصدار الصحف.
- المرحلة الثانية، بعد عام 1904، وهو تاريخ إلغاء «الضمان المالي، شهدت الصحافة العبرية في تونس عصرها الذهبي، وتكاثرت الصحف اليومية والسياسية اليهودية بشكل ملحوظ. كذلك ظهرت المجلات اليهودية المتخصصة والصحف الجهوية. وبرزت التوجّهات السياسية للصحف بوضوح، فبات لأنصار الحركة الصهيونية صحفهم وليهود تونس الوطنيين صحف أخرى خاصة بهم. واختارت عدة صحف عبرية أسلوب «الصحافة الهزلية» والنقد الاجتماعي، فازدهرت وأثرت في الصحف العربية والفرنسية الهزلية والسياسية. واستمر ازدهار هذا النوع من الصحف إلى أن عصفت الأزمة الاقتصادية العالمية (1929 - 1930) بأحلام أصحاب الصحف اليهودية والمطابع العبرية.
- المرحلة الثالثة. في الثلاثينات برزت صحف يهودية جديدة وتراجعت مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. وكان آخر عدد لجريدة عبرية تونسية صدر في مايو (أيار) 1940 ثم بعد احتلال ألمانيا النازية لتونس في نوفمبر (تشرين الثاني) 1942. لكن بعض أثرياء يهود تونس - الذين أصبح أغلبهم يحمل كذلك الجنسية الفرنسية - تخلوا عن اللغة العبرية واستثمروا في الصحافة الناطقة بالفرنسية، وبينها صحيفة «لابريس» التي أسسها عام 1936 الطبيب اليهودي الثري هنري سماجا. وظلت «لابريس» من أبرز صحف البلاد بعد الاستقلال. وأممت عام 1967 بقرار من الرئيس الحبيب بورقيبة والسلطات بعد اتهام صاحبها بتهريب الأموال إلى الخارج. وأصبحت هذه الصحيفة، منذ ذلك التاريخ، كبرى الصحف الناطقة باسم الحكومة التونسية.

                                                                                           الطيب اليوسفي
الصحافة الجهوية
برزت منذ النصف الأول من القرن الماضي صحف جهوية (محلية) عديدة ناطقة بالعربية والعبرية والفرنسية. لكن الصحف الجهوية «الأكثر مهنية» برزت في السبعينات من القرن الماضي بدعم من رجال أعمال ونشطاء من المجتمع المدني في المحافظات والجهات السياحية والصناعية الكبرى مثل صفاقس، العاصمة الصناعية الثانية للبلاد، وسوسة العاصمة السياحية والتجارية للساحل التونسي، وجزيرة جربة السياحية جنوباً، ومدينة بنزرت السياحية شمالي العاصمة. ومن أبرز الجرائد والمجلات الجهوية - وراجت كذلك في العاصمة تونس ومدن أخرى - صحف «الجزيرة» في جزيرة جربة و«شمس الجنوب» في صفاقس و«مرآة الوسط» في سوسة و«القنال» في بنزرت. كذلك، صدرت في المدن التاريخية الداخلية صحف اجتماعية ثقافية من بينها «الحنايا» في مدينة زغوان. كما برزت صحف جهوية ثقافية اجتماعية في محافظات القيروان سليانة وقفصة والقصرين.

صمود الصحافة المكتوبة
ولئن نجحت المواقع الاجتماعية والمنصات الإلكترونية ومحطات «راديو السيارة» في السيطرة على المشهدين الإعلامي والسياسي اليوم، فإن «الصحافة المكتوبة الورقية والإلكترونية ما تزال صامدة إلى اليوم»، حسب الصحراوي قمعون. إلا أن أستاذ الإعلام والاتصال صلاح الدين الدريدي يعتبر أن «ارتفاع عدد العناوين الصحافية وبروز تعددية شكلية بعد ثورة 2011 لا يعني أن الإعلام التونسي نجح في أن يلعب دور السلطة الرابعة في مراقبة أداء السلطات الثلاث وتصحيح مساراتها».
وخلافاً للتقييمات المتفائلة لأداء «الهيئات التعديلية المستقلة للإعلام»، وبينها هيئة الإعلام السمعي البصري، يعتبر الإعلامي والرئيس السابق لوكالة الأنباء التونسية العمومية الطيب اليوسفي أن بعض هذه الهيئات «لعبت منذ 2011 دور شرطة مراقبة الإعلام وانشغلت بالتعيينات ولعبة المواقع والكراسي» وليس بتكريس التعددية الإعلامية وتطوير المهنة.


مقالات ذات صلة

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

شمال افريقيا تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على  أمن الدولة»

تونس تحقق مع 4 محامين في قضية «التآمر على أمن الدولة»

وجه القطب القضائي لمكافحة الإرهاب طلبا رسميا إلى رئيس الفرع الجهوي للمحامين بتونس لبدء تحقيق ضدّ المحامين بشرى بلحاج حميدة، والعيّاشي الهمّامي، وأحمد نجيب الشابي، ونور الدين البحيري، الموقوف على ذمة قضايا أخرى، وذلك في إطار التحقيقات الجارية في ملف «التآمر على أمن الدولة». وخلفت هذه الدعوة ردود فعل متباينة حول الهدف منها، خاصة أن معظم التحقيقات التي انطلقت منذ فبراير (شباط) الماضي، لم تفض إلى اتهامات جدية. وفي هذا الشأن، قال أحمد نجيب الشابي، رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، وأحد أهم رموز النضال السياسي ضد نظام بن علي، خلال مؤتمر صحافي عقدته اليوم الجبهة، المدعومة من قبل حركة النهضة، إنّه لن

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

الرئيس التونسي يؤكد «احترام حرية التعبير»

أعلنت نقابة الصحافيين التونسيين أمس رصد مزيد من الانتهاكات ضد حرية التعبير، مع تعزيز الرئيس قيس سعيد لسلطاته في الحكم، وذلك ردا على نفي الرئيس أول من أمس مصادرة كتب، وتأكيده أن «الحريات لن تهدد أبدا»، معتبرا أن الادعاءات مجرد «عمليات لتشويه تونس». وكان سحب كتاب «فرانكشتاين تونس» للروائي كمال الرياحي من معرض تونس الدولي للكتاب قد أثار جدلا واسعا في تونس، وسط مخاوف من التضييق على حرية الإبداع. لكن الرئيس سعيد فند ذلك خلال زيارة إلى مكتبة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة وسط تونس العاصمة قائلا: «يقولون إن الكتاب تم منعه، لكنه يباع في مكتبة الكتاب في تونس...

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

بعد مصادقة البرلمان التونسي المنبثق عن انتخابات 2022، وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي البرلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي، يسعى 154 نائباً لتشكيل كتل برلمانية بهدف خلق توازنات سياسية جديدة داخل البرلمان الذي يرأسه إبراهيم بودربالة، خلفاً للبرلمان المنحل الذي كان يرأسه راشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة». ومن المنتظر حسب النظام الداخلي لعمل البرلمان الجديد، تشكيل كتل برلمانية قبل

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

تونس: الشركاء الأجانب أصدقاؤنا... لكن الاستقرار خط أحمر

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار أمس، الاثنين، أنه لا مجال لإرساء ديكتاتورية في تونس في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن التونسيين «لن ينتظروا أي شخص أو شريك للدفاع عن حرياتهم»، وفق ما جاء في تقرير لـ«وكالة أنباء العالم العربي». وأشار التقرير إلى أن عمار أبلغ «وكالة تونس أفريقيا للأنباء» الرسمية قائلاً: «إذا اعتبروا أنهم مهددون، فسوف يخرجون إلى الشوارع بإرادتهم الحرة للدفاع عن تلك الحريات». وتتهم المعارضة الرئيس التونسي قيس سعيد بوضع مشروع للحكم الفردي، وهدم مسار الانتقال الديمقراطي بعد أن أقر إجراءات استثنائية في 25 يوليو (تموز) 2021 من بينها حل البرلمان.

المنجي السعيداني (تونس)

تصعيد إثيوبي - مصري متبادل يُعقّد حلول أزمتي «السد» و«المنفذ البحري»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)
TT

تصعيد إثيوبي - مصري متبادل يُعقّد حلول أزمتي «السد» و«المنفذ البحري»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)

تتصاعد توترات بين القاهرة وأديس أبابا، كان أحدثها تبادل طرد دبلوماسيين في ظل خلافات حول «سد النهضة» الإثيوبي انتهت بتجميد المفاوضات في 2024، وكذلك تمسُّك القاهرة برفض وصول أديس أبابا لمنفذ بحري على مدار عامين.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن «التصعيد الحالي سيعقّد أي حلول سياسية ممكنة لأزمتي (سد النهضة) والمنفذ البحري»، وتوقعوا «فشل أي وساطة محتملة بين البلدين في ظل ازدياد التوترات».

وأعلنت مصر أن «دبلوماسياً إثيوبياً في القاهرة شخص غير مرغوب فيه، ومنحته مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد»، بعد أن طردت أديس أبابا دبلوماسياً مصرياً، وفق ما نقلت وكالة «أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، مساء الخميس، عن مصدر مسؤول.

ووصف المصدر المصري قرار إثيوبيا طرد الدبلوماسي بأنه «مؤسف وغير مبرر»، مؤكداً أن القاهرة «التزمت منذ مدة طويلة بسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وأن أديس أبابا تبحث عن شماعة خارجية» لمشكلاتها الداخلية.

ومساء الخميس، أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية في بيان، أن «دبلوماسياً مصرياً شخص غير مرغوب فيه»، وأبلغت سفارة مصر في أديس أبابا بضرورة مغادرته الأراضي الإثيوبية خلال 48 ساعة.

ويرى المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم أن «العلاقات المصرية - الإثيوبية تشهد حالياً مرحلة جديدة وغير مسبوقة من التصعيد، انتقلت من مجرد المشادات الإعلامية والاتهامات المتبادلة إلى مستوى أكثر خطورة».

وحذر من أن «عدم السيطرة على هذا المسار بصورة عاجلة قد يدفع الأوضاع نحو مراحل متطورة من التوتر، تتأثر بها المنطقة بأكملها بالنظر إلى الوزن الإقليمي والدور المحوري لكلا البلدين في الاتحاد الأفريقي والحراك القاري».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

ويشير خبير الشؤون الأفريقية في «المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، إلى أن «إبعاد أحد الدبلوماسيين المصريين، واختلاق الادعاءات حول دعم دول الجوار للصراعات الداخلية، ليسا سوى محاولة مكشوفة من الحكومة الإثيوبية للتغطية على أزماتها الداخلية المعقدة والصراعات المسلحة المتفاقمة في أقاليم تيغراي، وعفر، وأمهرة إلى جانب حالة الغضب المتصاعدة في إقليم أوروميا».

وتستهدف أديس أبابا «من خلال هذه الادعاءات الباطلة إقناع الداخل الإثيوبي بوجود مؤامرات وتحالفات خارجية تستهدف أمنهم القومي»، بحسب البحيري.

ويعتقد أن «هذه المواقف التصعيدية تنعكس بشكل سلبي مباشر على فرص استئناف المفاوضات بشأن (سد النهضة)»، مؤكداً أنها «تعد دليلاً قاطعاً على غياب الإرادة السياسية لدى أديس أبابا، للتوصل إلى تسوية سلمية أو اتفاق قانوني ملزم يحفظ حقوق مصر المائية وأمنها القومي».

وسبق التصعيد الحالي اتهامات صريحة من أديس أبابا للقاهرة، بالتدخل في الشأن الإثيوبي، حيث قال رئيس الأركان العامة لـ«قوات الدفاع الوطني» الإثيوبية برهانو جولا، قبل أسبوع، أن «قوى أجنبية تدعم التحالف المسلح الحديث لمحاولة زعزعة استقرار إثيوبيا وإضعافها»، مؤكداً أنه «لا تستطيع جبهة تيغراي والتحالف تحقيق أي شيء بمفردها، ما لم يتم دفعهما ودعمهما وإمدادهما من جانب السودان ومصر وقوى أخرى».

ونفت مصر ضمنياً في بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية نادر زكي، قبل أيام، أنها «تتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة»، مؤكداً أن «أي شيء آخر مجرد ادعاءات».

وجرت مفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا حول «السد» على مدى عقد تقريباً، وتقرر تجميدها لمدة 3 أعوام قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

كما جاء ذلك التصعيد في ظل استمرار موقف القاهرة على مدار عامين في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، وكذلك تصعيد القاهرة من لهجتها بأنها تحتفظ بحق الدفاع الشرعي عن أمنها المائي.

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في مؤتمر صحافي، أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خصوصاً أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة، أما النفاذ التجاري فلا توجد أزمة به».

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

ويوضح إبراهيم أن «استمرار التراشق السياسي والاتهامات الحالية يهدد بتعطيل أي مسارات أو مراحل مقبلة للتفاوض بشأن (سد النهضة)، وقد يزيد من المخاوف المصرية بشأن المنفذ البحري، وتتأزم الأمور أكثر، ولا نصل لحلول سياسية».

وحذر «من خطورة الربط المباشر بين ملف (سد النهضة) ومياه النيل وبين ملف أمن البحر الأحمر»، مؤكداً أن «دمج هذه الملفات المعقدة يولد سلسلة متصلة من الأزمات، ولن يخدم مسار الحلول السلمية، أو يقرب وجهات النظر بين القاهرة وأديس أبابا».

يعتقد البحيري أن «إثيوبيا هي من تهدد الأمن القومي لدول القرن الأفريقي، وتزعزع استقرار المنطقة؛ سواء عبر إصرارها على الأحادية في إدارة السد، وإهمال المطالب المصرية المشروعة بالترتيبات المشتركة، أو من خلال إطلاق تصريحات ومطالب غير معقولة بشأن المنفذ البحري، ولن يكون هناك حلول سياسية في ظل الارتباك والتخبط اللذين تعيشهما السلطة الإثيوبية حالياً».


هل يتجاوز أكبر تكتل معارض في مصر أزمة «تباين الآيديولوجيات»؟

اجتماع سابق للحركة المدنية التي تضم أحزاباً معارضة في مصر (الحركة المدنية)
اجتماع سابق للحركة المدنية التي تضم أحزاباً معارضة في مصر (الحركة المدنية)
TT

هل يتجاوز أكبر تكتل معارض في مصر أزمة «تباين الآيديولوجيات»؟

اجتماع سابق للحركة المدنية التي تضم أحزاباً معارضة في مصر (الحركة المدنية)
اجتماع سابق للحركة المدنية التي تضم أحزاباً معارضة في مصر (الحركة المدنية)

جددت عودة تمثيل حزب «الدستور» باللجنة التنفيذية لـ«الحركة المدنية الديمقراطية» التساؤلات حول إمكانية أن يتجاوز أكبر تكتل معارض في مصر أزمة «تباين الآيديولوجيات» التي فجرت خلافات سياسية داخله وترتب عليها انسحاب أحزاب وتجميد أخرى.

ورغم أن «الحركة المدنية» أقدمت على إعادة ترتيب هياكلها الداخلية الشهر الماضي، بهدف استعادة دورها السياسي، فإن ذلك اصطدم بأزمات داخلية طفت على السطح مجدداً، إذ أعلن حزب «الدستور»، أحد الأحزاب ذات التوجه الليبرالي داخل الحركة آنذاك، رفضه الهيكلة الجديدة، واعترض على تشكيل «اللجنة التنفيذية» التي حلت محل «مجلس الأمناء».

وفي ذلك الحين، قال حزب «الدستور» إن تشكيل اللجنة التنفيذية يشوبه «اختلال واضح في التمثيل السياسي»، إذ يغلب عليه تمثيل التيارين «الناصري» و«اليساري» في مقابل غياب التمثيل الملائم للتيار الليبرالي، وهو ما لا يعكس التنوع الحقيقي داخل الحركة.

وعقب مشاورات شهدتها الفترة الماضية لتقريب وجهات النظر بين أحزاب الحركة، أعلن حزب «الدستور» التوصل إلى «صيغة توافقية تحفظ تماسك الحركة وقدرتها على القيام بدورها تجاه القضايا الوطنية»، وقال الحزب في بيان الخميس: «إن اجتماعاً للأمانة العامة بالحركة عُقد خلال الأيام الماضية ضم مختلف المكونات السياسية، وأسفر الاجتماع عن عودة تمثيل التيار الليبرالي في (اللجنة التنفيذية)، واختيار رئيسة حزب (الدستور) الدكتورة وفاء صبري لشغل المقعد».

ويرى المنسق العام لـ«الحركة المدنية»، أكرم إسماعيل، أن نجاح جهود تجاوز الخلاف مع حزب «الدستور» يعزز تطلعات الحركة «لتجاوز أي تأثير لاختلاف الآيديولوجيات، وتحويل تلك التعددية إلى مكسب سياسي للحركة بما يُمكنّها من مخاطبة تيارات سياسية مختلفة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما تواجهه الحركة من مشكلات وخلافات سياسية أمر طبيعي ويحتاج إلى إرادة تنظيمية وصبر ودأب لتجاوزها»، مؤكداً أن «الهيكلة التنظيمية الجديدة تتضمن رؤية لتسوية الخلافات وتقريب وجهات النظر».

وأكد حزب «الدستور» في بيانه الخميس أن هدفه الأول سيظل «العمل من أجل الصالح العام»، والحرص على «وحدة الحركة المدنية الديمقراطية وتماسكها»، باعتبارها «إطاراً جامعاً لقوى المعارضة المدنية الديمقراطية على اختلاف توجهاتها وتنوعها»، وأن ما أبداه الحزب من «ملاحظات وتحفظات» جاء انطلاقاً من حرصه على «وضوح قواعد العمل وآليات اتخاذ القرار»، وعلى أن تكون الحركة «معبرة عن مختلف تياراتها ومكوناتها».

جانب من المؤتمر الاقتصادي للحركة في مايو الماضي (الحركة المدنية)

وتحدث المنسق العام للحركة، أكرم إسماعيل، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، عن تطلع الحركة إلى «تفعيل رؤيتها الجديدة التي تمكنها من استثمار التباين الآيديولوجي ليصبح تعبيراً عن كل المكونات السياسية من خلال وضع رؤية عامة يتفق عليها جميع الأحزاب».

وتأسست «الحركة المدنية» في عام 2017، وتعد أكبر تجمع مصري معارض، وتضم عدداً من الشخصيات العامة وأحزاب سياسية تتبنى آيديولوجيات متباينة، وهو ما انعكس على وجود خلافات بشأن قرارات سياسية حاسمة أبرزها المشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السابقتين.

ويعتقد الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو هاشم ربيع، أنه «يمكن البناء على المصالحة التي حدثت مع حزب (الدستور) لتجاوز أزمة تباين الآيديولوجيات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحركة تحتاج إلى تحديد نقاط الاختلاف قبل نقاط الاتفاق، كي يمكن وضع آلية سياسية للتعاطي مع ما هو مختلف عليه».

وأضاف: «من الواضح أن تحديد هذه النقاط لم يحدث خلال الفترة الماضية ما تسبب في تصاعد الخلافات»، ويرى أنه «يمكن تجاوز الاختلافات الآيديولوجية عبر تحديد مبادئ سياسية عامة تجاه القضايا الكبرى دون التطرق إلى تفاصيل تبرز الخلافات، وهذا يتطلب أيضاً أن تقوم الحركة بتوسيع دائرة الأحزاب والشخصيات العامة المشاركة فيها بإدخال كيانات جديدة».

وخلال بيان «المصالحة» الخميس، أكد حزب «الدستور» أن ما جرى يؤكد أهمية «الحوار الداخلي والتواصل المباشر بين مكونات الحركة، باعتبارهما السبيل الأمثل لتوضيح المواقف وتقريب وجهات النظر ومعالجة أي تباينات أو اختلافات»، مشيراً إلى «ضرورة استمرار هذا النهج في التواصل الداخلي، بحيث تُناقَش أي اختلافات في وجهات النظر داخل أطر الحركة ومؤسساتها، بما يحول دون تراكم التباينات أو اتساع مساحات سوء الفهم».


قمة «العلمين-أفريقيا» في مصر لشراكات استراتيجية أوسع وسط توترات بالقارة

نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
TT

قمة «العلمين-أفريقيا» في مصر لشراكات استراتيجية أوسع وسط توترات بالقارة

نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

انطلقت الجمعة قمة «العلمين-أفريقيا» في مصر، وسط تطلعات لشراكات استراتيجية في ظل توترات بالقارة. ويعوّل خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» على «المنتدى لفتح مساحات للحوار حول بعض جذور التوترات ووضع حلول استراتيجية لها».

ويشارك في النسخة الأولى من منتدى «العلمين-أفريقيا» للأعمال بالعلمين (شمال غرب مصر) خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي نحو 1500 من قادة مجتمع الأعمال والمستثمرين الأفارقة.

وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال الجلسة الترحيبية بالمنتدى أن «أفريقيا تقف (اليوم) أمام لحظة مهمة»، مشيراً إلى أن القارة تمتلك موارد طبيعية هائلة، وسوقاً واسعة، وواحداً من أكثر المجتمعات شباباً في العالم، وفرصاً كبيرة في مجالات التصنيع والطاقة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات والاقتصاد الرقمي. وأوضح أن هناك إدراكاً لحجم التحديات التي تواجه جهود التنمية، سواء ما يتعلق بتوفير التمويل، أو تطوير البنية الأساسية، أو ارتفاع تكلفة رأس المال، أو الحاجة إلى تعزيز الربط بين الأسواق، وإزالة الحواجز التي لا تزال تحد من حركة التجارة والاستثمار داخل القارة. وأشار مدبولي إلى أن القارة «تلتقي (اليوم) في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية على المستوى العالمي، وتُعاد فيه صياغة سلاسل الإمداد ومراكز الإنتاج والتجارة والاستثمار»، مؤكداً أن هذه التحولات تفرض على الجميع أن ينظر إلى أفريقيا ليس فقط باعتبارها قارة تواجه تحديات تنموية، وإنما باعتبارها أيضاً قارة تقدم فرصاً حقيقية، وتمتلك القدرة على أن تكون جزءاً فاعلاً من الاقتصاد العالمي الجديد.

من جانبه، أكد وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري أحمد رستم أن «أفريقيا تمثل أولوية استراتيجية قصوى»، داعياً إلى «تغيير النظرة التقليدية للقارة من مجرد أسواق تصديرية والتعامل معها كمنظومة اقتصادية متكاملة». وطرح خلال جلسة «ريادة الأعمال في أفريقيا» مبادرة لتطوير نموذج «الابتكار المشترك» بين رواد الأعمال المصريين والأفارقة، والذي يعتمد على تبادل التكنولوجيا وبناء سلاسل قيمة إقليمية عابرة للحدود. وأضاف أن «تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية» يتطلب توسيع دور رأسمال المخاطر القادر على تحمل تحديات الاستثمار في القارة.

في حين أشار وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال فعالية «من الصمود إلى التعافي» على هامش المنتدى، إلى أن «القارة الأفريقية تمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية وموارد طبيعية هائلة بما يؤهلها لتحقيق معدلات أعلى من النمو والتنمية»، وشدد على «أهمية الانتقال من مرحلة تحديد الأولويات وصياغة الأطر إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروعات، وحشد الموارد والاستثمارات اللازمة لتحويل الخطط التنموية إلى نتائج ملموسة تنعكس بصورة مباشرة على شعوب القارة استفادة من اتفاقية التجارة الحرة القارية».

مشاركون في منتدى «العلمين-أفريقيا» الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

وأشار عبد العاطي إلى أن «تعزيز التكامل الاقتصادي الأفريقي يمثل أحد المسارات الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، من خلال ربط الأسواق وتطوير سلاسل القيمة الإقليمية وزيادة معدلات التجارة والاستثمار البيني»، مؤكداً «أهمية بناء شراكات أكثر فاعلية بين الحكومات ومؤسسات التمويل والقطاع الخاص، وتهيئة بيئة مواتية تمكن رواد الأعمال والشركات الأفريقية من التوسع والنمو والاستفادة من الفرص المتاحة في مختلف أسواق القارة».

ووفق إفادة لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، الجمعة، فإن «حجم الاقتصاد الأفريقي يُقدر بنحو 3.6 تريليون دولار، ورغم أن القارة تضم نحو خُمس سكان العالم فإن حصتها من التجارة العالمية لا تتجاوز 1.5 في المائة، إلى جانب محدودية تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بإمكاناتها».

أستاذة العلوم السياسية، الخبيرة في الشؤون الأفريقية نجلاء مرعي، ترى أن «هدف المنتدى هو تحويل خطط التنمية القارية لمشروعات ملموسة، وتعزيز التكامل الاقتصادي والتجارة البينية بين دول القارة».

وتقول إن «القمة منصة استراتيجية لتعزيز الشراكات الاستراتيجية بين الشركات المصرية ونظيراتها الأفريقية، وهناك تأسيس لبعض الآليات التي سيسهم فيها المنتدى بشكل عملي في دفع وتطوير هذه الشراكات».

إحدى فعاليات قمة «العلمين-أفريقيا» الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

وحول رسائل «القمة»، توضح مرعي أنها تتمثل في «التأكيد على أن أفريقيا قادرة على قيادة النمو الذاتي بغض النظر عن علاقاتها مع القوى الدولية؛ لأن القارة تمتلك مقومات ضخمة للاستثمار، ولديها مستثمرون قادرون على توجيه الثروات لمشروعات تجارية واعدة».

وتضيف أن «أهم رسالة أن أفريقيا لم تعد تريد أن تظل مجرد ساحة للتنافس الدولي أو مصدراً للمواد الخام، بل تسعى إلى أن تكون شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبلها الاقتصادي من خلال التصنيع وتوسيع التجارة البينية وبناء سلاسل إمداد إقليمية أكثر مرونة».

من جهته، يرى خبير الشؤون الأفريقية رامي زهدي أن «مشاركة نحو 1500 مستثمر ومشارك تعكس حجم الاهتمام بالفرص الاقتصادية الأفريقية، وتؤكد أن القارة باتت حاضرة بقوة على أجندة الاستثمار الدولي والإقليمي»، لكنه يوضح أن «حجم الحضور مهما كان كبيراً ليس معيار النجاح النهائي، والمعيار الحقيقي هو عدد الاتفاقات التي تتحول إلى مشروعات، وحجم التمويلات التي تدخل حيز التنفيذ».

بالنسبة لمصر، فإن استضافة المنتدى تحمل رسالة واضحة بأن «القاهرة تسعى إلى تعزيز دورها كحلقة وصل بين الأسواق ورؤوس الأموال والمشروعات الأفريقية»، بحسب زهدي الذي قال إن المنتدى فرصة للانتقال بالعلاقات الاقتصادية المصرية-الأفريقية من مستوى الاتفاقيات والتفاهمات الرسمية إلى شراكات مباشرة بين الشركات.

ويضيف: «تكمن أهمية المنتدى في جمع المستثمرين وصُنّاع القرار وممثلي القطاع الخاص، بما يتيح التعرف على احتياجات الأسواق الأفريقية، وبناء تحالفات إنتاجية وتجارية عابرة للحدود، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، بالتوازي مع جذب الاستثمارات الأفريقية إلى مصر».

ووفق زهدي، فإنه «لا يمكن فصل الاقتصاد عن الأمن والاستقرار السياسي، لكن من الخطأ تعليق فرص التنمية الأفريقية بالكامل على انتهاء الصراعات، فالقارة تواجه تحديات أمنية ونزاعات مسلحة واضطرابات في سلاسل الإمداد، لكنها في الوقت نفسه تمتلك أسواقاً واعدة، وموارد ضخمة، وفرصاً استثمارية هائلة».

توقيع أحد المشروعات على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

وبحسب مجلس الوزراء المصري، شهد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد صالح، الجمعة، توقيع اتفاقية مشروع بين مجموعة «العربي» وشركة «Malben Engineering» الجنوب أفريقية لـ«دعم تطوير سلاسل إمداد قطاع السيارات وتعميق التصنيع المحلي لمكوناته، إلى جانب استكشاف فرص التوسع في الأسواق الأفريقية».

وأكد صالح أن «الشراكات بين الشركات المصرية ونظيراتها الأفريقية تمثل أحد المسارات المهمة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين دول القارة». وقال إن المنتدى يستهدف النفاذ إلى أسواق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وتحويل الإمكانات الصناعية للقارة إلى استثمارات ومشروعات قابلة للتمويل، وسلاسل إمداد إقليمية متكاملة.

وبشأن إمكانية طرح «القمة» حلولاً للتوترات بالقارة، يرى زهدي أنه «رغم أن المنتدى اقتصادي في المقام الأول، فإنه ينعقد في سياق أفريقي لا يمكن فيه عزل الاقتصاد عن السياسة والأمن، ولذلك يمكن أن يفتح مساحات للحوار حول بعض جذور التوترات المرتبطة بالتنافس على الموارد والممرات التجارية والمياه والطاقة، والتحديات التي تعوق التعاون الإقليمي».

ويتابع أن «المشروعات وشبكات الربط الكهربائي والنقل والتجارة الإقليمية يمكن أن تتحول إلى أدوات لبناء الثقة وخلق مصالح متبادلة تجعل الاستقرار خياراً ذا عائد اقتصادي مباشر على الدول والشعوب».

ولم تستبعد مرعي أن يطرح المنتدى حلولاً استراتيجية للتوترات الأفريقية تربط بين الاستقرار السياسي وجهود إعادة الإعمار والتنمية في مناطق النزاع.

وتقول إن المنتدى يهدف إلى «تنفيذ مشروعات رغم التوترات بالقارة»، وترجح أن يتبنى المنتدى «نقل الخطابات السياسية إلى مشروعات تنفذ على الأرض رغم التوترات، عبر مشاركة مستثمرين وشركات ستوفر ضمانات تمويلية للمشروعات العابرة للحدود، وهذا سيقلل مخاطر الاستثمار في المناطق المضطربة».