تحذيرات دولية متزايدة من تداعيات الحرب الأوكرانية على الأمن الغذائي العالمي

33 دولة بينها 9 عربية تتبنى خريطة طريق أميركية لإبقاء أسواق الأغذية والأسمدة مفتوحة

جانب من اجتماع مجلس الأمن حول الأمن الغذائي العالمي أمس (رويترز)
جانب من اجتماع مجلس الأمن حول الأمن الغذائي العالمي أمس (رويترز)
TT

تحذيرات دولية متزايدة من تداعيات الحرب الأوكرانية على الأمن الغذائي العالمي

جانب من اجتماع مجلس الأمن حول الأمن الغذائي العالمي أمس (رويترز)
جانب من اجتماع مجلس الأمن حول الأمن الغذائي العالمي أمس (رويترز)

تصاعدت التحذيرات مجدداً، أمس (الخميس)، في أروقة الأمم المتحدة وحول الطاولة شبه الدائرية لمجلس الأمن من العواقب المدمرة للحرب التي تخوضها روسيا ضد أوكرانيا على الأمن الغذائي العالمي، ما يدفع ملايين البشر إلى حافة الجوع، خاصة في أفريقيا. فيما تبنت 33 دولة، من بينها 9 دول من العالم العربي، بينها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر ولبنان، بياناً قدمته الولايات المتحدة، ويتضمن «خريطة طريق» و«نداء عمل» للأمن الغذائي العالمي لمطالبة كل الدول بـ«إبقاء أسواقها الغذائية والزراعية مفتوحة» وعدم حظر تصدير الأغذية أو الأسمدة، فيما بدا أنه إشارة ضمنية إلى روسيا.
- اتهامات موسكو
وخلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن حول الأمن الغذائي، رفض وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن اتهامات موسكو بأن الأزمة ناجمة عن عقوبات الولايات المتحدة وحلفائها على روسيا، مؤكداً أن الجزاءات التي فرضها الغرب بسبب غزو روسيا لأوكرانيا استثنت المنتجات الزراعية والأسمدة تحديداً. وأكد أن العقوبات لم تساهم في أزمة الغذاء العالمية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا. وشدد على أن «روسيا وحدها هي المسؤولة عن التحديات» التي تواجه الأمن الغذائي على نطاق عالمي. وأوضح أنه «بما أن قرار بدء هذه الحرب غير المبررة (اتخذته روسيا)، فإن المسؤولية عن انقطاع هذه الإمدادات والمعاناة التي تسببها حول العالم تقع بشكل مباشر وعلى عاتق الحكومة الروسية وحدها». وفي إشارة إلى أزمة الغذاء المتصاعدة في كل أنحاء العالم وسط الحرب الروسية الأوكرانية، أعلن تقديم 215 مليون دولار إضافية مساعدات غذائية طارئة جديدة لأوكرانيا. وقال: «سنفعل أكثر من ذلك بكثير». كما دعا الحلفاء والدول الأخرى إلى تخصيص مساعدات للمساعدة في تخفيف التهديد الذي يلوح في الأفق، المتمثل في انعدام الأمن الغذائي الحاد بسبب الحرب الروسية.
- بلدان الموارد
ودعا بلينكن البلدان التي لديها احتياطات كبيرة من الحبوب والأسمدة، وكذلك تلك التي لديها موارد مالية تحتاج إلى التعجيل والقيام بذلك بسرعة. وتوقع أن يوافق الكونغرس على نحو 5.5 مليون دولار كتمويل إضافي للمساعدات الإنسانية والأمن الغذائي. ومن المقرر أيضاً أن تلتزم الولايات المتحدة بتقديم 500 مليون دولار لتعزيز إنتاج الأسمدة في الولايات المتحدة.
وأعلنت الولايات المتحدة تقديم أكثر من 2.3 مليار دولار في شكل تمويل جديد للمساعدات الغذائية الطارئة لتلبية الحاجات الإنسانية العالمية منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.
وأوكرانيا هي ثاني أكبر منتج للحبوب في العالم، بينما تحتل روسيا المرتبة الأولى في إنتاج الأسمدة الزراعية في العالم. ومع بدء الحرب، انخفض الإنتاج والصادرات بكميات كبيرة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير. كما أن ارتفاع أسعار الأسمدة أدى إلى ارتفاع أسعار الحبوب.
- 4 إجراءات
ورأى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، خلال كلمة أمام مجلس الأمن، أن «هناك 4 إجراءات يمكن للبلدان اتخاذها الآن لكسر الديناميكية المميتة للنزاع والجوع»، قائلاً: «نحن بحاجة إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا». ودعا أعضاء المجلس إلى «بذل كل ما في وسعهم لإسكات البنادق وتعزيز السلام في أوكرانيا وفي كل مكان». وحضّ المجلس على «اتخاذ أقصى قدر من الإجراءات»، مؤكداً أن «هناك ما يكفي من الغذاء للجميع في العالم». لكن «القضية هي التوزيع، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحرب في أوكرانيا».
وتحدث أيضاً عن إنشاء مجموعة الاستجابة للأزمات العالمية بشأن الغذاء والطاقة والتمويل في مارس (آذار) لتقديم البيانات والتحليلات واقتراح الحلول.
وكان المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، ديفيد بيزلي، لفت خلال اجتماع وزاري رفيع، الأربعاء، إلى أن «عالمنا شديد الهشاشة» نتيجة سنوات الصراع والأوبئة والتهديدات المناخية. وأضاف أن «العجز الحالي في التمويل يمكن أن يعيق وصول ما يصل إلى 4 ملايين شخص إلى الغذاء». وحذر من أن «الإخفاق في فتح الموانئ» في أوكرانيا وخارجها سيدفع الناس في أفريقيا إلى شفا المجاعة. وأكد أنه على رغم أن «الصوامع ممتلئة»، فإن الحصار والعوائق الأخرى تجعل الوصول إليها غير ممكن.
- خريطة طريق ونداء
وبموازاة ذلك، أصدرت الولايات المتحدة بصفتها رئيسة للاجتماع الوزاري للأمن الغذائي العالمي، الذي انعقد في المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك، بياناً أيدته 33 دولة، منها 9 دول عربية، تضمن «خريطة طريق للأمن الغذائي العالمي» و«نداء عمل» بغية «تأكيد التزامنا العمل على وجه السرعة وعلى نطاق واسع وبالتناغم للاستجابة للحاجات الملحة للأمن الغذائي والتغذية لملايين الأشخاص الذين يعانون أوضاعاً هشة في العالم». والتزمت تقديم «مساعدة إنسانية فورية، وبناء صمود من هم في أوضاع هشة، ودعم الحماية الاجتماعية وشبكات الأمان، وتعزيز النظم الغذائية المستدامة والمرنة والشاملة بما يتماشى مع أهداف خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 وأهدافها (…) وأهداف قمة الأمم المتحدة بشأن النظم الغذائية لعام 2021». ولاحظت الدول الـ33 «بقلق بالغ» أن التقرير العالمي لعام 2022 الصادر حديثاً عن أزمات الغذاء يشير إلى أن عدد الأشخاص الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد ارتفع بشكل كبير من 135 مليوناً عام 2019 إلى 193 مليوناً عام 2021 في 53 دولة في أمسّ الحاجة إلى المساعدة، علاوة على «معاناة نحو 40 مليون شخص في 36 دولة من مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي الحاد»، أي أن هؤلاء صاروا «على بعد خطوة واحدة فقط» من المجاعة. وأشارت إلى أن هذه الأزمة ناجمة عن النزاعات والأحداث المتطرفة المتصلة بالمناخ، مثل فترات الجفاف والفيضانات التاريخية المتعددة المواسم والصدمات الاقتصادية، بما في ذلك آثار جائحة «كوفيد 19» على سبل العيش والدخل وأسعار الغذاء، وكثير من التهديدات الأخرى التي تهدد صحة الإنسان والحيوان والمحاصيل، وأن «توقعات الأمن الغذائي لعام 2022 وما بعده قاتمة». وقالت: «مما زاد الطين بلة غزو روسيا لأوكرانيا. الأمر الذي أدى إلى تفاقم هذا الوضع المتردي أصلاً».
- دعم المبادرة
وأعلنت الدول الموقعة على البيان أنها «تدعم بقوة المبادرة السريعة» للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لـ«ضمان استجابة منسقة وشاملة من خلال مجموعة الاستجابة للأزمات العالمية التابعة للأمانة العامة للأمم المتحدة والمعنية بالأغذية والطاقة والتمويل». ورحّبت بجهود مجموعة السبع بقيادة الرئاسة الألمانية لتحديد الأولويات والاستجابة لأزمة الأمن الغذائي العالمية المتصاعدة. وأشارت أيضاً إلى «إعلان ماتيرا» لمجموعة العشرين بشأن الأمن الغذائي. وكذلك رحّبت بالمبادرات المختلفة التي اتخذها الاتحاد الأفريقي للقضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي في أفريقيا.
- أزمة الأسمدة الزراعية
وكجزء من «خريطة الطريق للأمن الغذائي العالمي»، دعت الدول الـ33 إلى اتخاذ «إجراءات» تتضمن «تقديم تبرعات مالية جديدة» و«تبرعات عينية» للمنظمات الإنسانية الرئيسية لنقل وتسليم السلع الغذائية. وفي إشارة ضمنية إلى روسيا، من دون تسميتها، قالت إنه «يجب على كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إبقاء أسواقها الغذائية والزراعية مفتوحة وتجنب التدابير التقييدية غير المبررة، مثل حظر تصدير الأغذية أو الأسمدة، التي تزيد من تقلب السوق وتهدد الأمن الغذائي والتغذية على نطاق عالمي، خاصة بين أولئك الذين هم في أوضاع ضعيفة بالفعل، ويعانون من زيادة الفقر والجوع وسوء التغذية». ودعت كل الأعضاء لضمان النقل البحري الآمن في البحر الأسود. وحضّت الدول «التي لديها الموارد المتاحة» على «زيادة إنتاج الأسمدة موقتاً من أجل تعويض النقص».
وأيّد البيان كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر ومصر ولبنان واليمن وتونس وموريتانيا وألبانيا وأستراليا والبرازيل وجمهورية الكونغو الديمقراطية وفرنسا وألمانيا وغانا وغويانا وإندونيسيا وآيرلندا وإيطاليا واليابان وكينيا وليتوانيا والمكسيك وهولندا ونيجيريا والنرويج ورومانيا والسنغال والسويد وتركيا والمملكة المتحدة وأوكرانيا.


مقالات ذات صلة

«ناتو» يدعو من برلين إلى «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف

أوروبا المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ) p-circle

«ناتو» يدعو من برلين إلى «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف

الحلفاء يدعون إلى عدم وقف المساعدات لأوكرانيا خلال اجتماع مجموعة الاتصال... وزيلينسكي يطالب بعدم «رفع أي عقوبات» عن موسكو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أشخاص يسيرون بالقرب من الكرملين بالساحة الحمراء في يوم ممطر وسط موسكو 9 أبريل 2026 (رويترز)

الكرملين: روسيا تعلّمت الحد من تأثير العقوبات المفروضة عليها

قال الكرملين، الخميس، إن روسيا تعلّمت كيفية الحد من تأثير العقوبات المفروضة عليها.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا ميرتس وزيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

لافروف يؤكد: العلاقات مع واشنطن «ليست مجمدة... ولا يتم الإفصاح عن كل شيء»

أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة «ليست مجمدة»، لكن «لا يتم الإفصاح عن كل شيء».

أوروبا مجندون أوكرانيون من «اللواء الآلي المنفصل 65» وهم يتدربون قبل التوجه إلى الخطوط الأمامية في موقع غير معلن بمنطقة زابوريجيا بأوكرانيا يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قائد الجيش الأوكراني: استعدنا 50 كيلومتراً مربعاً من أراضينا منذ أواخر يناير

قال قائد الجيش الأوكراني أولكسندر سيرسكي، الأربعاء، إن أوكرانيا استعادت السيطرة على نحو 50 كيلومتراً مربعاً من أراضيها من روسيا منذ يناير (كانون الثاني) الماضي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ صورة لمحطة وقود تابعة لشركة «لوك أويل» في نيوآرك بولاية نيو جيرسي الأميركية 3 مارس 2022 (رويترز)

أميركا تمدّد إعفاء شركة النفط الروسية «لوك أويل» من العقوبات

أعلن مسؤولون أميركيون، الثلاثاء، تمديد إعفاء شركة النفط الروسية العملاقة «لوك أويل» من العقوبات بما يشمل محطات الوقود التابعة لها خارج روسيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.