أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

وسط ترحيب روسي فاتر باستئناف مسار المحادثات في إسطنبول

جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)
جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)
TT

أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)
جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

وسط ترحيب فاتر من روسيا، بدا أن هناك تدافعاً من أوكرانيا وتركيا لاستئناف المباحثات الرامية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ أكثر من 4 سنوات.

وأكد وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، استعداد الرئيس فولوديمير زيلينسكي لعقد لقاء مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، لافتاً إلى مناشدة تركيا للنظر في إمكانية تنظيم اجتماع رباعي يجمع زيلينسكي وبوتين بحضور الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان، والأميركي دونالد ترمب.

وقال سيبيها، الذي شارك في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي اختتم مساء الأحد، والذي أجرى على هامشه مباحثات مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إن تركيا لديها القدرة على تحقيق «إنجازات فريدة وغير مسبوقة في مجال الدبلوماسية».

أوكرانيا تريد لقاء مع بوتين

وأضاف: «لقد ناشدنا تركيا النظر في إمكانية تنظيم اجتماع على مستوى الرئيسين زيلينسكي وبوتين، مع احتمال مشاركة الرئيسين إردوغان وترمب»، لافتاً إلى أن الجانب الأوكراني، بما في ذلك زيلينسكي، مستعد لهذا الاجتماع.

وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها (إعلام تركي)

وتابع سيبيها أن لدى بلاده مقترحات فعالة، وأنهم يأملون في دور تركيا، الذي قال إنه يمكن أن تلعب دوراً وتسرع عملية السلام المحيطة بالحرب الروسية الأوكرانية، معتبراً أن المشكلة الوحيدة هي أن بوتين يختبئ حالياً.

ومنذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، استضافت تركيا جولات عدة للمحادثات في إسطنبول منذ مارس (آذار) منذ ذلك العام، كما نجحت بالتنسيق مع الأمم المتحدة في التوصل في يوليو (تموز) إلى اتفاقية الحبوب، التي سمحت بإنشاء ممر آمن في البحر الأسود لخروج الحبوب من موانئ أوكرانيا إلى الأسواق ما جنب العالم أزمة غذائية، ولم تصمد الاتفاقية أكثر من عام واحد بسبب عدم تلبية مطالب روسيا.

جولة مفاوضات بين الجانبين الروسي والأوكراني في إسطنبول في 2 يونيو 2025 (د.ب.أ)

وتجددت المفاوضات بوساطة تركيا عبر عقد 3 جولات من المحادثات الروسية الأوكرانية في إسطنبول في 16 مايو (أيار) و2 يونيو (حزيران) و23 يوليو (تموز) 2025، أسفرت عن عمليات تبادل كبيرة للأسرى ومذكرات مسودة تحدد مواقف كلا الجانبين من أجل اتفاق سلام محتمل، دون إحراز تقدم كبير على صعيد إنهاء الحرب.

كما عقدت 3 جولات من محادثات السلام بوساطة أميركية في 23 يناير (كانون الثاني) و4 فبراير (شباط) الماضيين في أبوظبي، و17 فبراير في جنيف، لكن المحادثات توقفت بسبب تركيز واشنطن على إيران.

إردوغان يدفع باتجاه المفاوضات

وأكد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في كلمة خلال افتتاح «منتدى أنطاليا الدبلوماسي»، الجمعة الماضي، أن تركيا تبذل جهوداً حثيثةً لتكثيف عملية التفاوض بشأن أوكرانيا، وأنها عززت اتصالاتها مع الأطراف المعنية.

إردوغان متحدثاً خلال افتتاح «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (الرئاسة التركية)

وأضاف إردوغان أن تركيا تسعى لاستئناف مسار إسطنبول للمحادثات بين الجانبين، وتعمل على عقد لقاء بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي لوضع نهاية للحرب.

بدوره، قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال إحدى جلسات المنتدى، إن بلاده مستعدة لاستضافة قمة على مستوى الرؤساء أو اجتماعات على الوفود الفنية من روسيا وأوكرانيا.

ولفت إلى أن الرئيس إردوغان أكد في اتصالين سابقين مع الرئيسين بوتين وزيلينسكي استعداد تركيا لاستضافة المفاوضات على مستوى الوفود، وعقد لقاء يجمعهما معاً.

فتور روسي

في الوقت ذاته، أبدت موسكو ترحيباً فاتراً باستئناف محادثات إسطنبول، وقال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن بلاده تنظر بإيجابية إلى احتمال استئناف هذه المحادثات، «إذا كان شريكنا (أوكرانيا) مستعداً للتفاوض فنحن مستعدون لذلك».

وأضاف لافروف، خلال جلسة في إطار منتدى أنطاليا، السبت، أن مسألة استئناف الحوار مع أوكرانيا ليست هي الأهم في المرحلة الحالية، مؤكداً أن روسيا لم تُجبر أي طرف على الدخول في مفاوضات.

لافروف خلال إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» (رويترز)

وعن مقترح تشكيل تحالف جديد يضم دول الاتحاد الأوروبي وتركيا وبريطانيا وأوكرانيا، قال لافروف: «للمرة الثالثة في التاريخ الحديث، سينطلق تهديد عالمي من أوروبا، وتُبذل كل الجهود لجعل أوكرانيا شرارة هذا التهديد العالمي»، مشدداً على أن لروسيا «خطوطاً حمراء» واضحة، وأن صبرها قد يصل إلى حدوده القصوى في مرحلة ما، ويجب عدم اختبار هذه الحدود.

ووجه انتقادات للموقف الأوروبي لعدم حسم أمره بشأن التعامل الحازم مع روسيا في ملف الطاقة، لافتاً إلى أن أوروبا بحاجة كبيرة إلى الغاز الطبيعي والنفط، رغم رفضها العقود الطويلة مع روسيا، وأن استهداف أوكرانيا أنابيب الغاز أدى إلى إجبار الأوروبيين على شرائه بأسعار باهظة.

وحذّر لافروف من تصاعد انتشار الحركات النازية في أوروبا، عاداً أن سلوك بعض الدول يشكل تهديداً للأمن الدولي وشكلاً من أشكال الحرب العالمية الثالثة، وأكد أن بلاده لديها الخبرة الكافية للتعامل مع جميع هذه التطورات.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

تركيا: «فضيحة صناديق الاستثمار» تشعل التوتر بين إردوغان والمعارضة

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

تركيا: «فضيحة صناديق الاستثمار» تشعل التوتر بين إردوغان والمعارضة

رفعت «فضيحة صناديق الاستثمار» في تركيا حدة التوتر بين الرئيس رجب طيب إردوغان والمعارضة، التي تتهمه بالفشل في التعامل مع الفضيحة...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال لقاء مع رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فائز السراج في إسطنبول في 27 نوفمبر 2019 لتوقيع مذكرتي التفاهم لترسيم الحدود البحرية والتعاون العسكري (الرئاسة التركية - أرشيفية)

تركيا: مصادقة «النواب الليبي» على مذكرة التفاهم البحرية إثبات للحق القانوني

عدَّت تركيا مصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم بشأن ترسيم الحدود البحرية الموقعة عام 2019 تأكيداً لحقوقها شرق البحر المتوسط وسط رفض أوروبي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مسيرة نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد في مدينة ديار بكر التركية في مايو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان (رويترز)

تركيا: «الكردستاني» يحذر من استغلال التلاعب بـ«السلام» لأغراض انتخابية

تصاعدت، مجدداً، الانتقادات الموجهة إلى الحكومة التركية لتباطؤها في خطوات عملية السلام والسماح بعودة عناصر حزب «العمال الكردستاني»، ودمجهم في المجتمع.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
رياضة عالمية سيرجن يالتشين مدرباً جديداً لمنتخب تركيا (رويترز)

تركيا تعين يالتشين مدرباً جديداً لمنتخبها خلفاً لمونتيلا

أعلن الاتحاد التركي لكرة القدم الثلاثاء تعيين سيرجن يالتشين مدرباً لمنتخب البلاد بعقد لمدة أربع سنوات خلفاً للإيطالي الذي أقيل من منصبه فينتشنزو مونتيلا.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
الخليج محمد بن سلمان ورجب طيب إردوغان وشهباز شريف عقب توقيع «اتفاقية مكة» (الرئاسة التركية)

إردوغان يحيل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» إلى البرلمان للتصديق عليها

أحال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الثلاثاء، «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقَّعة بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس (آب) الماضي للبرلمان للتصديق عليها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

رئيس بلدية موسكو: 630 مسيرة أطلقت باتجاه منطقة العاصمة ليلاً

أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)
أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)
TT

رئيس بلدية موسكو: 630 مسيرة أطلقت باتجاه منطقة العاصمة ليلاً

أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)
أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)

قال رئيس بلدية موسكو، اليوم (الخميس)، إن 630 طائرة مسيرة أُطلقت باتجاه منطقة العاصمة الروسية ليلا، ما أسفر عن إصابة شخصين.

وكتب سيرغي سوبيانين على وسائل التواصل الاجتماعي «بين الساعة 8,30 مساء يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) والساعة الرابعة من فجر يوم 22 أكتوبر، كانت هناك 630 طائرة مسيرة تتجه نحو منطقة موسكو، لكن منظومات الدفاع الجوي دمرت معظمها»، مضيفا أن شخصين أُصيبا.


محادثات روسية ــ أميركية لإنقاذ عملية السلام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
TT

محادثات روسية ــ أميركية لإنقاذ عملية السلام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

بينما التقى ⁠الروسي ⁠فلاديمير بوتين مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، في موسكو، أمس (الأربعاء)، لإنقاذ جهود السلام الأوكراني، أفاد مسؤول ‌أميركي بأن موسكو ​وافقت ‌على ⁠اقتراح من واشطن بعقد ⁠اجتماع ثلاثي على ⁠المستوى الفني ‌مع كييف.

ومع أن الطرفين، الروسي والأميركي، لم يُفصحا عن تفاصيل الأفكار التي طُرحت خلف أبواب مغلقة، فإن ما تسرب من معطيات حمل إشارات إلى تطور مهم في إطار الحديث عن «وثائق محددة» تم تسليمها للكرملين لدراستها، تحدد أطراً للتسوية تمت مناقشتها في اليومين الماضيين مع الجانبين الأوروبي والأوكراني في أوسلو.

وقال ويتكوف: «أحضرنا بعض الوثائق، وهي في الواقع بعض الأفكار بشأن العناصر المختلفة لنوع من اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، ويمكنكم قراءتها حين يناسبكم ذلك».

وقال يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، للصحافيين، إن المبعوث الأميركي أطلع الرئيس بوتين على مضمون المحادثات التي أجراها في أوسلو، الثلاثاء، مع مسؤولين أوكرانيين وأوروبيين. وأضاف: «تحدّث عن بعض الجوانب الجديدة في مقاربة الأوروبيين وكييف، لكنها في الواقع تفتقر إلى المضمون».

في غضون ذلك، دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، إلى تجميد خطوط القتال في الحرب مع روسيا، معتبراً ذلك خطوة أولى نحو محادثات وقف إطلاق النار.


السلطات الفرنسية في مواجهة اختبار جديد يوم السبت المقبل

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

السلطات الفرنسية في مواجهة اختبار جديد يوم السبت المقبل

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)

ثمة قاعدة يعمل بوحيها الرؤساء الفرنسيون وتقوم على الامتناع عن تناول الشؤون الفرنسية الداخلية في المؤتمرات الصحافية التي يعقدونها خارج أراضي بلادهم. وسبق للرئيس إيمانويل ماكرون أن احترمها في أكثر من مناسبة. غير أنه تجاوز هذا العرف خلال مؤتمر صحافي بالدوحة، في ختام زيارة دولة قام بها إلى قطر، إذ تحدّث طويلاً عن الاضطرابات وأعمال العنف والنهب التي عانت منها المدن الرئيسية في فرنسا يوم السبت الماضي، والتي تكرّر بعضها كما في باريس في اليوم التالي.

ولأن الصورة التي عكستها فرنسا للعالم عن وضعها كانت كارثية، ولأن ماكرون أراد أن يوجه رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن الوضع لن يخرج مجدداً عن السيطرة، وأن يداً من حديد ستضرب الخارجين عن القانون، فقد أجاب عن الأسئلة كافة التي طُرحت عليه وأكّد أنه سلم الحكومة، قبل بدء رحلته إلى الخليج، «خريطة طريق» وهي تعمل على تنفيذها.

الرد على انتقادات الخارج

بيد أن الرئيس الفرنسي لم يكتفِ بذلك، إذ إنه حرص على الرد بقوة على التعليقات الخارجية التي استهدفت بلاده. ووجّه كلامه، من دون تسميتهم، إلى الرئيسين الأميركي والروسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، كما هاجم الذين يستغلون الأحداث لبث أخبار كاذبة وإشاعات ومقاطع فيديو يستولدها الذكاء الاصطناعي. واتهم ماكرون هؤلاء بأنهم يطلقون «تعليقات لا يمكن قبولها، كما أنها غبية»، مضيفاً: «ثمة أشخاص يشنّون حملاتهم على حساب فرنسا، وقادة يعيشون أجواء الحملات الانتخابية في المنطقة أو على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ويرددون أحياناً، بدافع من السذاجة، ما يركّبه الذكاء الاصطناعي، أو ينقلون ما تسعى بعض الجهات، بطبيعة الحال، إلى إيهام الناس به».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)

وعاد الهدوء إلى شوارع وساحات المدن الفرنسية منذ الاثنين، بعد أن لجأت السلطات إلى فرض منع التجول في الأحياء «الحساسة». كما تعمل المنظومة القضائية، على كامل الأراضي الفرنسية، بكامل قدراتها لمعاقبة المتورطين في أعمال الشغب والنهب واستهداف الأعيان العامة والممتلكات الخاصة، مستجيبةً لدعوة جيرالد دارمانان، وزير العدل، للضرب بيد من حديد على المخرّبين.

غير أن هذا الهدوء لا يعني أن الأمور عادت إلى مجاريها، فالنار ما زالت تحت الرماد. ودعت حركة «السترات الصفراء» إلى «الفصل الثاني» من الحراك من خلال مسيرة كبيرة يوم السبت المقبل والذي يليه في باريس، للتعبير عن احتجاجها على أسعار المشتقات النفطية بالغة الارتفاع، وغلاء المعيشة، وانهيار القدرة الشرائية للطبقات الأكثر هشاشة.

وانضمّت إليها، حتى الآن، مجموعات طلابية مستعيدةً الشعارات التي رُفعت منذ أن بدأ حراكها قبل ما يزيد على الشهر، وعلى رأسها المطالبة بمزيد من الاستثمارات في قطاع التعليم الثانوي، وتوفير الأساتذة البدلاء عن الأساتذة المتغيبين، وإصلاح الحالة المادية للمدراس، فضلاً عن إلغاء آلية توجيه الطلاب إلى الاختصاصات المتوافرة في المرحلة الجامعية.

كذلك، أطلقت صوفي بينيه، الأمينة العامة لنقابة «كونفيدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، دعوة لإضرابات مفتوحة بدءاً من الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني). وقالت بينيه، عقب اجتماع للنقابات مع سيباستيان لو كورنو، رئيس الحكومة، إن الأخير لم «يطرح أي مبادرة ملموسة» استجابةً لمطالب العمال والطلاب، وبالتالي يتعين التوجه نحو «مسار» جديد؛ أي الإضراب المفتوح.

السلطات تسعى لتلافي التقصير

بناءً على ما سبق، يُعدّ يوم السبت المقبل «اختباراً» جديداً لقدرة الحكومة على السيطرة على الوضع الأمني الذي تفلَّت من بين يديها طيلة يومي السبت والأحد الماضيين.

جانب من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن الفرنسية في باريس يوم 18 أكتوبر (رويترز)

ونبّه ماكرون الأربعاء، من الدوحة، إلى أن «من يسعون لإثارة الفوضى في الاحتجاجات المقبلة لن يتمكنوا من فعل ذلك»، مُضيفاً أنه «ينبغي ألا يكون هناك أي تردد على أعلى مستوى في الدولة» في فرض الأمن بالوسائل الضرورية. وينُمّ كلامه عن ثقته بفاعلية التدابير الأمنية الجديدة. ولا شكّ أن الرئيس الفرنسي الذي سيغادر قصر الإليزيه بعد أقل من مائتي يوم لا يرغب في أن يؤحذ عليه أنه ترك منصبه فيما الفوضى تعم البلاد.

وفي الأيام الأخيرة، تكاثرت الانتقادات الموجهة إلى كيفية تعاطيه مع المطالب؛ أكانت تلك الصادرة عن طلاب التعليم الثانوي أو الجامعي أو من نقابات الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص. وفيما تجهد الحكومة في تمرير ميزانية تقشفية للعام 2027، وتصل ديون الدولة إلى مستويات غير مسبوقة (3600 مليار يورو) ونسبة فوائد مرتفعة للغاية (أكثر من 5 في المائة)، فإن التجاوب مع المطالب المرفوعة يحتاج إلى مليارات غير متوافرة. كما يؤخذ على ماكرون أنه لم يكشف عن أي تدبير ملموس حول كيفية الاستجابة للمطالب وسط أزمة الغلاء المستشري في السلع والخدمات.

لم يعرف حتى اليوم ما إذا كانت مديرية الشرطة ستتجاوب مع حركة «السترات الصفراء» للتظاهر السبت، بين ساحة «لا ريبوبليك» و«ساحة الأوبرا»، أي في قلب العاصمة، علماً بأن أعمال الشغب انطلقت تحديداً من ساحة «لا ريبوبليك».

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو خلال جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)

والأربعاء، أصدرت مديرية الشرطة في باريس قراراً بمنع التجول وأي تجمع غير مصرح به من الحادية عشرة ليلاً حتى السادسة صباحاً في المناطق الحساسة؛ التي تشمل مقرات رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان ومجلس الشيوخ وجادَّة الشانزليزيه والساحة المركزية المسماة «لي هال»، ومحطات القطارات والساحات الساخنة التي شهدت أعمال العنف.

ويُرجّح مواصلة العمل بهذا المنع طيلة أيام الأسبوع ونهايته. وثمة إجراءات مشابهة في مدن أخرى مثل ليون ومارسيليا وبوردو. واستباقاً لمظاهرات السبت، قررت وزارة الداخلية تشديد انتشارها الأمني لتجنب اتهامها بـ«التقصير». وبإمكانها الاستعانة بطوافات الدرك، والمسيَّرات، وبفرق الجيش التي تم اللجوء إليها بعد العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا في عام 2015 وما تلاه.

ولا جدل في أن لوران نونيز، وزير الداخلية الذي قدم استقالته لرئيس الجمهورية يوم الأحد الماضي بسبب ما عُدَّ «تقصيراً» منه في فرض الأمن والسيطرة على الأوضاع، لن يدخر جهداً لتجنّب تكرار «الفشل الأمني» الذي يُعدّ إحدى النقاط النادرة من توافق التشخيص بين اليمين واليسار، لا بل أيضاً مع رئاسة الجمهورية والحكومة.

انهيار في الداخل والخارج

في افتتاحيتها المعنونة «صورة ماكرون تنهار في الخارج»، كتبت صحيفة «لوموند» أن التعبئة الشعبية وأعمال الشغب التي واكبتها «ضربت صورة ماكرون، ووفَّرت مادةً لأعداء فرنسا».

متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

وأضافت الصحيفة أن محصلة السنوات العشر التي قضاها ماكرون في رئاسة الجمهورية آخذة في الانهيار. وفي الداخل، انهارت شعبية ماكرون إلى حد لم يعرفه في السابق، وذلك إلى درجة أن المرشحَين الرئيسيَّين عن «الكتلة المركزية» الداعمة له؛ وهما إدوارد فيليب عن حزب «هوريزون»، وغابريال أتال عن حزب «النهضة»، وكلاهما شغل رئاسة الحكومة، يمتنعان عن تبني محصلة الحكم التي كانا جزءاً منها، لا بل إنهما لا يترددان في انتقاد الرئيس الحالي.

ويؤخذ على ماكرون أمران رئيسيان: الأول، أنه لم يعرف كيف يتعامل مع المطالب التي ترفعها فئات مجتمعية كثيرة؛ بمن فيهم التلامذة الذين عوملوا بقسوة خلال مظاهراتهم التي لم تشهد العنف إلا على الهامش. والآخر، تدهور مالية الدولة بشكل يهدد النظام المالي الفرنسي، وبعضهم يُحذر من تبعاته على العملة الأوروبية الموحدة وعلى النظام المالي الأوروبي بكليته. ويبقى، أخيراً، أن ماكرون وعدَ الفرنسيين بأن حُكمه سينزع البساط من تحت رجلَي الأحزاب اليمينية المتطرفة وعلى رأسها حزب «التجمع الوطني» الذي تقوده المرشحة الرئاسية مارين لوبن. والحال أن جميع استطلاعات الرأي ترجح وصول لوبن إلى قصر الإليزيه، وهو ما يشكل إخفاقاً كبيراً وإضافياً لماكرون.