ازدهار بالغ لسوق العمل البريطانية

تشهد سوق العمل البريطانية ازدهاراً مع تسجيل مستوى قياسي من عروض الوظائف (أ.ف.ب)
تشهد سوق العمل البريطانية ازدهاراً مع تسجيل مستوى قياسي من عروض الوظائف (أ.ف.ب)
TT

ازدهار بالغ لسوق العمل البريطانية

تشهد سوق العمل البريطانية ازدهاراً مع تسجيل مستوى قياسي من عروض الوظائف (أ.ف.ب)
تشهد سوق العمل البريطانية ازدهاراً مع تسجيل مستوى قياسي من عروض الوظائف (أ.ف.ب)

تواصل التراجع في نسبة البطالة في مارس (آذار) الماضي في المملكة المتحدة، حيث تشهد سوق العمل ازدهارا مع تسجيل مستوى قياسي من عروض الوظائف فضلا عن حركة تغيير الوظائف، ولو أن الأجور الفعلية خارج العلاوات تراجعت، بحسب أرقام كشفها مكتب الإحصاءات الوطني الثلاثاء.
وأفاد المكتب بأنه خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة، تراجعت نسبة البطالة إلى 3.7 في المائة، مقابل 3.8 في المائة في نهاية فبراير (شباط)، وهي نسبة أدنى مما كانت عليه قبيل بدء انتشار وباء كوفيد - 19، والأدنى على الإطلاق منذ عام 1974.
في المقابل، ارتفعت نسبة النشاط الاقتصادي ولو أنها بقيت دون مستوى ما قبل كوفيد. وأوضح دارين مورغان من مكتب الإحصاءات أنه «منذ بدء الوباء، خرج حوالى نصف مليون شخص تماما من سوق العمل».
وفي مؤشر آخر إلى ازدهار سوق العمل البريطانية، بدّل حوالى مليون شخص وظائفهم بين يناير (كانون الثاني) ومارس، وهو مستوى قياسي ناتج عن «الاستقالات أكثر منها عن التسريح». ومع إحصاء حوالى 1.3 مليون عرض وظيفة، وهو مستوى قياسي أيضا، فإن «عدد العاطلين عن العمل أدنى الآن من عروض الوظائف، لأول مرة منذ بدء تسجيل هذه الإحصاءات».
وأخيرا، بلغ نمو أجور الموظفين بما فيها العلاوات 7 في المائة خلال الفترة ذاتها، غير أن النسبة تتدنى إلى 1.4 في المائة بالنسبة إلى الأجور الفعلية خارج تأثير التضخم. وإذا ما استثنيت العلاوات، فإن الأجور الفعلية ازدادت بنسبة 4.2 في المائة خلال الفصل الأول، وهو أعلى من متوسط التوقعات في استطلاع أجرته «رويترز» لنمو الأجور والذي بلغ 4.1 بالمائة، لكنها تسجل تراجعا «حادا» خارج التضخم، بحسب دارين مورغان.
وتسبب التضخم المتزايد بسرعة صاروخية في تراجع قيمة الرواتب، ملقيا بظلاله على هذه الأنباء الجيدة. حيث كشف مكتب الإحصاء الوطني عن حجم أزمة تكلفة المعيشة المتفاقمة، وأوضح أن الأجور العادية، باستثناء المكافآت، انخفضت بنسبة 2.9 في المائة في مارس عند وضع تضخم مؤشر أسعار المستهلكين في الاعتبار - وهو أكبر انخفاض للأجور منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2011.
وارتفعت الرواتب، باحتساب المكافآت، خلال ثلاثة أشهر حتى فبراير (شباط) بنسبة 7 في المائة، وارتفعت في مارس بنسبة 9.9 في المائة، حيث زادت الشركات المكافآت للموظفين وسط ازدهار سوق العمل.
من ناحية أخرى، أكدت أحدث بيانات مكتب الإحصاء الوطني لسوق العمل ارتفاعا جديدا في عدد الموظفين البريطانيين في جداول الرواتب، حيث زاد العدد بواقع 121 ألف موظف خلال شهري مارس وأبريل (نيسان)، ليصل إلى 29.5 مليون شخص.
وفي سياق منفصل، قال مايكل سوندرز العضو المستقل في لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا يوم الاثنين، إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، قد يجعل الاقتصاد أكثر حساسية بالنسبة للتضخم، حسبما أفادت وكالة بلومبرغ.
ونقلت بلومبرغ عن سوندرز، أحد الأعضاء التسعة في لجنة السياسة النقدية، قوله: «قللت بريكست من الناتج المحتمل للمملكة المتحدة... وربما تسببت أيضا في زيادة مدى ارتفاع التضخم، إذا كان هناك طلب زائد في الاقتصاد... بيد أنه من الخطأ الاعتقاد بأن هذا سيكون سببا لارتفاع التضخم بشكل مستمر في المملكة المتحدة».
وقالت بلومبرغ إن التعليقات أمام نواب البرلمان أضيفت إلى النقاش حول التأثير الاقتصادي لبريكست. ونقلت عن محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي قوله إن هناك انخفاضا في التجارة وحجم القوى العاملة منذ بدء جائحة فيروس كورونا، وإنه بات من الصعب تحديد مقدار المتسبب في ذلك، هل هو بريكست أم الفيروس أم عوامل أخرى؟
وقال بيلي: «إذا أصبحت المملكة المتحدة سوقا أكثر انغلاقا بسبب بريكست، فإنها ستصبح غير مرنة إلى حد ما». وأضاف: «يبدو أن التأثير الأكبر على سوق العمل هو جائحة كوفيد. وهناك رقم محدد لمن هاجروا أيضا، ولكنه رقم صغير. من الصعب جدا الفصل بين تأثير كوفيد وبريكست لأن كليهما قلل من تدفق الناس عبر الحدود».


مقالات ذات صلة

مليون طفل بريطاني جائع... ودعوات لتحرك عاجل

الاقتصاد مليون طفل بريطاني جائع... ودعوات لتحرك عاجل

مليون طفل بريطاني جائع... ودعوات لتحرك عاجل

قالت أكبر شبكة لبنوك الطعام في بريطانيا إن عدد الطرود الغذائية التي وزعتها زاد 37 بالمائة إلى مستوى قياسي بلغ ثلاثة ملايين طرد في عام حتى مارس (آذار) الماضي، إذ يعاني عدد متزايد من الناس بسبب أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة. وقالت «ذا تراسل تراست» التي تدعم 1300 مركز لبنوك الطعام في أنحاء المملكة المتحدة، يوم الأربعاء، إن أكثر من مليون طرد غذائي جرى تقديمها لأطفال، بزيادة نسبتها 36 بالمائة خلال عام واحد. وأضافت أنه على مدار عام لجأ 760 ألف شخص لأول مرة إلى بنوك الطعام التابعة لها، بزيادة 38 بالمائة على أساس سنوي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»: على البريطانيين القبول بصعوباتهم المالية

كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»: على البريطانيين القبول بصعوباتهم المالية

أكد كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»، اليوم (الثلاثاء)، أنه يتعين على البريطانيين القبول بتراجع قدرتهم الشرائية في مواجهة أزمة تكاليف المعيشة التاريخية من أجل عدم تغذية التضخم. وقال هيو بيل، في «بودكاست»، إنه مع أن التضخم نجم عن الصدمات خارج المملكة المتحدة من وباء «كوفيد19» والحرب في أوكرانيا، فإن «ما يعززه أيضاً جهود يبذلها البريطانيون للحفاظ على مستوى معيشتهم، فيما تزيد الشركات أسعارها ويطالب الموظفون بزيادات في الرواتب». ووفق بيل؛ فإنه «بطريقة ما في المملكة المتحدة، يجب أن يقبل الناس بأن وضعهم ساء، والكف عن محاولة الحفاظ على قدرتهم الشرائية الحقيقية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد «ستاندارد آند بورز» ترفع تقديراتها لآفاق الدين البريطاني

«ستاندارد آند بورز» ترفع تقديراتها لآفاق الدين البريطاني

رفعت وكالة التصنيف الائتماني «ستاندارد آند بورز» (إس آند بي) تقديراتها لآفاق الدين البريطاني على الأمد الطويل من «سلبية» إلى «مستقرة»، مؤكدة أنها لا تفكر في خفضها في الأشهر المقبلة، وأبقت على درجتها لتصنيف الدين السيادي (إيه إيه/إيه-1). وقالت الوكالة في بيان، إن هذه النظرة المستقرة «تعكس الأداء الاقتصادي الأخير الأمتن للمملكة المتحدة واحتواء أكبر للعجز في الميزانية خلال العامين المقبلين». وأكدت خصوصاً أن «الإجراءات السياسية للحكومة على جبهة العرض وتحسن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي يمكن أن يدعما آفاق النمو على الأمد المتوسط رغم القيود الهيكلية الحالية»، لكن الوكالة حذرت من «المخاطر الناشئة عن ا

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ثقة المستهلك البريطاني لأعلى معدلاتها منذ حرب أوكرانيا

ثقة المستهلك البريطاني لأعلى معدلاتها منذ حرب أوكرانيا

ارتفع مؤشر ثقة المستهلك في بريطانيا خلال أبريل (نيسان) الجاري إلى أعلى معدلاته منذ نشوب حرب أوكرانيا. وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن مؤشر ثقة المستهلك الذي تصدره مؤسسة «جي إف كيه» للأبحاث التسويقية ارتفع في أبريل الجاري ست نقاط، ليصل إلى سالب ثلاثين، ليسجل بذلك ثالث زيادة شهرية له على التوالي، وأعلى ارتفاع له منذ 14 شهرا. وتعكس هذه البيانات أن المستهلك البريطاني أصبح أكثر حماسا بشأن الآفاق الاقتصادية وأكثر استعدادا للإنفاق على مشتريات أكبر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد بريطانيا متفائلة بـ«نمو صفري»

بريطانيا متفائلة بـ«نمو صفري»

رغم أن الاقتصاد البريطاني لم يسجل أي نمو خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، قال وزير المالية البريطاني جيريمي هانت يوم الخميس، إن التوقعات الاقتصادية «أكثر إشراقاً مما كان متوقعاً»، مضيفاً أنه من المفترض أن تتجنب البلاد الركود. وأظهرت بيانات رسمية، أن الاقتصاد البريطاني فشل في تحقيق النمو كما كان متوقعاً في فبراير؛ إذ أثرت إضرابات العاملين في القطاع العام على الإنتاج، لكن النمو في يناير (كانون الثاني) كان أقوى مما يُعتقد في البداية؛ مما يعني تراجع احتمالية حدوث ركود في الربع الأول قليلاً. وقال مكتب الإحصاءات الوطنية يوم الخميس، إن الناتج الاقتصادي لم يشهد تغيراً يذكر على أساس شهري في فبراير.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أصول صناديق الثروة الخليجية ترتفع إلى 5 تريليونات دولار

سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

أصول صناديق الثروة الخليجية ترتفع إلى 5 تريليونات دولار

سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
سيارات في أحد شوارع العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

وصل الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى نحو 2.4 تريليون دولار، في وقت أكدت فيه المؤشرات تنامي الثقل الاستثماري الخليجي عالمياً، مع وصول حجم صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى نحو 5 تريليونات دولار، بما يمثل 30.3 في المائة من إجمالي الصناديق السيادية في العالم، وهو ما يعزز حضور دول المجلس في الأسواق والاستثمارات الدولية.

وأظهر تقرير صادر عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، يوم الاثنين، بمناسبة ذكرى التأسيس، أن القطاع غير النفطي في الدول الست نما بنسبة بلغت 5.3 في المائة خلال عام 2025، في وقت تجاوزت فيه مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي نسبة 78 في المائة.

وفي القطاع المالي، واصلت دول المجلس الست تعزيز استقرارها المالي، إذ بلغت أصول البنوك التجارية نحو 3.9 تريليون دولار بنمو بلغ 11.9 في المائة بين عامي 2024 و2025، بينما وصلت الودائع لدى البنوك التجارية إلى 2.3 تريليون دولار بمعدل نمو بلغ 10.6 في المائة، الأمر الذي يعكس قوة السيولة المصرفية والثقة المتزايدة في القطاع المالي الخليجي، وفقاً لوكالة الأنباء السعودية (واس).

وعلى صعيد التجارة، سجلت دول المجلس حجم تبادل تجاري بلغ 1.6 تريليون دولار، بنمو نسبته 7.4 في المائة مقارنة بعام 2023، بينما بلغت الصادرات السلعية الخليجية نحو 849.6 مليار دولار، ما يعكس استمرار الحضور الخليجي في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.

وفي قطاع الطاقة، حافظت دول مجلس التعاون على موقعها المحوري في سوق الطاقة العالمية، بإنتاج نفطي بلغ 16.6 مليون برميل يومياً، يمثل نحو 22.2 في المائة من الإنتاج العالمي للنفط الخام.

وعلى مستوى التكامل الخليجي، سجلت السوق الخليجية المشتركة نمواً متواصلاً؛ حيث بلغت التجارة البينية نحو 146 مليار دولار بنمو قدره 2.85 في المائة مقارنة بعام 2012، بينما ارتفع إجمالي رؤوس أموال الشركات المساهمة إلى 549 مليار دولار بنمو استثنائي بلغ 237.6 في المائة مقارنة بعام 2007.

وفي القطاع السياحي، بلغت الإيرادات السياحية الخليجية نحو 132.3 مليار دولار، بما يعكس تنامي جاذبية الوجهات الخليجية وقدرتها على استقطاب الحركة السياحية العالمية.


«موديز» تبدّد آمال انتعاش اقتصاد لبنان... وترجّح انكماشه 14 %

عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
TT

«موديز» تبدّد آمال انتعاش اقتصاد لبنان... وترجّح انكماشه 14 %

عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
عمال يزيلون الأنقاض في موقع غارة إسرائيلية سابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

تتوقّع وكالة التصنيف الدولية «موديز» انكماشاً حاداً للاقتصاد اللبناني خلال العام الحالي بنسبة 14 في المائة، جراء الحرب المحلية وتداعيات الصراع في المنطقة، مع ترجيح استعادة النمو الإيجابي بنسبة 5 في المائة في العام المقبل. في حين يقدّر وزير المال ياسين جابر تراجع الناتج بما بين 7 و10 في المائة، مع أضرار مباشرة وغير مباشرة تصل إلى 20 مليار دولار.

في نهاية العام الماضي، بلغ حجم الناتج مستوى 33 مليار دولار، مدفوعاً بنمو نسبته 3.8 في المائة، وفق تحديثات رقمية موثقة من قبل مصرف لبنان المركزي، عقب رحلة شاقة من الانكماش الحاد على مدار سنوات الأزمة المالية والنقدية التي انفجرت في خريف عام 2019، وأفضت إلى حصيلة تراجع متتالية ومجمّعة بنسبة تناهز 60 في المائة من المستوى الأعلى للناتج الذي قارب 53 مليار دولار عشية الانهيار الاقتصادي.

وبحسب التقييم المحدث لوكالة «موديز»، فإنّ الصراع الأخير تسبّب في صدمة كبيرة على الاقتصاد، نتيجة نزوح السكّان، وانهيار القطاع السياحي، وتعطّل قطاعَي الزراعة والصناعة، والدمار الكبير الذي لحق بالبنى التحتيّة. في حين يُخشى أن يؤدّي التراجع في الإيرادات الحكوميّة، مقابل ارتفاع الاحتياجات الاجتماعيّة واحتياجات إعادة الإعمار، إلى زيادة الضغوط على الأوضاع الماليّة العامّة، والاعتماد على الاحتياطات بالعملات الأجنبيّة.

وبينما تهدّد التوتّرات الجيوسياسيّة المستمرّة بتفاقم الضعف القائم في ميزان المدفوعات، فإنّ التمديد المؤقّت لوقف إطلاق النار والنقاش المستمر مع صندوق النقد الدولي حول تمويل سريع محتمل، قد يوفّران، حسب الوكالة، الحصول على دعم قصير الأجل عبر تعزيز السيولة والحيز المالي، إلا أنّهما لا يعالجان نقاط الضعف الهيكليّة في البلد، كالتعثّر السيادي، وغياب إعادة هيكلة شاملة للدين العام، فضلاً عن حزمة تحديات مؤسسيّة وحوكميّة.

وفي البعد السياسي، أشارت الوكالة إلى الجهود الدبلوماسيّة الأخيرة التي قادتها الولايات المتحدة، مستهدِفةً الدفع نحو إطار أكثر استدامة للسلام والأمن بين إسرائيل ولبنان، وذلك من خلال المحادثات التي عُقدت في منتصف شهر مايو (أيّار)، وتُستكمل جولاتها بنهايته وبداية الشهر المقبل.

خيام زرقاء لإيواء النازحين الفارّين من منازلهم وقراهم في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب على طول واجهة العاصمة (د.ب.أ)

ورغم أن هذه المفاوضات قد تساعد في الحد من ارتفاع وتيرة التصعيد، فإنّ احتمال تجدّد النزاع لا يزال مرتفعاً، ما يواصل تهديد الاقتصاد اللبناني وثقة المستثمرين والأوضاع الإنسانيّة؛ إذ تدور هذه المناقشات وسط تقارير متواصلة عن انتهاكات لوقف إطلاق النار، ما يسلّط الضوء على هشاشة الوضع الأمني واستمرار المخاطر الجيوسياسية.

أمّا في البعد الاقتصادي والإنساني، فقد أدّت موجة العنف المتجدّدة، وفق رصد «موديز»، إلى نزوح أكثر من مليون شخص، واضطراب سوق العمل، وإضعاف الطلب الاستهلاكي، وإلحاق أضرار جسيمة بالقطاعات الإنتاجيّة مثل الزراعة والصناعة والبناء، نتيجة تضرّر البنية التحتيّة، ورأس المال، وسلاسل الإمداد. كذلك تأثّرت القطاعات الخدماتيّة، بما فيها السياحة، والرعاية الصحيّة، والتعليم، بالتباطؤ الاقتصادي الذي تشهده البلاد.

ولا يزال لبنان يعتمد بشكل كبير على الواردات، التي تُعوّض جزئيّاً من خلال إيرادات السياحة وتحويلات المغتربين، مع الإشارة إلى أن هذه التدفقات من العملات الأجنبيّة قد تتراجع نتيجة عدم الاستقرار الإقليمي، وارتفاع أسعار النفط، واحتمال تأثّر تحويلات المغتربين بالأوضاع المستجدّة.

ونوهت الوكالة بأنّه رغم أنّ المناقشات مع صندوق النقد الدولي بشأن توفير تمويل طارئ تصل قيمته إلى مليار دولار قد يؤمّن دعماً ماليّاً مؤقتاً، ويساعد في تغطية الإنفاق الاجتماعي والإنساني العاجل، فإنّ هذا الدعم وحده لن يكون كافياً لمعالجة نقاط الضعف الهيكليّة في الاقتصاد اللبناني، علماً أن رد إدارة الصندوق لم يكن إيجابياً، حسب مصادر وزارة المال، ربطاً باستمرار لبنان في حال «التعثر» عن سداد ديونه السيادية.

ومن غير المرجّح أن يتغيّر التصنيف الائتماني للبنان، المستمر عند الدرجة «سي»، إذا لم يتمّ تنفيذ إعادة هيكلة شاملة للدين العام؛ نظراً إلى حجم التحدّيات الماكرواقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة، علماً أنّ أيّ تحسّن في التصنيف السيادي بعد عمليّة إعادة هيكلة الدين سيعتمد، وفق «موديز»، على سرعة وفاعليّة الإصلاحات الماليّة والمؤسسيّة، بالإضافة إلى قدرة الحكومة على تعزيز تحصيل الإيرادات، وانتقال الاقتصاد إلى نموذج نموّ جديد.

ويأتي التصنيف المتدني الذي تمنحه «موديز» للبنان بناءً على نتائج مسجَّلة على أربعة مستويات؛ إذ سجّل لبنان نتيجة «سي إيه إيه 1» (caa1)، في معيار «القوة الاقتصادية»؛ نظراً للانكماش الاقتصادي الكبير منذ عام 2019، وتفاقم التحديات بشكل إضافي نتيجة نزوح السكان والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بسبب اندلاع الحرب. في حين ساهمت تحويلات المغتربين والإنفاق داخل البلاد في دعم مستويات الدخل.

وسجّل لبنان نتيجة «سي إيه» (ca)، في معيار «القوة المؤسساتية»، ما يعكس الضعف الناشئ عن استمرار التخلّف عن دفع الدين السيادي منذ شهر مارس (آذار) 2020، وهشاشة بيئة الحوكمة التي تتّسم بضعف فاعليّة السياسة الماليّة، والتي يقيّدها تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع القدرة على جباية الإيرادات.

أمّا على صعيد القوّة الماليّة، فقد نال لبنان نتيجة «سي إيه»، والتي تعكس دين الدولة الكبير، بما يرجّح التسبّب في خسائر كبيرة للدائنين في حال تعثّرت الدولة عن الدفع. كما حصل على نتيجة «سي إيه» في معيار «التعرُّض لمخاطر الأحداث»؛ نظراً لمخاطر السيولة والتعرُّض الخارجي الكبير كما التعرُّض الكبير للقطاع المصرفي للدين السيادي.

ونوهت الوكالة بأنّ «النظرة المستقبليّة المستقرّة» تشير إلى أنّها لا ترتقب أي تحسّن في تصنيف لبنان في المدى القريب، وسيبقى على حاله إلا إذا تمّ تطبيق إصلاحات جوهريّة على مدى سنوات عدّة من جهة، وتحسين القدرة على تحصيل الإيرادات، وحصول تقدّم ملحوظ في ديناميكيّة الدين، وتكيّف البلاد مع نموذج نموّ اقتصادي جديد من جهة موازية، وذلك لضمان استدامة الدين في المستقبل.


معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
TT

معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)

لطالما كان يمثّل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق جيروم باول خصماً سياسياً مناسباً للرئيس دونالد ترمب؛ إذ كان يتحمّل جزءاً كبيراً من الانتقادات المتعلقة بارتفاع أسعار الرهن العقاري وتباطؤ النمو الاقتصادي.

لكن مع تعيين رئيس جديد هو كيفين وارش على رأس البنك المركزي، وإكمال ترمب لنفوذه على أعلى مستويات صنع السياسة الاقتصادية في الولايات المتحدة، يتغيّر هذا المشهد بشكل واضح.

ففي السابق، كان بإمكان ترمب إرجاع مسؤولية تعيين باول إلى مستشاريه خلال ولايته الأولى، ومن بينهم وزير الخزانة آنذاك ستيفن منوشين. أما اليوم، فإن وارش يُعدّ اختياراً مباشراً لترمب، ما يعني أن نتائج السياسات والأداء الاقتصادي ستُحسب بشكل أكبر على الإدارة الحالية نفسها، وليس على أطراف أخرى.

وللتأكيد على حجم الرهان، استضاف ترمب وارش في حفل أداء اليمين في البيت الأبيض يوم الجمعة، بحضور وزراء حكومته وقضاة من المحكمة العليا وكبار مستشاري البيت الأبيض، في أجواء أقرب إلى تجمع تحفيزي، حيث قال في كلمته إنه يريد من وارش «أن يقوم بعمله بطريقته الخاصة، وأن ينجح بشكل كبير»، وفق «رويترز».

وقال ترمب: «كيفين يفهم أنه عندما يكون الاقتصاد مزدهراً فهذا أمر جيد... نريد أن يزدهر... لا نريد أن نراه مكبوحاً».

جيروم باول يتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية... 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

رهانات مرتفعة قبل الانتخابات النصفية

بعد حملته الانتخابية وفوزه بولاية ثانية على وعود بخفض الأسعار ومعالجة قضايا «القدرة على تحمل التكاليف» للأسر الأميركية، تراجع معدل تأييد ترمب للأداء الاقتصادي بشكل ملحوظ.

وأظهر استطلاع لثقة المستهلك نُشر قبل نحو 90 دقيقة من مراسم أداء اليمين لوارش مزاجاً متشائماً على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك تراجع الثقة الاقتصادية لدى المستقلين -وهم كتلة انتخابية رئيسية في الانتخابات النصفية لـ«الكونغرس»- وحتى لدى الجمهوريين إلى أدنى مستوياتها في الولاية الثانية لترمب.

وارتفع معدل الفائدة على الرهن العقاري لأجل 30 عاماً مجدداً فوق 6.5 في المائة، وهو أعلى مستوى في تسعة أشهر، مما يواصل الضغط على سوق الإسكان الضعيف.

كما استمرت الأسعار في الارتفاع خلال عهد ترمب، رغم وعود حملته بأنها ستنخفض منذ «اليوم الأول» من رئاسته. فمنذ مارس (آذار) 2025، ارتفع مؤشر التضخم الذي يستخدمه «الفيدرالي» لاستهداف معدل 2 في المائة من 2.3 في المائة سنوياً إلى 3.5 في المائة.

وبلغ سعر غالون البنزين في المتوسط 4.55 دولار يوم الجمعة، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل أن يبدأ ترمب حملته ضد إيران في أواخر فبراير (شباط).

ولا يزال مدى تأثير أداء وارش على فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية غير واضح، لكنه محفوف بالمخاطر.

فالتضخم المرتفع عادة ما يضر بالأحزاب الحاكمة مع تزايد قلق الناخبين بشأن تكاليف المعيشة، لكن مكافحته تتطلّب إجراءات صعبة غالباً ما تكون في شكل رفع أسعار الفائدة، وهي إجراءات غير شعبية سياسياً، ولا يرحب بها ترمب بالتأكيد.

علاوة على ذلك، يظل «الاحتياطي الفيدرالي» مؤسسة متعددة الأوجه، حيث سيحتاج الرئيس الجديد إلى بناء سلطته تدريجياً، في وقت يراقب فيه العالم مدى تأثير ترمب.

وقال ريتشارد ستيرن، الذي يدرس السياسات الاقتصادية في مؤسسة «أدفانسينغ أميركان فريدوم» المحافظة: «كان باول كبش فداء مثالياً لترمب في قضايا لا علاقة لها بباول». وأضاف: «الآن أصبح الأمر اقتصاد ترمب... مشكلة ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة لن تختفي لسنوات عديدة... وهذا مستقل عن أي شيء يمكن لترمب أو وارش القيام به».

قيادة نظام معقد

وارش، البالغ من العمر 56 عاماً، وهو محامٍ ومستثمر عمل عضواً في مجلس محافظي «الفيدرالي» بين 2006 و2011، قضى السنوات اللاحقة في تعزيز فرص عودته إلى المنصب.

وقد شملت خلفياته المهنية شخصيات بارزة مثل الاقتصادي النقدي الشهير ميلتون فريدمان، ووزير الخارجية الأسبق جورج شولتز. كما ساعده عمله مع المستثمر الكبير ستانلي دراكنميلر على تحقيق ثروة كبيرة، بالإضافة إلى ثروة زوجته المرتبطة بحصة في شركة «إستي لودر» لمستحضرات التجميل.

لكن علاقاته السياسية والاجتماعية مع ترمب كانت العامل الحاسم في اختياره؛ إذ كان الرئيس قد أعرب عن أسفه لتجاوز وارش في تعيينات عام 2017 لصالح باول.

إدارة نظام غير منضبط

اختار باول، في ظل محاولات ترمب للتأثير على استقلالية «الفيدرالي»، البقاء عضواً في مجلس المحافظين، وهو أمر غير معتاد في بداية ولاية رئيس جديد لـ«الفيدرالي»، الذي يُعد أقوى بنك مركزي في العالم والمصدر الرئيسي للسيولة بالدولار عالمياً.

ورغم أن بعض رؤساء «الفيدرالي»، مثل بول فولكر وآلان غرينسبان، مارسوا تأثيراً حاسماً، فإن البنك المركزي الأميركي مصمم ليكون مؤسسة غير مركزية، تضم مجلس محافظين من سبعة أعضاء في واشنطن، بالإضافة إلى 12 رئيس بنك احتياطي إقليمي يشاركون في صنع القرار.

وفي السنوات الأخيرة، اتجهت عملية صنع القرار نحو التوافق بقيادة الرئيس. لكن وورش قال إنه يفضّل أسلوب نقاش أكثر حدة و«دون قيود»، مع قبول أكبر للاختلافات الداخلية، واستعداد لإرباك الأسواق عبر قرارات أقل اعتماداً على التوجيه المسبق الذي أصبح شائعاً في السنوات الأخيرة.

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك للأوراق المالية (أ.ب)

ويبقى السؤال ما إذا كانت الأسواق العالمية مستعدة لهذا النهج.

لكن المؤشرات الأخيرة من اجتماعات «الفيدرالي» توحي بأن الخلافات الداخلية قد تتصاعد. فقد شهد اجتماع أبريل (نيسان) أكبر عدد من الاعتراضات منذ أكثر من 30 عاماً. كما أظهر محضر الاجتماع أن أغلبية مسؤولي وارش الجدد يرون أن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع، وهو عكس ما كان ترمب يتوقعه وما كان وارش نفسه يدعو إليه سابقاً.

وتضم هذه المجموعة من المسؤولين اقتصاديين حاصلين على دكتوراه يتمتعون بخبرة فنية مختلفة عن وارش، إلى جانب خبراء استثمار ذوي خبرة مماثلة في الأسواق، بالإضافة إلى الرئيس السابق باول نفسه.

ومن بين المحافظين الستة الآخرين، تم تعيين ثلاثة من قِبل الرئيس السابق جو بايدن، بينهم ليزا كوك التي يحاول ترمب إقالتها.

ومع استمرار النقاش حول الخطوات المقبلة، يبدو أن المستثمرين قد حسموا موقفهم بأن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع في ظل استمرار التضخم.

وفي أسواق السندات طويلة الأجل التي تحدد تكلفة الاقتراض للمستهلكين، بدأت العوائد بالفعل الارتفاع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended