النقد الروائي... مفاهيم ومصطلحات ملتبسة

بين ضمائر الأنا والغائب والمخاطب

فؤاد التكرلي  -  أرنست همنغواي  -  تشارلز ديكنز  -   جين أوستن
فؤاد التكرلي - أرنست همنغواي - تشارلز ديكنز - جين أوستن
TT

النقد الروائي... مفاهيم ومصطلحات ملتبسة

فؤاد التكرلي  -  أرنست همنغواي  -  تشارلز ديكنز  -   جين أوستن
فؤاد التكرلي - أرنست همنغواي - تشارلز ديكنز - جين أوستن

رغم سعة الدراسات النقدية الحديثة، الأجنبية، والعربية، حول السرد، واتضاح الكثير من المفاهيم والمصطلحات الخاصة بالعملية السردية، ومنها استخدام أصوات السرد الثلاثة: ضمير المتكلم (أنا)، وصيغته الجماعية (نحن)، وضمير الغائب (هو) وضمير المخاطب (أنت)، فضلاً عن تنويعات سردية أخرى، منها السرد بعين الكاميرا، والسرد عبر بناء المشهد وغير ذلك، فما زال بعض النقاد يخلط بين الكثير من هذه الصيغ والأصوات السردية.
وربما يتعرض ضمير الغيبة، من بين هذه الأصوات، أكثر من غيره، إلى اللبس والخلط، لأنه قد يكون أكثر الضمائر شيوعاً وتوظيفاً وقدماً. وقد لاحظت أن بعض النقاد يصف السارد أو الراوي في بعض القصص والروايات الحديثة، بأنه يمثل الراوي أو السارد كلي العلم أو العليم، بينما هو، في الجوهر، سارد «مبأر»، لا علاقة له بالسارد العليم.
ومن المعروف أن السرد العليم أو كلي العلم omniscient narration هو أقدم أنواع السرد التقليدي، وأكثرها انتشاراً أو توظيفاً، وهو في الغالب سردٌ خارجي يقدمه المؤلف، أو ذاته الثانية، دونما شخصية قصصية أو روائية متموضعة داخل النص القصصي أو الروائي. ولهذا فإن هذا اللون من السرد هو سرد غير مبأر ويسميه الناقد الفرنسي جيرار جينيت بالسرد في درجة الصفر. ومن المعروف أن جينيت يقسم الرأي إلى ثلاثة أقسام: السرد العليم، والرؤية مع، الرؤية من الخارج، ويشير الناقد إلى أن التبئير الصفري يعادل ما يسميه النقد المكتوب بالإنجليزية، بالسرد العليم، كما يلتقي مع صيغة (جان بويون) الثلاثية «السرد من الخلف، ويقترب أيضاَ من صيغة تودوروف (السارد أكبر من الشخصية) أي أن ما يسرده السارد هو أكبر مما تعرفه الشخصية.
والسرد العليم، كما أشرنا هو أقدم أنماط السرد، وهو يقوم على وجود سارد خارجي يمنح نفسه سلطة معرفة كل شيء عن دخائل الشخصيات، وأفعالها، وينتقل بحرية بين الأزمنة والأمكنة والشخصيات، ولهذا يسمى أحياناً بالسرد الرباني. ويتفق معظم النقاد على أن سرد هوميروس في «الإلياذة» هو من النماذج الكلاسيكية الأولى للسرد العليم، حيث يتحدث سارد هوميروس العليم في آنٍ واحد عما يجري في أماكن متباعدة، وشخصيات متنوعة، ويمتلك القدرة على التنبؤ بأحداث المستقبل. ومثل هذا السرد يتمثل في الكثير من قصص الأطفال التي تستهل عادة بعبارة «كان ما كان في قديم الزمان».
كما يرى أغلب النقاد أن همنغواي يوظف السارد العليم في قصته القصيرة «تلال مثل فيلة بيضاء» لضمان المزيد من الرؤية الموضوعية والمحايدة التي يتسم بها سرده الذي ينتمي إلى ما يسمى بـ«الواقعية الموضوعية». كما أن رواية «قصة مدينتين» لتشارلز ديكنز أنموذج آخر على السرد العليم، إذْ يبدأ الروائي سرده: «كان أفضل الأزمنة، كان أسوأ الأزمنة. كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة».
وتستهل الروائية جين أوستن رواية «الكبرياء والهوى» برؤية السارد العليم، حيث تكشف عن العالم الداخلية لبطلة الرواية «إليزابيث» فضلاً عن بقية الشخصيات الروائية الأخرى.
ومن المؤسف أن يخلط بعض النقاد والدارسين بين توظيف ضمير الشخص الثالث الغائب غير المبأر المنتمي لرؤية «السارد العليم» في السرد الكلاسيكي التقليدي مع توظيف ضمير الشخص الثالث المبأر الشائع في السرد الحداثي وما بعد الحداثي. وإذا ما كان السرد العليم بتوظيف ضمير الغائب (هو) يقدم دونما وسيط أو وكيل ينوب عن المؤلف، متموضع داخل البنية السردية، فإن السرد المبأر عبر ضمير الشخص الثالث يتحقق عبر وسيط أو وكيل للمؤلف يكون عادة شخصية متموضعة داخل البنية السردية بوصفه شخصية مشاركة أو مراقبة. ومثل هذا السرد نجده في الروايات التي تعتمد على المونولوج الداخلي أو تيار الوعي، حيث يغوص الروائي داخل أعماق الشخصية الروائية ويستبطن عالمها الداخلي، فتكون انثيالات الكلام واسترجاعاته صور الماضي جزءاً من المنظور الداخلي للشخصية الروائية، وبذا يكون السرد مبأراً وليس في درجة الصفر.
ففي قصة «تلال كالفيلة البيضاء» للروائي الأميركي آرنست همنغواي، يستهل المؤلف سرده هذا بتوظيف ضمير الغيبة، دونما سارد داخلي متموضع داخل النص، بوصفه مشاركاً أو مراقباً، مما يجعله ينتمي إلى المؤلف، وربما إلى ذاته الثانية أو السارد الضمني: «كانت التلال الواقعة على الجهة الأخرى من وادي (إيبرو) بيضاء، أما هذه الجهة، فلم يكن هناك ظل ولا أشجار. ويتضح هذا المنحى بشكل أكثر وضوحاً في رواية «الحرب والسلام» للروائي الروسي (ليو تولستوي):
«ذات صباح من شهر حزيران 1805. بعثت آنا بابلوفنا شير، وصيفة الإمبراطور فيودوروفنا، المحظية، أحد الخدم، الذي كان يلبس بزة رسمية، ذات لون أحمر، وبيده بطاقات دعوة إلى جميع معارفها».
وربما تتمثل صيغة السارد العليم بشكل رئيس في حكايات الأطفال وقصص الحيوان والقصص الفوكلوري، كما نجد ذلك في هذا السرد من «حكايات إيسوب» الإغريقية، وهو سرد لحكاية شائعة بعنوان «في الاتحاد قوة»: «كان في عائلة أولاد يتخاصمون دائماً فيما بينهم، وأخفقت جميع مساعي الأب في وضع حد لمنازعاتهم بالموعظة الحسنة، فعزم العقد أن يريهم صورة واقعية لشرور الفرقة».
وعمد الكثير من الروائيين إلى توظيف السارد العليم في أعماله الروائية، ومنهم الروائي الإنجليزي (تشارلز ديكنز، والروائية الإنجليزية جين أوستن، التي استهلت روايتها المعروفة «الكبرياء والهوى» بهذا المطلع:
«الكل يعلم، وهذا صحيح لا بد أن رجلاً يمتلك ثروة جيدة، يحتاج إلى زوجة».
واستهل ديكنز روايته المعروفة «قصة مدينتين» بهذا الصوت السردي:
«كان أفضل الأزمنة، كان أسوأ الأزمنة، كان عصر الحكمة، كان عصر الحماقة».
وهناك تحديدات كثيرة لوظيفة السارد العليم منها التمييز الذي قدمه الناقد (بيرسي لبوك) بين أسلوبي العرض showing والحكي telling، إذ يتحقق في «العرض» حكي القصة نفسها بنفسها، بينما في (الحكي) فهناك في الأغلب ساردٌ عالم بكل شيء، وهو الذي ينهض بتقديم الحكاية، وهو قرين السارد العليم. كما يميز الناقد الفرنسي (جان بويون) بين ثلاثة أنواع من «وجهة النظر» view of point أو السرد:
الرؤية مع: وهنا تتساوى معرفة الشخصية بمعرفة الراوي.
الرؤية من الخارج: ويكون الراوي فيها أقل معرفة من الشخصية.
الرؤية من الخلف: ويكون فيها الراوي عليماً بكل شيء يحيط بالأحداث.
ومن الواضح أن النمط الثالث، وأعني به «الرؤية من الخلف» عند (بويون) يقابل السارد كلي العلم الذي نحن بصدد تحديد إشكالياته. والسارد العليم هنا مثل المؤلف المسرحي الذي يضع بعض «الإرشادات المسرحية» لتأطير العرض المسرحي، وهو أيضاً الذي يعرف كل أحداث القصة وشخصياتها، ما خفي منها، وما ظهر، وهو يتنقل بحرية بين الأزمنة والأمكنة، ويدخل عقول شخصياته ليكشف عن أسرارها وخباياها.
ومن المهم أن نشير هنا إلى اتجاهات الحداثة وما بعد الحداثة، قد وضعت السارد كلي العلم موضع المساءلة النقدية الصارمة، وشجعت على إقصائه، وإحلال السارد المبأر بدله، والذي يتحدث عبر وعي شخصية محددة. ولذا راحت الكثير من الأعمال القصصية والروائية تتجنب توظيف السارد كلي العلم وتميل إلى تقديم الأحداث عبر لا وعي أو عبر عيون الشخصيات المشاركة بالفعل السردي، أو حتى المراقبة، الهامشية، التي تستطيع أن تقدم «وجهة نظر» عما يدور من أحداث وما يتفجر من صراعات داخل الفعل القصصي أو الروائي.
وكنت شخصياً قد اعتمدت على مصطلح وظفه تودوروف في قراءتي لتجربة القاص والروائي فؤاد التكرلي هو مصطلح «أنا الراوي الغائب»، وذلك في دراسة خاصة نشرتها في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وأعدت نشرها في كتابي «مدارات نقدية» (1987)، أشرت فيها إلى كيفية توظيف «أنا الراوي الغائب» الذي يغلب في القصص ذات الطابع الموضوعي، حيث يختفي السارد وراء الأحداث، لكن اختفاء السارد لا يعني الغياب، لأن الراوي الأصيل، هو حاضر دائماً، حيث يمكن التعويض عن ضمير الغائب (هو) بضمير المتكلم (أنا) لتكوين (أنا الراوي الحاضر):
«أنا الراوي الغائب»: «أحس بانقباض شديد».
«أنا الراوي الحاضر»: «أحسست بانقباض شديد».
وقد أشرت آنذاك إلى تركيز فؤاد التكرلي على توظيف أنا الراوي الغائب، ويمكن لنا أن نلاحظ أن هذه التنويعة من تكنيك تيار الوعي، ونعني بها استخدام «أنا الراوي الغائب» قد حررت القاص من الالتزام بالسياق الزماني التقليدي، ومنحته حركة أكبر للتحرك في الزمان والمكان في آنٍ واحد. ولذا يمكن لنا أن نرى في تجربة التكرلي القصصية تجسيداً لأنساق الزمن الثلاثة: النسق الزمني الصاعد والنسق الزمني الهابط والنسق الزمني المتقطع.
ولذا فقد آن الاوان لتصحيح مثل هذا الخلط بين السارد العليم والسارد المبأر، لأن مثل هذا الخلط سوف يلحق الضرر بفهم البنية السردية، كما وجدنا ذلك على سبيل المثال في كتاب الناقد الأكاديمي د. سمير الخليل «الرواية سرداً ثقافياً»، الذي ذهب فيه إلى أن السرد في بعض الروايات التي تناولها بالتحليل ومنها «ملائكة الجنوب» للروائي (نجم والي) و«الطريق إلى منزل هانا» للروائي الراحل (سعد محمد رحيم) وغيرهما، هو سرد عليم، ويتم عبر سارد كلي العلم، بينما نجد أن هذا اللون من السرد هو سرد مبأر لأنه ينثال عبر وعي الشخصيات القصصية ذاتها، وهي في الأغلب شخصيات مشاركة ومتموضعة داخل النصوص الروائية والقصصية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».


حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)
الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)
TT

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)
الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية، في ظل عاصفة كبرى مصحوبة بتساقط كثيف للثلوج، بينما فرضت نيويورك قيوداً على التنقل.

وضربت العاصفة التي أُطلق عليها اسم «نورإيستر»، المنطقة ليلاً، متسببة في إلغاء عدد كبير من الرحلات الجوية، وحرمان مئات الآلاف من المنازل والشركات من التيار الكهربائي. كما أصدر رئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، قراراً بحظر حركة السير إلا للضرورات القصوى حتى ظهر يوم الاثنين، مع إغلاق المدارس.

شخص يشق طريقه بصعوبة عبر الثلوج الكثيفة في حي بروكلين بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

ورغم قسوة هذه العاصفة، فإنها تظل حدثاً عابراً مقارنة بمناطق أخرى على كوكب الأرض؛ حيث لا يُعدّ البرد ظاهرة موسمية مؤقتة؛ بل يعدّ واقعاً دائماً يشكّل نمط الحياة والبنية التحتية والاقتصاد. فمن هضبة أنتاركتيكا التي تصقلها الرياح العاتية، إلى التندرا الجرداء في شمال كندا، وصولاً إلى سهوب منغوليا الشاسعة، تعيش بعض البلدان تحت وطأة البرد القارس بوصفه خلفية ثابتة للحياة اليومية. في هذه الأماكن، تبقى متوسطات درجات الحرارة السنوية دون الصفر بكثير، وتُشيَّد البنية التحتية لتحمّل شهور طويلة من الصقيع، بينما تتكيّف أنماط الحياة مع الثلوج والجليد وإيقاع شتاء طويل لا يلين.

وعلى الرغم من غياب معيار ثابت وواضح لترتيب الدول الأكثر برودة، بسبب تغيّر المتوسطات المناخية من سنة إلى أخرى، فإن القائمة التقريبية لأبرد 10 مناطق في العالم تشمل:

1- القارة القطبية الجنوبية (متوسط ​​درجة الحرارة السنوية: -56.7 درجة مئوية)

تُعدّ القارة القطبية الجنوبية، أو أنتاركتيكا، أبرد قارة على وجه الأرض. ورغم أنها ليست دولة بالمعنى الفعلي، فإنها تضم محطات بحثية دائمة، وتمثل أقسى البيئات المناخية التي يعيش فيها البشر.

تشكل هضبتها الداخلية صحراء متجمدة؛ حيث سُجلت أدنى درجة حرارة على الإطلاق عند ناقص 89 درجة مئوية في محطة فوستوك. وحتى خلال فصل الصيف، نادراً ما تتجاوز درجات الحرارة في المناطق الداخلية ناقص 20 درجة مئوية. أما المناطق الساحلية، فرغم كونها أكثر اعتدالاً نسبياً، فإن ظروفها المناخية تبقى شديدة القسوة.

أنتاركتيكا هي أبرد قارة على وجه الأرض (رويترز)

2- روسيا (متوسط -5.1 درجة مئوية)

تُعدّ روسيا أبرد دولة في العالم. ويهيمن إقليم سيبيريا على مناخها؛ حيث تمتد الغابات شبه القطبية والتربة الصقيعية الدائمة عبر 11 منطقة زمنية.

وتضم جمهورية ساخا مدينة أويمياكون التي تُعدّ أبرد مستوطنة مأهولة على وجه الأرض، إذ وصلت درجات الحرارة الدنيا فيها إلى ناقص 71.2 درجة مئوية.

ويقع نحو ثلثي الأراضي الروسية ضمن المناطق شبه القطبية أو القطبية. وتتجمد أنهار كبرى مثل لينا وينيسي أشهراً طويلة، ويتكوّن الجليد في بحيرة بايكال بسماكات تصل إلى أمتار عدة. وحتى موسكو تشهد غطاءً ثلجياً يمتد من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى أبريل (نيسان)، بينما يُعدّ ساحل البحر الأسود المنطقة الوحيدة ذات المناخ المعتدل نسبياً.

نحو ثلثي الأراضي الروسية تقع ضمن المناطق شبه القطبية أو القطبية (رويترز)

3- كندا (متوسط – 5.3 درجة مئوية)

يقع نحو 40 في المائة من مساحة كندا داخل الدائرة القطبية الشمالية، وهي الحد الجنوبي للمنطقة القطبية. وتخضع المناطق الشمالية لتربة صقيعية دائمة وجليد بحري يستمر طوال العام، ما يجعل الشتاء السمة الغالبة على مناخ البلاد.

في مدن البراري الداخلية، يبلغ متوسط درجات الحرارة في يناير (كانون الثاني) ناقص 15 درجة مئوية، وقد تنخفض مع تأثير الرياح إلى ما دون ناقص 40 درجة مئوية. ويغطي الثلج المناطق غير الساحلية لفترة تتراوح بين 4 و6 أشهر سنوياً، بينما لا يذوب بالكامل في المناطق القطبية. أما المدن الجنوبية مثل تورونتو وفانكوفر فتتمتع بمناخ أكثر اعتدالاً، ولكنها لا تخلو من شتاءات قاسية.

علم كندا يظهر وسط ساحة مليئة بالثلوج (رويترز)

4- منغوليا (متوسط -0.7 درجة مئوية)

تقع منغوليا على هضبة مرتفعة بين سيبيريا وصحراء غوبي، بمتوسط ارتفاع يبلغ 1580 متراً فوق سطح البحر. ويتميّز مناخها القاري بتقلبات حادة؛ حيث يتبع الصيف الحار شتاء قارس تنخفض فيه درجات الحرارة إلى ما دون ناقص 30 درجة مئوية.

ويبلغ المتوسط السنوي لدرجة الحرارة في العاصمة أولان باتور ناقص 1.3 درجة مئوية، ما يجعلها أبرد عاصمة في العالم. وتتسبب عواصف الشتاء في نفوق الملايين من رؤوس الماشية، مهددة سبل عيش الرعاة الرحَّل، وقد بلغت شدتها حداً دفع الحكومة إلى وضع سياسات وطنية وبرامج إغاثة خاصة للتخفيف من آثارها.

أشخاص يقفون على الطريق وسط الثلوج في منغوليا (رويترز)

5- النرويج (متوسط 1.5 درجة مئوية)

تمتد النرويج من بحر الشمال إلى المحيط المتجمد الشمالي، وتصل شمالاً إلى خط عرض 81 درجة شمالاً عند سفالبارد. ويسهم تيار الخليج في تلطيف مناخ المناطق الساحلية، غير أن الوديان الداخلية وشمال فينمارك قد تشهد درجات حرارة تهبط إلى ما دون ناقص 40 درجة مئوية.

تغطي الأنهار الجليدية مساحات واسعة من البلاد، بينما تشكل التربة الصقيعية أساس معظم تضاريس المناطق القطبية. وتشهد أوسلو شتاءً ثلجياً، في حين تعاني ترومسو، الواقعة داخل الدائرة القطبية الشمالية، من شهور طويلة دون ضوء الشمس.

6- قيرغيزستان (متوسط 1.6 درجة مئوية)

تُعدّ قيرغيزستان من أكثر دول العالم جبلية؛ إذ يزيد ارتفاع أكثر من 80 في المائة من أراضيها على 1800 متر، ويتجاوز متوسط الارتفاع 2750 متراً. ويُفسر هذا الارتفاع طبيعة مناخها البارد.

وتسيطر سلسلتا جبال تيان شان وبامير على تضاريس البلاد؛ حيث تغذي أكثر من 6500 كتلة جليدية أنهار آسيا الوسطى. ويكون الشتاء قاسياً؛ إذ تنخفض درجات الحرارة في الأحواض الجبلية إلى ناقص 20 درجة مئوية.

قيرغيزستان تُعد من أكثر دول العالم جبلية (رويترز)

7- فنلندا (متوسط 1.7 درجة مئوية)

تقع فنلندا بين خطي عرض 60 و70 درجة شمالاً، ويستمر الشتاء فيها ما بين مائة ومائتي يوم سنوياً. وتقع منطقة لابلاند داخل الدائرة القطبية الشمالية؛ حيث قد تنخفض درجات الحرارة في يناير إلى ما دون ناقص 45 درجة مئوية.

تغيب الشمس لأسابيع خلال الشتاء، ثم تعود لتشرق طوال 24 ساعة في الصيف. ويكون مناخ هلسنكي الساحلي أكثر اعتدالاً بفضل بحر البلطيق، غير أن الثلوج تظل سمة أساسية للموسم. وتتجمد الغابات وأكثر من 180 ألف بحيرة أشهراً، ما يتيح مساحات واسعة لممارسة التزلج وركوب الزلاجات الثلجية.

8- آيسلندا (متوسط 1.8 درجة مئوية)

تقع آيسلندا مباشرة جنوب الدائرة القطبية الشمالية، ويتشكل مناخها بتأثير تيار الخليج والرياح القطبية. ويتميّز الشتاء بطوله وظلامه، رغم أن المناطق الساحلية -مثل ريكيافيك- تسجل متوسط درجات حرارة يقترب من الصفر المئوي.

أما المرتفعات الداخلية فتبقى متجمدة على مدار العام، على غرار التندرا. وتغطي الأنهار الجليدية نحو 11 في المائة من مساحة البلاد. وتعتمد معظم المنازل على الطاقة الحرارية الأرضية والنشاط البركاني لتوليد الكهرباء والتدفئة، ما يقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري، ويجعل آيسلندا من أنظف الدول وأكثرها أماناً في مجال الطاقة.

الأنهار الجليدية تغطي نحو 11 % من مساحة آيسلندا (رويترز)

9- طاجيكستان (متوسط 2 درجة مئوية)

يتأثر مناخ طاجيكستان بالارتفاع أكثر من تأثره بخط العرض؛ إذ يقع أكثر من 90 في المائة من أراضيها ضمن جبال بامير وآلاي، بمتوسط ارتفاع يتجاوز 3 آلاف متر.

وترتفع قمم مثل قمة إسماعيل سوموني إلى 7495 متراً. وتشهد القرى الواقعة على ارتفاع 4 آلاف متر شتاءً تنخفض فيه درجات الحرارة إلى ما دون ناقص 40 درجة مئوية، وحتى ليالي منتصف الصيف قد تكون باردة إلى حد التجمد. ويغطي نهر فيدتشينكو الجليدي الذي يبلغ طوله 76 كيلومتراً، مساحات واسعة من جبال بامير، ويُعدّ الأطول خارج المناطق القطبية.

10- السويد (متوسط 2.1 درجة مئوية)

يقع نحو 15 في المائة من مساحة السويد فوق الدائرة القطبية الشمالية. وتنخفض درجات الحرارة شتاءً في الشمال إلى ناقص 30 درجة مئوية.

أما العاصمة استوكهولم فتتمتع بمناخ أكثر اعتدالاً، غير أن البحيرات المتجمدة والشتاء الثلجي يظلان من السمات المعتادة. وتشهد مدينة كيرونا، أقصى مدن السويد شمالاً، فصول شتاء طويلة مظلمة، ودرجات حرارة شديدة الانخفاض.

كما تُعدّ ألاسكا، الولاية الواقعة في أقصى شمال الولايات المتحدة، من أبرد المناطق المأهولة في العالم؛ خصوصاً في مدنها الداخلية مثل فيربانكس؛ حيث تنخفض درجات الحرارة شتاءً إلى مستويات قاسية للغاية.

وكذلك تُعدّ غرينلاند من أبرد بقاع الأرض؛ إذ تغطي الصفائح الجليدية معظم مساحتها، ويغلب على مناخها الطابع القطبي طوال العام، مع شتاءات طويلة وشديدة البرودة.


سوسن بدر: دوري في «الست موناليزا» منحني فرصة تمثيلية نادرة

سوسن بدر (حسابها على فيسبوك)
سوسن بدر (حسابها على فيسبوك)
TT

سوسن بدر: دوري في «الست موناليزا» منحني فرصة تمثيلية نادرة

سوسن بدر (حسابها على فيسبوك)
سوسن بدر (حسابها على فيسبوك)

لا تبدو «سميحة» في مسلسل «الست موناليزا» شخصية يمكن النظر إليها من زاوية واحدة؛ فهي ليست الشريرة التقليدية التي تُدان منذ اللحظة الأولى، ولا المرأة الطيبة التي تستدر التعاطف بسهولة، بل شخصية تتحرك داخل منطقة رمادية شديدة الثراء، تضع المشاهد في حالة تردد دائم بين النفور والضحك، وبين الغضب والتفهّم، وبين الرغبة في محاسبتها والاعتراف بذكائها الفطري.

تقول الممثلة المصرية سوسن بدر في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن تعقيدات الشخصية هي أكثر ما جذبها إلى الدور، واصفة إياها بأنها «فرصة تمثيلية نادرة لا تتكرر كثيراً»، مشيرة إلى أن «سميحة» نموذج حي موجود في الطبقات الشعبية؛ فهي امرأة تمتلك ذكاءً فطرياً حاداً، حتى وإن كانت محدودة التعليم، أو شبه أمية. فذكاؤها ليس أكاديمياً، وليس قائماً على التحليل المنطقي المنهجي، بل هو ذكاء غريزي يلتقط الفرص بسرعة، ويعرف كيف يلتف على الواقع، ويعيد تشكيله بما يخدم مصالحها.

سوسن بدر تحمست لدورها في «الست موناليزا» (إم بي سي مصر)

وتضيف سوسن بدر أن «هذه الفطرة الحادة تتحوَّل، للأسف، إلى أداة في خدمة الشر، لكنها لا تُفقد الشخصية خفَّتها، ولا قدرتها على الإضحاك؛ فتضحكك وهي تمارس الخداع، وتجعلك تبتسم رغم إدراكك أنها ترتكب أخطاء أخلاقية جسيمة، وهو التناقض الذي يصنع جاذبيتها وخطورتها في آن واحد». وتوضح أن القاعدة التي تحكم حياة «سميحة» تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها مرعبة في نتائجها، إذ تقوم على مبدأ «الغاية تُبرر الوسيلة»، وعدم رؤية الكذب أو المراوغة أو التحايل خطيئة أخلاقية، بل أدوات ضرورية للبقاء، وتحقيق الطموح.

درامياً، ترى سوسن بدر أن «سميحة» شخصية خصبة للأداء؛ فلا تمر لحظة دون أن تمنح الممثلة فرصة للاشتغال على التفاصيل الدقيقة: النظرة، والإيماءة، والنبرة، والتحول السريع بين الخفة والدهاء، وبين البراءة المصطنعة والخبث الكامن. فهي لا تُؤدى بخطٍ مستقيم، بل تحتاج إلى حساسية عالية في الانتقال بين الحالات النفسية المختلفة، وهو ما يجعلها مغرية درامياً.

لقطة من كواليس «الست موناليزا» (حساب إنجي المقدم على فيسبوك)

ومنذ القراءة الأولى للسيناريو، شعرت سوسن بدر بطمأنينة نادرة؛ إذ إن وجود عدد كافٍ من الحلقات مكتوب مسبقاً منحها رؤية شبه مكتملة لمسار الشخصية، وتطورها، وأتاح لها مناقشة التفاصيل مع المؤلف، والمخرج. فلم تعد تقرأ الحلقات وهي تتساءل عما سيأتي لاحقاً، أو تخشى مفاجآت غير منطقية في البناء الدرامي، بل أصبحت شريكة في تشكيل المسار منذ وقت مبكر.

وتؤكد أن هذه المساحة الزمنية الكافية كانت عنصراً حاسماً في جودة التجربة؛ إذ سمحت بتعديل الشخصيات، وتطوير العلاقات، وتكثيف الدوافع بما يخدم البناء العام للعمل. فلم يكن الهدف الوصول إلى صيغة تُرضي طرفاً واحداً، بل صيغة متوازنة ترضي جميع المشاركين درامياً وفنياً، وتمنح الجمهور عملاً متماسكاً، وقادراً على التأثير.

تشير سوسن بدر إلى أن الكاتب محمد بشير استلهم شخصيات العمل من نماذج حقيقية احتكَّ بها، وهو ما منح النص درجة عالية من الصدق، والملمس الواقعي. فهذه الشخصيات ليست قادمة من عالم متخيَّل، أو نماذج كاريكاتيرية للشر، بل إنهم أشخاص يشبهون من نقابلهم في الشارع، والعمل، والعائلة؛ لديهم أحلام، وطموحات، لكن طرقهم في تحقيق هذه الأحلام قد تصطدم بالقيم الأخلاقية السائدة. ومن وجهة نظرهم، هم لا يرون أنفسهم أشراراً، بل أصحاب حق يسعون إليه بطريقتهم الخاصة، وهو ما يجعل الصراع أكثر تعقيداً، وأقرب إلى الواقع.

أما على مستوى الكواليس، فتصف سوسن بدر أجواء العمل بأنها استثنائية في انسجامها، وتعاونها، وتُعد نفسها محظوظة بالعمل مع فريق متكامل من ممثلين، وصنّاع يتشاركون الالتزام، والجدية، والروح الإيجابية. وترى أن تعاونها الأول مع مي عمر، رغم صداقتهما الممتدة، كان تجربة مبهجة؛ إذ وجدتها ممثلة شديدة التركيز، والاجتهاد، وقادرة على الجمع بين خفة الروح والانضباط المهني الصارم، وتراها نموذجاً للفنانة التي تعرف هدفها، وتسعى إليه بوسائل مشروعة قائمة على العمل، والاجتهاد، وهو ما ينعكس على جودة الأداء، وأجواء التصوير ككل.

سوسن بدر ترى أن «سميحة» نموذج حي موجود في الطبقات الشعبية (إم بي سي مصر)

تتوقف سوسن بدر طويلاً عند مسألة عدد الحلقات، معربة عن سعادتها بالعودة إلى صيغة الـ15 حلقة، التي تراها أقرب إلى روح الدراما الحقيقية. فمن وجهة نظرها يجب ألّا تُقاس الدراما بعدد الحلقات بقدر ما تُقاس بقدرتها على الاكتمال، والتكثيف، والصدق؛ لأن الإطالة غير المبررة تضعف الإيقاع، وتفقد العمل تركيزه، في حين تمنح الحلقات المحدودة مساحة أكبر للتركيز، والاقتصاد السردي، وتمنع الترهل، والتكرار.

ورغم اكتفائها بالمشاركة في «الست موناليزا» خلال رمضان الحالي، بما أتاح لها قضاء وقت أطول مع عائلتها خلال الشهر الكريم، فإنها تترقب عرض مسلسل «الفرنساوي» بعد رمضان، مع الكاتب والمخرج آدم عبد الغفار، وهو عمل درامي مكوّن من 10 حلقات. وتؤكد أن التجربة متميزة، ومختلفة، وكُتبت بشكل جيد للغاية، متوقعة أن تشكّل مفاجأة للجمهور.