طه حسين... رجل النهضة الأخير

طه حسين... رجل النهضة الأخير

حسام أحمد يقدم سيرة جديدة عنه بالإنجليزية صدرت عن جامعة ستانفورد
الثلاثاء - 16 شوال 1443 هـ - 17 مايو 2022 مـ رقم العدد [ 15876]

لا يزال اسم الكاتب والناقد والمفكّر طه حسين (1889 - 1973) حاضراً بقوة في مصر والعالم العربي وتحولت أعماله المنشورة مع مرور الوقت إلى كلاسيكيّات لا غنى عنها لكل باحث في قضايا الأدب العربي ومسائل الثقافة في القرن العشرين، لا سيّما كتابه الأشهر «في الشعر الجاهلي – 1926»، الذي أثار معارك فكريّة طاحنة، وما زال موضع جدال وأخذ ورد إلى اليوم. إلا أن حسام أحمد، الأستاذ المساعد في التاريخ بجامعة ماينوث (جمهوريّة آيرلندا) ومؤلف الكتاب الجديد الصادر بالإنجليزيّة عن مطبعة جامعة ستانفورد «النّهضاوي الأخير: طه حسين وبناء المؤسسات في مصر – 2022»*، يرى أن هذا التداول المستمر لاسمه يغّذي نوعاً من الشّعور المضلل والخادع بأننا نعرف الرجل أو فهمنا دوره البارز في المشهد الثقافي المصري فترة ما بين الحربيين العالميتين ولغاية ثورة يوليو (تموز) 1952 التي أطاحت الحكم الملكي هناك. كما أنّ مساهماته وسيرته وتأثيره في السياق الاجتماعي لمصر ما قبل جمال عبد الناصر لا تزال غير واضحة المعالم في الغرب عموماً، ربما باستثناء سيرة مباشرة كتبها بيير كاشيا، ونشرت عام 1956.
يحاول حسام أحمد في هذه السيرة الجديدة جسر ذلك الضباب وتلك الفجوة معاً عبر تقديم قراءة مغايرة لفكر الرجل واستكشاف مشروعه ليس من خلال استنطاق أعماله العديدة المنشورة، وإنما عبر تحليل معمّق لأدواره ما قبل يوليو 1952 في المؤسسات الثقافية المصرية التي قادها في النصف الأوّل من القرن العشرين – جامعة القاهرة، ومعهد اللغة العربية، ووزارة الثقافة -، والصيغ التي اعتمدها في تلك المؤسسات لوضع أفكاره موضع التنفيذ. ولذلك؛ فهي كأنّها سيرة اجتماعيّة لمصر خلال فترة تاريخيّة ثريّة بالتحولات والتحديات الحضاريّة يتراجع فيها الفردي والخاص لمصلحة المجموع والعام وتضع طه حسين الجدلي دائماً في قلب ما اعتبره المؤلّف لحظة ليبراليّة مثيرة عاشتها أكبر دولة عربيّة قبل انتقالها تالياً إلى مسار مختلف تماماً سياسياً واجتماعيّاً وثقافيّاً.
وجهة نظره، أن طه حسين لم يكن أحد محركات تغيير الأوضاع القائمة حينئذ فحسب، ولكنّه، وهذا الأهم، كان قادراً على طرح بدائل محددة ومحاولة تطبيقها على أرض الواقع في ظل ظروف ظلّت بشكل عام غير مواتية. وعلى ذلك، فإن استعادة طه حسين – وفق المؤّلف دائماً – تكاد تكون اليوم ملحّة، وذات صلة أكثر من أي وقت مضى في أعقاب التحولات التي عاشتها مصر منذ انتفاضة يناير (كانون الثاني) 2011، وأنّه يقدّم نموذجاً مُلهماً للتّعاطي مع العديد من الأسئلة المصيريّة التي ما زالت مطروحة، وربّما لم يُجب عنها حتى اللّحظة: كقضيّة التعامل مع الثقافة الغربيّة مع الاحتفاظ بمسافة من مضمونها الإمبرياليّ، والعلاقة بين التراث والحداثة، وموقع الدين والمرأة والتعليم في المجتمعات المعاصرة، ودور المثقّف في الإطار الكلي للسياسة وغيرها.
كان طه حسين بالفعل رجلاً استثنائيّاً بكل مقياس. فبعد أن فقد بصره في سن مبكرة، كرّس نفسه للمعرفة ودراسة الأدب. فدرس بداية في جامعة الأزهر الإسلامية بالقاهرة، ثم التحق بالجامعة المصريّة (سميت لاحقاً جامعة القاهرة) حين افتتحت عام 1908 وحصل على الدكتوراه منها عام 1914 على أطروحة عنونها بـ«ذكرى أبي العلاء»، ثم ابتُعث إلى فرنسا، حيث حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون بباريس بأطروحة عن «الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون». ولما عاد إلى بلاده عمل أستاذاً للتاريخ ثم أستاذاً للغة العربية ثم عُيّن عميداً لكلية الآداب بجامعة القاهرة، فمديراً لجامعة الإسكندريّة قبل أن يُنصّب وزيراً للمعارف. وطوال عقدي العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي كان طه حسين إلى نجاحه المهني نشيطاً فكريّاً أيضاً: ككاتب، أحدث ثورة في مجال كتابة المذكرات باللغة العربية من خلال ثلاثية سيرته الذاتية «الأيام – 1926»، وكمترجم، أنجز أول نسخ عربية للعديد من المآسي اليونانية الكلاسيكية، فضلاً عن نقله أعمالاً فكريّة حديثة لكتاب فرنسيين مثل أندريه جيد وجان بول سارتر، وكباحث، أنتج أعمالاً مرجعيّة عن بعض عظماء الأدب العربي الكلاسيكي، وكمفكّر، صاغ طروحات جدليّة بشأن تاريخيّة ما يسمى بالشعر الجاهلي «في الشعر الجاهلي – 1926»، وحول «مستقبل الثقافة في مصر – 1938».
قوة طه حسين الفكريّة ونفوذه المهني التي طالما أثارت الإعجاب، أثارت أيضاً استياء كثير من المثقفين الذين وجدوا له يداً طولى في كل ما يطرأ على المشهد الثقافي في مصر. لكن مؤلّف «النهضاوي الأخير» يريدنا أن نتجاوز عن تلك الجزئيّات وصراعات الأكاديميين المهنيّة المريرة، والنظر إلى طه حسين كتجسيد للحياة الفكرية فيما أسماه «العصر الليبرالي» في مصر، وهي فترة من الديمقراطية البرلمانية المضطربة بين استقلال البلاد الشكلي عام 1922 حتى ثورة الضباط الأحرار عام 1952 التي جلبت في نهاية المطاف الرئيس عبد الناصر إلى السلطة. لقد كانت تلك فترة محفوفة بالمخاطر والتقلبات على المستوى العالميّ، ولكنها كانت مصرياً أيضاً وقتاً ثريّاً سياسياً وثقافياً بشكل خاص، فكأنّه امتداد طبيعي لفترة إرهاصات ما سُمي «النهضة» العربيّة، التي ساءلت كثيراً من الافتراضات المتوارثة والقيم التقليدية، وطرحت مسائل مستجدة مثل الاشتراكية والنسوية والعلمانية للجدل العام.
كانت مساهمات طه حسين في بناء وإدارة المؤسسات الليبرالية في مصر - جامعة وطنية، وديمقراطية برلمانية، وتعليم مدرسي مجاني وشامل – ظاهرة وملموسة دون شك. لكن سعي المؤلف إلى تلميع تلك المرحلة وتعظيم دور طه حسين فيها يجب ألا يعني بالضرورة أن تلك المؤسسات كانت خالية من الاختلالات أو العيوب التي كان بعضها مزمناً وغير قابل للشفاء، لا سيّما في ظل النفوذ البريطاني الثقيل على الإرادة المصرية في تلك الفترة، وتفشي الفساد، والمحسوبيّات. ولا ينكر المؤلّف ذلك، ولعل وجهة نظره هنا تذهب إلى أنّ طه حسين – اتفقت معه أم لم تتفق - كان ملهماً حين امتلك دون غيره من المثقفين جرأة العمل الميداني في مواجهة الأسئلة المركزيّة المطروحة على الثقافة المصريّة حينئذ، وهو أمر يبدو أن لا مثيل له اليوم، في وقت تراجع فيه دور المثقّف المصري – والعربي عموماً – إلى مكانة الكومبارس وتنفيذ التوجيهات.
أنهت ثورة الضباط الأحرار في يوليو 1952 تلك اللحظة الليبرالية في تاريخ مصر وشتتت أركانها، وبالطبع كان سقوط طه حسين متوقعاً ومحتماً. وبالفعل صعدت بدلاً منه إلى واجهة العمل الثقافي فئة جديدة من المثقفين الذين اعتبروا وجهات نظره الليبرالية حول «الثقافة العالمية» مغرقة في السذاجة والرومانسيّة، ورأوا في تعلقه بالثقافة العالية نخبوية متكبرة لا تليق بعصر الجماهير والطروحات الاشتراكيّة التي شرع النظام الجديد باستكشافها.
ومع أن منهجيّة المؤلّف تبدو شديدة الاحتفاء بطه حُسين ومنجزه الفكري بصيغة تكاد تكون غير نقديّة، وأن متابعة بعض جوانب العرض الذي قدّمه تتطلب معرفة بالرجل وتاريخه لا تتوفر عادة للقراء غير المتخصصين سيما الغربيين منهم، إلا أن «النهضاوي الأخير» أول سيرة لطه حسين تؤخذ فيها مساهماته الفكرية وحياته المهنية العامة وعلاقاته المعقدة بالدولة المصريّة والمؤسسة الدينية – كما بالحكومة الفرنسيّة - معاً على قدم المساواة، ليساهم بذلك في تسجيل جانب من التأثير الثقافي لمصر الحديثة في العالمين العربي والإسلامي، والقبض على النسق الذي تشكلت عليه علاقة المؤسسات الثقافيّة بالدّولة المصريّة في عصر الحداثة.
* «The Last Nahdawi:
Taha Hussein and Institution Building in Egypt»
Hussam R. Ahmad
Stanford University Press 2021.


مصر أخبار مصر

اختيارات المحرر

فيديو