واقعية «أوبك» تصحح «أوهام» وكالة الطاقة الدولية

المنظمة الأبرز تعمِّق رؤيتها لـ«صدمة الطلب» في 2022

خفضت «أوبك» أمس (الخميس) توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2022 لثاني شهر على التوالي (رويترز)
خفضت «أوبك» أمس (الخميس) توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2022 لثاني شهر على التوالي (رويترز)
TT

واقعية «أوبك» تصحح «أوهام» وكالة الطاقة الدولية

خفضت «أوبك» أمس (الخميس) توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2022 لثاني شهر على التوالي (رويترز)
خفضت «أوبك» أمس (الخميس) توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2022 لثاني شهر على التوالي (رويترز)

بين مسار واقعي وذي حيثيات ومصداقيات تتخذه منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، وآخَر خاص بوكالة الطاقة الدولية أكثر اعتماداً على بيانات أقل موثوقية ويتهمه البعض بالانحياز، أصدرت المؤسستان أمس، تقارير حول رؤية المقبل، لتحافظ الأولى على توقعاتها المتحفظة لكنها أقرب -وفقاً لما هو ثابت تاريخياً- إلى الواقعية، فيما كان من اللافت أن تعدل الثانية من موقفها الذي أثار دهشة وهجوم كثير من المراقبين قبل عدة أسابيع.
وخفضت «أوبك» يوم الخميس، توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2022 لثاني شهر على التوالي، مشيرةً إلى أثر الغزو الروسي لأوكرانيا وزيادة التضخم وانتشار السلالة «أوميكرون» من فيروس «كورونا» في الصين.
وفي تقريرها الشهري قالت المنظمة إن الطلب العالمي على النفط سيزيد بمقدار 3.36 مليون برميل يومياً في 2022 بانخفاض 310 آلاف برميل نفط يومياً عن توقعاتها السابقة.
ودفعت الحرب الأوكرانية أسعار النفط للارتفاع متجاوزة مستوى 139 دولاراً للبرميل لفترة وجيزة في مارس (آذار)، وهو أعلى مستوى منذ 2008، مما زاد من الضغوط التضخمية.
وأشارت «أوبك» إلى توقعات بأن الصين، التي تفرض إجراءات إغلاق صارمة لاحتواء «كوفيد - 19» تواجه أكبر صدمة للطلب منذ 2020 عندما انخفض بشدة استهلاك النفط.
وقالت «أوبك» في التقرير: «من المتوقع أن يتأثر الطلب في 2022 بالتطورات الجيوسياسية الجارية في شرق أوروبا بالإضافة إلى قيود احتواء جائحة (كوفيد – 19)»... لكنّ «أوبك» ما زالت تتوقع أن يتجاوز الاستهلاك العالمي مستوى مائة مليون برميل يومياً في الربع الثالث، وأن يتجاوز المتوسط السنوي في 2022 المستويات السابقة على الجائحة.
وأشارت «أوبك» كذلك إلى تزايد التضخم واستمرار سياسات التشديد النقدي وخفضت من توقعها للنمو الاقتصادي هذا العام إلى 3.5% من 3.9%، وأضافت أن احتمالات عكس تلك المسارات محدودة. وقالت: «قد يأتي ذلك نتيجة حل للوضع الروسي - الأوكراني، حزم تحفير مالية إذا أمكن وتراجعت الجائحة بالتزامن مع ارتفاع قوي في أنشطة قطاع الخدمات».
وأضاف سعر النفط لانخفاض سابق بعد صدور التقرير، وجرى تداوله بمستوى يقل أكثر عن 106 دولارات للبرميل.
الإنتاج الروسي
وتتراجع «أوبك» وحلفاؤها، بما يشمل روسيا والمعروف باسم تكتل «أوبك بلس»، عن خفض قياسي في الإنتاج أقره التكتل خلال ذروة الجائحة في 2020 ورفض ضغوطاً أوروبية لرفع الإنتاج بوتيرة أسرع.
وتجاهل تكتل «أوبك بلس» في أحدث اجتماع، الأزمة الأوكرانية والتزم بالخطة المتفق عليها سلفاً لرفع الإنتاج الشهري المستهدف بمقدار 432 ألف برميل في يونيو (حزيران). وأظهر التقرير أن إنتاج «أوبك» في أبريل (نيسان) ارتفع بمقدار 153 ألف برميل إلى 28.65 مليون برميل يومياً بما يقل عن الرفع المسموح لـ«أوبك» بموجب اتفاق «أوبك بلس» والذي يبلغ 254 ألف برميل يومياً.
وخفض التقرير توقعات نمو الإمدادات من الدول غير الأعضاء في «أوبك» في 2022 بمقدار 300 ألف برميل يومياً إلى 2.4 مليون برميل يومياً. كما قللت «أوبك» من توقعها للإنتاج الروسي بمقدار 360 ألف برميل يومياً لكنها تركت توقعها لنمو الإنتاج من الولايات المتحدة دون تغيير يُذكر.
وتتوقع «أوبك» ارتفاع الإمدادات الأميركية بمقدار 880 ألف برميل يومياً في 2022 دون تغيير عن توقع الشهر الماضي رغم أن المنظمة قالت إن هناك احتمالاً بمزيد من التوسع في وقت لاحق من هذا العام.
وكالة الطاقة «المتحولة»
من جانبها، قالت وكالة الطاقة الدولية، يوم الخميس، إن العالم لن يعاني من نقص النفط حتى مع انخفاض إنتاج روسيا بسبب العقوبات، وذلك في تحول عن توقعاتها السابقة «لصدمة إمدادات عالمية» محتملة في مارس... وبما يسير في ذات المسار الذي سبقت إليه «أوبك» في الشهور الماضية.
وبعد تحذيرها في 16 مارس من احتمال خسارة ثلاثة ملايين برميل يومياً من إنتاج النفط اعتباراً من أبريل، خفّضت وكالة الطاقة هذا الرقم للمرة الثانية، إذ أشارت إلى خسارة مليون برميل يومياً فقط.
وذكرت الوكالة، ومقرها باريس، أن زيادة الإنتاج في أماكن أخرى وتباطؤ نمو الطلب بسبب الإغلاق في الصين سيحد من حدوث عجز كبير في الأسواق. وأضافت الوكالة في تقريرها الشهري: «مع الوقت من المتوقع أن تؤدي الزيادة المطردة في أحجام الإنتاج من دول الشرق الأوسط الأعضاء في (أوبك بلس) والولايات المتحدة، جنباً إلى جنب مع تباطؤ نمو الطلب، إلى تعويض أي نقص حاد في الإمدادات في ظل تفاقم تعطل الإمدادات الروسية».
ويشير التقييم الذي أجرته الوكالة إلى أن التأثير الاقتصادي للعقوبات الإضافية على الطاقة الروسية التي يبحثها الاتحاد الأوروبي قد يكون محدوداً. وقالت الوكالة: «من المتوقع أن يؤدي ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو الاقتصادي إلى كبح تعافي الطلب بشكل كبير خلال الفترة المتبقية من العام وحتى عام 2023»، مضيفة أن القيود التي تهدف إلى احتواء «كوفيد - 19» في الصين ستؤدي إلى تباطؤ اقتصادي لفترة طويلة هناك.
ومما يعكس تباطؤ صادرات المنتجات وتراجع الطلب المحلي توقف إنتاج نحو مليون برميل يومياً من النفط الروسي الشهر الماضي وهو ما يقل بنحو نصف مليون برميل يومياً عمّا توقعته الوكالة الشهر الماضي.
وتتوقع وكالة الطاقة أن يرتفع هذا الرقم إلى 1.6 مليون برميل يومياً في مايو (أيار)، وإلى مليوني برميل يومياً في يونيو، وإلى ما يقرب من ثلاثة ملايين في يوليو (تموز) فصاعداً.
وتعهدت الولايات المتحدة وأعضاء آخرون في وكالة الطاقة الدولية بسحب 240 مليون برميل من النفط في ثاني عملية سحب من مخزونات الطوارئ هذا العام بعدما لم تشارك الوكالة في عملية سحب بقيادة واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) لأنها لم تكن ترى أي اضطراب كبير في الإمدادات في ذلك الوقت.
وذكرت وكالة الطاقة أن الصادرات الروسية زادت في أبريل 620 ألف برميل يومياً مقارنةً بالشهر السابق لتصل إلى 8.1 مليون برميل يومياً، وعادت إلى معدلها في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) مع إعادة توجيه الإمدادات بعيداً عن الولايات المتحدة وأوروبا وبشكل أساسي إلى الهند.
وأضافت أنه في الوقت الذي يعمل فيه الاتحاد الأوروبي على حظر النفط الروسي كان التكتلُ السوقَ الرئيسية لصادرات النفط الروسية الشهر الماضي بانخفاض 535 ألف برميل يومياً فقط عن بداية العام. ويمثل التكتل الآن 43% من صادرات النفط الروسية بانخفاض عن نحو 50% في بداية العام.


مقالات ذات صلة

أربيل ترفض تصدير النفط لبغداد دون «اتفاق مشروط»

خاص بلغ إجمالي صادرات العراق من النفط من إقليم كردستان 200 ألف برميل يومياً في فبراير (إكس)

أربيل ترفض تصدير النفط لبغداد دون «اتفاق مشروط»

استبعد مسؤولان كرديان سماح كردستان لبغداد بتصدير النفط عبر أنابيب الإقليم وصولاً إلى ميناء جيهان التركي «دون شروط».

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد من المتوقع وصول شحنتين من الغاز الطبيعي المُسال إلى الهند قريباً (إكس)

الهند تؤمّن إمدادات النفط والغاز من مصادر بديلة

قالت سوجاتا شارما، المسؤولة بوزارة النفط الهندية، الأربعاء، إن الهند تؤمِّن إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المُسال من مصادر بديلة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

نيران الحرب تطارد السندات العالمية... والأسواق تسعر «رفع الفائدة» بدلاً من خفضها

شهدت أسواق السندات العالمية ضغوط بيع متجددة، الأربعاء، نتيجة ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب الأميركية الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك - لندن)
الاقتصاد خزانات النفط والغاز في مستودع نفط بميناء تشوهاي الصيني (رويترز)

مصافٍ وشركات بتروكيماويات آسيوية تخفض الإنتاج وتعلن «القوة القاهرة»

قلص عدد متصاعد من مصافي النفط وشركات البتروكيماويات، ومعظمها في آسيا، عمليات الإنتاج، أو أغلقت الوحدات، أو أعلنت «حالة القوة القاهرة»؛ بسبب حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفن حفر تركية في عرض البحر (إكس)

تركيا: لا توجد لدينا مشكلات في إمدادات الغاز الطبيعي أو الوقود

قال وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، الأربعاء، إن بلاده ليست لديها مشكلات في إمدادات الغاز الطبيعي أو الوقود ولا تتوقع حدوث أي مشكلات في الوقت الحالي.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

الصين تحذر شركاتها من برنامج «أوبن كلو» للذكاء الاصطناعي

ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)
ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)
TT

الصين تحذر شركاتها من برنامج «أوبن كلو» للذكاء الاصطناعي

ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)
ضاحية الشركات التكنولوجية في مدينة شينزين الصينية (رويترز)

حذرت وكالات حكومية وشركات مملوكة للدولة في الصين موظفيها خلال الأيام الماضية من تثبيت برنامج «أوبن كلو» OpenClaw للذكاء الاصطناعي على أجهزة المكاتب لأسباب أمنية، وذلك وفقاً لمصدرين مطلعين على الأمر. و«أوبن كلو» هو برنامج مفتوح المصدر قادر على تنفيذ مجموعة واسعة من المهام بشكل مستقل، وبأقل قدر من التوجيه البشري، متجاوزاً بذلك قدرات البحث، والإجابة عن الاستفسارات التقليدية لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. وخلال الشهر الماضي، لاقى البرنامج رواجاً كبيراً بين مطوري التكنولوجيا الصينيين، وشركات الذكاء الاصطناعي الرائدة، بالإضافة إلى العديد من الحكومات المحلية في مراكز التكنولوجيا والتصنيع الصينية. وفي الوقت نفسه، أصدرت الجهات التنظيمية الحكومية المركزية ووسائل الإعلام الرسمية تحذيرات متكررة بشأن احتمالية قيام برنامج «أوبن كلو» بتسريب بيانات المستخدمين، أو حذفها، أو إساءة استخدامها عن غير قصد بمجرد تنزيله، ومنحه صلاحيات أمنية للعمل على الجهاز. وتشير هذه القيود إلى أن بكين، في الوقت الذي تأمل فيه في الترويج لخطة عمل «الذكاء الاصطناعي المتقدم» التي تهدف إلى خلق نمو قائم على الابتكار من خلال دمج التكنولوجيا في جميع قطاعات الاقتصاد، تتوجس أيضاً من مخاطر الأمن السيبراني، وأمن البيانات، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية. وقال أحد المصادر إن الجهات التنظيمية طلبت من موظفي الشركات المملوكة للدولة عدم استخدام برنامج «أوبن كلو»، بما في ذلك في بعض الحالات على الأجهزة الشخصية. وقال مصدر ثانٍ، من وكالة حكومية صينية، إن البرنامج لم يُحظر تماماً في مكان عملهم، ولكن تم تحذير الموظفين من المخاطر الأمنية، ونُصحوا بعدم تثبيته. وامتنع كلاهما عن ذكر اسميهما لعدم تخويلهما بالتحدث إلى وسائل الإعلام. ولا يزال من غير الواضح مدى انتشار الحظر، وما إذا كان سيؤثر على سياسات الحكومات المحلية، التي تقدم في بعض الحالات إعانات بملايين الدولارات للشركات التي تبتكر باستخدام «أوبن كلو». وقد صِيغت هذه السياسات جميعها على أنها تطبيق محلي لخطة عمل بكين الوطنية «الذكاء الاصطناعي المُعزز». وفي الأسبوع الماضي، نظم مركز أبحاث تابع للجنة الصحة ببلدية شنتشن، مركز التكنولوجيا الصيني، دورة تدريبية على «أوبن كلو» حضرها الآلاف، على أنه جزء من جهودها لتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي المُعزز في قطاع الرعاية الصحية. كما أنه من غير الواضح ما إذا كانت القيود الأخيرة تعني نهاية استخدام الحكومة الصينية لـ«أوبن كلو»، فقد ذكرت صحيفة «ساوثرن ديلي» الحكومية يوم الأحد أن منطقة فوتيان في شنتشن استخدمت البرنامج لإنشاء وكيل ذكاء اصطناعي مُصمم خصيصاً لعمل موظفي الخدمة المدنية. وقد طوّر «أوبن كلو» بيتر شتاينبرغر، وهو نمساوي، وتم تحميله على منصة «غيت هب» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وقد انضم شتاينبرغر إلى شركة «أوبن إيه آي» الشهر الماضي.


سوق الأسهم السعودية تغلق مرتفعة بسيولة 1.3 مليار دولار

مستثمران يراقبان تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمران يراقبان تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)
TT

سوق الأسهم السعودية تغلق مرتفعة بسيولة 1.3 مليار دولار

مستثمران يراقبان تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمران يراقبان تحركات الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية (تداول) جلسة الأربعاء مرتفعاً بنسبة 0.1 في المائة، إلى 10942 نقطة، بتداولات بلغت قيمتها نحو 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وارتفع سهم «أرامكو» الأثقل وزناً في المؤشر بنسبة 1 في المائة إلى 27.16 ريال، بالتزامن مع تذبذب أسعار النفط (خام برنت) بين 86 و93 دولاراً للبرميل.

وقفز سهم «صالح الراشد»، في أولى جلساته بنسبة 14 في المائة عند 51.5 ريال، مقارنة بسعر الاكتتاب البالغ 45 ريالاً.

وارتفع سهم «الأبحاث والإعلام» بنسبة 1 في المائة إلى 86 ريالاً.

وفي القطاع المصرفي، ارتفع سهما «الأول» و«الراجحي» بنسبة 1.36 و0.2 في المائة، إلى 35.8 و101 ريال على التوالي.

في المقابل، انخفض سهم «البنك الأهلي السعودي» بنسبة 0.79 في المائة إلى 40.4 ريال.

كما تراجع سهما «الحفر العربية» و«البحري» بنسبة 1 في المائة، إلى 84.85 و32 ريالاً على التوالي.


أزمة الشرق الأوسط تكشف عن هشاشة أمن الطاقة في اليابان

وقفة حداد بمناسبة في العاصمة اليابانية طوكيو في ذكرى زلزال مدمر أسفر عن تسونامي وكارثة نووية (أ.ب)
وقفة حداد بمناسبة في العاصمة اليابانية طوكيو في ذكرى زلزال مدمر أسفر عن تسونامي وكارثة نووية (أ.ب)
TT

أزمة الشرق الأوسط تكشف عن هشاشة أمن الطاقة في اليابان

وقفة حداد بمناسبة في العاصمة اليابانية طوكيو في ذكرى زلزال مدمر أسفر عن تسونامي وكارثة نووية (أ.ب)
وقفة حداد بمناسبة في العاصمة اليابانية طوكيو في ذكرى زلزال مدمر أسفر عن تسونامي وكارثة نووية (أ.ب)

تواجه اليابان اختباراً جديداً لأمنها الطاقي مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتعطل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، وهو شريان رئيسي لإمدادات الطاقة العالمية.

وفي الوقت الذي تظهر فيه البيانات تراجع مخزونات الغاز الطبيعي المسال لدى شركات المرافق اليابانية، يحذر خبراء الطاقة من أن الأزمة الحالية كشفت مجدداً عن مدى اعتماد البلاد على واردات الوقود الأحفوري، وما يحمله ذلك من مخاطر اقتصادية وجيوسياسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية انخفاض مخزونات الغاز الطبيعي المسال لدى شركات المرافق الكبرى بنسبة 3 في المائة خلال الأسبوع المنتهي في الثامن من مارس (آذار) الحالي، لتصل إلى نحو 2.12 مليون طن متري، مقارنة مع 2.19 مليون طن في الأسبوع السابق. ورغم أن هذه المستويات لا تزال متوافقة تقريباً مع الفترة نفسها من العام الماضي، فإنها تبرز حساسية سوق الطاقة اليابانية تجاه أي اضطرابات في الإمدادات العالمية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، حيث أدى الصراع الدائر إلى تعطّل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. وتعتمد اليابان على المنطقة لتأمين نحو 95 في المائة من وارداتها من النفط الخام، إضافة إلى نحو 11 في المائة من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، في حين يمر نحو 70 في المائة من النفط المستورد و6 في المائة من الغاز عبر المضيق.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن اليابان تمتلك حالياً مخزونات إجمالية من الغاز الطبيعي المسال تقل قليلاً عن أربعة ملايين طن، وهو ما يعادل تقريباً حجم الإمدادات التي يتم شحنها عبر مضيق هرمز لمدة عام كامل. وعلى الرغم من أن وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة لا ترى مخاطر فورية على استقرار إمدادات الكهرباء والغاز في الوقت الراهن، بسبب توقع انخفاض الطلب الموسمي خلال الأشهر المقبلة، فإن التطورات الجيوسياسية تبقى مصدر قلق دائم لصناع القرار في طوكيو.

وقد زادت الأزمة تعقيداً بعد إعلان قطر، أكبر مورد للغاز الطبيعي المسال لليابان في الشرق الأوسط، حالة «القوة القاهرة» على بعض شحناتها، وهو ما يسلط الضوء على مدى تعرض سلاسل الإمداد العالمية للاضطرابات في أوقات الأزمات.

في هذا السياق، يرى خبراء الطاقة أن الأزمة الحالية أعادت تسليط الضوء على نقطة الضعف الرئيسية في استراتيجية الطاقة اليابانية، والمتمثلة في الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري المستورد. وقال توماس كابيرغر، رئيس مجلس إدارة معهد الطاقة المتجددة في طوكيو، إن توقف تدفق واردات الوقود الأحفوري يمكن أن يؤدي بسرعة إلى تعطيل الاقتصاد. وأوضح أن محطات توليد الكهرباء تعتمد بدرجة كبيرة على هذه الواردات؛ ما يعني أن أي انقطاع كبير قد يؤثر مباشرة في إنتاج الطاقة والنقل والأنشطة الصناعية.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت يصادف الذكرى الخامسة عشرة لكارثة فوكوشيما دايتشي النووية، التي غيرت بشكل جذري نظرة اليابان إلى مسألة أمن الطاقة. فبعد الحادثة التي وقعت عام 2011، أوقفت اليابان معظم مفاعلاتها النووية؛ ما زاد من اعتمادها على واردات الوقود الأحفوري لتعويض النقص في إنتاج الكهرباء.

لكن كابيرغر يرى أن العودة إلى الاعتماد الواسع على الطاقة النووية لا تمثل حلاً كاملاً للمشكلة. فالمحطات الكبيرة، حسب رأيه، أصبحت عُرضة للاستهداف في زمن الأسلحة الحديثة والطائرات المسيّرة، مستشهداً بما حدث في أوكرانيا، حيث تعرضت منشآت طاقة كبيرة لهجمات خلال الحرب.

وبدلاً من ذلك، يدعو خبراء الطاقة إلى تسريع التحول نحو أنظمة الطاقة المتجددة اللامركزية، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الطاقة بالبطاريات. ويقول كابيرغر إن هذه الأنظمة توفر مرونة أكبر؛ إذ لا يمكن لضربة واحدة أو حادث واحد أن يعطل شبكة الطاقة الوطنية بالكامل.

كما يرى أن التحول العالمي في تقنيات الطاقة يمنح اليابان فرصة تاريخية لإعادة صياغة موقعها في خريطة الطاقة العالمية. ففي القرن العشرين كانت البلاد تُعدّ فقيرة الموارد بسبب اعتماد الاقتصاد العالمي على النفط والفحم والغاز واليورانيوم، لكن مع انخفاض تكاليف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتكنولوجيا البطاريات، يمكن لليابان أن تصبح دولة غنية بالموارد المتجددة.

وتكشف الأزمة الحالية عن أن أمن الطاقة الياباني لا يزال مرتبطاً بشكل وثيق بتقلبات الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط. وبينما تبدو الإمدادات مستقرة نسبياً في المدى القصير، فإن التطورات الأخيرة تعيد طرح سؤال استراتيجي قديم حول ضرورة تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، ليس فقط لأسباب بيئية، بل أيضاً لتعزيز الاستقلال الطاقي والمرونة الاقتصادية في مواجهة الأزمات العالمية.