السنيورة: فوز «حزب الله» بالأكثرية البرلمانية «يغيّر وجه لبنان»

قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحريري لم يدعُ لمقاطعة الانتخابات

فؤاد السنيورة (إ.ب.أ)
فؤاد السنيورة (إ.ب.أ)
TT

السنيورة: فوز «حزب الله» بالأكثرية البرلمانية «يغيّر وجه لبنان»

فؤاد السنيورة (إ.ب.أ)
فؤاد السنيورة (إ.ب.أ)

يخوض رئيس الحكومة اللبنانية السابق فؤاد السنيورة سباقا مع الوقت في مسعاه لحث المسلمين السنة على عدم «الانكفاء» عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي انطلقت أمس في دول الاغتراب، وتنتهي منتصف الشهر باقتراع اللبنانيين في الداخل، والتي يراها السنيورة «مفصلا أساسيا في مواجهة سعي حزب الله وحلفائه للسيطرة على لبنان».
ويلخص السنيورة في حديث مع «الشرق الأوسط» أسباب اتخاذه قرار دخول معترك الانتخابات، رغم قرار رئيس كتلة «المستقبل» سعد الحريري تعليق العمل السياسي، لقناعته أنه «لا يجوز ترك الساحة فارغة ليصار إلى ملئها من قبل طارئين وأصحاب مصالح شخصية» معتبرا أن هؤلاء «يخدمون بعض القوى التي تحاول أن تطبق على الدولة اللبنانية والمؤسسات الدستورية اللبنانية من خلال المجلس النيابي، والتأثير على عملية انتخاب رئيس جمهورية واستعمال الأكثرية إذا حصلوا عليها بالمجلس النيابي وما يمكن أن يحصلوا عليه من دعم آخرين في مجلس النواب بسبب التهويل والتهديد والتأثيرات لكي يساهموا في تعديل الدستور وتشريع سلاح (حزب الله)».
ويرى السنيورة أن المقاطعة عبثية، مستدلا إلى ذلك بتجربة المقاطعة المسيحية في العام 1992، والتي نجحت فيها إحدى المرشحات بـ47 صوتا فقط، كما يذكر بتجربة العراق بالنسبة للفريق السني الذي امتنع قسم منه عن المشاركة بالانتخابات، «فالانتخابات أجريت وحتى الآن ما زال هناك من يتأثر سلبا بتلك الانتخابات».
أما قراره عدم الترشح ولعب دور «صانع النواب»، فيبرره السنيورة بمنطق بسيط: «أنا حصلت على كل ما يمكن أن يحلم به أي ناشط بالعمل السياسي بلبنان، كنت وزيرا للمالية في 5 حكومات من تلك التي ألفها الرئيس الشهيد رفيق الحريري ثم بعد استشهاده أصبحت رئيسا للحكومة لأربع سنوات ونصف وبعد ذلك عملت أيضاً وترشحت للعمل النيابي وكنت رئيسا لكتلة «المستقبل» لمدة 8 سنوات. ويقول: «اتخذت قراراً أن لا أترشح وأردت أن أعطي نموذجا لإنسان يستطيع العمل بالشأن العام وليس بالضرورة أن يكون ساعيا لموقع أو منصب. أنا أشعر أني وضعت كل النجوم فلست ساعيا لزيادة عددها».
وهذه الوقائع تدفع السنيورة أيضاً للاستشهاد بها كسبب رئيسي لعدم «إدارة الظهر للناس». وقال: «بادرت للقيام بهذا العمل وتحملت عذاباته ومخاطره أيضاً، وعندما قمت بهذا العمل حصل ذلك بعد أن تشاورت مع عدد من أصحاب الرأي ورؤساء المؤسسات الاجتماعية في لبنان وجميعهم أشاروا إلى أنه لا يجوز أن تترك الساحة بهذا الشكل، هذا الأمر هو الذي دفعني لاتخاذ هذا الموقف ورأيت أصداء إيجابية من قبل المكون السني بلبنان ومن المكونات الوطنية أيضاً وتجاوبا عربيا، لأن العرب يريدون أن ينهض لبنان من كبوته وأن يقف إلى جانبهم إذا أراد اللبنانيون أن ينهضوا بوطنهم بالتالي هم حريصون على لبنان وعلى أن لا تتأزم الأمور أكثر مع ما يحمل من شرور على الوطن العربي».
ولهذا يشعر السنيورة أن «هذا العمل على مقدار مصاعبه والمشكلات التي يطرحها هو أقل بكثير من المصائب أو المشكلات التي يمكن أن تحصل بلبنان إذا جرت المقاطعة»، ومن هذا المنطلق، يدعو الجميع إلى «موقف جدي وصارم في الرغبة بالاقتراع وأنا أدعوهم للاقتراع والمشاركة بالعملية الانتخابية التي هي حق وواجب على كل واحد كما أدعوهم أن يختاروا صح، بمعنى أن يختاروا من يقوم فعليا بدعم الدولة اللبنانية واستعادة دورها وسلطتها وهيبتها، ولمنع أن يصار إلى القبض على الدولة اللبنانية لخدمة مصالح آخرين».
ولا يشارك السنيورة بعض أنصار الحريري تفسيرهم قراره تعليق العمل السياسي وعدم الترشح للانتخابات، بأنه قرار بالمقاطعة.
ويقول: «النص الذي اعتمده الرئيس الحريري بهذه الدعوة يقتصر فقط على عدم ترشحه وعدم رغبته أن يترشح أحد من تيار المستقبل ودعوته من يريد أن يترشح بألا يترشح باسم تيار المستقبل أو أن يقدم استقالته.
أما أنه دعا المسلمين أو اللبنانيين أن يقاطعوا الانتخابات فهذا ليس صحيحا. هناك أناس إما مداهنون أو يريدون «تبييض وجوههم»، وهذا أمر لا أريد أن يصار إلى تحميل مسؤوليته للرئيس سعد الحريري». ويقول: «أنا أعتقد أن المصلحة الوطنية للبنان أن يصار إلى الإقبال بكثافة على الاقتراع، وليس بالاستماع إلى وجهات نظر من أشخاص لا يقدرون التأثيرات السلبية التي قد تنجم عن هذه المقاطعة إذا جرت، لذلك يجب ألا نحمل الأمور أكثر مما تحتمل لكن هناك من يحب أن يكون ملكياً أكثر من الملك وهذا غير صحيح وغير مجدٍ». ويتابع: «لا يستطيع أحد أن يستنكف ويتخذ موقفا سلبيا ويبتعد ويعتقد أنه بهذه الطريقة يكون يخدم نفسه أو أن هذه المقاطعة هي الطريقة الوحيدة من أجل التعبير عن عدم الرضا عن قانون كان من المفروض أساسا أن لا يصار إلى إقراره»، ويستدرك: «أنا شخصيا كنت رافضاً لهذا القانون، كما كنت رافضاً لعملية انتخاب الجنرال عون رئيسا للجمهورية». ويشرح موقفه بأن «هذا القانون مخالف للدستور وخاطئ ويحد من حرية الناخب بأن يغير أسماء أو يعترض على شيء، كما يجبره على الالتزام بلائحة ويختار منها شخصاً يعطيه «الصوت التفضيلي»، وهذا برأي السنيورة «يخلق مشكلات إضافية لدى المرشحين لأن الخلاف يحصل بين المرشحين في اللائحة نفسها على الصوت التفضيلي وبدلا من أن يكونوا متعاونين يصار إلى تسليم كل منهم خنجرا يقتص به من زميله باللائحة». ويرى أنه بدلا من المقاطعة «كان من المفروض الاحتجاج على هذا القانون عند عرضه على مجلس النواب، الآن نبكي على الأطلال، بينما من الأفضل ألا نقوم بخطيئة أخرى وبأن نبادر بالتعبير عن رفض هذا القانون بانتخاب الذين هم ضد هذا القانون حتى نصل إلى تغيير، أما الطريقة التي يتم فيها التعبير عن بعض المواقف ففيها الكثير من الاستعجال وقلة البصيرة من قبل البعض».
ويشيد السنيورة بالبطريرك الماروني بشارة الراعي ومفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان «اللذين أخذا موقفا واضحا وصريحا بدعم المشاركة بالانتخابات للاقتراع الصحيح ومن أجل الوقوف ضد التدهور المستمر ومن أجل إنقاذ لبنان» فالإنقاذ لا يكون بالانكفاء ولا بالمواقف السلبية بل بالمواقف الإيجابية عبر انتخاب الناس الذين بإمكانهم أن يغيروا هذا القانون».
وعن لائحة «بيروت تواجه» التي يدعمها في بيروت، يقول السنيورة: «بها ميزتان أساسيتان، الأولى أنها «ليست لائحة رمادية، بل واضحة في مواقفها من الدعوة لاستعادة الدولة اللبنانية وإعادة الاعتبار للدستور، واتفاق الطائف واستكمال تطبيقه والدعوة للالتزام بقرارات الشرعيتين العربية والدولية واحترام استقلالية القضاء والحرص على الممارسة الحقيقية للنظام الديمقراطي البرلماني الذي جرى تخريبه من خلال هذه الممارسة المبنية على بدعة اسمها الديمقراطية التوافقية التي خربت آليات النظام الديمقراطي، والأمر الثاني على الشعب أن يعي أن هؤلاء الناس ذاهبون إلى مجلس النواب وليس بنزهة، بالتالي عليك أن ترسل أناسا مؤهلين للقيام بهذا الدور وليس فقط أن لهم شعبية قوية».
أما مرحلة ما بعد الانتخابات، فيجب أن يتم التركيز على «ضم الصفوف لمن يؤمنون باستعادة الدولة اللبنانية لدورها وقدرتها على أن تؤكد على المبادئ الأساسية التي قامت عليها هذه الانتخابات، أي أن تكون فعليا معبرة عن صوت الناس». ويشدد السنيورة على «الدعوة إلى تكوين ائتلاف بمجلس النواب من قبل المؤمنين بهذه المبادئ».
ويقول: «نحن نريد أن نسترجع إرادة لبنان الحرة وقرار الدولة اللبنانية الحر من يحاولون اختطافها، وأعني بذلك حزب الله ومجموعات أخرى، وأيضاً يكون موقف هذه المجموعة الحرص على لبنان واستقلاله ومنع التعدي عليه من قبل إسرائيل التي هي العدو الذي نواجهه وأيضاً من الخصوم الآخرين الذين يحاولون القبض على لبنان ومنعه من أن يمارس قراره الحر».
وينطلق السنيورة من هذا الاستحقاق للدعوة لوقف ما سماه «بدعة حكومات الوحدة الوطنية» مشيرا إلى أن مثل هذه الحكومات «تكون في ظروف معينة مثل الحروب أو المشكلات الخطرة، ليعودوا بعدها إلى الظروف العادية حيث هناك أكثرية تحكم وأقلية تعارض».
ويعارض السنيورة الدخول في «دهاليز الديمقراطية التوافقية»، فهذه البدعة لديها هدف واحد برأي السنيورة وهو «تمكين حزب الله من أن يكون من خلال أقلية لديه أن يتحكم بالأكثرية». ويقول: «نحن انتقلنا إلى أن تكون أقلية صغيرة تمارس سلطتها على الأكثرية وأصبحنا بوضع لا يستطيع فيه مجلس الوزراء أن يكون مكاناً للقرار بل مكانا للمساجلات، وشهدنا عمليات التعطيل على مدى سنوات»، ويخلص إلى «أننا منذ عام 2008 إلى اليوم أضعنا 60 في المائة من هذه السنوات دون الوصول إلى أي اتفاق وإذا وصلنا يكون ناتجا عن مقايضة»، وبالنتيجة، يخلص السنيورة إلى «أنهم خربوا النظام الديمقراطي البرلماني».
أما ما بعد الحكومة، فهناك هناك عدة قرارات يجب اتخاذها منها انتخاب رئيس جمهورية وجملة من المشاريع الإصلاحية التي يجب على لبنان أن يتخذها من أجل إنقاذه من الانهيار وهذا لا يحصل إلا من خلال مجموعة قادرة بمجلس النواب.
وعما يعنيه فوز تحالف «حزب الله» بالانتخابات؟ يسارع السنيورة إلى القول بأن هذا الفوز إن حصل «يغير وجه لبنان الديمقراطي الاقتصادي الحر الثقافي والانفتاح واحترام دور الدولة وقرارها الحر والدستور واستقلالية القضاء»، مشيرا إلى «كل مظاهر التخريب للنظام الديمقراطي التي نراها بأعيننا ومظاهر تخريب استقلالية القضاء ومظاهر تخريب التوازنات الداخلية والتوازنات بسياسة لبنان الخارجية وعلاقته مع الأشقاء العرب والعالم والدول الصديقة، كل معالم ما يسمى احترام القرارات الشرعية العربية والدولية كلها تنهار، ولن يعود بالإمكان إنقاذ لبنان إذا استمررنا بهذا الأسلوب».
ويحاول السنيورة أن يكون «واقعيا»، فهذه الانتخابات «تؤشر إلى بداية النضال الحقيقي وبالتالي يجب أن يكون نضالا سلميا ديمقراطيا واضحا، وبالتالي يتحمل الناس مسؤولية التغيير»، معتبرا أن شعار «كلن يعني كلن» ليس صحيحا بل طريقة من أجل تجريد الفعل وتجهيل الفاعل وهذا لا يحل مشكلة».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.