رندة كعدي لـ«الشرق الأوسط»: كسرت قفص الأم التقليدية على الشاشة

شكّل أداؤها في الحلقة 23 من «للموت 2» حديث البلد

رندة كعدي وأحمد الزين في «للموت 2»
رندة كعدي في «للموت 2»
رندة كعدي وأحمد الزين في «للموت 2» رندة كعدي في «للموت 2»
TT

رندة كعدي لـ«الشرق الأوسط»: كسرت قفص الأم التقليدية على الشاشة

رندة كعدي وأحمد الزين في «للموت 2»
رندة كعدي في «للموت 2»
رندة كعدي وأحمد الزين في «للموت 2» رندة كعدي في «للموت 2»

ما إن عرض أحد مشاهد الحلقة 23 من مسلسل من «للموت 2»، الذي تخلع خلاله الممثلة رندة كعدي رداء الأم التقليدية المعروفة به، حتى قامت الدنيا ولم تقعد. بلحظات قليلة شكل هذا المشهد حديث البلد، بعد أن تصدر الـ«ترندات» على وسائل التواصل الاجتماعي. ويعرض المسلسل الرمضاني عبر شاشة «إم تي في» المحلية، ومنصة «شاهد» الإلكترونية. ويأتي المشهد الذي نتحدث عنه في سياق قصة محبوكة بشكل جيد من كتابة نادين جابر وإخراج فيليب أسمر وإنتاج «إيغل فيلمز». وتظهر كعدي خلاله، التي تلعب دور «حنان» في العمل، وقد خرجت عن طورها بعد أخذها حبة هلوسة بالغلط، فتقدم استعراضاً فنياً غنياً بعناصره المكتملة رقصاً وأداءً وتعبيراً؛ ولأول مرة، يتابع المشاهد العربي، كعدي في مشهد مماثل، بعد أن عوّدتهم على تقمُّص شخصية الأم الطيبة والتقليدية. هنا خرجت عن المألوف، وأطلقت لنفسها العنان محلّقة في فضاء واسع، رسمت له خطوطه الأساسية ابنتها تمارا. فهذه الأخيرة هي مدربة التمثيل لوالدتها. ومنذ توليها هذه المهمة وهي تزوّدها بجرعات أداء إبداعية.
قدمت كعدي خلال المشهد، أداءً استثنائياً زاد من تألقها ممثلة محترفة، ففاجأت جمهورها كما فريق العمل وزملائها. وتعلق كعدي لـ«الشرق الأوسط»: «ما إن خرجت هذه الحلقة إلى النور، حتى انهالت عليّ الاتصالات الهاتفية من عدد كبير من زملائي، الذين أشكرهم لدعمهم لي ولتقديري. لهفتهم هذه شكّلت وساماً أعلّقه على صدري، لأنني سعدت وتشرفت برد فعلهم هذا».
وتروي كعدي الحيثيات التي رافقت هذا المشهد منذ قراءتها له على الورق إلى حين تنفيذه؛ «عندما قرأت النص، وعلمت أن حنان ستبتلع حبة هلوسة، رحت أقلب الصفحات بسرعة كي أقف على طبيعة أدائها. بعدها اتصلت بالكاتبة نادين وسألتها: شو عاملة بحنان؟ فردّت عليَّ مؤكدة أنه حان الوقت لكسر القيود، وتزويد المرأة بمساحة من الحرية، تُخرج فيها طاقتها المدفونة».
وتتابع كعدي: «في الحقيقة رأينا في هذا المشهد، حنان التي تحلم وهي مفتحة العينين، وتقدم أداءً مختلفاً بحيث حلقت في عالم لم تكن تملك القدرة من قبل على ولوجه. كسرت قيودها وغرفت في هذه اللحظات من أفكار كانت تراودها، فتربيتها والتقاليد التي تحيط بها كانت تمنعها عنها».
وتفتخر كعدي صاحبة الباع الطويل في عالم الدراما، بأنها قدمت، أكثر من مرة، شخصيات علقت في ذاكرة المشاهد، وأن ابنتها تمارا حاوي هي مدرّستها ومدربتها. «عندما قرأت تمارا النص، لمعت الفكرة مباشرة في رأسها. وقررت أن يطبع المشهد موسيقى غربية وليست عربية، كما هو مكتوب على الورق، ودربتني على هذا الأساس. فهي اختصاصية رقص، وصاحبة شهادات عالية في هذا المجال كما في الأداء التمثيلي».
تدعم تمارا والدتها بأجمل التطريزات لكل كاركتر تقوم به. وتضيف كعدي: «وضعت لكل شخصية هويتها الخاصة، وهو ما وسم شخصيات عدة، بينها تلك التي أديتها في (2020)، وفي (أدهم بيك)، وفي (مشيت) وغيرها، فأوصلتني إلى مكان أصل بالشخصيات إلى أماكن لم أبلغها من قبل».
عندما وصلت رندة كعدي إلى موقع التصوير قالت للمخرج فيليب أسمر: «أنا جاهزة للمشهد، فقد قمت بواجباتي تجاهه، لقد حفظته وتدربت عليه. وعلى أغنية (I am feeling good) المشهورة، قدمت له وصلة من المشهد».
تفاجأ فيليب من أداء رندة الخارج عن المألوف، ولشدة إعجابه بها، بلور بعض تفاصيله في عملية المونتاج، وتقول كعدي: «أبدع فيليب في المونتاج وأبرز رسائل كثيرة، فأكمل ما كان مكتوباً على الورق بأسلوبه الإبداعي. أعدت المشهد طبعاً أول مرة أمامه وأمام الممثل أحمد الزين. وهذا الأخير تفاجأ أيضاً، ووقف يراقبني بتأنٍّ، خصوصاً أنه تعاون معي كي نضيف على المشهد تقنية المسرح».
تؤكد كعدي أنه من الضروري أن يتجدد الممثل، بفضل دم شبابي يشرف على أدائه. «كما فيليب أسمر، كذلك ابنتي تمارا، فهما يتمتعان بقوة إبداع رائعة. صحيح نحن لدينا تجاربنا ومخزوننا المتراكم، ولكن يجب أن نبقى على تواصل مع كل جديد، تماماً كما في مهن الطب والهندسة والإعلام وغيرها».
المشهد الذي قدمته كعدي يصنف جريئاً فكيف تلقفته؟ «إنه يرتكز على كثير من الجرأة والتعبير بالعينين ولغة الجسد. وهذا هو التحرر الذي أتحدث عنه وتحتاج إليه كل امرأة، كأنها طائر الفينيق وتنتظر أن ينطلق من داخلها. كل امرأة تحتاج إلى هذه المساحة، فربة المنزل وكي تعد أطباقاً لذيذة تلزمها مساحة حرية لتبرز ثقتها بنفسها، الأمر يتطلب الشيء نفسه. حتى وهي تضحك أو تتحدث، فإن كل تعبير نابع عنها، هو بحاجة لأن تحلّق به عالياً. وهذه المساحة التمثيلية أعطاني إياها فيليب أسمر بشكل بارز، تماماً كما كاتبة العمل نادين جابر. فعند المرأة قضايا كثيرة، ومن خلال حنان كشفنا عن الكثير منها. فأنا لا أطمح إلى النجومية بل إلى أن أشكّل حبة الكرز التي تزيّن أشهى قالب حلوى».
وتؤكد كعدي أن شخصية حنان غنية جداً، وفيها إضافة إلى الحب والعاطفة، التربية والمبادئ السليمة والعمل الإنساني. «كل تلك الأمور اجتمعت في شخصية حنان منذ الجزء الأول في (للموت)، وبرزت أكثر في الثاني منه».
وترى كعدي أنه لولا شركات الإنتاج كـ«إيغل فيلمز» و«الصباح إخوان»، «لكنا لم نراوح مكاننا في الدراما اللبنانية، في هذا الوقت تحديداً. كل الاحترام والحب للشركتين وصاحبيها، فهما وضعا كل ثقتهما بنا نحن الممثلين اللبنانيين، خصوصاً في الأوضاع الصعبة التي يمر بها بلدنا. الدراما اليوم هي المتنفس الوحيد عندنا، وتسهم في تغيير المزاج الشعبي ككل».
تعرف كعدي قدراتها وإمكانياتها جيداً، ولكنها تقول دائماً إنه إذا لم يوجد من يسلط الضوء عليها، فمن يمكنه أن يراها؟ «لا أنكر تعبي وجهدي على نفسي، ولكني كنت اختنقت لو لم أوضع في المكان المناسب لإبرازهما».
وعن «للموت 2» تقول: «إنه عمل متقن آمنّا به جميعاً، وجاء الجزء الثاني منه ليزيده لمعاناً وإبهاراً ضمن نص رشيق وغير ممل، كما يحصل أحياناً في بعض المواسم الإضافية لدراما معينة. كما أشكر رب العالمين على هذه المساحة التي يُعرض فيها ضمن الشهر الكريم. فالناس كرماء لأنهم يتابعونه بشغف، والإنتاج كريم أيضاً لأنه يضع تحت تصرفنا كل ما يلزم لولادة عمل على المستوى المطلوب».
وتتابع: «(للموت 2) في رأيي، حمل الدراما الرمضانية على أكتافه هذه السنة، محلياً، في ظل عراقيل واجهها أصحاب شركات الإنتاج، بسبب الجائحة والأوضاع الاقتصادية المتردية في لبنان، زيدي عليها الطقس الرديء. أما بالنسبة لي فهذا المسلسل سمح لي بتحقيق واحد من أحلامي بعد أن كسرت قفص الـ(ماما) التقليدية من خلاله، ولوّنت مسيرتي كما أرغب. فالفن لم يكن يوماً عملاً فردياً بل نتيجة جهد جماعي وهو ما نلمسه في (للموت). وفي شخصية (حنان) استطعت تقديم الجديد مع الحفاظ على خطوط الشخصية الأصلية، التي بُنيت عليها منذ البداية، ولم أفقدها طيلة سياق القصة».
وترى كعدي أنها منذ زمن كبير كانت تطالب بإخراجها من هذا القفص الذي وُضعت فيه. «اليوم تأكدوا مما كنت أقوله وصدقوني بعد (للموت 2)، فهذا المسلسل هو الباب الواسع الذي سيكون فاتحة خير عليّ، فيطعّم مسيرتي بشخصيات جديدة. أفتخر بتجسيد دور الأم من دون شك بكل وجوهه، ولكنني أحتاج لهذا النوع من المساحات كي أُخرج ما في أعماقي من ممثلة».
وتنتقد كعدي إعطاء لقب «القدير» لممثل أو ممثلة لا يستأهلونه. «لا يمكن أن نطلق هذا اللقب على أي ممثل، أو عندما يخطر الأمر على بالنا. هناك ممثلون أساتذة يليق بهم هذا اللقب ككميل سلامة ونقولا دانييل. فهؤلاء هم (القديرون) الذين يجب أن يرافقهم هذا اللقب على الشاشات. إنهم أساتذة كبار وأكاديميون وأصحاب تجارب وخبرات عالية المستوى، ونحن تلامذتهم ليس أكثر».
وعن الدور الذي تتمنى أن تقدمه قريباً تقول كعدي: «أي دور لامرأة يمكنه أن يتحداني ويحمل رسائل معينة، أنا مستعدة لتجسيده».


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق أبطال «قسمة العدل» في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

مسلسلات مصرية جديدة للعرض قبل الماراثون الرمضاني

بينما ينشغل صناع الدراما التلفزيونية في تصوير المسلسلات المقرر عرضها خلال شهر رمضان المقبل، تحجز أعمال درامية فرصة العرض الأخيرة  قبل انطلاق رمضان.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق أطلقت غادة عبد الرازق مسلسل «شباب امرأة» في رمضان الماضي (الشركة المنتجة)

غادة عبد الرازق تنسحب من مسلسل «عاليا»... وتقاضي الشركة المنتجة

أعلنت الفنانة غادة عبد الرازق انسحابها من مسلسلها الرمضاني «عاليا» مع مقاضاة الشركة المنتجة، وطلب إيقاف التصاريح الخاصة بالعمل.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق من كواليس تصوير المسلسل (حساب صدقي صخر على «فيسبوك»)

«لا تُرد ولا تُستبدل»... دراما مصرية ترصد قضية التبرع بالأعضاء

يناقش المسلسل المصري «لا تُرد ولا تُستبدل» مشاكل اجتماعية عدة مرتبطة بمرض الفشل الكلوي وصعوبة العثور على متبرعين.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أقوى مسلسلات 2025... عودة الوهج إلى دراما المنصات بعد سنتَين من الرتابة

أقوى مسلسلات 2025... عودة الوهج إلى دراما المنصات بعد سنتَين من الرتابة

في 2025 استعادت منصات البثّ بعضاً من تألّقها، بفضل مسلسلات شكّلت مفاجأة للجمهور والنقّاد. اخترنا لكم 7 من بين الأفضل.

كريستين حبيب (بيروت)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».