أوكرانيا... حرب في شرقها وسياحة في غربها

في شيرنفستسي تزدحم الشوارع منذ الساعة الثامنة صباحا بالمارة والسيارات والحياة تسير بشكل طبيعي، لا بل يمكن القول ان غرب أوكرانيا يشهد موسما سياحيا مزدهرا عماده ابناء الطبقة الوسطى("الشرق الأوسط")
في شيرنفستسي تزدحم الشوارع منذ الساعة الثامنة صباحا بالمارة والسيارات والحياة تسير بشكل طبيعي، لا بل يمكن القول ان غرب أوكرانيا يشهد موسما سياحيا مزدهرا عماده ابناء الطبقة الوسطى("الشرق الأوسط")
TT

أوكرانيا... حرب في شرقها وسياحة في غربها

في شيرنفستسي تزدحم الشوارع منذ الساعة الثامنة صباحا بالمارة والسيارات والحياة تسير بشكل طبيعي، لا بل يمكن القول ان غرب أوكرانيا يشهد موسما سياحيا مزدهرا عماده ابناء الطبقة الوسطى("الشرق الأوسط")
في شيرنفستسي تزدحم الشوارع منذ الساعة الثامنة صباحا بالمارة والسيارات والحياة تسير بشكل طبيعي، لا بل يمكن القول ان غرب أوكرانيا يشهد موسما سياحيا مزدهرا عماده ابناء الطبقة الوسطى("الشرق الأوسط")

بينما تتمتع المناطق الغربية من أوكرانيا بموسم أقرب إلى الأجواء السياحية، تدهور الوضع في شرقي البلاد مع إعادة تجميع الجيش الروسي لقواته وتركيز هجماته في الشرق والجنوب. ومنذ ليل الخميس، تعرضت المدينة الثانية في البلاد خاركيف لعمليات قصف مركزة، قد تؤدي إلى محاصرتها المدينة بعد فشل الهجوم الرئيسي في الأسبوع الأول من الحرب.
لم يتوقف القصف صباح الجمعة أو السبت، بل تركز على خطوط إمداد الجيش الأوكراني ومراكز وجوده، أو تلك القريبة منه. ومع افتقاد المدفعية الروسية الدقة في إصابة أهدافها، تؤدي غالباً عمليات القصف إلى تدمير منشآت مدنية أو إصابة مجمعات سكنية، إلا أن القوات الروسية تستهدف في بعض الأحيان بتعمد أيضاً مرافق مدنية تشكل جزءاً من محاولتها ضرب الصمود البشري، كما حصل ليلاً في خاركيف، حيث قصف مصنع الخبز الرئيسي في المدينة للمرة الثانية خلال أقل من شهر.
يوم الجمعة، طلبت السلطات المحلية من السكان في المنطقة إخلاءها، والعائلات التي سبق أن قررت البقاء سابقاً غيّرت من موقفها وبدأت بالنزوح إلى الأماكن الأكثر أمناً، خاصة في غرب البلاد. ومع تجدد محاولات اقتحام عدد من الجبهات في لوغانسك، فإن المعلومات التي يوزعها الجانب الأوكراني تقول إن القوات الروسية فشلت حتى الآن في اختراق أي جبهة أو تسجيل أي نصر في مناطق لوغانسك.
ضرب محطة القطارات في كراماتورسك (شرقي البلاد، على مسافة ١٢٠ كيلومتراً غرب لوغانسك) ومقتل ٥٠ على الأقل في الضربة الصاروخية، يشير بالنسبة إلى السكان الذين أمكن التواصل معهم إلى نوايا الجيش الروسي بعزل المنطقة، وهو ما أثار موجة هلع وأدى إلى ازدياد عمليات النزوح من الشرق. السلطات المدنية في سومي (١٣٠ كيلومتراً شمال غرب خاركيف) أعلنت كل مناطقها محررة من القوات الروسية، بعد أن كانت محاصرة بشكل شبه كامل من هذه القوات منذ بداية المعارك، ومع هذا الإعلان بات بالإمكان القول إن الهجمات التي شنتها روسيا من أراضي بيلاروسيا ومن أراضيها باتجاه الأراضي الشمالية والشمالية الشرقية في أوكرانيا قد فشلت تماماً.
في وسط البلاد، لا تزال عمليات تنظيف المناطق التي انسحب منها الجيش الروسي تسير على قدم وساق، وفي كل يوم تعثر السلطات الأوكرانية على المزيد من الألغام التي خلفها الروس، تعلن حظر التجول في مناطق جديدة بهدف فتح طرقاتها وإزالة الذخائر التي لم تتفجر، داعية السكان إلى عدم العودة مؤقتاً.
هذه الصور القاتمة في شرق البلاد غير موجودة تماماً في مناطق في غرب البلاد، حيث الحياة تسير بشكل طبيعي، لا بل يمكن القول إن غرب أوكرانيا يشهد موسماً سياحياً مزدهراً عماده أبناء الطبقة الوسطى التي هجرت منازلها وأعمالها في الشرق والجنوب وبعض مناطق الشمال. في مدينة لفيف أو في مدينة شيرنفستسي تزدحم الشوارع منذ الساعة الثامنة صباحاً بالمارة والسيارات. أكثر من ١٤٠٠ شركة طلبت نقل تراخيصها ومراكزها من العاصمة وخاركيف ومناطق أخرى إلى غرب أوكرانيا، حيث بات البعض يتوقع أن الأعمال العسكرية الروسية ستتركز في المناطق الشرقية، ويذهب آخرون إلى التأكيد على أن تلك المناطق ستشهد احتلالاً روسياً طويلاً، على غرار ما جرى في مناطق القرم ودونيتسك، وأن مناطق الغرب ستبقى آمنة وصالحة للأعمال.
كل أنواع الأعمال تسير في غرب أوكرانيا، وكأن لا حرب تجري، قلة من الأماكن التي يمكن مشاهدة التلفاز فيها ينقل الأخبار، حالة من اللامبالاة تسري هنا بين أغلبية الموجودين بمن فيهم النازحون، التحصينات القليلة التي رفعت في الأيام الأولى للمعارك بقيت رغم ندرتها شاهدة على حرب تدور في البلاد، ومنع التجول يبدأ عند العاشرة ليلاً حتى السادسة صباحاً، دون أن يمنع حركة الحياة المعتادة بالنسبة للسكان. بينما في مناطق عدة من البلاد يبدأ الحظر عند السادسة مساء ويرفع عند السابعة صباحاً.
وتشير لوحات السيارات إلى نسبتها العالية الآتية من مناطق النزاع، وإلى مستوى معيشة هؤلاء السابقة على بداية الحرب. وبعد الظهر يمكن مشاهدة الازدحام في المناطق السياحية، حيث يتجول أبناء الطبقة الوسطى الأوكرانية بثيابهم الفاخرة ونظاراتهم الشمسية وبرفقة كلابهم وتعج بهم المقاهي والمطاعم وأماكن الترفيه المختلفة. بينما المحال التجارية التي تبيع الكماليات دائماً مشغولة بزبائن جدد لم تعهدهم في هذه المدن.
النمط السياحي لحياة هؤلاء يثير سخط هيلينا (٣٨ عاماً) التي تعمل متطوعة متجولة بين أشد مناطق النزاع سخونة، وتنقل المساعدات للمدنيين ووحدات الجيش الأوكراني. ويتركز عمل هيلينا على نوعية خاصة من المساعدات الطبية، خاصة تلك التي تستخدم مباشرة بعد الإصابة، وهي تقضي أغلب أوقاتها في الباصات متنقلة بين شيرنفستسي والمناطق القريبة من جبهات القتال.
في شيرنفستسي، تتحدث هيلينا عن انعدام مسؤولية البعض تجاه بلدهم، حيث أخذوا من البلاد كل شيء ولا يريدون تقديم أي شيء الآن. وتضيف أن هؤلاء المستمتعين بالهدوء في الغرب لم يغادروا البلاد كلياً لسببين: الأول أن السلطات تمنع خروج الذكور في زمن الحرب، والآخر أن الحياة هنا أرخص نسبياً من الدول الأوروبية المجاورة. وبالتالي سببوا ازدحاماً في هذه المناطق يعوق أحياناً حركة الإغاثة.
هذا الازدحام انعكس أيضاً على الأسعار، حيث تضاعفت إيجارات وأسعار الشقق السكنية والمكاتب التجارية، ونشطت عمليات الانتقال الكامل لكثير من العائلات، حيث يفضل مَن لا يزال يجد في البلد متسعاً للعمل أو لنقل مصالحه التجارية البقاء ولو بمفرده بعد إرسال عائلته إلى بلاد مجاورة.
بولندا هي الوجهة المفضلة طبعاً، ومنذ بداية الحرب، بينما تشكل باقي دول الاتحاد الأوروبي إغراء أيضاً للعديد من الشبان، وإن كانت مغادرة الذكور ما زالت غير قانونية بانتظار فك الحظر الرسمي، فإن عمليات تهريب كبيرة تجري على الحدود وتكافحها قوات حرس الحدود بشكل متواصل. التوجه نحو الاتحاد الأوروبي ليس من أجل لجوء مؤقت، بل الكثير من الشبان يتحدثون عن توفير مبالغ مالية بغية الدفع لمهربين محترفين لمغادرة الأراضي الأوكرانية والحصول على لجوء دائم وإقامات في دول الاتحاد الأوروبي، بعد أن فشلت أوكرانيا حتى الآن في الانضمام إلى هذا الاتحاد، وعلى اعتبار أن نوعية الحياة في الدول الأوروبية أعلى من بلادهم.
أندريا (٢٢ عاماً) يعمل سائقاً لسيارة تاكسي، حاول في البداية العمل في كييف مع صحافيين، ولكنه اكتشف أن معرفته المحدودة بالإنجليزية ومغامرات الصحافيين لا تسمح له بالعمل معهم، فاكتفى بالعمل ما بين كييف ولفيف، وهو يقول صراحة إنه يسعى لجمع بضعة آلاف من الدولارات الأميركية للخروج من أوكرانيا. ويبدي اعتقاده بأن بضعة آلاف من الدولارات يمكن أن تكون كافية لبدء حياته إذا ما أضيفت إلى المساعدات التي سيتلقاها بصفته لاجئاً.
يقول أندريا: «أنا متأكد من أن أوكرانيا ستكون بلداً عظيماً في المستقبل، ولكن ليس لدي وقت لأنتظر كل هذا الوقت».
ويتحدث آخرون عن ترحيل نسائهم وأطفالهم إلى الغرب والبقاء مؤقتاً في أوكرانيا إلى أن تسمح السلطات بسفرهم، معولين على عمليات لمّ الشمل للذهاب غرباً والحصول على جوازات سفر أوروبية في المرحلة اللاحقة. إيغور (٢٤ عاماً) واحد من هؤلاء، وهو أرسل عائلته إلى ألمانيا، وينتظر أول فرصة للحاق بهم وترك بلاده نهائياً.
يسعى إيغور لتصفية شركته التي أسسها منذ أعوام، وبيع موجوداتها في كييف قبل الانتقال إلى الغرب. مقابل هؤلاء يمكن ملاحظة ازدياد عدد المتطوعين في الجيش والحرس الإقليمي ومنظمات الإغاثة، والراغبين في التوجه نحو المناطق الأشد اشتعالاً للمساعدة في الأعمال الحربية.


مقالات ذات صلة

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

أوروبا رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز) p-circle

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

سُمِع دوي انفجارات، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية كييف، بعدما كانت السلطات حذّرت من خطر هجوم بصواريخ باليستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الـ4 للغزو الروسي

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها (حسابه عبر منصة إكس)

أوكرانيا تتهم المجر وسلوفاكيا بـ«الابتزاز» بسبب تهديدات بقطع الكهرباء

نددت وزارة الخارجية الأوكرانية بما وصفتها بأنها «تحذيرات وابتزاز» من جانب حكومتي ​المجر وسلوفاكيا، وذلك بعدما هدد البلدان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون (رويترز)

بوريس جونسون يدعو الحلفاء لإرسال قوات غير قتالية إلى أوكرانيا

قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون إنه يتعين على بريطانيا وحلفائها الأوروبيين نشر قوات غير قتالية فوراً في أوكرانيا

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرحِّباً بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا - 28 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب... سلوفاكيا والمجر تهددان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا إذا لم تستأنف كييف إمدادات النفط

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود أوكرانيون من كتيبة ألكاتراز خلال تدريب عسكري قبل إرسالهم إلى الجبهة في خاركيف (إ.ب.أ)

أوكرانيا تستهدف مصنعاً روسياً للصواريخ الباليستية بقذائف «فلامنغو»

قالت ​هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن الجيش استهدف خلال ‌الليل ‌مصنعاً ​لإنتاج الصواريخ ‌الباليستية بمنطقة ​أودمورتيا في جنوب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.